المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا - أيسر التفاسير للجزائري - جـ ١

[أبو بكر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ مميزات هذا التفسير

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة

- ‌ وضعت هذه الحاشية

- ‌1

- ‌(3) }

- ‌(5) }

- ‌(6) }

- ‌ البقرة

- ‌1

- ‌(6)

- ‌(11)

- ‌(17)

- ‌(21)

- ‌(23)

- ‌(25) }

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(30) }

- ‌(34) }

- ‌(35)

- ‌(40)

- ‌(44)

- ‌(47)

- ‌(49)

- ‌(54)

- ‌(58)

- ‌(60)

- ‌(62) }

- ‌(63)

- ‌(67)

- ‌(75)

- ‌(87)

- ‌(91)

- ‌(94)

- ‌(102)

- ‌(104)

- ‌(106)

- ‌(109)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(120)

- ‌(122)

- ‌(124) }

- ‌(125)

- ‌(130)

- ‌(135)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(158) }

- ‌(159)

- ‌(163)

- ‌(165)

- ‌(168)

- ‌(171) }

- ‌(177) }

- ‌(178)

- ‌(180)

- ‌(183)

- ‌(185) }

- ‌(187) }

- ‌(188) }

- ‌(189) }

- ‌(190)

- ‌(194)

- ‌(196) }

- ‌(200)

- ‌(204)

- ‌(208)

- ‌(211)

- ‌(214) }

- ‌(216) }

- ‌(217)

- ‌(219)

- ‌(221) }

- ‌(222)

- ‌(224)

- ‌(228) }

- ‌(229) }

- ‌(230) }

- ‌(232) }

- ‌(233) }

- ‌(234)

- ‌(240)

- ‌(243)

- ‌(246)

- ‌(248)

- ‌(249)

- ‌(253)

- ‌(259) }

- ‌(264) }

- ‌(265)

- ‌(267)

- ‌(270)

- ‌(278)

- ‌(282) }

- ‌(285)

- ‌1

- ‌7

- ‌(14) }

- ‌(18)

- ‌(21)

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(31)

- ‌(33)

- ‌(38)

- ‌(45)

- ‌(48)

- ‌(59)

- ‌(69)

- ‌(75)

- ‌(78) }

- ‌(79)

- ‌(81)

- ‌(84)

- ‌(86)

- ‌(90)

- ‌(92) }

- ‌(93)

- ‌(98)

- ‌(110)

- ‌(113

- ‌(116)

- ‌(121)

- ‌(124)

- ‌(128)

- ‌(133)

- ‌(146)

- ‌(149)

- ‌(152)

- ‌(154)

- ‌(156)

- ‌(159)

- ‌(161)

- ‌(165)

- ‌(169)

- ‌(172)

- ‌(176)

- ‌(179)

- ‌(185)

- ‌(187)

- ‌ النساء

- ‌ 1

- ‌(2)

- ‌5

- ‌(7)

- ‌(11) }

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(19)

- ‌(22)

- ‌(24)

- ‌(26)

- ‌(29)

- ‌(31) }

- ‌(32)

- ‌(40)

- ‌(43) }

- ‌(47) }

- ‌(49)

- ‌(56)

- ‌(58)

- ‌(64)

- ‌(71)

- ‌(74)

- ‌(77)

- ‌(80)

- ‌(84)

- ‌(92)

- ‌(94) }

- ‌(95)

- ‌(97)

- ‌(110)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(122) }

- ‌(127)

- ‌(131)

- ‌(135) :

- ‌(138)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(148)

- ‌(150)

- ‌(153)

- ‌(155

- ‌(160)

- ‌(167)

- ‌(171)

- ‌(174)

- ‌(176) }

- ‌1} :

- ‌(3) }

- ‌(4)

- ‌(8)

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(15)

- ‌(17)

- ‌(24)

- ‌(27)

- ‌(32) }

- ‌(33)

- ‌(35)

- ‌(38)

- ‌(41)

- ‌(48)

- ‌(54)

- ‌(57)

- ‌(61)

- ‌(64)

- ‌(67)

- ‌(70)

- ‌(73)

الفصل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ‌

(97)

إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) }

شرح الكلمات:

{تَوَفَّاهُمُ} : تفيض أرواحهم عند نهاية آجالهم.

{ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ1} : بتركهم الهجرة وقد وجبت عليهم.

{فِيمَ كُنْتُمْ} : في أي شيء كنتم من دينكم؟

{مَصِيراً} : مأوى ومسكناً.

{حِيلَةً} : قدرة على التحول.

{مُرَاغَماً} : مكاناً وداراً لهجرته يرغم ويذل به من كان يؤذيه في داره.

{وَسَعَةً} : في رزقه.

{وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ} : وجب أجره في هجرته على الله تعالى.

معنى الآيات:

لما كانت الهجرة من آثار الجهاد ناسب ذكر القاعدين عنها لضرورة ولغير ضرورة فذكر

1 ظلم النفس: أن يفعل العبد فعلاً يؤول إلى مضرته، فهو بذلك ظالم لنفسه، والمراد به هنا: ترك الهجرة إذ يترتب عليها ترك العبادة فتخبث النفس، وذلك ظلم لها.

ص: 529

تعالى في هذه الآيات الهجرة وأحكامها، فقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ1 الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} حيث تركوا الهجرة ومكثوا في دار الهون يضطهدهم العدو ويمنعهم من دينهم ويحول بينهم وبين عبادة ربهم. هؤلاء الظالمون لأنفسهم تقول لهم الملائكة عند قبض أرواحهم {فِيمَ كُنْتُمْ2} ؟ تسألهم هذا السؤال؛ لأن أرواحهم مدساة مظلمة لأنها لم تزك على الصالحات، فيقولون متعذرين:{كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} فلم نتمكن من تطهير أرواحنا بالإيمان وصالح الأعمال، فترد عليهم الملائكة قولهم:{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} وتعبدوا ربكم؟ ثم يعلن الله عن الحكم فيهم بقوله: {فَأُولَئِكَ} البعداء {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} وساءت جهنم مصيراً يصيرون إليه ومأوى ينزلون فيه. ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار كما استثناهم في القعود عن الجهاد في الآيات قبل هذه فقال عز من قائل: {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ3 مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} ، واستضعاف الرجال يكون بالعلل4، والنساء والولدان بالضعف الملازم لهم، هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة، أي: لا قدرة لهم على التحول والانتقال لضعفهم، {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} إلى دار الهجرة لعدم خبرتهم بالدروب والمسالك فطمعهم تعالى ورجاهم بقوله:{فَأُولَئِكَ} المذكورون {عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} فلا يؤاخذهم ويغفر لهم بعض ما قصروا فيه ويرجمهم لضعفهم وكان الله غفوراً رحيماً.

هذا ما دلت عليه الآيات الثلاث.

أما الآية الرابعة (100) فقد أخبر تعالى فيها أن من يهاجر في سبيله تعالى لا في سبيل دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها يجد بإذن الله تعالى في الأرض مذهباً يذهب إليه وداراً ينزل بها ورزقاً واسعاً يراغم به عدوه الذي اضطهده حتى هاجر من بلاده، فقال تعالى:{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} ثم أخبر تعالى أن من خرج مهاجراً

1 روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ..} الآية.

2 الاستفهام للتوبيخ والتقريع.

3 قال ابن عباس: "كنت أنا وأمي من عنى الله بهذه الآية". وأم ابن عباس هي: لبابة، وتكنى أم الفضل، وهي أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنهما.

4 وهي الزمانة، وتكون بالعرج والعمي والشلل ونحوها.

ص: 530

في سبيل الله، أي: لأجل عبادته ونصرة دينه ثم مات في طريق هجرته وإن لم يصل إلى دار الهجرة فقد وجب أجره على الله تعالى، وسيوفاه كاملاً غير منقوص، ويغفر الله تعالى له ما كان من تقصير سابق ويرحمه فيدخله جنته. إذ قال تعالى:{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ1 بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً} .

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

وجوب الهجرة2 عندما يحال بين المؤمن وعبادة ربه تعالى إذ لم يخلق إلا لها.

2-

ترك الهجرة كبيرة من كبائر الذنوب يستوجب صاحبها دخول النار.

3-

أصحاب الأعذار كما سقط عنهم واجب الجهاد يسقط عنهم واجب الهجرة.

4-

فضل الهجرة في سبيل الله تعالى.

5-

من مات في طريق هجرته أعطى أجر المهاجر كاملاً غير منقوص وهو الجنة.

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (01) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ

1 روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي تعالى عنهما: "أن ضمرة بن جندب خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيته} .

2 الهجرة: هي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وهي فريضة من فرائض الإسلام، وهي هجر متعددة، منها: الهجرة من بلاد البدعة، قال مالك:"لا يحل لمؤمن أن يقيم بأرض يسب فيها السلف الصالح"، ومنها: الخروج من أرض غلب عليها الحرام، إذ طلب الحلال فريضة، ومنها: أن يؤذى المسلم في دينه أو عرضه أو ماله، ومنها: الخوف من المرض ما لم يكن طاعوناً فإنه يحرم الفرار منه، ومنها: ألا يكون في بلده من يعرف أحكام الشريعة فيها جر لطلب ذلك.

ص: 531

كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) }

شرح الكلمات:

{ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} : أي: مسافرين مسافة قصر، وهي: أربعة برد، أي: ثمانية وأربعون ميلاً.

{أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} : بأن تصلوا الظهرين ركعتين ركعتين، والعشاء ركعتين لطولها.

{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} : هذا خرج مخرج الغالب، فليس الخوف بشرط في القصر وإنما الشرط السفر1.

{حِذْرَهُمْ} : الحيطة والأهبة لما عسى أن يحدث من العدو.

{أَسْلِحَتِكُمْ} : جمع سلاح ما يقاتل به من أنواع الأسلحة.

{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} : أي: لا تضييق عليكم ولا حرج في وضع الأسلحة للضرورة.

1 من أحكام صلاة السفر: أن المسافر لا يشرع في التقصير حتى يتجاوز مباني المدينة التي يسكنها، وأن المسافر إذا صلى وراء مقيم يتم معه، وأن المسافر إذا أم غيره قصر والمقيم يتم، وأنه يشرع له الجمع بين الظهرين، والعشاءين تقديماً أو تأخيراً.

ص: 532

{قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} : أديتموها وفرغتم منها.

{فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ} : أي: ذهب الخوف فحصلت الطمأنينة بالأمن.

{كِتَاباً مَوْقُوتاً} : فرضاً ذات وقت معين تؤدى فيه لا تتقدمه ولا تتأخر عنه.

{وَلا تَهِنُوا} : أي: لا تضعفوا.

{تَأْلَمُونَ} : تتألمون.

معنى الآيات:

بمناسبة الهجرة والسفر من لوازمها ذكر تعالى رخصة قصر الصلاة في السفر وذلك بتقصير الرباعية إلى ركعتين فقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} أي: سرتم فيها1 مسافرين {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: حرج وإثم في {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وبينت السنة أن المسافر يقصر ولو أمن فهذا القيد غالي فقط، وقال تعالى:{إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً} تذييل أريد به تقرير عداوة الكفار للمؤمنين، فلذا شرع لهم هذه الرخصة.

هذا ما دلت عليه الآية الأولى (101)، أما الآيتان بعدها فقد بينت صلاة الخوف وصورتها: أن ينقسم الجيش قسمين قسم يقف تجاه العدو وقسم يصلي مع القائد ركعة، ويقف الإمام مكانه فيتمون لأنفسهم ركعة، ويسلمون ويقفون تجاه العدو، ويأتي القسم الذي كان واقفاً تجاه العدو فيصلي بهم الإمام القائد ركعة ويسلم ويتمون لأنفسهم ركعة ويسلمون، وفي كلا الحالين هم آخذون أسلحتهم لا يضعونها على الأرض خشية أن يميل عليهم العدو وهم عزل فيكبدهم خسائر فادحة، هذا معنى قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ2 فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ

1 اختلف في المسافة التي تقصر فيها الصلاة والجمهور على أنها أربعة برد، واختلفوا في مسافة الميل الذي هو جزء البريد، فالذي رجحه علماء المالكية، هو أن الميل ألفا ذراعاً، وعليه فمسافة القصر ثمانية وأربعون ميلاً، أي: كيلو متر، وهذا قول وسط بين قول من قال لا يقصر في أقل من سبعين ميلاً، وبين من قال كل سفر تقصر فيه الصلاة طال أو قصر ولو كان ثلاثة أميال.

2 شذ أبو يوسف الحنفي فقال: "صلاة الخوف لا تصلى إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناظراً إلى قوله تعالى: {وإذا كُنتَ فيهم} ، وعليه ما لم يكن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تصلى صلاة الخوف. ورد هذا علماء السلف والخلف وقالوا: بمشروعية صلاة الخوف ما وجد خوف.

ص: 533

وَرَائِكُمْ} يريد الطائفة الواقعة تجاه العدو لتحميهم منه {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ1 أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} ، وقوله تعالى:{وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ2 فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} سبق هذا الكلام لبيان علة الصلاة طائفة بعد أخرى والأمر بالأخذ بالحذر وحمل الأسلحة في الصلاة، ومن هنا رخص تعالى لهم إن كانوا مرضى وبهم جراحات أو كان هناك مطر فيشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم فقال عز وجل:{وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ3} ، وقوله تعالى:{إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} تذييل لكلام محذوف ودل عليه السياق قد يكون تقديره فإن الكفار فجرة لا يؤمن جانبهم، ولذا أعد الله لهم عذاباً مهيناً، وإنما وضع الظاهر مكان المضمر إشارة إلى علة الشر والفساد التي هي الكفر.

وقوله تعالى في آية (103){فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا4 اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} فإنه تعالى يأمر المؤمنين بذكره في كل الأحيان لا سيما في وقت لقاء العدو لما في ذلك من القوة الروحية التي تقهر القوى المادية وتهزمها، فلا يكتفي المجاهدون بذكر الله في الصلاة فقط بل إذا قضوا الصلاة لا يتركون ذكر الله في كل حال وقوله تعالى:{فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} يريد إذا ذهب الخوف وحل الأمن واطمأنت النفوس أقيموا الصلاة بحدودها وشرائطها وأركانها تامة كاملة، لا تخفيف فيها كما كانت في حال الخوف إذ قد تصلي ركعة واحد، وقد تصلي إيماء وإشارة فقط وذلك إذا التحم المجاهدون بأعدائهم. وقوله:{إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} تعليل للأمر بإقام الصلاة فأخبر أن الصلاة مفروضة على المؤمنين وأنها موقوتة بأوقات لا تؤدى إلا فيها.

وقوله تعالى في آية (104){وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} أي: لا تضعفوا في طلب العدو

1 قد اختلفت الروايات في صلاة الخوف، واختلف لذلك العلماء، إذ صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف أربعاً وعشرين مرة. قال الإمام أحمد وهو إمام أهل الحديث: لا أعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث صحيح ثابت، وهو صحاح ثابتة، فعلى أي حديث صلى منها المصلي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله. وذهب مالك إلى حديث سهل بن أبي حثمة، وهو الذي ذكرته في التفسير فهو واضح سهل.

2 الأمتعة: جمع متاع؛ كالأثاث والعروض وماله علاقة بالسلاح في حالة الحرب.

3 في طلب الحذر التشريع للأمة بأن تأخذ بأسباب النصر ولا تهملها بحال، فإن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، فمن طلب النصر عليه بإعداد ما يمكنه من العدد والعتاد.

4 يرى جمهور المفسرين أن هذا الذكر المطلوب يكون بعد صلاة الخوف، كقوله تعالى:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً} تقوية للقلوب وتوسلاً لحصول النصر على العدو المرهوب.

ص: 534

لإنزال الهزيمة به. ولا تتعللوا في عدم طلبهم بأنكم تألمون لجراحتكم {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ} من النصر والمثوبة العظيمة {مَا لا يَرْجُونَ} فأنتم أحق بالصبر والجلد والمطالبة بقتالهم حتى النصر عليهم، وقوله تعالى:{وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} فيه تشجيع للمؤمنين على مواصلة الجهاد، لأن علمهم بأن الله تعالى عليم بأحوالهم والظروف الملابسة لهم وحكيم في شرعه بالأمر والنهي لهم يطمئنهم على حسن العافية لهم بالنصر على أعدائهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

مشروعية صلاة القصر، وهي رخصة1 أكدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وعمله فأصبحت سنة مؤكدة لا ينبغي تركها.

2-

مشروعية صلاة الخوف وبيان كيفيتها.

3-

تأكد صلاة الجماعة بحيث لا تترك حتى في ساعة الخوف والقتال.

4-

استحباب ذكر الله تعالى بعد الصلاة وعلى كل حال من قيام وقعود واضطجاع.

5-

ةتقرير فريضة الصلاة ووجوب أدائها في أوقاتها الموقوتة لها.

6-

حرمة الوهن والضعف إزاء حرب العدو والاستعانة على قتاله بذكر الله ورجائه.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ

1 كونها رخصه دل عليه قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، هذا وقد اختلف العلماء اختلافاً كبيراً هل القصر واجب أم سنة؟ فمن قال بالوجوب: استدل بحديث عائشة: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين"، ومن قال بالسنية وهم الجمهور ووهنوا حديثها لمخالفتها له. حيث كانت تتم في السفر وذهب بعضهم إلى أن المسافر مخير بين القصر والإتمام. والراجح أنها سنة مؤكدة وذلك لكون النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك القصر في أسفاره أبداً.

ص: 535

مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) }

شرح الكلمات:

{بِمَا أَرَاكَ اللهُ} : أي: بما علمكه بواسطة الوحي.

{خَصِيماً} : أي: مخاصماً بالغاً في الخصومة مبلغاً عظيماً.

{تُجَادِلْ} : تخاصم.

{يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} : يحاولون خيانة أنفسهم.

{يَسْتَخْفُونَ} : يطلبون إخفاء أنفسهم عن الناس.

{وَهُوَ مَعَهُمْ} : بعلمه تعالى وقدرته.

{يُبَيِّتُونَ} : يدبرون الأمر في خفاء ومكر وخديعة.

{وَكِيلاً} : الوكيل: من ينوب عن آخر في تحقيق غرض من الأغراض.

معنى الآيات:

روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق وإخوته1، وكان قد سرق درعاً من دار جارٍ له يقال له قتادة وودعها عند يهودي، يقال له: يزيد بن السمين، ولما اتهم طعمة وخاف هو وإخوته المعرة رموا بها اليهودي، وقالوا هو السارق، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفوا على براءة أخيهم فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بقطع يد اليهودي لشهادة بني أبيرق عليه وإذا بالآيات تنزل ببراءة اليهودي وإدانة طعمة، ولما افتضح طعمة وكان منافقاً أعلن عن ردته وهرب إلى مكة المكرمة ونقب جدار منزل ليسرق فسقط عليه الجدار فمات تحته كافراً.. وهذا تفسير لآيات قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} أي: القرآن، أيها الرسول {لِتَحْكُمَ بَيْنَ2

1 هم ثلاثة أنفار: بشر، وبشير، ومبشر. يقال لهم: بنو أبيرق.

2 يشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن حجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من نار".

ص: 536

النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ1 اللهُ} أي: بما أعلمك وعرفك به لا بمجرد رأي رآه غيرك من الخائنين وعاتبه ربه تعالى بقوله: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} أي: مجادلاً عنهم، فوصم تعالى بني أبيرق بالخيانة، لأنهم خانوا أنفسهم بدفعهم التهمة عنهم بأيمانهم الكاذبة. {وَاسْتَغْفِرِ2 اللهَ} من أجل ما هممت به من عقوبة اليهودي، {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} فيغفر لك ما هممت به ويرحمك {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} حيث اتهموا اليهودي كذباً وزوراً، {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} كطعمة بن أبيرق {يَسْتَخْفُونَ3 مِنَ النَّاسِ} حياء منهم، {وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ} ولا يستحيون منه، وهو تعالى معهم في الوقت الذي كانوا يدبرون كيف يخرجون من التهمة بإلصاقها باليهودي البريء، وعزموا أن يحلفوا على براءة أخيهم واتهام اليهودي هذا القول مما لا يرضاه الله تعالى.. وقوله عز وجل:{وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} فما قام به طعمة من سرقة الدرع ووضعها لدى اليهودي ثم اتهامهم اليهودي، وحلفهم على براءة أخيهم كل ذلك جرى تحت علم الله تعالى، والله به محيط، فسبحانه من إله عظيم. وقوله تعالى:{هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ} أي: يا هؤلاء {جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} هذا الخطاب موجه إلى الذين وقفوا إلى جنب بني أبيرق يدفعون عنهم التهمة فعاتبهم الله تعالى بقوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ} ، اليوم في هذه الحياة الدنيا لتدفعوا عنهم تهمة السرقة {فَمَنْ4 يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} يتولى الدفاع عنهم في يوم لا تملك فيه نفس لنفس شيئاً والأمر كله لله فتضمنت الآية تقريعاً شديداً لا يقف أحد بعد موقفاً مخزياً كهذا.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

2-

لا يجوز الوقوف إلى جنب الخونة الظالمين نصرة لهم

1 {بِمَا أَرَاك الله} معناه: على قوانين الشرع، إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي.

2 فيه إرشاد للأمة وتعليم لها، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقارف ذنباً، وكل ما في الأمر أنه هم على ظن منه، ودفع الله عنه ما هم به بنزول الآية، أو استغفاره لما هم به، هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.

3 أي: يستترون.

4 الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتقريع.

ص: 537