المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ - أيسر التفاسير للجزائري - جـ ١

[أبو بكر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ مميزات هذا التفسير

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة

- ‌ وضعت هذه الحاشية

- ‌1

- ‌(3) }

- ‌(5) }

- ‌(6) }

- ‌ البقرة

- ‌1

- ‌(6)

- ‌(11)

- ‌(17)

- ‌(21)

- ‌(23)

- ‌(25) }

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(30) }

- ‌(34) }

- ‌(35)

- ‌(40)

- ‌(44)

- ‌(47)

- ‌(49)

- ‌(54)

- ‌(58)

- ‌(60)

- ‌(62) }

- ‌(63)

- ‌(67)

- ‌(75)

- ‌(87)

- ‌(91)

- ‌(94)

- ‌(102)

- ‌(104)

- ‌(106)

- ‌(109)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(120)

- ‌(122)

- ‌(124) }

- ‌(125)

- ‌(130)

- ‌(135)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(158) }

- ‌(159)

- ‌(163)

- ‌(165)

- ‌(168)

- ‌(171) }

- ‌(177) }

- ‌(178)

- ‌(180)

- ‌(183)

- ‌(185) }

- ‌(187) }

- ‌(188) }

- ‌(189) }

- ‌(190)

- ‌(194)

- ‌(196) }

- ‌(200)

- ‌(204)

- ‌(208)

- ‌(211)

- ‌(214) }

- ‌(216) }

- ‌(217)

- ‌(219)

- ‌(221) }

- ‌(222)

- ‌(224)

- ‌(228) }

- ‌(229) }

- ‌(230) }

- ‌(232) }

- ‌(233) }

- ‌(234)

- ‌(240)

- ‌(243)

- ‌(246)

- ‌(248)

- ‌(249)

- ‌(253)

- ‌(259) }

- ‌(264) }

- ‌(265)

- ‌(267)

- ‌(270)

- ‌(278)

- ‌(282) }

- ‌(285)

- ‌1

- ‌7

- ‌(14) }

- ‌(18)

- ‌(21)

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(31)

- ‌(33)

- ‌(38)

- ‌(45)

- ‌(48)

- ‌(59)

- ‌(69)

- ‌(75)

- ‌(78) }

- ‌(79)

- ‌(81)

- ‌(84)

- ‌(86)

- ‌(90)

- ‌(92) }

- ‌(93)

- ‌(98)

- ‌(110)

- ‌(113

- ‌(116)

- ‌(121)

- ‌(124)

- ‌(128)

- ‌(133)

- ‌(146)

- ‌(149)

- ‌(152)

- ‌(154)

- ‌(156)

- ‌(159)

- ‌(161)

- ‌(165)

- ‌(169)

- ‌(172)

- ‌(176)

- ‌(179)

- ‌(185)

- ‌(187)

- ‌ النساء

- ‌ 1

- ‌(2)

- ‌5

- ‌(7)

- ‌(11) }

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(19)

- ‌(22)

- ‌(24)

- ‌(26)

- ‌(29)

- ‌(31) }

- ‌(32)

- ‌(40)

- ‌(43) }

- ‌(47) }

- ‌(49)

- ‌(56)

- ‌(58)

- ‌(64)

- ‌(71)

- ‌(74)

- ‌(77)

- ‌(80)

- ‌(84)

- ‌(92)

- ‌(94) }

- ‌(95)

- ‌(97)

- ‌(110)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(122) }

- ‌(127)

- ‌(131)

- ‌(135) :

- ‌(138)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(148)

- ‌(150)

- ‌(153)

- ‌(155

- ‌(160)

- ‌(167)

- ‌(171)

- ‌(174)

- ‌(176) }

- ‌1} :

- ‌(3) }

- ‌(4)

- ‌(8)

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(15)

- ‌(17)

- ‌(24)

- ‌(27)

- ‌(32) }

- ‌(33)

- ‌(35)

- ‌(38)

- ‌(41)

- ‌(48)

- ‌(54)

- ‌(57)

- ‌(61)

- ‌(64)

- ‌(67)

- ‌(70)

- ‌(73)

الفصل: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ

فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) }

شرح الكلمات:

{مِنْ نَفَقَةٍ} : يريد قليلة أو كثيرة من الجيد أو الرديء.

{مِنْ نَذْرٍ} : النذر1: التزام المؤمن بما لم يلزمه به الشارع، كأن يقول: لله عليّ أن أتصدق بألف؛ أو أصوم شهراً أو أصلى كذا ركعة يقول: إن حصل2 لي كذا من الخير أفعل كذا من الطاعات.

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} : أي تظهروها.

{فَنِعِمَّا هِيَ} : فنعم تلك الصدقة التي أظهرتموها لُيفتدى بكم بها.

{وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} : يكفر بمعنى: يسترها ولا يطالب بها، ومن للتبعيض إذ حقوق العباد لا تكفرها الصدقة.

معنى الآية الكريمة:

بعدما دعا تعالى عباده إلى الإنفاق في الآية السابقة أخبر تعالى أنه يعلم ما ينفقه عباده فإن كان المنفق جيداً صالحاً يعلمه ويجزي به وإن كان خبيثاً رديئاً يعلمه ويجزي به، وقال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ3} فما كان مبتغي به وجه الله ومن جيد المال فسوف يكفر به السيئات ويرفع به الدرجات، وما كان رديئاً ونذراً لغير الله تعالى فإن أهله ظالمون وسيغرمون أجر نفقاتهم ونذرهم لغير الله ولا يجدون من يثيبهم على شيء منها لأنهم ظالمون فيها حيث وضعوها في غير موضعها، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} هذا ما تضمنته الآية الأولى ‌

(270)

.

1 مما يجب علمه أنه شاع في العامة بين المسلمين النذر للأولياء والصالحين وهو محرم قطعاً إذ هو من شرك العبادة فبعضهم يقول يا سيدى فلان إن قضى الله حاجتي فعلت لك كذا، وآخر يقول: إن حصل لي كذا ذبحت لك أو جددت بناء قبتك أو أنرت ضريحك، فيجب أن ينهى عن هذا كله ويعلم من يفعله عن هذا كله ويعلم من يفعله أنه أشرك بعبادة ربه.

2 النذر المشروط مكروه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من مال البخيل". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. أم النذر المطلق فهو قربة من أفضل القرب، وفي التفسير بيان لكل من المطلق والمشروط فانظره.

3 في الآية إبجاز بليغ إذ التقدير: وما أنفقتم من نفقة فإن الله يعلهما، أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، فحذف من الأول لدلالة الأخير عليه تجنباً للتكرار المنافي لبلاغة الكلام.

ص: 263

أما الآية الثانية (271) فقد أعلم تعالى عباده المؤمنين أن ما ينفقونه لوجهه ومن طيب أموالهم علناً وجهراً هو مال رابح، ونفقة مقبولة يثاب عليها صاحبها، إلا أن ما يكون من تلك النفقات سراً ويوضع في أيدي الفقراء يكون خيراً لصاحبه لبعده من شائبة الرياء، ولإكرام الفقراء، وعدم تعريضهم لمذلة التصدق عليهم وإنه تعالى يكفر عن المنفقين سيئاتهم بصدقاتهم، وأخبر أنه عليم بأعمالهم فكان هذا تطميناً لهم على الحصول على أجور صدقاتهم، وسائر أعمالهم الصالحة.

هداية الآيتين:

من هداية الآيتين:

1-

الترغيب في الصدقات ولو قلت والتحذير من الرياء فيها وإخراجها من رديء الأموال.

2-

جواز إظهار الصدقة1 عن سلامتها من الرياء.

3-

فضل صدقة السر وعظم أجرها، وفي الحديث الصحيح:" ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" ذكر من السبعة الذين يظلهم الله بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ2 الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ

1 صدقة التطوع الإسرار بها أفضل، ففي الحديث:"صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل"، وفي الصحيح:"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". والصدقة الواجبة وهي الزكاة إعلانها من أفضل إسرارها. هذا ومرد القضية إلى حال المتصدق والمتصدق عليه فإن كان المتصدق بإعلانه يتبعه غيره ويكون كمن سن سنة حسنة فالإعلان أفضل وإن كان المتصدق عليه يخجل ويستحي من الصدقة عليه فالإسرار له أفضل من غيره.

2 من قال بوجوب صدقة الفطر: منع إعطائها لفقراء أهل الذمة، ومن قال بثنيتها دون وجوبها: قال يجوز، والصحيح إنها حق لفقراء المسلمين لانشغالهم بصلاة العيد وبالعبادة في رمضان، وأهل الذمة يعملون الليل والنهار.

ص: 264

لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ1 يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }

شرح الكلمات:

{هُدَاهُمْ} : هدايتهم إلى الإيمان وصالح الأعمال.

{مِنْ خَيْرٍ} : من مال.

{فَلأَنْفُسِكُمْ} : ثوابه العاجل بالبركة وحسن الذكر والأجل يوم القيامة عائد على أنفسكم.

{يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} : يرد أجره كاملاً لا ينقص منه شيء.

{أُحْصِرُوا} : حبسوا ومنعوا من التصرف لأنهم هاجروا من بلادهم.

{ضَرْباً فِي الأَرْضِ} : أي: سيراً فيها لطلب الرزق بالتجارة وغيرها لحصار العدو لهم.

{بِسِيمَاهُمْ} : علامات حاجتهم من رثاثة الثياب وصفرة الوجه.

{مِنَ التَّعَفُّفِ} : ترك سؤال الناس والكف عنه.

{إِلْحَافاً} 2: إلحاحاً وهو ملازمة السائل من يسأله حتى يعطيه.

معنى الآيات:

لما أمر تعالى بالصدقات ورغب فيها وسألها غير المؤمنين من الكفار واليهود فتحرج الرسول

1 قيل نزلت في علي، إذ كان له أربعة دراهم فأنفقها على ما ذكر في الآية، والآية عامة في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير وفي كل حالة تتطلب الإنفاق سواء بالليل أو بالنهار سراً أو علانية.

2 الإلحاح والإلحاف، والإحفاء مصادر ألح في السؤال، والحف وأحفى والإلحاف مشتق من اللحاف؛ لأنه يشتمل على الملتحق به، كذلك الإلحاف في السؤال؛ لأن المحلف يأتي أمام المسؤال ويأتي عن يمينه وعن شماله يسأله لا يفارقه حتى يعطيه أو يمنعه.

ص: 265

والمؤمنون من التصدق على الكافرين فأذهب الله تعالى عنهم هذا الحرج وأذن لهم بالتصدق على غير المؤمنين والمراد من الصدقة: صدقة التطوع لا الواجبة وهي الزكاة، فقال تعالى مخاطباً رسوله وأمته تابعة له:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لم يوكل إليك أمر هدايتهم لعجزك عن ذلك، وإنما الموكل إليك بيان الطريق لاغير، وقد فعلت فلا عليك أن لا يهتدوا، ولو شاء الله هدايتهم لهداهم، وما تنفقوا من مال تثابوا عليه، سواء كان على مؤمن أو كافر إذا أردتم به وجه الله وابتغاء مرضاته، وأكد تعالى هذا الوعد الكريم بقوله:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} والحال أنكم لا تظلمون بنقص ما أنفقتم ولو كان النقص قليلاً. كان هذا معنى الآية الأولى (272)، أما الآية الثانية وهي: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ

} فقد بين تعالى فيها أفضل جهة ينفق فيها المال ويتصدق به عليها، وهي فقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وأحصروا في المدينة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون ضرباً في الأرض للتجارة ولا للعمل، ووصفهم تعالى بصفات يعرفهم بها رسوله والمؤمنون ولولا تلك الصفات لحسبهم لعفتهم وشرف نفوسهم الجاهل بهم أغنياء غير محتاجين، فقال تعالى:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} لا يسألون1 مجرد2 سؤال فضلاً عن أن يلحوا ويلحفوا. ثم في نهاية الآية أعاد تعالى وعده الكريم بالمجازاة على ما ينفق في سبيله، فقال:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} ولازمه أن يثيبكم عليه أحسن ثواب فابشروا واطمأنوا.

وأما الآية الثالثة (274) في آخر آيات الدعوة إلى الإنفاق جاءت تحمل أعظم بشر للمنفقين في كل أحوالهم بالليل والنهار سراً وعلانية بأن أجر نفقاتهم مدخر لهم عند ربهم يتسلمونه يوم يلقونه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والبرزخ والآخرة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

جواز التصدق على الكافر المحتاج بصدقة التطوع لا الزكاة فإنها حق3 المؤمنين

1 متى تحل المسألة؟ قال أحمد: إذا لم يكن للمرء ما يغديه ويعشيه جاز له السؤال، وقال: لا يسأل الرجل لغيره، ولكن يقول لغيره تصدقوا لقوله صلى الله عليه وسلم:"اشفعوا تؤجروا".

2 أي لا يسألون بإلحاح ولا بدونه فهم لا يسألون غيرهم البتة.

3 شاهده قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن آخد الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم"، وشاهده في الصحيح:"خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم".

ص: 266

2-

ثواب الصدقة عائد على المتصدق عليه فلذا لا يضر إن كان كافرا.

3-

وجوب الإخلاص في الصدقة أي: يجب أن يراد بها وجه الله تعالى لا غير.

4-

تفاضل أجر الصدقة بحسب فضل وحاجة المتصدق عليه.

5-

فضيلة التعفف وهو ترك السؤال مع الاحتياج1، وذم الإلحاح في الطلب من غير الله تعالى أما الله عز وجل فإنه يحب الملحين في دعائه.

6-

لا جواز التصدق بالليل والنهار وفي السر والعلن إذ الكل يثيب الله تعالى فعليه ما دام قد أريد به وجهه لا وجه سواه.

بشرى الله تعالى للمؤمنين المنفقين بادخار أجرهم عنده تعالى ونفي الخوف والحزن عنهم مطلقاً.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) }

1 من أعطى شيئاً من غير طلب ولا تشوف جاز له أخذه لحديث الصحيح: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عمر مالاً فقال عمر أعطه أفقر إليه مني. فقال صلى الله عليه وسلم: "خذه وما جاءك من المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك".

ص: 267

شرح الكلمات:

{يَأْكُلُونَ الرِّبا1} : يأخذونه ويتصرفون فيه بالكل في بطونهم، وبغير الأكل، والربا هنا: ربا النسيئة وحقيقته أن يكون لك على المرء دين فإذا حل أجله ولم يقدر على تسديده تقول له: أخر وزد. فتؤخره أجلاً وتزيد في رأس المال قدراً معيناً، هذا هو ربا الجاهلية والعمل به اليوم في البنوك الربوية فيسلفون المرء مبلغاً إلى أجل ويزيدون قدراً آخر نحو العشر أو أكثر أو أقل، والربا حرام بالكتاب والسنة والإجماع وسواء كان ربا فضل2 أو ربا نسيئة.

{لا يَقُومُونَ} : من قبوهم يوم القيامة.

{يَتَخَبَّطُهُ3 الشَّيْطَانُ} : يضر به الشيطان ضرباً غير منتظم.

{مِنَ الْمَسِّ4} : المس: الجنون، يقال: بفلان مس من جنون.

{مَوْعِظَةٌ} : أمر أو نهي بترك الربا.

{فَلَهُ مَا سَلَفَ} : ليس عليه أن يرد الأموال التي سبقت توبته.

{يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا} : أي: يذهبه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى منه شيء؛ كمحاق القمر آخر الشهر.

{وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} : يبارك في المال الذي أخرجت منه، ويزيد فيه، ويضاعف أجرها أضعافاً كثيرة.

{كَفَّارٍ أَثِيمٍ} : الكفار: شديد الكفر، يكفر بكل حق وعدل وخير، أثيم: منغمس في الذنوب لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا ارتكبها.

1 لغة الزيادة وشاهده الحديث: "والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها" أي: الطعام وعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ يراد للأكل غالباً، وكل حرام قد يطلق عليه الربا تجوزاً.

2 ربا الفضل بيانه في حديث مسلم: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر والتمر بالملح بالملح مثل بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء". وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "فإذا اختلفت الأجناس فيبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد".

3 يقال: خطة وتخبطة كملكه وتملكه، وعبده وتعبده، والتخبط: الضرب في غير استواء، ومنهم قولهم: خبط عشواء.

4 أصل المس: اللمس باليد، ومن مسه الشيطان اختلط عقله وأصبح يصيح بسبب مس الشيطان له فيقال: فلان يصرع من الجن، أي: من مس الجن له، والشيطان من الجن، فالمرابي يقوم يوم القيامة من قبره كالمجنون الذي به مس الجن يصرع صرعه.

ص: 268

معنى الآيتين:

لما حث الله على الصدقات وواعد عليها بعظيم الأجر ومضا عف الثواب ذكر المرابين الذين يضاعفون مكاسبهم المالية بالربا وهم بذلك يسدون طرق البر، ويصدون عن سبيل المعروف فبدل أن ينموا أموالهم بالصدقات نموها بالربويات، فذكر تعالى حالهم عند القيام من قبورهم وهم يقومون، ويقعدون ويغفون1 ويُصرعون، حالهم من حال يصرع في الدنيا بمس الجنون، علامة يعرفون بها يوم القيامة كما يعرفون بانتفاخ بطونهم وكأنها خيمة مضروبة بين أيديهم. قال تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ، وذكر تعالى سبب هذه النقمة عليهم فقال:{ذَلِكَ} أي: أصابهم ذلك الخزي والعذاب بأنهم ردوا علينا حكمنا بتحريم الربا، وقالوا إنما البيع مثل الربا، إذ الربا الزيادة في نهاية الأجر، والبيع في أوله، ورد تعالى عليهم، فقال:{وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ2 وَحَرَّمَ الرِّبا} فما دام قد حرم الربا فلا معنى للاعتراض، ونسوا أن الزيادة في البيع هي في قيمة سلعة تغلو وترخص، وهي جارية على قانون الإذن في التجار، وأما الزيادة في آخر البيع فهي زيادة في الوقت فقط. ثم قال تعالى مبيناً لعباده سبيل النجاة محذراً من طريق الهلاك:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} وهي تحريمه تعالى للربا ونهيه عنه فانتهى عنه فله ما سلف قبل معرفته للتحريم، أو قبل توبته منه، وأمره بعد ذلك إلى الله إن شاء ثبته على التوبة فنجاه، وإن شاء خذله لسوء عمله، وفساد نيته فأهلكه وأرداه، وهذا معنى قوله تعالى:{اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} . أخبر تعالى أنه بعدله يمحق3 الربا، وبفضله يربي الصدقات، وأنه لا يحب كل كفار لشرع الله وحدوده، أثيم بغشيانه الذنوب وارتكابه المعاصي. كان هذا معنى الآية الأولى (275) ، أما الآية الثانية (276) فهي وعد رباني صادق وبشرى إلهية سارة لكل من آمن وعمل صالحاً وأقام الصلاة على الوجه الذي تقام به وآتي الزكاة بأن له أجره، وافٍ عند ربه يتسلمه يوم الحاجة إليه في عرصات القيامة وأنه لا يخاف مما يستقبله في الحياة الدنيا والآخرة ولا يحزن أيضاً في الدنيا ولا في الآخرة.

1 قال ابن عطية: وأما ألفاظ الآية فيحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه كما يقوم المسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته حتى يقال: قد جن هذا، ولكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود، إذا كان يقرأ: لا يقومون يوم القيامة مع –تظافر أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل.

2 في هذا دليل على أنه لا قياس مع، النص، فالمشركون قاسوا الربا على البيع فأبطل الله قياسهم؛ لأن الربا حرام فلا يقاس على البيع الحلال.

3 روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل " أي: إلى قلة ونقصان.

ص: 269