المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً - أيسر التفاسير للجزائري - جـ ١

[أبو بكر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ مميزات هذا التفسير

- ‌مقدمة الطبعة الثالثة

- ‌ وضعت هذه الحاشية

- ‌1

- ‌(3) }

- ‌(5) }

- ‌(6) }

- ‌ البقرة

- ‌1

- ‌(6)

- ‌(11)

- ‌(17)

- ‌(21)

- ‌(23)

- ‌(25) }

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(30) }

- ‌(34) }

- ‌(35)

- ‌(40)

- ‌(44)

- ‌(47)

- ‌(49)

- ‌(54)

- ‌(58)

- ‌(60)

- ‌(62) }

- ‌(63)

- ‌(67)

- ‌(75)

- ‌(87)

- ‌(91)

- ‌(94)

- ‌(102)

- ‌(104)

- ‌(106)

- ‌(109)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(120)

- ‌(122)

- ‌(124) }

- ‌(125)

- ‌(130)

- ‌(135)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(158) }

- ‌(159)

- ‌(163)

- ‌(165)

- ‌(168)

- ‌(171) }

- ‌(177) }

- ‌(178)

- ‌(180)

- ‌(183)

- ‌(185) }

- ‌(187) }

- ‌(188) }

- ‌(189) }

- ‌(190)

- ‌(194)

- ‌(196) }

- ‌(200)

- ‌(204)

- ‌(208)

- ‌(211)

- ‌(214) }

- ‌(216) }

- ‌(217)

- ‌(219)

- ‌(221) }

- ‌(222)

- ‌(224)

- ‌(228) }

- ‌(229) }

- ‌(230) }

- ‌(232) }

- ‌(233) }

- ‌(234)

- ‌(240)

- ‌(243)

- ‌(246)

- ‌(248)

- ‌(249)

- ‌(253)

- ‌(259) }

- ‌(264) }

- ‌(265)

- ‌(267)

- ‌(270)

- ‌(278)

- ‌(282) }

- ‌(285)

- ‌1

- ‌7

- ‌(14) }

- ‌(18)

- ‌(21)

- ‌(26)

- ‌(28)

- ‌(31)

- ‌(33)

- ‌(38)

- ‌(45)

- ‌(48)

- ‌(59)

- ‌(69)

- ‌(75)

- ‌(78) }

- ‌(79)

- ‌(81)

- ‌(84)

- ‌(86)

- ‌(90)

- ‌(92) }

- ‌(93)

- ‌(98)

- ‌(110)

- ‌(113

- ‌(116)

- ‌(121)

- ‌(124)

- ‌(128)

- ‌(133)

- ‌(146)

- ‌(149)

- ‌(152)

- ‌(154)

- ‌(156)

- ‌(159)

- ‌(161)

- ‌(165)

- ‌(169)

- ‌(172)

- ‌(176)

- ‌(179)

- ‌(185)

- ‌(187)

- ‌ النساء

- ‌ 1

- ‌(2)

- ‌5

- ‌(7)

- ‌(11) }

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(19)

- ‌(22)

- ‌(24)

- ‌(26)

- ‌(29)

- ‌(31) }

- ‌(32)

- ‌(40)

- ‌(43) }

- ‌(47) }

- ‌(49)

- ‌(56)

- ‌(58)

- ‌(64)

- ‌(71)

- ‌(74)

- ‌(77)

- ‌(80)

- ‌(84)

- ‌(92)

- ‌(94) }

- ‌(95)

- ‌(97)

- ‌(110)

- ‌(114)

- ‌(116)

- ‌(122) }

- ‌(127)

- ‌(131)

- ‌(135) :

- ‌(138)

- ‌(142)

- ‌(144)

- ‌(148)

- ‌(150)

- ‌(153)

- ‌(155

- ‌(160)

- ‌(167)

- ‌(171)

- ‌(174)

- ‌(176) }

- ‌1} :

- ‌(3) }

- ‌(4)

- ‌(8)

- ‌(12) }

- ‌(13)

- ‌(15)

- ‌(17)

- ‌(24)

- ‌(27)

- ‌(32) }

- ‌(33)

- ‌(35)

- ‌(38)

- ‌(41)

- ‌(48)

- ‌(54)

- ‌(57)

- ‌(61)

- ‌(64)

- ‌(67)

- ‌(70)

- ‌(73)

الفصل: وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً

وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‌

(41)

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) }

شرح الكلمات:

{لا يَحْزُنْكَ} : الحزن: ألم نفسي يسببه خوف فوات محبوب.

{يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} : بمعنى: يسرعون فيه إذ ما خرجوا منه كلما سنحت فرصة للكفر أظهروه.

{قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ} : هؤلاء هم المنافقون.

{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} : أي: اليهود.

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} : أي: كثيرو الاستماع للكذب.

{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} : يبدلون الكلام ويغيرونه ليوافق أهواءهم.

{إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا} : أي: أعطيتم.

{فِتْنَتَهُ} : أي: ضلالة لما سبق له من موجبات الضلال.

{أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} : من الكفر والنفاق.

{خِزْيٌ} : ذل.

ص: 631

{أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} : كثيروا الأكل للحرام؛ كالرشوة والربا.

{أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} : أي: لا تحكم بينهم.

{بِالْقِسْطِ} : أي: بالعدل.

{وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} : أي: صدقاً وحقاً وإن ادعوه نطقاً.

معنى الآيات:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ1 لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {عَذَابٌ عَظِيمٌ} في نهاية الآية نزل تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً مما كان يجده صلى الله عليه وسلم من ألم نفسي من جراء ما يسمع ويرى من المنافقين واليهود فناداه ربه تعالى بعنوان الرسالة التي كذب بها المنافقون واليهود معاً: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ} الحق، لينهاه عن الحزن الذي يضاعف ألمه:{لا يَحْزُنْكَ} حال الذين {يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} بتكذيبك فإنهم ما خرجوا من الكفر، بل هم فيه منغمسون، فإذا سمعت منهم قول الكفر لا تحفل به حتى لا يسبب لك حزناً في نفسك. {مِنَ الَّذِينَ2 قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} أي: لا يحزنك كذلك حال اليهود الذين يكذبون بنبؤتك ويجحدون رسالتك، {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} سماعون ليهود آخرين لم يأتوك؛ كيهود خيبر وفدك، أي: كثيروا السمع للكذب الذي يقوله أحبارهم لما فيه من الإساءة إليك سماعون لأهمل قوم آخرين ينقلون إليهم أخبارك كوسائط، وهم لم يأتوك، وهم يهود خيبر إذ أوعزوا إليهم أن يسألوا لهم النبي صلى الله عليه وسلم عن حد الزنى {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} ، أي: يغيرون حكم الله الذي تضمنه الكلام، يقولون لهم إن أفتاكم في الزانين المحصنين بالجلد والتحميم بالفحم، فاقبلوا ذلك وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك. هذا معنى تعالى في هذه الآية:{وكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} ، وقال تعالى لرسوله: {وَمَنْ يُرِدِ اللهُ

1 هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خاطبه ربه بعنوان الرسالة تشريفًا له وتعطيمًا وإشعارًا له بعدم داعي الحزن، إذ من كان في مقامه لا يحزن مهما كانت المصائب، والآية نزلت في حادثة زنا اليهوديين، إذ روى في الصحيحين، أن جابرًا قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة، أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه. فسألوه. فدعا ابن صوريا، وكان عالمهم، وكان أعور. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنشدك الله كيف تجدون حد الزنا في كتابكم"؟ فقال ابن صوريا: فأما إذ نشادتني الله فإنا نجد في التوراة: النظر: زنية، والاعتناق: زنية، والقبلة: زنية. فإن شهد أربعة بأنهم رأوا ذكره في فرجها. مثل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو ذاك".

2 من: بيانية، أي: بينت أن المسارعين في الكفر: هم من المنافقين.

ص: 632

فِتْنَتَهُ} أي: إضلاله عن الحق لما اقترف ن عظائم الذنوب وكبائر الأثام {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً} إذا أراد الله إضلاله، إذاً فلا يحزنك مسارعتهم في الكفر، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من الحسد والشرك والنفاق لسوابق الشر التي كانت لهم فحالت دون قبول الإيمان ولاحق، {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: ذل وعار، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} جزاء كفرهم وبغيهم. هذا ما دلت عليه الآية (41) ، أما الآية الثانية (42) فقد تضمنت وصف أولئك اليهود بصفة كثرة استماع الكذب مضافاً إليه كثرة أكلهم للسحت، وهو المال الحرام أشد حرمة؛ كالرشوة والربا1، فقال تعالى عنهم:{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ2 فَإِنْ جَاءُوكَ} أي: للتحاكم عندك فأنت مخير بين أن تحكم بحكم الله3. أو تعرض عنهم وتتركهم لأحبارهم يحكمون بينهم كما شاءوا وإن تعرض عنهم فلم تحكم بينهم لن يضروك شيئاً، أي: من الضرر ولو قل، لأن الله تعالى وليك وناصرك، وإن حكمت بينهم فاحكم بينهم بالقسط أي: العدل، لأن الله تبارك وتعالى يحب ذلك فافعله لأجله إنه يحب القسط والمقسطين، وقوله تعالى في الآية الثالثة (43) : {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ} . أي: إنه مما يتعجب منه أن يحكموك فتحكم بينهم برجم الزناة، وعندهم التوراة فيها نفس الحكم فرفضوه معرضين عنه اتباعاً لأهوائهم، {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} لا بك ولا بحكمك ولا بحكم التوراة.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

استحباب ترك الحزن باجتناب أسبابه ومثيراته.

2-

حرمة سماع الكذب لغير حاجة تدعو إلى ذلك.

3-

حرمة تحريف الكلام وتشويهه للإفساد.

1 الرشوة مشتقة من الرشى الذي هو الحبل الذي يستخرج به الماء من البئر بضميمة الدلو، وعليه فكل مال أعطى لحاكم ليؤخذ به الراشي حق امرء فهو رشوة وسحت محرمان بلا خلاف. وكذا ما يدفعه الواسطة لحاكم ليسقط عنه حقًا وجب عليه فهو رشوة. أما ما كان ليدفع به عن نفسه أو ماله أو عرضه أو دينه فلا يحرم، وليس هو من الرشوة، قال السمرقندي الفقيه، وبهذا نأخذ.

2 أصل السحت: الهلاك، والشدة. قال تعالى:{فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} ، وقال الفرزدق:

وعض زمانٍ يا ابن مروان لم يدع

من المال إلا مسحتًا أو مجلف

وسمي المال الحرام كالربا والرشوة: سحتًا؛ لأنه يسحت الطاعات ويبطل ثوابها، ويسحت البركة ويزيلها.

3 يرى مالك والشافعي أن اليهود إذا رفعوا للإمام قضية دم أو مال أو عرض حكم بينهم بما أنزل الله، وإن كان ما رفعوه لا يتعلق بالمال أو الدم أو العرض تركهم معرضًا عنهم، وأبي حنيفة يرى الحكم بينهم مطلقًا.

ص: 633

4-

الحاكم المسلم مخير في الحكم بين أهل الكتاب إن شاء حكم بينهم وإن شاء أحالهم على علمائهم.

5-

وجوب العدل في الحكم ولو كان المحكوم عليه غير مسلم.

6-

تقرير كفر1 اليهود وعدم إيمانهم.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ

1 قالت العلماء: إن من طلب غير حكم الله تعالى من حيث لم يرض به فهو كافر، وهذه حالة اليهود وحال أكثر المسلمين اليوم حيث لم يرضوا بحكم الله تعالى وحكموا شرائع الباطل وقوانين الكفر.

ص: 634

أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) }

شرح الكلمات:

{التَّوْرَاةَ} : كتاب موسى عليه السلام.

{هُدىً وَنُورٌ} : الهدى: ما يوصل إلى المقصود، والنور: ما يهدي السائر إلى غرضه.

{هَادُوا} : اليهود.

{وَالرَّبَّانِيُّونَ} : جمع رباني: العالم المربي الحكيم.

{وَالأَحْبَارُ1} : جمع حبر: العالم من أهل الكتاب.

{وَكَتَبْنَا} : فرضنا عليهم وأوحينا.

{قِصَاصٌ} : مساواة.

{وَقَفَّيْنَا} : أتبعناهم بعيسى بن مريم.

{الْفَاسِقُونَ} : الخارجون عن طاعة الله ورسله.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في الحديث على بني إسرائيل، إذ قال تعالى مخبراً عما أتى بنى إسرائيل:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ} هدى من كل ضلالة ونور مبين للأحكام مُخرج من ظلمات الجهل {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} من بني إسرائيل {النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} لله قلوبهم ووجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً، {لِلَّذِينَ هَادُوا} 2، ويحكم بها الربانيون من أهل العلم والحكمة من بني إسرائيل {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} بسبب استحفاظ الله تعالى إياهم كتابه التوراة فلا يبدلونه ولا يغيرون فيه، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} بأحقيته وسلامته من النقص والزيادة بخلافكم أيها اليهود، فقد حرفتم الكلم عن مواضعه وتركتم الحكم به فما لكم؟ فأظهروا الحق من نعت محمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به، ومن ثبوت الرجم وإنفاذه في الزناة ولا تخشوا

1 قالوا: الحَبر بالفتح: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه.

2 قد تكون اللام هنا بمعنى على، أي: على الذين هادوا، وقد تكون على بابها، ويكون لفظ: عليهم، محذوفًا، أي: يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا. وعليهم فحذف: "عليهم".

ص: 635

الناس في ذلك واخشوا الله تعالى فهو أحق أن يخشى، ولا تشتروا بآيات الله التي هي أحكامه فتعطلوها مقابل ثمن قليل تأخذونه ممن تجاملونهم وتداهنونهم على حساب دين الله وكتابه. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 1 فكيف ترضون بالكفر بدل الإيمان.

هذا ما دلت عليه الآية الأولى (44)، أما الآية الثانية (45) :{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ2} فقد أخبر تعالى أنه فرض على بني إسرائيل في التوراة القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ فالنفس تقتل بالنفس، العين تفقأ بالعين3 والأنف يجدع بالأنف، والأذن4 تقطع بالأذن والسن تكسر إن كسرت5 بالسن، وتقلع به إن قلع، والجروح6 بمثلها قصاص ومساواة، وأخبر تعالى: أن من تصدق على الجاني بالعفو عنه وعدم المؤاخذة فإن ذلك يكون كفارة لذنوبه7، وإن لم يتصدق عليه واقتص منه يكون ذلك كفارة لجنايته بشرط وذلك بأن يقدم نفسه للقصاص تائباً، أي: نادماً على فعله مستغفراً ربه. وقوله تعالى في ختام الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، وذلك بأن قتل غير القاتل أو قتل بالواحد اثنين أو فقأ بالعين عينين، كما كان بنو النضير يعاملون به قريظة بدعوى الشرف عليهم.

هذا ما دلت عليه الآية الثالثة (46) وهي قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} فقد أخبر تعالى أنه أتبع أولئك الأنبياء السابقين من بني إسرائيل عيسى بن مريم عليه السلام، أي: أرسله بعدهم مباشرة {مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} لم ينكرها أو يتجاهلها، {وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ} ، أي: وأعطيناه الإنجيل وحياً أوحيناه إليه، وهو كتاب مقدس أنزله الله تعالى عليه فيه، أي: في الإنجيل هدى من الضلال ونور لبيان الأحكام من الحلال

1 القول الذي لا خلاف فيه: هو أن المسلم لا يكفر لمجرد عدم حكمه بما أنزل الله تعالى، وإنما يفسق ويصبح في عداد الفاسقين من أمة الإسلام. أما الكفر فلا يكفر ولا يكفر إلا بشرط أن ينكر هداية القرآن وصلاحيته ويعرض عنه مستخفًا به مفضلاً عليه غيره.

2 الذي عليه أكثر الفقهاء: أن المسلم لا يقتل بالذمي. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافأ دمائهم وهم يدُ على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" رواه أبو داود والترمذي.

3 لا خلاف أن في العينين دية، وفي العين الواحدة نصف دية، وفي عين الأعور دية كاملة، وفي الأنف إذا جدع الدية كاملة.

4 الدية في ذهاب السمع، إما مع بقاء السمع ففيه حكومة.

5 في السن خمس من الإبل لحديث الصحيح في ذلك.

6 وفي الشفتين الدية، وفي الواحدة نصف الدية، وفي اللسان إذا قطع الدية.

7 اختلف في دية المرأة الأكثرون على أن أصبعها كأصبع الرجل وسنها كسنه، وموضوحتها كموضوحته، ومنقلتها كمنقلته، فإذا بلغت ثلث الدية كانت على النصف من دية الرجل. وقالت طائفة: دية المرأة فيما ذكر على النصف من دية الرجل.

ص: 636

والحرام، {وَمُصَدِّقاً} ، أي: الإنجيل لما قبله من التوراة، أي: مقرراً أحكامها مثبتاً لها إلا ما نسخه الله تعالى منها بالإنجيل، {وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} أي: يجد فيه أهل التقوى الهداية الكافية للسير في طريقهم إلى الله تعالى والموعظة التامة للاتعاظ بها في الحياة. هذا ما دلت عليه الآية الثالثة، أما الآية (47) وهي قوله تعالى:{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ} أي: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، يريد وأمرنا أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام، وأخبرناهم أن من {لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} عن أمره الخارجون عن طاعته وقد يكون الفسق ظلماً وكفراً.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم.

2-

كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض.

3-

وجوب1 القود في النفس والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة.

4-

من الظلم أن يعتدى في القصاص بأن يقتل الواحد اثنان أو يقتل غير القاتل أو يفقأ بالعين الواحدة عينان مثلاً، وهو كفر مع الاستحلال وظلم في نفس الوقت.

5-

مشروعية القصاص في الإنجيل وإلزام أهله بتطبيقه وتقرير فسقهم إن عطلوا تلك الأحكام وهم مؤمنون بها.

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا

1 إلا إن يرضى الملظلوم بالدية فإنه يعطاها على نحو ما تقدم آنفًا.

ص: 637