الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) }
شرح الكلمات:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} : الباء سببية: أي: فبسبب نقضهم ميثاقهم، والنقض: الحل بعد الإبرام.
{بِغَيْرِ حَقٍّ} : أي: بدون موجب لقتلهم، ولا موجب لقتل الأنبياء قط.
{غُلْفٌ1} : جمع أغلف، وهو ما عليه غلاف يمنعه من وصول المعرفة والعلم إليه.
{بُهْتَاناً عَظِيماً} : البهتان: الكذب الذي يحير من قبل فيه، والمراد هنا رميهم لها بالزنى.
{وَمَا صَلَبُوهُ} : أيك لم يصلبوه، والصلب شده على خشبة وقتله عليها.
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} : أي: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن عند حضور الموت أن عيسى عبد الله ورسوله فما هو ابن زنى ولا ساحر كما يقول اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يقول النصارى.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن اليهود وبيان الجرائم التي كانت سبباً في لعنهم وذلهم، وغضب الله تعالى عليهم، وهذا تعداد تلك الجرائم الواردة في الآيات الثلاث الأولى في هذا السياق وهي:
(155
-156-157) .
1 {غُلْف} : قد يكون جمع غلاف، ومعناه حينئذ: أن قلوبهم أوعية للعلم فلا حاجة بهم إلى علم سوى ما عندهم ولا منافاة بين المعنيين في النهر وأيسر التفاسير.
1-
نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.
2-
كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم.
3-
قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.
4-
قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. {فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً} أي: إيماناً قليلاً؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً.
5-
كفرهم: أي: بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضاً.
6-
قولهم على مريم بهتاناً عظيماً1 حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.
7-
قولهم متبجحين متفاخرين أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وهو رسول الله، وأكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} أي: برحل آخر ظنوه أنه هو فصلبوه وقتلوه، وأما المسيح فقد رفعه الله تعالى إليه وهو عنده في السماء كما قال تعالى في الآية (158) {بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي: غالباً على أمره حكيماً في فعله وتدبيره.
وأما قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً} ، هذا إخبار من الله تعالى بحقيقة أخرى وهي أن الذين طوقوا منزل المسيح وهجموا عليه ليلقوا عليه القبض من أجل أن يقتلوه هؤلاء اختلفوا2 في هل الرجل الذي ألقي عليه شبه عيسى هو عيسى أو غيره إنهم لم يجزموا أبداً بأن من ألقوا عليه القبض وأخرجوه فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام، ولذا قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ3 يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ
1 البهتان العظيم الذي قالوه على مريم، هو: رميهم لها بالزنى مع يوسف النجار، وهو عبد صالح.
2 ذكر القرطبي للاختلاف عدة وجوه، كلها سائغة، وما ذكرناه في التفسير أولى، من بين الوجوه قولهم: إن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟.
3 ما زال الخلاف قائمًا إلى اليوم، فالجمهور منهم يقولون: صلب عيسى وقتل وبعد ثلاثة أيام رفع. وخلاف الجمهور يقولون: لم يصلب عيسى ولم يقتل.
إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} 1.
أما الآية الأخيرة في هذا السياق (159) فإن الله تعالى أخبر أنه ما من يهودي ولا نصراني يحضره الموت ويكون في انقطاع عن الدنيا إلا آمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس هو ابن زنى ولا ساحر كما يعتقد اليهود، ولا هو الله ولا ابن الله كما يعتقد النصارى، ولكن هذا الإيمان لا نيفع صاحبه لأن حصل عند معاينة الموت قال تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} هذا ما دلت عليه الآية الكريمة: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} أي: يشهد على كفرهم به وبما جاءهم به، ووصاهم عليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ودين الحق الذي جاء به.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1-
بيان جرائم اليهود.
2-
بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام.
3-
تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.
4-
الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا
1 عزة الله يتنافى معها تسلط اليهود على عبده ورسوله عليسى وقتلهم له وحكمته تتجلى في رفعه إليه وإنزاله آخر أيام الدنيا.