الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(80) باب الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ
.
198 -
حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ قال: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ،
===
قال الحافظ في "النخبة"(1): وأدناها ما أشعر بالقرب من أهل التجريح كشيخ، انتهى.
قلت: شعبة لم يرو عن مطيع بن راشد، ولم يخرج عنه، فكما يومئ الدلالة على توثيقه كذلك يومئ عدم التخريج على ضعفه، والظاهر أنه لو كان عند شعبة ثقة لروى عنه بنفسه، كما دل عليه غيره، وإلَّا فكيف يُحِبُّ لغيره ما لا يحب لنفسه.
(80)
(بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ)(2)
أي هل يجب الوضوء من سيلان الدم أو لا يجب؟
198 -
(حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: ثنا ابن المبارك) هو عبد الله، (عن محمد بن إسحاق) بن يسار (قال: حدثني صدقة بن يسار) الجزري، سكن مكة، قال له سفيان: بلغني أنك من الخوارج، قال: كنت منهم فعافاني الله منه، قال أبو داود: كان متوحشًا يصلي بمكة جمعة وبالمدينة جمعة، وذكر بعضهم أنه عم محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وهم ممن قاله، وثَّقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن سعد،
(1)(ص 232).
(2)
يرد على المصنف أنه لم يذكر الوضوء من القيء، لا يقال: إنه لم يكن حديث فيه على شرطه، لأنه يذكر حديث ثوبان في الوضوء من القيء في كتاب الصوم، اللَّهم إلَّا أن يقال: إنه لما كان عنده حكم الوضوء من الدم والقيء سواء اكتفى بأحدهما، ويؤيده أن الترمذي جمعهما في باب واحد. (ش).
عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِى فِى غَزْوَةِ (1) ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،
===
والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عقيل بن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، قال في "الميزان": فيه جهالة، ما روى عنه سوى صدقة بن يسار، وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - يعني في غزوة ذات الرقاع -) زاد بعض الرواة لفظة يعني إلى آخره إشارة إلى أنه ليس لفظ: في غزوة ذات الرقاع، من لفظ الأستاذ، ولكن مراده من خروجه معه صلى الله عليه وسلم هي غزوة ذات الرقاع، وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع (2) من الهجرة، وذكر البخاري: أنها كانت بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، سميت باسم شجرة هناك، وقيل: باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة، يقال له: الرقاع، وقيل: سميت به لرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: سميت بذلك؛ لأن أقدامهم نقبت فلفّوا عليها الخرق، وهذا هو الصحيح، لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة، وقد أخبر به، كذا في "العيني شرح البخاري"(3).
(فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين) الإصابة: التفجيع، أي فجع
(1) وفي نسخة: "غزاة".
(2)
به جزم ابن رسلان. (ش).
(3)
(12/ 158).
فَحَلَفَ أَنِّي (1) لَا أَنْتَهِى حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِىِّ (2) صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلاً، فَقَالَ:"مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا"، فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
===
رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، والتفجيع إما بالقتل أو بالسبي (3) والأسر (فحلف)(4) أي المشرك (أني لا أنتهي) أي لا أمتنع من الانتقام (حتى أهريق) أي أريق والهاء زائدة (دمًا في أصحاب محمد) أي حتى أقتل واحدًا منهم.
(فخرج) أي المشرك (يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم) الأثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة، ويجوز بكسرها وسكون الثاء، قال في "القاموس": خرج في إثره وأثره: بعده.
(فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلًا)، إما مفعول أو مصدر، والمراد بالنزول نزول المسافر بالليل للاستراحة (فقال: من رجل يكلؤنا) (5) أي يحرسنا ويحفظنا، (فانتدب) أي أجاب هذه الدعوة (رجل من المهاجرين) هو عمار بن ياسر
(1) هكذا في النسخة القديمة والمجتبائية وغيرهما بلفظ "أني"، وصححه الوالد المرحوم في كتابه بلفظ "أن"، وتبعه من جاء بعده. [قلت: وجاء لفظ "أن" في النسخة المطبوعة ببيروت و"مسند أحمد" 3/ 343].
(2)
وفي نسخة: "رسول الله".
(3)
وبالأول فسره في "العون"(1/ 333)، وبالثاني في "التقرير". (ش).
(4)
وفي رواية محمد بن نصر في "قيام الليل": "أصاب امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا أتى زوجها وكان غائبًا، فلما أخبر الخبر حلف أن لا يرجع حتى يهريق"، الحديث. (ش).
(5)
قيل: إن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] نزل في غزوة أحد، وهي في السنة الثالثة، وهذه قصة ذات الرقاع وهي في الرابعة، كما تقدم، كذا في "ابن رسلان"، وما أجاب عنه بشيء. (ش).
وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: «كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ» .
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِىُّ وَقَامَ الأَنْصَارِىُّ يُصَلِّى، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ (1) ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ،
===
(ورجل من الأنصار) هو عباد بن بشر، وقيل: عمارة بن حزم، والمشهور الأول (فقال) صلى الله عليه وسلم لهما:(كونا) أي روحا وأقيما (بفم الشعب)(2) هو الطريق في الجبل، أي أقيما على أعلى الشعب لئلا يدهمهم ويفجأهم عدو.
(قال) جابر: (فلما خرج الرجلان) أي المهاجري والأنصاري (إلى فم الشعب اضطجع المهاجري) ليستريح (وقام الأنصاري يصلي) ويحرس، كأنهما اقتسما الليل بأن ينام المهاجري نصف الليل ويحرس الأنصاري، ويقوم المهاجري في النصف الآخر يحرس وينام الأنصاري.
(وأتى الرجل فلما رأى شخصه) أي سواده، والضمير إلى الأنصاري، والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعد، كذا في "القاموس"، (عرف) أي المشرك (أنه) أي السواد (ربيئة) بفتح الراء وكسر الباء الموحدة: الحارس، والطليعة الذي يحرس القوم لئلا يفجأهم عدو، ولا يكون إلَّا على جبل أو شرف ينظر منه، من فتح يفتح، قال الحماسي:
فما سَوْذَنِيْقُ (3) عَلَى مَرْبَأ
…
خَفِيفُ الْفُؤَادِ حَديدُ النَّظَرِ
(للقوم فرماه) أي المشركُ الأنصاريَّ (بسهم فوضعه فيه) أيَ أصابه
(1) وفي نسخة: "القوم".
(2)
لأن الآتي يظهر في الفضاء من بعيد، بخلاف الشعاب فلا يُدْرى فيها حتى يخرج منها، كذا في "التقرير". (ش).
(3)
السوذق والسوذنيق: الصقر، وقيل: الشاهين.
فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، فلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِىُّ مَا بِالأَنْصَارِىِّ مِنَ الدَّمِ (1) قَالَ: سَبْحَانَ اللَّهِ! أَلَا أَنْبَهْتَنِى أَوَّلَ مَا رَمَى؟ قَالَ: كُنْتُ فِى سُورَةٍ أَقْرَأُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا". [حم 3/ 343، ك 1/ 156، قط 1/ 223، خزيمة 36، حب 1096، ق 1/ 140 و 9/ 150]
===
(فنزعه) وفي "سنن البيهقي" بسنده: "فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد الثانية، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا يصلي، ثم عاد له الثالثة، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع فسجد، ثم أَهَبَّ صاحبه، فقال: اجلس، فقد أُتِيْتُ فوثب"، وفي "البخاري":"فنزفه الدم"، أي خرج.
(حتى رماه) أي رمى المشركُ الأنصاريَّ (بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد) أي أتم صلاته (ثم أنبه) وفي بعض النسخ: "انتبه"، والأول أوضح (صاحبه) أي المهاجري.
(فلما عرف) المشرك (أنهم) أي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (قد نذروا) أي علموا (به) أي بالمشرك (هرب) أي فر (فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء) أي السائلة الكثيرة من الجروح الثلاثة التي حصلت بالأسهم الثلاثة.
(قال: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب (ألا أنبهتني) أي أيقظتني (أول ما رمى؟ ) يعني في أول مرة من الرمي (قال: كنت في سورة أقرؤها) قال الشارح: قال المنذري: هي سورة الكهف (2)(فلم أحب أن أقطعها) وفي رواية البيهقي: "حتى أنفذها، فلما تابع عَلَيَّ الرمْيَ ركعتُ فآذنتك (3)،
(1) وفي نسخة: "الدم".
(2)
كذا وقع في رواية البيهقي "ابن رسلان". (ش).
(3)
وفي الأصل: "فأهببتك".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وايم الله، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطعت نفسي قبل أن أقطعها أو أُنفِذها".
قال الحافظ في "شرحه على البخاري"(1): أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق، وكذا قال العيني (2)، قلت: ولم أجد ذكر الحديث في "سنن الدارقطني"(3).
وذكر البخاري في "باب من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين"، ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاتِه، ذكره البخاري بصيغة التمريض.
قال الحافظ: عقيل لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق.
قلت: الأول والثالث من وجوه التمريض يستلزمه ويقتضيه، وأما الثاني فبعيد، قال العيني (4): فإن كون الحديث مختصرًا لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض.
اختلف العلماء (5) في أن الدم من نواقض الوضوء أو لا، فذهب إلى
(1)"فتح الباري"(1/ 280).
(2)
"عمدة القاري"(2/ 502).
(3)
قلت: أخرجه الدارقطني (1/ 223).
(4)
"عمدة القاري"(2/ 502).
(5)
وأصل اختلافهم في الحقيقة هو اختلافهم في علة الحدث، بسطه ابن العربي (1/ 126)، وابن رشد (1/ 34)، وهو أن علته خروج النجس عندنا الحنفية والثوري وأحمد، والخروج من المخرج المعتاد عند الشافعي، ولذا أوجب من الريح والدودة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأول أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وقيدوه بالسيلان، وذهب ابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبو هريرة، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشافعي إلى أنه غير ناقض، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: لو كان ناقضًا للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري به تفسد أول ما أصابه الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو محدث.
والجواب عن هذا الاستدلال أنه فعل واحد من الصحابة، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، ومما يقوي هذا أن ظاهر ما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء يدل على أن الدم أصاب ثوبه وبدنه، وكانت ثلاثة أسهم، فالظاهر أنها أصابت ثلاثة مواضع من بدنه، كما يدل عليه لفظ الدماء جمعًا، وذلك يدل على كثرة الدم، ولهذا رآه صاحبه بالليل وهاله، فكما لم يدل مضيه مع النجاسة في الثوب على جواز الصلاة، كذلك لا يدل على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء.
ولست أدري كيف يصح الاستدلال بالخبر، والدم إذا سال يصيب بدنه وجلده وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك وإن كان يسيرًا (1) لا تصح الصلاة عند الشافعي، إلَّا أن يقال: إن الدم كان يخرج على سبيل الرزف، فلا يصيب شيئًا من بدنه، وهذا أمر عجيب خارق للعادة وراء طور العقل.
= وغيرهما، والخارج المعتاد من المخرج المعتاد عند مالك حتى لم يوجب من سلس البول كما في "الكوكب"(1/ 107). (ش).
(1)
والدم الكثير نجس عند الأربعة، كما بسط في فروعهم مع الاختلاف فيما بينهم بين القليل والكثير، فإن للشافعي في عفو الدم روايتين إحداهما يعفى مقدار الكف، والثانية لا يعفى منه شيء، كذا في "الميزان" للشعراني (1/ 138)، ويعفى عند مالك قدر الدرهم كما في "مختصر الخليل"(1/ 107). (ش).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث غير صحيح بوجوه: الأول: أن الحديث ضعيف لأن عقيلًا الراوي مجهول، ومحمد بن إسحاق مختلف فيه، والثاني: أن البخاري لم يجزم به بل ذكره بصيغة التمريض، والثالث: أن هذا فعل صحابي، ولعله كان مذهبًا له، أو لم يعلم بحكمه، أو علم ولكن شغله الاستغراق في لذة المناجاة عن الالتفات إليه، فلا يستقيم (1) الاستدلال به على عدم انتقاض الوضوء.
وأجاب صاحب "عون المعبود"(2) عن جهالة عقيل بأن التحقيق في مجهول العين أنه إن وثَّقه أحد من أئمة الجرح والتعديل ارتفعت جهالته، وعقيل بن جابر الراوي وثَّقه ابن حبان، وصحَّح حديثه هو وابن خزيمة والحاكم، فارتفعت جهالته.
قلت: نسبة التوثيق إلى ابن حبان ليس بصحيح، فإنه لم يوثقه، ولم يذكر أحد أنه وثَّقه، نعم ذَكَرَه في "الثقات"، وذِكْرُه في "الثقات" لا يستلزم التوثيق، ألا ترى أن ابن حبان كثيرًا ما يذكر الرواة في "الثقات"، وهم ليسوا بثقات.
وكذلك تصحيح الحديث من ابن حبان وابن خزيمة والحاكم ليس بتوثيق له عند المحدثين، بل المراد بالتوثيق هو الذي يكون صراحة.
وأما تصحيح الحاكم فقال العلامة العيني في "شرح البخاري" في بحث الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: فالحاكم قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، انتهى.
(1) وفي "التقرير": عدم الذكر لا يستلزم العدم، فيحتمل الإعادة مع أن تنجس الثياب مسلم بسيلان الدم، فالجواب الجواب والمحيص المحيص. (ش).
(2)
انظر: (1/ 338).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم استدل البخاري على عدم النقض بآثار: أولها: قول الحسن: "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم" وذلك لا يجديهم نفعًا، فإنه لا يستلزم أن يكون جراحاتهم سائلة الدم، ولو سلم فلكونهم معذورين لا ينقض طهارتهم، فمن له جراحة سائلة لا يترك الصلاة لأجلها، بل يصلي وجراحته إما معصبة أو مربوطة بجبيرة، مع ذلك لو خرج شيء لا تفسد صلاته.
وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن هشام عن يونس عن الحسن: أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلًا، وهذا مذهبه على خلاف ظاهر ما روى، فثبت أنه مؤول.
وثانيها: قول طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: "ليس في الدم وضوء"، قال العيني (2): وليس هذا بحجة لهم، لأنهم لا يرون العمل بفعل التابعي، ولا هو حجة على الحنفية من وجهين:
الأول: أنه لا يدل على أنهم كانوا يصلون والدم سائل، يعني أن لفظ الدم في قولهم:"ليس في الدم وضوء" لا يستلزم كونه دمًا سائلًا، بل يمكن أن يحمل على غير السائل، وليس فيه الوضوء عندنا أيضًا.
والثاني: لو سلمنا ذلك، فالمنقول عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يقول: التابعون رجال ونحن رجال يزاحموننا ونزاحمهم.
ثم ذكر البخاري: عَصَرَ ابنُ عمر بَثْرَةً فخرج منها الدم ولم يتوضأ، وبزق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته، وقال ابن عمر والحسن فيمن احتجم: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه.
(1)(1/ 162).
(2)
"عمدة القاري"(2/ 504).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالجواب عنه أن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عند الحنفية أيضًا بالاتفاق ما لم يسل، فإذا سأل ففيه اختلاف، فبعضهم كصاحب "الهداية" وغيره قالوا بعدم نقض الوضوء فيه أيضًا، وبعضهم قالوا بالنقض وهو الأظهر، ولم يتعرض فيه السيلان وعدمه.
وكذلك أثر ابن أبي أوفى ليس بحجة لهم؛ لأن الدم الذي يخرج من الفم يعتبر فيه الغلبة، فإن كان دمًا سائلًا غلب على البزاق، أو ساواه ينقض، وإلَّا فلا.
قال في "الدر المختار"(1): وينقضه دم مائع من جوف أو فم غلب على بزاق حكمًا للغالب، أو ساواه احتياطًا، لا ينقضه المغلوب بالبزاق، انتهى، ولم يتعرض الراوي لذلك فلم يبق حجة.
وكذلك قول ابن عمر في المحتجم ليس بحجة على الحنفية، لأنه سيأتي من مذهبه أن الدم السائل من الجسد ينقض الوضوء عنده، وكذلك مذهب الحسن، فحينئذٍ معنى قوله: ليس عليه إلَّا غسل محاجمه، أنه لا يلزم عليه غسل جميع بدنه بناءً على ما أخرجه أحمد والدارقطني عن ابن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يغتسل من أربع: من الجمعة والجنابة والحجامة وغسل الميت"، وليس المراد نفي لزوم الوضوء والله تعالى أعلم.
وأجاب العلامة العيني عن هذه الآثار فقال (2): وهذا الأثر حجة للحنفية، لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عندهم، لأنه مخرج،
(1)(1/ 291).
(2)
(2/ 505).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في كتبهم، فإن فرح أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية، فهي فرحة غير مستمرة.
وأجاب عن أثر ابن أبي أوفى فقال: وهذا ليس بحجة لهم علينا، لأن الدم الذي يخرج من الفم إن كان من جوفه فلا ينقض الوضوء، وإن كان من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم، ولم يتعرض الراوي لذلك، فلم يبق حجة.
وأجاب عن أثر ابن عمر والحسن بأن مقصودهم من هذه الرواية إلزام الحنفية، ولا يسعد ذلك معهم، لأن جماعة من الصحابة رأوا فيه الغسل، منهم ابن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب، وروته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب مجاهد أيضًا، وأيضًا فالدم الذي يخرج من موضع الحجامة مُخْرَجٌ، وليس بخارج، والنقض يتعلق بالخارج كما ذكرنا، انتهى.
قلت: وهذا الأصل الذي بني عليه العلامة العيني أساس الجواب غير سديد عند الفقهاء الحنفية، قال في "الدر المختار" (1): والمخرج بعصر والخارج بنفسه سيَّان في حكم النقض على المختار كما في "البزازية"، قال: لأن في الإخراج خروجًا فصار كالفصد، وفي "الفتح" عن "الكافي": أنه الأصح، واعتمده القهستاني، وفي "القنية" و"جامع الفتاوى": أنه الأشبه، ومعناه أنه الأشبه بالمنصوص روايةً، والراجح درايةً، انتهى.
وقال الشامي: قوله: لأن في الإخراج خروجًا جواب عما وجه به القول بعدم النقض بالمخرج من أن الناقض خروج النجس ، وهذا إخراج،
(1) انظر: "رد المحتار على الدر المختار"(1/ 288).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والجواب: أن الإخراج مستلزم للخروج فقد وجد، لكن قال في "العناية": إن الإخراج ليس بمنصوص عليه وإن كان يستلزمه، فكان ثبوته غير قصدي ولا معتبر به، انتهى.
وفيه أنه لا تأثير يظهر للإخراج وعدمه، بل لكونه خارجًا نجسًا، وذلك يتحقق مع الإخراج كما يتحقق مع عدمه، فصار كالفصد، كيف وجميع الأدلة الموردة من السنَّة والقياس تفيد تعليق النقض بالخارج النجس، وهو ثابت في المخرج، انتهى "فتح".
واستوجهه تلميذه ابن أمير حاج في "الحلية"، وكذا شارح "المنية" والمقدسي، وارتضى في "البحر" ما في "العناية" حيث ضعف به ما في "الفتح"، ولك أن تجعل ما في "الفتح" مضعفًا له كما قررناه بناءً على أن الناقض الخارج النجس لا الخروج، وفي "حاشية الرملي": لا يذهب عنك أن تضعيف "العناية" لا يصادم قول شمس الأئمة، وهو الأصح.
وبالجملة أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنفية، فإن كان من أقوال الصحابة، فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح، وإن كان من قول التابعين، فليس بحجة عليهم، لما ذكرنا عن أبي حنيفة رحمه الله.
قال العيني (1): واحتج أصحابنا الحنفية بأحاديث كثيرة أقواها وأصحها ما رواه البخاري في "صحيحه"(2) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر،
(1)"عمدة القاري"(2/ 503).
(2)
"صحيح البخاري" ح (228).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أفأدع الصلاة؟ قال: "لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصَلِّي"، قال هشام: وقال أبي: ثم تَوَضَّئِي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت.
قلت: قال الترمذي: قال أبو معاوية: وتوضَّئِيْ لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت، فبطل ما قالوا: إن قوله: ثم تَوَضَّئِيْ من كلام عروة، وأيضًا لو كان من كلام عروة لقال: ثم تتوضأ لكل صلاة، ففي صيغة الأمر دلالة واضحة بأنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأمر لا يتحقق من عروة، فكأن الراوي قال: قال أبي مرفوعًا: ثم توضئي، وترك ذكر الرفع لوضوحه.
وهذا الحديث يدل على أن الدم الخارج من العرق، سواء كانت استحاضة أو غيرها ناقض للوضوء، واعترضوا عليه بأن في دم الاستحاضة يجب الوضوء، لأنه خرج من المخرج، فسبيله سبيل الغائط والبول، وإنما الكلام فيما خرج من غير السبيلين.
قلت: كأنهم لم يتأملوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك عرق" وهذا صريح في أن علة الانتقاض كونه دم عرق لا كونه من السبيلين، فعلم بهذا أنه لا دخل في العِلِّيَّة لكونه من السبيلين، فلا يدور حكم الانتقاض عليه، بل يدور على كونه دم عرق وهو الدم السائل، سواء كان من السبيلين أو غيرهما من البدن.
والحديث الثاني ما روى ابن ماجه (1) عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن علي
(1)"سنن ابن ماجه"(1221).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صلاته وهو في ذلك لا يتكلم". وفي رواية الدارقطني (1): "ثم ليبنِ على صلاته ما لم يتكلم"، تكلموا في إسماعيل بن عياش، رواه ابن عياش مسندًا ومرسلًا.
ثم قال البيهقي للمرسل: وهو المحفوظ، فأجاب عنه في "الجوهر النقي"(2) بأن الروايات التي جمع فيها ابن عياش بين الإسنادين أعني المرسل والمسند في حالة واحدة مما يبعد الخطأ عليه، فإنه لو رفعه ما وقفه الناس ربما تطرق الوهم إليه، فأما إذا وافق الناس على المرسل وزاد عليهم المسند، فهو يشعر بتحفظ وتثبت، وإسماعيل وثَّقه ابن معين وغيره، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ منه، انتهى.
والحديث الثالث ما رواه الدارقطني (3) من حديث أبي بكر الداهري، عن حجاج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رعف في صلاته فليرجع فليتوضأ وليبنِ على صلاته"، أبو بكر الداهري عبد الله بن حكيم متروك الحديث.
والحديث الرابع ما أخرجه الدارقطني (4) بسنده عن ابن أرقم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: "إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف فليغسل عنه الدم، ثم ليعد وضوءه، ويستقبل صلاته"، سليمان بن أرقم متروك.
(1)"سنن الدارقطني"(1/ 153).
(2)
(1/ 142).
(3)
"سنن الدارقطني"(584).
(4)
"سنن الدارقطني"(560).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحديث الخامس ما أخرج الدارقطني (1): حدثنا يزيد بن الحسين بن يزيد البزاز، نا محمد بن إسماعيل الحساني، نا وكيع، نا علي بن صالح وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي رضي الله عنه قال: إذا وجد أحدكم في بطنه رزءًا أو قيئًا أو رعافًا فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبنِ على صلاته ما لم يتكلم.
والحديث السادس ما أخرجه الدارقطني (2): حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا الزعفراني، نا شبابة، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث، عن علي رضي الله عنه قال: إذا أمَّ الرجل لقوم فوجد في بطنه رزءًا أو رعافًا أو قيئًا فليضع ثوبه على أنفه وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدمه، الحديث.
قلت: لم يجرح الدارقطني أحدًا من رواة الحديثين، وسكت عن الكلام فيهما.
والحديث السابع ما أخرجه الدارقطني (3) بسنده عن عمرو القرشي، عن أبي هاشم، عن زاذان، عن سلمان قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأل من أنس دم فقال: "أحدث وضوءًا"، قال المحاملي: أحدث لما أحدثت (4) وضوءًا، عمرو القرشيء هذا هو عمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: أبو خالد الواسطي كذاب.
(1)"سنن الدارقطني"(1/ 156).
(2)
"سنن الدارقطني"(576).
(3)
"سنن الدارقطني"(577).
(4)
في الأصل: "حدث"، وهو تحريف.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحديث الثامن ما أخرجه الدارقطني (1) من طريق عمر بن رياح، نا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رعف في صلاته توضأ ثم بني على ما بقي من صلاته"، عمر بن رياح متروك.
والحديث التاسع ما أخرجه الدارقطني (2) بسنديه من طريق محمد بن الفضل عن أبيه عن ميمون بن مهران عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وبسند آخر عن ميمون بن مهران عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يكون دمًا سائلًا"، وفي رواية:"إلَّا أن يكون دمًا سائلًا"، محمد بن فضل بن عطية ضعيف، وسفيان بن زياد وحجاج بن نصير ضعيفان.
قلت: قال الذهبي في "الميزان": قال يعقوب بن أبي شيبة سألت ابن معين عنه: فقال: صدوق، لكن أخذوا عليه أشياء في حديث شعبة، واقالى البخاري: سكتوا عنه، وأما ابن حبان فذكره في "الثقات"، وقال: يخطئ ويهم، قلت: لم يأت بمتن منكر، انتهى.
وأيضًا قال الذهبي في "الميزان": سفيان بن زياد عن حجاج بن نصير ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث.
والحديث العاشر ما أخرجه الدارقطني (3) بسنده من طريق هشام بن
(1)"سنن الدارقطني"(579).
(2)
"سنن الدارقطني"(582 - 583).
(3)
"سنن الدارقطني"(586 - 587 - 589).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عروة [عن أبيه] عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه، ولينصرف فليتوضأ"، انتهى.
قلت: وقد علمت مما تقدم من حديث علي رضي الله عنه أن المراد من الحدث عام شامل للرعاف أيضًا، فلا وجه لتخصيصه بما يخرج من السبيلين من الريح وغيره.
فهذه الروايات بعضها صحاح، وبعضها حسان، وبعضها ضعاف، فالضعاف لما تأيدت بعضها ببعض صارت في حكم الحسان، ثم ذكرت شاهدة للتقوية، وكذلك آثار الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كثيرة في هذا الباب.
قال في "الجوهر النقي"(1): وقد صحَّح البيهقي في باب من قال: يبني من سبقه الحدث، عن ابن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى على ما صلى، ولم يتكلم.
ثم قال: وفي "الاستذكار"(2) لابن عبد البر: المعروف من مذهب ابن عمر إيجاب الوضوء من الرعاف، وأنه حدث من الأحداث الناقضة للوضوء إذا كان سائلًا، وكذا كل دم سائلٍ من الجسد.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، أنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: من رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ، فإن لم يتكلم بني على صلاته، وإذا تكلم استأنف.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر
(1)(1/ 141 - 143).
(2)
(2/ 267).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال: إذا رعف الرجل في صلاته، أو ذرعه القيء، أو وجد مذيًا، فإنه ينصرف فليتوضأ، ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى.
وروي مثل ذلك عن علي وابن مسعود وعلقمة والأسود والشعبي وعروة والنخعي وقتادة والحكم وحماد كلهم يرى الرعاف وكل دم سائل من الجسد حدثًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وابن حنبل وابن راهويه في الرعاف وكل نجس خارج من الجسد يرونه حدثًا، فإن كان يسيرًا غير سائل لم ينقض الوضوء عند جماعتهم.
ومما يدل على أن الرعاف حدث أن ابن جريج وابن المبارك وعمر بن علي المقدمي والفضل بن موسى رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أحدث أحدكم فليضع يده على أنفه ثم لينصرف"، رواه نعيم بن حماد عن الفضل بن موسى بسنده المذكور، ولفظه:"إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ على أنفه ولينصرف فليتوضأ"، ذكره البيهقي في ما بعد في باب من أحدث في صلاته قبل الإحلال منها، انتهى.
وأيضًا قال صاحب "الجوهر النقي": ثم ذكر البيهقي عدم الوضوء عن جماعة، قلت: لم يذكر سنده إليهم لينظر فيه، فمن ذكر عنه عدم الوضوء سالمٌ، وقد صحَّ عنه خلاف ذلك، قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1): حدثنا معمر عن عبيد الله بن عمر قال: أبصرت سالم بن عبد الله صلَّى صلاة الغداة ركعة، ثم رعف فخرج فتوضأ، ثم بني على ما بقي من صلاته.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5907).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنهم سعيد بن المسيب، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، نا عبد الحميد المدني هو ابن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: رأيت سعيد بن المسيب رعف وهو في صلاته، فأتى في دار أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فتوضأ، ولم يتكلم، وبنى على صلاته.
ومنهم طاوس، وقد أخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: إذا رعف الرجل في صلاته انصرف فتوضأ، ثم بنى على ما بقي من صلاته.
ومنهم الحسن، وقد قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو عبد الله بن إدريس عن هشام عن الحسن ومحمد بن سيرين كانا يقولان في الرجل يحتجم: يتوضأ ويغسل المحاجم، وقال أيضًا: حدثنا هشيم عن الحسن أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلَّا ما كان سائلًا، والأسانيد الثلاثة صحيحة، انتهى.
قلت: ولما كان بحثنا مقصورًا على الوضوء من الدم تركنا ذكر الروايات التي ليس فيها ذكر الدم، وفيها الوضوء من القلس والقيء.
وأما ما استند به القائلون بعدم الوضوء، فأولها ما تقدم من قصة المهاجري والأنصاري الذي أصابته السهام، أخرجه أبو داود وغيره، وقد أجبنا عنه.
وثانيها ما روى الدارقطني في "سننه"(1): عن أنس قال: "احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى، ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه"، وفي
(1)(1/ 151).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"سنده" صالح بن مقاتل، قال الدارقطني: هو ليس بالقوي، وأبوه غير معروف، وسليمان بن داود مجهول.
ومنها ما رواه الدارقطني أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء، فدعا بوضوء فتوضأ، فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء؟ قال: "لو كان فريضة لوجدته في القرآن"، وفي سنده عتبة بن السكن، قال الدارقطني: لم يروه عن الأوزاعي غيره، وهو متروك الحديث.
قلت: وأيضًا يمكن أن يجاب عنه أنه صلى الله عليه وسلم قاء بغير مَلءِ الفم، فتوضأ استحبابًا، أو يحدث آخر، ثم أجاب أن الوضوء لو كان فريضة من هذا القيء، أي غير مَلءَ الفمِ
…
إلخ.
ومنها ما أخرجه مالك في "الموطأ" عن المسور أنه دخل على عمر بن الخطاب في الليلة التي طعن فيها، فصلَّى عمر وجرحه يثعب دمًا.
قال أصحابنا في الجواب: إن حديث عمر خارج عن محل النزاع، فإنه كان معذورًا، والمعذور لا يضره جريان دمه كما في سلس البول، كذا في "فتح المنان"، هكذا في "السعاية"(1) للشيخ عبد الحي اللكهنوي.
فظهر- بما قلنا - أن الجماعة التي قالت بنقض الوضوء من سيلان الدم من الجسد هو الحق لصحة مستنده، وليس من التقول على الله بما لم يقل، بل لو تأمل المنصف الذي كحَّل عينيه بكحل الإنصاف، لوجد الأمر منعكساً، وهذا الذي قلنا ما يتعلق بالرواية" وأما البحث المتعلق بالدراية فتركناه لخوف الإطالة.
(1)(1/ 208).