المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(110) باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة - بذل المجهود في حل سنن أبي داود - جـ ٢

[خليل أحمد السهارنفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(65) بابٌ: فِى الاِنْتِضَاحِ

- ‌(66) باب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ

- ‌(67) باب الرَّجُلِ يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ

- ‌(68) باب: في تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ

- ‌(69) بابٌ: إِذَا شَكَّ فِى الْحَدَثِ

- ‌(70) بابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ

- ‌(71) بابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ

- ‌(72) بابُ الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ

- ‌(73) بابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ

- ‌(74) باب الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ اللَّحْمِ النِّئِ وَغَسْلِهِ

- ‌(75) بابٌ: في تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ

- ‌(77) بابُ التَّشْدِيدِ فِى ذَلِكَ

- ‌(78) بابٌ: فِى الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ

- ‌(79) باب الرُّخْصَةِ فِى ذَلِكَ

- ‌(80) باب الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ

- ‌(81) بابٌ: في الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ

- ‌(82) بابٌ: فِى الرَّجُلِ يَطَأُ الأَذَى بِرِجْلِهِ

- ‌(83) بابٌ: في مَنْ يُحْدِثُ فِى الصَّلَاةِ

- ‌(84) بَابٌ: في الْمَذْيِ

- ‌(85) بَابٌ: في الإِكْسَالِ

- ‌(86) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَعُودُ

- ‌(88) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَنَامُ

- ‌(89) بَابُ الْجُنُبِ يَأْكُلُ

- ‌(90) بَابُ مَنْ قَالَ: الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ

- ‌(91) بَابٌ: في الْجُنُبِ يؤَخِّرُ الغُسْلَ

- ‌(92) بابٌ: فِى الْجُنُبِ يَقْرَأُ

- ‌(93) بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَافِحُ

- ‌(94) بَابٌ: في الْجُنُبِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ

- ‌(95) بَابٌ: في الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ

- ‌(97) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ

- ‌(98) بابٌ: فِى مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِى يُجْزِئُ فِى الْغُسْل

- ‌(99) بَابٌ: في الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ

- ‌(100) بَابٌ: في الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ

- ‌(101) بابٌ: فِى الْمَرْأَةِ هَلْ تَنْقُضُ شَعَرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ

- ‌(102) بابٌ: فِى الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِىِّ

- ‌(103) بابٌ: فِيمَا يَفِيضُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ

- ‌(105) بَابٌ: في الْحَائِضِ تَنَاوَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ

- ‌(106) بَابٌ: في الْحَائِضِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ

- ‌(107) بَابٌ: في إِتْيَانِ الْحَائِضِ

- ‌(110) بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة تَدَع الصَّلَاة

- ‌(112) بَابُ مَنْ قَالَ: تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتينِ وتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا

- ‌(113) بابٌ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ مَنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ

- ‌(114) بَابُ مَنْ قَالَ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ

- ‌(115) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: عِنْدَ الظُّهْرِ

- ‌(116) بَابُ مَنْ قَالَ: تَغْتَسِلُ بَيْنَ الأَيَّامِ

- ‌(117) بَابُ مَنْ قَالَ: تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ

- ‌(118) بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضُوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ

- ‌(119) بَابٌ: في الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ والْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ

- ‌(120) بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا

- ‌(121) بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ

- ‌(122) بَابُ الاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ

- ‌(123) بَابُ التَيَمُّمِ

- ‌(124) بَابُ التَيَمُّمِ في الْحَضَرِ

- ‌(125) بَابُ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ

- ‌(126) بَابٌ: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ

- ‌(127) بَابٌ: فِي الْمَجْرُوحِ يَتَيَمَّمُ

- ‌(128) (بَابٌ: في الْمُتَيَمِّمِ يَجدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي في الْوَقْتِ)

- ‌(129) بَابٌ: في الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ

- ‌(130) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

- ‌(131) بَابٌ: في الرَّجُلِ يُسْلِمُ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ

- ‌(132) بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِلُ ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ في حَيْضِهَا

- ‌(133) بَابُ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِيهِ

- ‌(134) بَابُ الصَّلَاةِ في شُعُرِ النِّساءِ

- ‌(135) بَابٌ: في الرُّخْصَةِ في ذَلِكَ

- ‌(136) بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌(137) بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌(138) بَابُ الأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ

- ‌(139) بَابٌ: في طُهُورِ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَت

- ‌(140) بَابٌ: في الأَذَى يُصِيْبُ الذَّيْلَ

- ‌(141) بَابٌ: في الأَذَى يُصِيْبُ النَّعْلَ

- ‌(142) بَابُ الإِعَادَةِ مِنَ النَّجَاسَةِ تَكُونُ في الثَّوبِ

- ‌(143) بَابٌ: في الْبُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ

الفصل: ‌(110) باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة

الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِى الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّى». [انظر سابقه]

(110) بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَة تَدَع الصَّلَاة

===

الحيضة (1) فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي (2).

وهذان الحديثان مطابقان للترجمة على النسخة التي ذكر فيها قبل هذا الحديث، "باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة"، وأما على النسخة التي ليس فيها هذا الباب، فلا يطابقان بالباب إلَّا بالتكلف، وهو أن يقال: كما أن إقبال المحيض يعرف بصفات الدم كذلك يعرف بإقبال الأيام التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة.

(110)

(بَابُ مَنْ قَالَ: إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ)

فإن قلت: هذه الترجمة مكررة، فإن الترجمة المتقدمة تدل على أن إقبال المحيض وإدباره يعرف في الأيام التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها، فعليها أن تدع الصلاة في عدة تلك الأيام.

قلت: بين الترجمتين فرق ظاهر (3)، وهو أن الترجمة الأولى منعقدة

(1) بالفتح كما عليه المحدثون، واختار الخطابي الكسر، وردّه النووي، كذا في "الأوجز"(1/ 615). (ش).

(2)

أخرجه النسائي مفصلًا ح (204). (ش).

(3)

وعندي في توجيه الترجمتين، وجهان آخران، الأول: لما تقدم في الروايات السابقة في قصة فاطمة ذكر الأيام، وهي عندهم مميزة، كما صرح به البيهقي والترمذي وجماعة ذَكَرَ المصنف روايات الإقبال إشارةً إلى الاختلاف الوارد، أو إشارةً إلى الأصح عنده في قصة فاطمة، والوجه الثاني: أن الترجمة الأولى كانت لمن رأى الأيام، فأشار بذكر هذا إلى أن القائل بالأيام يحمل هذه الروايات على الأيام، كما أن من رأى التمييز حمل روايات الأقراء على ذلك، فتأمل، فإنه حسن. (ش).

ص: 355

284 -

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، عَنْ بُهَيَّةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ عَائِشَةَ عَنِ امْرَأَةٍ فَسَدَ حَيْضُهَا وَأُهَرِيقَتْ دَمًا،

===

في حق المرأة المعتادة التي عرفت الأيام التي كانت تحيض فيها وهي صالحة، وأما الترجمة الثانية فمشتملة على أمرين، فإن إقبال المحيض يعرف بأمرين: أحدهما: أن المرأة إذا كانت معتادة فتعرف حيضها بالأيام التي كانت تحيض فيها قبل الاستحاضة، والثانىِ: إذا كانت المرأة تعرف حيضها بصفات الدم ولونه، فلا تحتاج إلى معرفتها بالأيام، فالترجمة الثانية تشتمل على كلا النوعين، والترجمة الأولى خاصة بالمعتادة.

284 -

(حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عقيل) مكبرًا، يحيى بن المتوكل العمري المدني ويقال: الكوفي، الحذاء، الضرير صاحب بهية مصغرًا، مولى العمريين، قال سفيان بن عبد الملك: أبو عقيل المحجوب ضعيف، قال حرب: قلت لعبد الله: كيف حديثه فكأنه ضعفه، وقال أحمد بن يحيى. أحاديثه عن بهية منكرة، وما روى عنها إلَّا هو، وهو واهي الحديث، وعن يحيى بن معين: ضعيف ليس حديثه بشيء، منكر الحديث، وعنه: ليس به بأس، وقال عثمان: هو ضعيف، وقال علي بن المديني: ضعيف، وقال ابن عمار: أبو عقيل وبهية ليس هؤلاء بحجة، وقال عمر بن علي: فيه ضعف شديد، وضعفه أبو حاتم والنسائي، وقال ابن عبد البر: هو من عند جميعهم ضعيف، ما سنة 167 هـ.

(عن بهية) بموحدة مضمومًا مصغرًا، مولاة أبي بكر، وعنها أبو عقيل، قال ابن عمار: ليست بحجة، وقال في "التقريب": لا تعرف. (قالت: سمعت امرأة) لم تعرف اسمها (تسأل عائشة عن امرأة فسد حيضها) أي اختلطت حيضها بالاستحاضة، (وأهريقت دمًا) أي قالت (1) عائشة: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) صرح به البيهقي (1/ 332). (ش).

ص: 356

فَأَمَرَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ آمُرَهَا فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحِيضُ فِى كُلِّ شَهْرٍ وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ فَلْتَعْتَدَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَيَّامِ، ثُمَّ لْتَدَعِ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ أَوْ بِقَدْرِهِنَّ، ثُمَّ لْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَذْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ تُصَلِّى. تُصَلّي. [ق 1/ 343، ع 4625]

285 -

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ

===

(فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آمرها)(1) بصيغة المتكلم (فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها) أي والحال أن حيضها (مستقيم، فلتعتد)(2) أي تعد تلك الأيام (بقدر ذلك من الأيام) أي من أيام استحاضتها (ثم لتدع الصلاة فيهن) أي في تلك الأيام التي اعتدتها من الحيض (أو بقدرهن) شك من الراوي، أو قال: بقدرهن، (ثم لتغتسل ثم لتستذفر بثوب ثم تصلي) والحديث مع ضعفه لا يناسب الباب، بل كان الأنسب (3) أن يذكر في الباب المتقدم.

285 -

(حدثنا ابن أبي عقيل)(4) لم أجد ذكره في شيء من كتب

(1) اختلف أهل الأصول في أن الأمر لأحد أن يأمر غيره يكون أمرًا للغير أم لا، "زرقاني". (ش).

(2)

ضبطه ابن رسلان بفتح التائين المثناتين قبل العين، قال: وفي النسخ بحذف التاء الثانية. (ش).

(3)

قلت: اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: إنه لبيان أن الإقبال يعم النوعين، كما تقدم في الترجمة، وذكر الحديث ابن رسلان في الترجمة السابقة.

(4)

قال ابن رسلان: " حدثنا" عبد الغني بن رفاعة "ابن أبي عقيل"، بفتح العين، اللخمي، أبو جعفر، توفي سنة 255 هـ، روى عنه الطحاوي وغيره، قلت: ورقم الحافظ في "تهذيبه"(6/ 366) على عبد الغني "د" فقط، وقال: عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك اللخمي، أبو جعفر بن أبي عقيل المصري

إلخ، ولم يذكر في مشايخه ابن وهب، لكن ذكره صاحب "الخلاصة"، وأكثر الطحاوي روايته عن ابن وهب، وذكر الحافظ وصاحب الخلاصة" في تلاميذه "أبا داود"، وكتب الشيخ في "باب الغسل للجمعة" هو أحمد بن أبي عقيل المصري، وهكذا في "المنهل" (3/ 82). (ش).

ص: 357

وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت: "إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -: اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ (1) بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى» . [خ 327، م 334، ت 129، ن 203، جه 626، دي 775، حم 6/ 187]

===

الرجال (ومحمد بن سلمة المصريان قالا: أنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية، (عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أخت زوجته زينب بنت جحش (وتحت عبد الرحمن بن عوف) أي كانت في نكاحه (استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الاستحاضة، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي).

فإن قلت: خروج دم العرق لا يوجب الاغتسال، فكيف أمرها بالاغتسال؟ قلت: الأمر بالاغتسال محمول على الاغتسال من المحيض، فحاصل قوله صلى الله عليه وسلم: أن هذا الدم المستمر ليس بدم الحيض، بل هو دم الاستحاضة، فإذا مضت أيام الحيض فلتغتسل ولتصل، وفي بعض الروايات، كما في الصحيحين:"فكانت تغتسل لكل صلاة"، قال الشافعي: إنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث بن سعد: إنها لم يأمرها صلى الله عليه وسلم بالاغتسال لكل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي، وإلى هذا ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة إلَّا المتحيرة،

(1) وفي نسخة: "ليس".

ص: 358

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ الأَوْزَاعِىُّ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: "اسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ - وَهِىَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - سَبْعَ سِنِينَ، فَأَمَرَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، فإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى» .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِىِّ، غَيْرَ الأَوْزَاعِىِّ

===

لكن يجب عليه الوضوء، ويمكن أن يحمل اغتسالها لكل صلاة على العلاج لتقليل الدم، ومطابقة هذا الحديث بالباب مع الزيادة التي زادها الأوزاعي ظاهرة، وأما بدونها فخفي.

(قال أبو داود: زاد الأوزاعي في هذا الحديث) أي في حديث أم حبيبة بنت جحش الذي رواه عمرو بن الحارث (عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش - وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - سبع سنين، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام) أي الذي ذكره الأوزاعي من قوله: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي (أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي)(1).

وقد أخرج البيهقي في "سننه"(2) بسنده موصولًا من طريق العباس ابن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: استحيضت أم حبيبة بنت جحش

(1) رواية الأوزاعي هذه أخرجها أحمد (6/ 83) والنسائي (1/ 117) وابن ماجه (626) والدارمي (768) وأبو عوانة (1/ 320) والطحاوي (1/ 99) والحاكم (1/ 173).

(2)

"السنن الكبرى"(1/ 327).

ص: 359

وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِىِّ: عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَاللَّيْثُ، وَيُونُسُ، وَابْنُ أَبِى ذِئْبٍ، وَمَعْمَرٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ،

===

- وهي تحت عبد الرحمن بن عوف - سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنها ليست بالحيضة، إنما هو عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي ثم صلي"، قالت عائشة: وكانت أم حبيبة تقعد في مركن لأختها زينب بنت جحش.

ثم قال البيهقي بعد سوق الحديث: ذكر الغسل في هذا الحديث صحيح، وقوله:"فإذا أقبلت الحيضة، وإذا أدبرت"، تفرد به الأوزاعي من بين ثقات أصحاب الزهري، والصحيح أن أم حبيبة كانت معتادة، وأن هذه اللفظة إنما ذكرها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي كما رواه غيره من الثقات، ثم ساق البيهقي ذلك الحديث.

(ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث) وقد أخرجه المصنف موصولًا فيما تقدم قريبًا مختصرًا، وفيما سيأتي مطولًا، (والليث) أخرج روايته بسنده موصولًا المصنف فيما سيأتي، ومسلم عن عروة وحده، (ويونس) بن يزيد، أخرج حديثه المصنف موصولًا في الباب الآتي، (وابن أبي ذئب) أخرج حديثه المصنف عن الزهري في الباب الآتي، (ومعمر) بن راشد (1)(وإبراهيم بن سعد) أخرج حديثه مسلم موصولًا في "صحيحه"(2).

(وسليمان بن كثير) العبدي أبو داود، قال ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس به بأس إلَّا في الزهري فإنه يخطئ عليه، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال العجلي: جائز الحديث لا بأس به، وقال العقيلي: واسطي، سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب،

(1) أخرج روايته عبد الرزاق (1/ 303) رقم (1164).

(2)

"صحيح مسلم"(334). وأيضًا أخرجه أحمد (6/ 187) والدارمي (782).

ص: 360

وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ.

===

وهو في غيره أثبت، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا.

فأما روايته عن الزهري فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يحتج بشيء ينفرد به عن الثقات، وقال ابن عدي: لم أسمع أحدًا في روايته عن غير الزهري شيئًا، قال: وله عن الزهري وعن غيره أحاديث صالحة، ولا بأس به، مات سنة 133 هـ (1)، أخرج أبو داود حديث سليمان بن كثير هذا في الباب الآتي من طريق أبي الوليد الطيالسي وعبد الصمد.

(وابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار، أخرج المصنف حديثه موصولًا عن الزهري في الباب الآتي، (وسفيان بن عيينة) أخرج مسلم (2) حديث سفيان بن عيينة عن الزهري موصولًا، ثم قال في آخره بنحو حديثهم، فيستدل بذلك على أن عند مسلم ليس في حديث سفيان بن عيينة زيادة على حديث الحفاظ عن الزهري كما ادّعاه أبو داود، ويمكن الاعتذار عنه بأن دعوى الزيادة في حديث سفيان عن الزهري على طريق خاص، وهذا الذي ذكره مسلم غير ذلك الطريق، ويدل عليه ما قال أبو في داود: وروى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه "تدع الصلاة أيام أقرائها"، فكما لم يذكر الحميدي هذه الزيادة، كذلك لم يذكرها محمد بن المثنى عن سفيان في حديث مسلم، ولكن يشكل حينئذ نسبة الزيادة إلى سفيان، بل الأقرب أن الوهم فيه من تلميذه الذي روى عنه الزيادة، فإنه لو كان الزيادة من سفيان لا بد أن يذكره محمد بن المثنى والحميدي أيضًا.

(ولم يذكروا هذا الكلام) ضمير الجمع يعود إلى المذكورين من

(1) هكذا في "التهذيب"(4/ 216) بلفظ ثلاث وثلاثين، وفي "التقريب" و"الميزان" (2/ 220): ثلاث وستين. (ش). [قلت: وفي "التقريب" في الطبعة القديمة والجديدة أيضًا "ثلاث وثلاثين" وما جاء في "الميزان" "ثلاث وستين" فهو تحريف].

(2)

"صحيح مسلم"(334).

ص: 361

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَإِنَّمَا هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فيه

===

أصحاب الزهري الذين فيهم سفيان بن عيينة، وقد ادَّعى المصنف فيما تقدم أن سفيان أيضًا زاد في حديثه هذه الزيادة، فكيف نفى هاهنا ما ادّعاه قبل، والجواب عنه: أن سفيان بن عيينة لم يزد هذا الكلام الذي زاده الأوزاعي، بل زاد سفيان ما يغاير في المعنى ما زاده الأوزاعي، وشرحه أن سفيان زاد:"فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها"، وهذا الكلام يدل على أنه صلى الله عليه وسلم جعلها غير مميزة بين الدمين، فأمرها أن يجعل حيضها على الأيام التي كانت تحيض قبل أن يصيبها ما أصابها من استمرار الدم، ولم يأمرها أن تترك الصلاة عند إقبال الحيضة، لأن إقبال الحيضة لم تعرفها.

وأما الأوزاعي فزاد في حديثه: فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي"، وهذا الأمر محمول على أنها كانت مميزة بين الدمين تعرف إقبال حيضها بلون الدم، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك الصلاة عند إقبال حيضتها التي تعرفها بشدة حمرتها، فما زاد الأوزاعي من الكلام مغاير لما زاده ابن عيينة، فسقط الإشكال عن أصله.

(قال أبو داود: وإنما هذا) أي إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي (لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) أي في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، أدخل الأوزاعي في حديث الزهري عن عروة وهمًا، وحديث هشام هذا أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

(قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه) أي في الحديث عن الزهري

ص: 362

أَيْضًا "أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا"، وَ (1) هُوَ وَهَمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِىِّ فِيهِ شَىْءٌ، يَقْرُبُ مِنَ الَّذِى زَادَ الأَوْزَاعِىُّ فِى حَدِيثِهِ.

286 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عَدِىٍّ، عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِى ابْنَ عَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِى حُبَيْشٍ قال: "إنَّهَا

===

(أيضًا: أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، وهو وهم من ابن عيينة) وقع (2) هذا الكلام هاهنا مكررًا، وقد تقدم ذكر هذا من المصنف قريبًا فتكراره بلا فائدة، (وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء) أي من الكلام (يقرب من الذي) أي من الكلام الذي (زاد الأوزاعي في حديثه) وهو هذا (3).

286 -

(حدثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن أبي عدي، عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: ثني ابن شهاب) الزهري، (عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش قال) أي عروة: (إنها) أي فاطمة بنت أبي حبيش

(1) وفي نسخة بزيادة: "قال أبو داود".

(2)

ولعله كرره تنبيهًا على أن ذكر سفيان في الجماعة لا يوهم صحة روايته. (ش).

(3)

وما يخطر في البال أن المراد بحديث محمد بن عمرو غير المذكور هاهنا، والمعنى أن الأوزاعي لم يتفرد به كما بسطه في "الجوهر النقي"(1/ 327) إلَّا أنه لم يذكر حديث محمد بن عمرو، وهذا المعنى يتوقف عليه إلَّا أن الحاكم قال: تابع محمد ابن عمرو بن علقمة الأوزاعي على روايته هذه على هذه الألفاظ، لكنه ذكر بعده حديث ابن المثنى هذا، وذكره بلفظ: أخبرناه، وهذا يؤيد كلام الشيخ.

وفي "المنهل"(3/ 85): قال العيني: وجه القرب أن في زيادة الأوزاعي الإقبال والإدبار، وفي حديث محمد بن عمرو الآتي ذكر الأسود وغيره، ولا شك أن الأسود يكون في زمان الأقبال وغير الأسود يكون في زمان الأدبار. (ش).

ص: 363

كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:«إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِى عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ، فَتَوَضَّئِى وَصَلِّى، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» . [ن 215، حم 6/ 237، ق 1/ 325، قط 1/ 207]

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ مِنْ كِتَابِهِ هَكَذَا، ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ بَعْدُ حِفْظًا. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت:"إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ". فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.

===

(كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف) أي بسواد لونه تعرفه النساء، (فإذا كان ذلك (1) فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر) أي غير دم الحيض (فتوَضَّئي وصلي، فإنما هو عرق)(2) أي دم عرق، خروجه لا يمنع الصلاة.

(قال أبو داود: قال ابن المثنى: ثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا) أي عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش، ولم يذكر فيها عن عائشة، (ثم ثنا به) أي بهذا الحديث (بعدُ) أي بعد الحديث عن الكتاب (حفظاً. قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه) أي فذكر محمد بن أبي عدي حفظاً في معنى الحديث الذي ذكره من كتابه، والفرق بين حديثه من الكتاب، وبين ما حدث حفظًا، أن في حديثه من الكتاب يروي عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وفي حديثه حفظًا يروي عن عائشة.

(1) وهذا الحديث على ما فيه من الكلام لا يدل على اعتبار اللون، فإنه في معنى حديث أبي أمامة عند الدارقطني. (ش).

(2)

قد حسن ابن العربي هذا الحديث (1/ 197).

ص: 364

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَ (1) رَوَى أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ:"إِذَا رَأَتِ الدَّمَ الْبَحْرَانِىَّ فَلَا تُصَلِّى، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً، فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّى"

===

وأما البيهقي فأخرج هذا الحديث بسنده من طريق أحمد بن حنبل، ثنا محمد بن أبي عدي، ثنا محمد بن عمرو - يعني ابن علقمة - عن الزهري، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث، فأخرجه مرسلًا، وقال في آخره: قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كان ابن أبي عدي حدثنا به عن عائشة ثم تركه، فسياق المصنف عن ابن المثنى يخالف سياق البيهقي عن ابن حنبل (2).

(قال أبو داود: وروى أنس بن سيرين) الأنصاري، أبو موسى، مولى أنس، ولد لسنة أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت، وثَّقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، وقال: توفي بعد أخيه محمد، وكان قليل الحديث، مات سنة 118 هـ.

(عن ابن عباس في المستحاضة قال: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة (3) فلتغتسل وتصلي) قال في "النهاية": دم بحراني: شديد العمرة، كأنه قد نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم، وزادوه في النسب ألفًا ونونًا للمبالغة، يريد الدم الغليظ الواسع، وقيل: نسب إلى البحر لكثرته وسعته، وهذا التعليق لم أجده موصولًا (4).

(1) وفي نسخة بزيادة: "قد".

(2)

والظاهر عندي أن غرض ابن حنبل غير ما أراد أبو داود، فغرضه أن زيادة عائشة كان يزيده حفظًا أولًا، ثم تركه. (ش).

(3)

ذكر البخاري هذا الجزء تعليقًا، وأخرجه البيهقي مرسلًا. (ش).

(4)

وصله الدارمي (800) وابن أبي شيبة (1/ 153)، كذا في "الفتح"(1/ 429). (ش).

ص: 365

وَقَالَ (1) مَكْحُولٌ: "إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ، إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّى".

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِى الْمُسْتَحَاضَةِ:"إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتِ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ".

وَرَوَى سُمَىٌّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: "تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا".

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.

===

(قال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك) أي سواد الدم وغلظه (وصارت صفرة رقيقة، فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصلي)، وقد حكى البيهقي هذا التعليق عن أبي داود ثم قال في آخره: قال الشيخ: وقد روي معنى ما قال مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا بإسناد ضعيف، ثم أخرج بسنده حديث أبي أمامة من طريق العلاء، قال: سمعت مكحولًا يقول: عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث.

(قال أبو داود: وروى حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد) القطان، (عن القعقاع بن حكيم، عن سعيد بن المسيب في المستحاضة، إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت، وروى سُمي وغيره، عن سعيد بن المسيب: تجلس أيام أقرائها. وكذلك) أي كما روى حماد بن زيد (رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد) القطان، (عن سعيد بن المسيب) وهذه التعليقات التي ذكرها أبو داود أخرج البيهقي (2) منها أولها

(1) وفي نسخة: "ولتصل وقال".

(2)

انظر: "السنن الكبرى"(1/ 326).

ص: 366

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ: "الْحَائِضُ إِذَا مَدَّ بِهَا الدَّمُ تُمْسِكُ بَعْدَ حَيْضَتِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَهِىَ مُسْتَحَاضَةٌ".

وَقَالَ التَّيْمِىُّ: عَنْ قَتَادَةَ: "إِذَا زَادَ (1) عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَلْتُصَلِّى. قَالَ التَّيْمِىُّ: فَجَعَلْتُ أَنْقُصُ حَتَّى بَلَغْتُ يَوْمَيْنِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمَيْنِ، فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا. وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْهُ فَقَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ".

===

موصولًا بسنده من طريق يزيد بن هارون قال: أنبأنا يحيى - يعني ابن سعيد -، أن القعقاع بن حكيم أخبره أنه سأل سعيد بن المسيب عن المستحاضة، الحديث، ثم قال البيهقي: وكذلك رواه حماد بن زيد.

(قال أبو داود: وروى يونس (2) عن الحسن) البصري: (الحائض إذا مد) أي استمر (بها الدم تمسك) من الإمساك أي عن الصلاة (بعد حيضتها يومًا أو يومين، فهي) أي بعد مضي يوم أو يومين على عادتها المعروفة (مستحاضة) أي في حكم الطاهرات، فتصوم وتصلي.

(وقال التيمي) أي سليمان: (عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصلي، قال التيمي: فجعلت أنقص) أي أقول: إذا زاد على أيام حيضها أربعة أو ثلاثة (حتى بلغت يومين، فقال: إذا كان يومين، فهو من حيضها) فخالف الحسن، (وسئل ابن سيرين) أي محمد (عنه) أي عن الحيض (فقال: النساء أعلم بذلك) أي هن أعرف بالتمييز بين الدمين، فَحُوِّل الحكم على رأي من ابتليت به.

(1) وفي نسخة: "زادت".

(2)

ومناسبة هذا الأثر وما بعده بالترجمة خفية، إذ الحسن إنما أمرها بعد الحيض يومًا أو يومين بطريق الاستظهار مثل قول المالكية، كما بسطه ابن رسلان. (ش).

ص: 367

287 -

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،

===

287 -

(حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: نا عبد الملك بن عمرو) القيسي، أبو عامر العقدي، بفتح المهملة والقاف، البصري، قال النسائي: ثقة مأمون، وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان إسحاق إذا حدث عن أبي عامر قال: حدثنا أبو عامر الثقة الأمين، وقال ابن معين وأبو حاتم: صدوق، مات سنة 204 هـ أو 205 هـ.

(نا زهير بن محمد) التميمي، أبو المنذر الخراساني المروزي الخرقي. قلت: قال السمعاني في "الأنساب"(1): بفتح الخاء والراء في آخرها القاف، هذه النسبة إلى خرق، وهي قرية على ثلاثة فراسخ من مرو، بها سور قائم (2)، وجامع كبير حسن، ويقال: إنه من أهل هراة، ويقال: من أهل نيشابور، قدم الشام، وسكن الحجاز.

قال أحمد: لا بأس به مستقيم الحديث ثقة، قال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح، وقال ابن معين: صالح لا بأس به، وقال عثمان عن يحيى: ثقة، وقال معاوية عن يحيى: ضعيف، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه، فما حدث به من حفظه ففيه أغاليط، وما حدث من كتبه فهو صالح، وقال عثمان الدارمي وصالح بن محمد: صدوق ثقة، زاد عثمان: وله أغاليط كثيرة، وقال النسائي مرة: ضعيف، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس به بأس، وقال ابن عدي: لعل أهل الشام أخطؤوا عليه، فإنه إذا حدث عنه أهل

(1)(2/ 148).

(2)

هكذا في الأصل ولكن في "الأنساب" بدله: "سوق قائمة".

ص: 368

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ

===

العراق، فروايته عنهم شبه المستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، مات سنة 162 هـ.

(عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة) ابن عبيد الله التيمي، أبو إسحاق المدني، وقيل: الكوفي، قال العجلي ويعقوب بن شيبة: ثقة، وقال مصعب الزبيري: استعمله ابن الزبير على خراج الكوفة، وذكر الكلبي أن أمه خولة بنت منظور بن زبان تزوجها أبوه، وقتل يوم الجمل وهي حامل بإبراهيم هذا، فيكون مولده سنة 36 هـ، وتكون روايته عن عمر مرسلة بلا شك، وقال ابن سعد: كان شريفًا صارمًا، له عارضة وإقدام، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات".

(عن عمه عمران بن طلحة)(1) بن عبيد الله التيمي، ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسماه عمران، وأمه حمنة بنت جحش، قال العجلي: مدني تابعي ثقة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عندهم حديث واحد عن أمه في الاستحاضة.

(عن أمه حمنة (2) بنت جحش) الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب بنت

(1) وكان ابن جريج يقول: عمر بن طلحة، وكذا قال الذهبي، والصواب عمران، "ابن رسلان". (ش).

(2)

وهي متحيرة عندنا، ويحتمل عند الشافعي وأحمد أن تكون متحيرة، وأن تكون مبتدأة كما في "أجزاء المستحاضات" لهذا العبد الفقير، وقال النووي في "شرح المهذب" (2/ 379): اختلف في حالها، فقيل: كانت مبتدأة، فردها - إلى غالب عادة النساء، وقيل: كانت معتادة، ستة أو سبعة، فردها إليها، وذكر الاحتمالين الشافعي في "الأم"(1/ 200)، واختار أنها كانت معتادة، واختار صاحب "المهذب" أنها كانت مبتدأة، وكذا اختاره إمام الحرمين وابن الصباغ والشاشي وآخرون ورجحه الخطابي

إلخ. (ش).

ص: 369

قَالَتْ: "كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِى بَيْتِ أُخْتِى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَرَى فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِى الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ.

===

جحش، وكانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدًا وعمران، وأمها وأم أختها زينب أميمة بنت عبد المطلب كانت من المبايعات، وشهدت أحدًا، فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى، وكانت حمنة تستحاض، كما أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل.

(قالت: كنت أستحاض حيضة) بكسر الحاء (1) لا غير (كثيرة) في الكمية (شديدة) في الكيفية (2)، وفيه إطلاق الحيض على دم الاستحاضة تغليبًا.

(فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره) بحالي وأستفتيه حكمه، فالواو لمطلق الجمع، (فوجدته) صلى الله عليه وسلم (في بيت أختي زينب بنت جحش) أي أم المؤمنين.

(فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة) أي يجري دمي أشد جريًا من دم الحيض، والكثرة من حيث الوقت والدم، (فما ترى فيها؟ ) أي فما رأيك في هذه الحالة الشديدة؟ (قد منعتني الصلاة والصوم)

(1) قاله القاري (2/ 103). (ش).

(2)

قال ابن رسلان: فيه حجة على أن الحيض ينقسم إلى الشدة والضعف، واختلفوا فيما به الاعتبار في القوة والضعف، فمنهم من يقول: هذا باللون فقط، فالأسود قوي من الأحمر، وهو قوي من الأصفر

إلخ، وقال العراقيون: إن القوة بثلاثة أمور: اللون والثخانة والرائحة، فما له رائحة كريهة قوي بالنسبة إلى ما دونه.

قلت: ولعل مناسبة الحديث بالترجمة من حيث إن الشدة والضعف باعتبار اللون. (ش).

ص: 370

فَقَالَ: «أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ» . قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فتلجمي» . قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قال: "فاتخذي ثوبًا". فقالت: هو أكثر من ذلك، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ

===

لأنها زعمت أن الدم الذي يجري من الفرج حيض، والحيض يمنع الصلاة والصيام، فهذا أيضًا يمنعها من الصلاة والصيام.

(فقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنعتُ) أي أصف وأبين (لكِ الكرسف)(1) أي القطن، أي استعمليه في محل الدم، (فإنه) أي القطن (يذهب الدم) أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو معناه: فاستعمليه لعل دمك ينقطع، (قالت: هو أكثر من ذلك) أي من أن يكون الكرسف مانعًا من الخروج، أو قاطعًا.

(قال: فتلجمي)(2) أي شدي خرقة على هيئة اللجام كالاستثفار، (قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا) أي مطبقًا، (فقالت: هو أكثر من ذلك) أي من أن يمنعه (إنما أثج) بضم المثلثة (ثجًّا) لازم ومتعد، أي أنصبُّ أو أصبُّ، فعلى الثاني تقديره أثج الدم، وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة، أي يسيل دمي سيلانًا فاحشًا.

(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سآمرك) السين للتأكيد (بأمرين) أي بحكمين، أو فعلين (بأيهما) الباء زائدة أي أيّ الفعلين (فعلت أجزأ عنك) أي أغنى

(1) قال ابن العربي (1/ 205): الكرسف له ستة أسماء، ثم ذكرها، ثم قال: وإنما اختار القطن مع قلة وجوده دون الصوف مع كثرته لعلة لسنا لها، وقال ابن رسلان: لكونه مُذهبًا للدم، فاستعمليه بعد الدم لينقطع عنك. (ش).

(2)

وفي" عارضة الأحوذي"(1/ 205): افعلي فعلًا يمنع سيلانه كاللجام يمنع استرسال الدابة، وقيل: هو من اللجمة، وهو فوهة النهر، وقال أيضًا: كلمة غريبة لم يقع إليَّ تفسيرها في كتاب. (ش).

ص: 371

مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ». فَقَالَ لَهَا: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ من رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِى سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ

===

عنك (من الآخر) أي فالفعلان متساويان في الإجزاء والإغناء، ولفظة "من" في قوله:"من الآخر" بمعنى البدل، (فإن قويت) أي قدرت (عليهما) أي على كل واحد منهما فاخترت الأقوى منهما (فأنتِ أعلم، قال) صلى الله عليه وسلم (لها) أي لحمنة: (إنما هذه) أي الثجة (ركضة) أي دفعة وضربة، والركضة: ضرب الأرض بالرجل في حال العدو أو غيره (من ركضات الشيطان)(1) أي إضرار وإفساد منه، وإضافتها إلى الشيطان، لأنه وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها وقت طهرها وصلاتها وصيامها، فكأنها ركضة منه (فتحيضي) أي تعدي (2) نفسك حائضة (ستة أيام (3) أو سبعة أيام).

قال القاري (4): قيل: "أو" للشك من الراوي، وقد ذكر أحد العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها، وقيل: للتخيير بين كل واحد من العددين، لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء، وقال النووي:"أو" للتقسيم، أي ستة إن اعتادتها، أو سبعة إن اعتادتها إن كانت معتادة،

(1) اختلف في تأويله على وجهين: منهم من جعله حقيقة، وكذا روي عن عائشة وهو الأوجه عندي، ومنهم من جعله مجازًا، كذا في "عارضة الأحوذي" مبسوطًا (1/ 207). (ش).

(2)

كذا في الأصل والصوابا "عُدِّي". (ش).

(3)

قال ابن رسلان: إنما خص الست والسبع، لأنها الغالب في النساء، واختلف في المرأة هل كانت مبتدأة أو معتادة ناسية لعادتها، وصحح الخطابي الأول، فعلى هذا رددناها إلى الغالب، قلت: وعلى ما قاله الخطابي حمله البيهقي، ولذا بوب عليه به، وتقدم شيء منه قريبًا، وقال النووي في "شرح المهذب" (2/ 379): قال صاحب "التتمة": من قال: كانت معتادة، ذكر في ردها إلى الستة أو السبعة، ثلاث توجيهات وهي المذكورة في "البذل" في كلام النووي. (ش).

(4)

"مرقاة المفاتيح"(2/ 106).

ص: 372

فِى عِلْمِ اللَّهِ تعالي ذكره، ثُمَّ اغْتَسِلِى، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّى ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا، وَصُومِى، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ،

===

ولعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة؟ ، فقال لها: ستة إن لم تذكري عادتك، أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك، أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما، فقال: ستة في شهر الستة، وسبعة في شهر السبعة، انتهى.

وقيل: للتنويع على اعتبار حالها بحال من هي مثلها من النساء المماثلة لها في السنن المشاركهَ لها في المزاج، فإن كانت عادة مثلها ستًا فستًا، وإن سبعًا فسبعًا، ولعل هذا في المتبدأة أو المتحيرة، وقيل: وهو الظاهر أنها كانت معتادة، ونسيت أن عادتها كانت ستًا أو سبعًا، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقنت من أحد العددين، كما يدل عليه قوله:(في علم الله تعالى ذكره) أي فيما علم الله من أمرك.

(ثم اغتسلي) أي بعد الستة والسبعة من الحيض، (حتى إذا رأيت) أي علمت (أنك قد طهرت) أي بلغت وقت كمال الطهارة (واستنقأت) أي بلغت وقت كمال الاستنقاء، قال في "المغرب": الاستنقاء مبالغة في تنقية البدن، والهمزة فيه خطأ. وهي في النسخ كلها مضبوطة بالهمزة، فتكون التخطئة جرأة عظيمة من صاحب "المغرب" بالنسبة إلى عدول الضابطين الحافظين مع إمكان حمله على الشذوذ، ومن العجيب أنه لو نقل الزَوْزَنِي عن الأصمعي عن البدوي الذي يبول على عقبيه مثل هذا لوضعوه على رؤوسهم، وهذا النقل المعتمد المسند بالسند خطأ عندهم! ! فهيهات هيات.

(فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة) يعني وأيامها إن كانت مدة الحيضة سبعة (أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها) إن كانت مدة الحيض ستة، (وصومي) أي رمضان وغيره من كل شهر كذلك، (فإن ذلك) أي ما قدر لك من الأيام في حق الصلاة والصيام (يجزئك) أي يكفيك.

ص: 373

وَكَذَلِكَ فَافْعَلِى فِى كُلِّ شَهْرٍ، كَمَا يحِضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فإِنْ (1) قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِى الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِى الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ (2)، وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ

===

(وكذلك) أي مثل ما ذكرت لك الآن (فافعلي في كل شهر، كما يحضن النساء وكما يطهرن) أي اجعلي حيضتك بقدر ما يكون عادة النساء من ست أو سبع، وكذلك اجعلي طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين (ميقات حيضهن وطهرهن) نصب على الظرف، أي في ميقات حيضهن وطهرهن، وهذا مبني على مذهب الشافعي من اعتبار المماثلة بالنساء.

(فإن قويت) هذا هو الأمر الثاني بدليل قوله: هذا أعجب الأمرين إليّ، وتعليقه صلى الله عليه وسلم هذا بقوتها لا ينافي قوله السابق:"وإن قويت عليهما"، لأن ذلك لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار ما شاءت، وهذا لبيان أنها إذا قويت عليهما تختار الأحب إليه صلى الله عليه وسلم، وقيل: لما خيرها بين الأمرين بمعنى: إن قويتِ على الأمرين بما تعلمين من حالك وقوتك فاختاري أيهما شئت، ووصف أحد الأمرين، ورأى عجزها عن الاغتسال لكل صلاة، قال لها: دعي ذلك إن تقوي عليه وإن قويت

إلخ، ويفهم من هذا أنها إن عجزت عنه أيضًا نزل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أيسر وأسهل على قدر الاستطاعة.

(على أن تؤخري الظهر) إلى قريب من آخر وقتها (وتعجلي العصر) في أول وقتها (فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين) أي بغسل واحد (الظهر والعصر) بالجر بدل، ويجوز رفعهما ونصبهما، (وتؤخرين المغرب، وتعجلين

(1) وفي نسخة: "وإن"

(2)

وفي نسخة: "فتغسلي".

ص: 374

الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِى، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ، فَافْعَلِى، وَصُومِى، إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَىَّ» . [ت 128، جه 622، حم 6/ 439، قط 1/ 214، ك 1/ 172، ق 1/ 338]

===

العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين) أي المغرب والعشاء (فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي) هذا تأكيد، والشرطية باعتبار المجموع، (وصومي) أي في هذه المدة (إن قدرت على ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذا) أي أمر الاستحاضة (أعجب الأمرين إلى) وهما السفر والاستحاضة قاله ابن الملك، والظاهر أن الإشارة إلى الأمر الأخير، وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، لأن فيه رفقًا بها، والأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة، وأعجب معناه أحب وأسهل، انتهى، هذا كله الذي قلته في شرح الحديث ملتقط من "مرقاة" علي القاري مع تغيير.

قلت: وقع أولًا في الحديث: "سآمرك بأمرين"، والمراد بالأمرين ههنا هو الوضوء لكل صلاة في أيام استحاضتها، والثاني هو الغسل للصلاتين بعد الجمع بينهما، ووقع ثانيًا في آخر الحديث:"وهذا أعجب الأمرين إلى"، ولا يمكن أن يكون المراد ههنا ما كان المراد في الأول، لأنه لا يصح على هذه أن يكون هذا الأمر الثاني أعجب من الأول، لأنه ليس بأيسر وأسهل منه، فلهذا أوّله ابن الملك بأن المراد من الأمرين السفر والاستحاضة.

وهذا قول لا دليل عليه في الحديث، ولهذا ما ارتضاه علي القاري، وقال (1) ما حاصله (2): أن المراد بالأمرين ههنا هو الغسل لكل صلاة من

(1) انظر: "مرقاة المفاتيح"(2/ 108).

(2)

قلت: وهو الأوجه عند والدي، كما بسط في "تقاريره"، فالظاهر أن قوله صلى الله عليه وسلم في أول =

ص: 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

صلوات الخمس، والغسل للصلاتين بعد الجمع بينهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الغسل للصلاتين بعد الجمع أحب وأسهل عندي، ويدل عليه قول أبي داود في الباب الآتي قريبًا، وهو قوله:"قال أبو داود (1): في حديث ابن عقيل الأمران جميعًا، قال: إن قَوِيتِ فاغتسلي لكل صلاة، وإلَّا فاجمعي، كما قال القاسم في حديثه".

والعجب من صاحب "عون المعبود"، فإنه قال في "شرحه" (2) تحت هذا القول: وهذا أي الأمر الثاني أعجب الأمرين إلى، أي أحبهما إلى لكونه أشقهما، والأجر على قدر المشقة، والشعبي صلى الله عليه وسلم يحب ما فيه أجر عظيم، انتهى.

وهذه غفلة عظيمة من الشارح، فإنه لم ينظر إلى قول أبي داود الذي يأتي فيما بعد قريبًا: قال أبو داود: في حديث ابن عقيل الأمران جميعًا،

= الحديث من حكم الوضوء لكل صلاة ليس بداخل في الأمرين، بل بيَّن أولًا حقيقة الاستحاضة بقوله:"ركضة من الركضات"، ثم بَيَّن حكمه الكلي وهو أنها تمكث بقدر عادتها، ثم تتوضأ لكل صلاة، لكن السائلة لما كانت متحيرة بَيَّن لها الأمرين خاصة، وهما الغسل لكل صلاة والجمع، فعلى هذا ما في الحديث من قوله: فتحيضي

إلخ، جملة معترضة لبيان الحكم العام، فتأمل، ثم ظهر لي أن المراد من أول الحديث التحري، كما بسطه الطحاوي في "مشكله"(7/ 142)، فيكون المعنى عندي: سآمرك بأمرين: التحري أو الجمع، ولو قويت عليهما معًا فأنت أعلم، والجمع أحب عندي من التحري، لأن فيه براءة الذمة يقينًا، وهو الأوجه من الأول، ويؤيده ما في البيهقي عن الشافعي: أن الأمرين في حديث حمنة هو الغسل الواحد بعد الانقضاء، والجمع بين الصلاتين، وبه جزم ابن رشد في "البداية"(1/ 61). (ش).

(1)

قلت: وعند هذا العبد الضعيف قول أبي داود هذا ليس بمتعلق بحديث حمنة هذا كما سيأتي في محله. (ش).

(2)

"عون المعبود"(1/ 479).

ص: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قال: "إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلَّا فاجمعي"، وهذا القول يدل صريحًا على خلاف ما ذكره الشارح.

وأيضًا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحب ما هو أشق على الأمة، ولهذا نهى عن الوصال، بل يختار ما هو أيسر كما ورد:"ما خُيّر بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما"، قال الخطابي (1) تحت هذا الحديث: وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر، لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك.

وأما مذهب الحنفية - كثرهم الله تعالى - فعلى ما قال صاحب "البدائع"(2) في أحوال الدم بأن الدم قد يدر درورًا متصلًا، وقد يدر مرة وينقطع أخرى، ويسمى الأول استمرارًا متصلًا، والثاني منفصلًا.

أما الاستمرار المتصل فحكمه ظاهر، وهو أن ينظر إن كانت المرأة مبتدئة فالعشرة من أول ما رأت حيض، والعشرون بعد ذلك طهرها، هكذا إلى أن يفرج الله عنها، وإن كان صاحبة عادة فعادتها في الحيض حيضها، وعادتها في الطهر طهرها، وتكون مستحاضة في أيام طهرها.

وأما الاستمرار المنفصل فهو أن ترى المرأة مرة دمًا ومرة طهرًا هكذا، فنقول: لا خلاف في أن الطهو المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يومًا فصاعدًا يكون فاصلًا بين الدمين، ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضًا يجعل ذلك حيضًا، وإن أمكن جعل كل واحد منهما حيضًا يجعل حيضًا، وإن كان لا يمكن أن يجعل أحدهما حيضًا لا يجعل شيء من ذلك حيضًا، وكذا لا خلاف بين أصحابنا في أن الطهر المتخلل

(1)"معالم السنن"(1/ 141).

(2)

"بدائع الصنائع"(1/ 161).

ص: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون فاصلًا بين الدمين، وإن كان أكثر من الدمين، واختلفوا فيما بين ذلك، وعن أبي حنيفة فيه أربع روايات، انتهى.

قلت: محل تفصيلها كتب الفقه.

وقال في محل آخر (1): وأما صاحبة العادة في الحيض إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها فالزيادة استحاضة، وإن كانت عادتها خمسة فالزيادة عليها حيض معها إلى تمام العشرة، وإن جاوز العشرة فعادتها حيض وما زاد عليها استحاضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"، أي أيام حيضها، ولأن ما رأت في أيامها حيض بيقين، وما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله فيكون حيضًا فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة فتصلي فلا تترك الصلاة بالشك، وإن لم تكن لها عادة معروفة بأن كانت ترى شهرًا ستًا وشهرًا سبعًا فاستمر بها الدم، فإنها تأخذ في حق الصلاة والصوم والرجعة بالأقل، وفي حق انقضاء العدة والغشيان بالأكثر، فعليها إذا رأت ستة أيام في الاستمرار أن تغتسل في اليوم السابع لتمام السادس، وتصلي فيه، وتصوم إن كان دخل عليها شهر رمضان، لأنه يحتمل أن يكون السابع حيضًا، ويحتمل أن لا يكون، فدار الصلاة والصوم بين الجواز منها والوجوب عليها في الوقت فيجب، وتصوم رمضان احتياطًا، لأنها إن فعلت وليس عليها أولى أن تترك وعليها ذلك.

وأما في انقضاء العدة والغشيان فتأخذ بالأكثر، لأنها إن تركت

(1) المصدر السابق (1/ 158).

ص: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

التزوج مع جواز التزوج أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، وكذا ترك الغشيان مع الحل أولى من الغشيان مع الحرمة، فإذا جاء اليوم الثامن فعليها أن تغتسل ثانيًا، وتقضي اليوم الذي صامت في اليوم السابع، لأن الأداء كان واجبًا، ووقع الشك في السقوط إن لم تكن حائضًا فيه صح صومها ولا قضاء عليها، وإن كانت حائضًا فعليها القضاء، فلا يسقط القضاء بالشك، وليس عليها قضاء الصلوات، لأنها إن كانت طاهرة في هذا اليوم فقد صلت، وإن كانت حائضًا فيه فلا صلاة عليها للحال، ولا القضاء في الثاني، انتهى.

وقال أيضًا في بيان لون الحيض (1): أما لونه فالسواد حيض بلا خلاف، وكذا العمرة عندنا، وقال الشافعي: دم الحيض هو الأسود فقط، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش حين كانت مستحاضة:"إذا كان الحيض فإنه دم أسود فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي"(2).

ولنا قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} (3)، جعل الحيض أذى، واسم الأذى لا يقتصر على الأسود.

وقد روى الإِمام مالك رضي الله عنه في "الموطأ" عن علقمة بن أبي علقمة المدني، عن أمه، واسمها مرجانة مولاة عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: كان النساء

الحديث.

(1) المصدر السابق (1/ 152).

(2)

أخرجه أبو داود (286 و 304)، وابن حبان (1345)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 174).

(3)

سورة البقرة: الآية 222.

ص: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وأخرج البخاري رحمه الله بعد حذف السند: "وكن نساء يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة"(1).

فقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن ما سوى البياض حيض، والظاهر أنها قالت ذلك سماعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه حكم لا يدرك بالاجتهاد، ولأن لون الدم يختلف باختلاف الأغذية، فلا معنى للقصر على لون واحد، وما رواه غريب، فلا يصلح معارضًا للمشهور مع أنه مخالف للكتاب. على أنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من طريق الوحي أيام حيضها بلون الدم، فبنى الحكم في حقها على اللون لا في حق غيرها، وغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم أيام الحيض بلون الدم، انتهى.

قلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري (2) في "باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض"، من طريق أبي أسامة قال: سمعت هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة، فقال:"لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي".

وكذلك أخرج البخاري (3) في "باب غسل الدم" من طريق أبي معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قصة فاطمة بنت أبي حبيش

(1) ذكره البخاري تعليقًا في 6 - كتاب الحيض، 19 - باب إقبال المحيض وإدباره، وأخرجه مالك في الموطأ (127)، وعبد الرزاق في "مصنفه"(1159).

(2)

"صحيح البخاري"(325).

(3)

"صحيح البخاري"(228).

ص: 380

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ،

===

بنحو ما رواه أبو أسامة، فإن هذا الحديث دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ردها إلى عادتها، ولم يحولها على معرفة لون الحيض، فلو كان حولها إلى لون الحيض لم يكن لردها إلى عادتها المعروفة معنى.

وكذلك يؤيده ما أخرجه مسلم (1) من طريق جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة بن الزبير عن عائشة في قصة أم حبيبة بنت جحش، فقال لها:"امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك"، وكذلك ما رواه غيره أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، فلتترك الصلاة قدر ذلك"، وكذلك قوله:"أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها".

فهذه الألفاظ تدل على أنه لو كانت العبرة بلون الدم لما احتاجت النساء إلى أن ينظرن إلى أيام الحيض التي تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، وهذا واضح والله أعلم.

(قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت) وهو عمرو بن أبي المقدام الحداد، أبو محمد، ويقال: أبو ثابت الكوفي مولى بكر بن وائل، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال أبو داود: رافضي، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت، فإنه يسب السلف، وكان يقول: كفر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا أربعة، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال العجلي: شديد التشيع، غالٍ فيه، واهي الحديث، وقال البزار: كان يتشيع ولم يترك، مات سنة 172 هـ.

(1)"صحيح مسلم"(334/ 65 و 66).

ص: 381

عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ (1) فقَالَ: قَالَتْ حَمْنَةُ (2): هَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَىَّ، لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ (3) النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، جَعَلَهُ كَلَامَ حَمْنَةَ.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كان عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ رَافِضيًّا، وَذَكَرَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ.

===

(عن ابن عقيل فقال) أي عمرو بن ثابت: (قالت حمنة: هذا أعجب الأمرين إلى، لم يجعله) أي عمرو بن ثابت هذ القول (قول النبي صلى الله عليه وسلم) بل (جعله) أي جعل عمرو بن ثابت هذا القول (كلام حمنة) فخالف عمرو بن ثابت زهير بن محمد، فإنه جعله من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًا) أي فلا اعتماد على نقله، (وذكره) أي ذكر أبو داود جرحه وتضعيفه (عن يحيى بن معين) وفي نسخة على الحاشية، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: في الحيض حديث ابن ثابت عن ابن عقيل في نفسي منه شيء.

قال البيهقي (4) بعد نقل كلام أبي داود المتقدم: قال الشيخ: وعمرو بن ثابت هذا غير محتج به، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه سمع محمد بن إسماعيل البخاري يقول: حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلَّا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح.

(1) زاد في نسخة: "في هذا الحديث".

(2)

زاد في نسخة: "فقلت".

(3)

وفي نسخة: "من كلام".

(4)

"السنن الكبري"(1/ 339).

ص: 382

(111)

باب مَنْ رَوَى (1) أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ

288 -

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِىُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قالت: "إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - خَتَنَةَ

===

(111)

(بَابُ (2) مَا رُوِيَ أَنَّ المُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِل لِكُلِّ صلَاةٍ)

288 -

(حدثنا ابن أبي عقيل) لم نقف على حاله (3)(ومحمد بن سلمة المرادي قالا: ثنا ابن وهب) هو عبد الله، (عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب) الزهري، (عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إن أم حبيبة بنت (4) جحش - ختنة

(1) وفي نسخة: "من رأى".

(2)

من ههنا شرع المصنف أحكام المستحاضة بعد بيان أنواعها في البابين، وحكمها مختلف عند العلماء غير الأربعة، فبين المصنف كل حكم في باب، وهكذا ذكر حكمها العيني وابن قدامة، قال العيني (3/ 126): لا يجب عليها الاغتسال إلَّا مرة واحدة في وقت انقطاع الحيض، وبه قال الجمهور، وروي عن ابن عمر وعطاء وابن الزبير (وجماعة ذكرها النووي في "شرح المهذب" 2/ 494) الغسل لكل صلاة، وعن علي وغيره: كل يوم مرة، وعن الحسن وغيره: من ظهر إلى ظهر، قلت: والغسل لكل صلاة أوجبه الحنفية والشافعية في المتحيرة، كذا في "الأوجز"(1/ 633). (ش).

(3)

قلت: وهو عبد الغني، كلما تقدم بالبسط في هامش "باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة". (ش).

(4)

وهي متحيرة عندنا، فيجب عليها الغسل عند كل صلاة، وكذا عند الشافعية كما في كتب الفروع لهم سيما في "الإقناع"(1/ 343)، والغسل استحباب لكل مستحاضة عند أحمد، كما في "المغني"(1/ 449)، ولم أر مذهب المالكية في ذلك، وهي متحيرة عند الخطابي أيضًا إلَّا أن الحافظ أنكر على ذلك في "الفتح"(1/ 427)، =

ص: 383

رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى» . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَتْ (1) تَغْتَسِلُ فِى مِرْكَنٍ فِى حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ". [انظر تخريج الحديث 279 - 285]

===

رسول الله وتحت عبد الرحمن بن عوف - استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي) تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه قريبًا وزاد ههنا قول عائشة (قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن) أي إناء كبير (في حجرة أختها زينب بنت جحش) أم المؤمنين (حتى تعلو حمرة الدم الماء)(2).

وهذا الحديث ليس فيه ذكر الاغتسال لكل صلاة، ولكن لما كان في بعض طرقه (3) ذكر الاغتسال لكل صلاة أخرجه المصنف في هذا الباب ليدل على أن المراد بقول عائشة: فكانت تغتسل في مركن، تعني لكل صلاة.

= وقال: الصواب أنها كانت معتادة وتغتسل استحبابًا من عند نفسها، وطعن علي زيادة الأمر بالغسل، وقال ابن رسلان: المستحاضة المتحيرة تغتسل لكل صلاة إن لم تعلم انقطاع الدم في وقت معين، فإن علمت وجب الغسل كل يوم، نبه على ذلك النووي في "شرح المهذب"(2/ 467). (ش).

(1)

وفي نسخة: "وكانت".

(2)

ولا بد أن تنظف بعد ذلك من تلك الغسالة المتغيرة، قاله ابن رسلان. (ش).

(3)

كما سيجيء. (ش).

ص: 384

289 -

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ:"قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا: فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ". [حم 6/ 434، وانظر سابقه]

290 -

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِىُّ، حَدَّثَنِى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ:"فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ". [انظر سابقه]

===

289 -

(حدثنا أحمد بن صالح، نا عنبسة) بن خالد، (نا يونس) بن يزيد، (عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن، عن أم حبيبة) بنت جحش (بهذا الحديث: قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة).

290 -

(حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، ثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة بهذا الحديث قال) أي الليث بن سعد (فيه) أي في حديثه: (فكانت تغتسل لكل صلاة) كما قال يونس عن ابن شهاب.

قال الحافظ في "الفتح"(1): وهذا الأمر بالاغتسال مطلق فلا يدل على التكرار، فلعلها فهمت طلب ذلك منها بقرينة، فلهذا كانت تغتسل لكل صلاة، وقال الشافعي (2): إنما أمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعًا، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم (3): لم يذكر ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه

(1)"فتح الباري"(1/ 427).

(2)

وهكذا حكى عنه النووي في "شرح المهذب"(2/ 495). (ش).

(3)

أخرجه مسلم (334).

ص: 385

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قال الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ

===

شيء فعلته هي، وإلى هذا ذهب الجمهور قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة إلَّا المتحيرة، لكن يجب عليها الوضوء، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق عكرمة "أن أم حبيبة استحيضت فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، فإذا رأت شيئًا من ذلك توضأت وصلت"، واستدل المهلبي بقوله لها:"هذا عرق" على أنه لم يوجب عليها الغسل لكل صلاة، لأن دم العرق لا يوجب غسلًا، انتهى.

قلت: فعلى هذا الأمر بالاغتسال محمول على الغسل من المحيض فقط.

(قال أبو داود: قال القاسم بن مبرور) الأيلي بالفتح وسكون التحتانية، أحد الفقهاء، أثنى عليه مالك، وصلَّى عليه الثوري، مات بمكة سنة 108 هـ أو سنة 109 هـ، وذكره ابن حبان في "الثقات"(عن يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة، عن أم حبيبة بنت جحش).

غرض المصنف بهذا الكلام الإشارة إلى الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث، فإن في الرواية الأولى: عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، وفي الثانية من طريق يونس عن ابن شهاب قال: أخبرتني عمرة عن أم حبيبة، ولم يذكر فيه عروة ولا عائشة، وزاد فيه قول عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، وفي الثالثة من طريق الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة لم يذكر فيها عمرة، ولا الرواية عن أم حبيبة، وزاد فيها أيضًا: فكانت تغتسل لكل صلاة، ثم ذكر تعليق القاسم بن مبرور عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة عن أم حبيبة، أسقط فيه عروة وزاد عن عائشة عن أم حبيبة، فخالف القاسم بن مبرور ما حدثه عنبسة عن يونس.

ص: 386

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِمَعْنَاهُ.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِى حَدِيثِهِ: وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ.

291 -

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِىُّ،

===

(وكذلك) أي مثل ما ذكر القاسم بن مبرور عن ابن شهاب عن عمرة (روى معمر عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، وربما قال معمر: عن عمرة عن أم حبيبة بمعناه) أي بمعنى الحديث المتقدم، وحاصله أن معمرًا يخالف نفسه، فمرة يقول: عن عمرة عن عائشة، وربما قال: عن عمرة عن أم حبيبة.

(وكذلك) أي كما رواه القاسم (رواه إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم (وابن عيينة) سفيان (عن الزهري) ابن شهاب (عن عمرة عن عائشة) ولم يذكرا عروة ولا أم حبيبة.

(وقال ابن عيينة في حديثه: ولم يقل) أي الزهري (إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل) أي لكل صلاة، فوافق ابن عيينة ليثًا، فإن الليث بن سعد قال في حديثه: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي، كما وقع عند مسلم في "صحيحه"(1).

291 -

(حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب المخزومي المسيبي،

(1)"صحيح مسلم"(334).

ص: 387

حَدَّثَنِى أَبِى، عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قالت:"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ". [خ 327، ن 357، م 334]

وكذلك رواه الأوزاعي أيضًا، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة.

===

أبو عبد الله المدني، نزيل بغداد، قال مصعب الزبيري: لا أعلم في قريش أفضل من المسيبي، وثَّقه صالح وابن قانع وإبراهيم بن إسحاق الصواف، قال البخاري وغيره: مات سنة 236 هـ.

(ثني أبي) هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن المسيب بن أبي السائب المخزومي، أبو محمد، قال الساجي: سئل عنه ابن معين فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} (1) ، الآية، وقال أبو الفتح الأزدي: ضعيف يرى القدر، وقال الذهبي في "الميزان": صالح الحديث، مات سنة 206 هـ.

(عن ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد البر، (عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة) وحاصله أن في هذا الحديث ذكر الاغتسال لكل صلاة قول عائشة، كما في رواية عمرو بن الحارث والليث بن سعد ويونس وغيرهم من الحفاظ عن ابن شهاب، لا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(وكذلك رواه الأوزاعي أيضًا) أي كما روى ابن أبي ذئب وغيره من الحفاظ من أصحاب الزهري عن الزهري (قالت عائشة) رضي الله عنها: (فكانت تغتسل لكل صلاة)، فنسب الأوزاعي هذا القول إلى عائشة، كما قاله الحفاظ، ولم ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) سورة التوبة الآية 109.

ص: 388

292 -

حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قالت:"إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ .. [دي 776 - 783، حم 6/ 237، وانظر حديث أم حبيبة المذكور أول الباب]

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: "اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم:

===

292 -

(حدثنا هناد بن السري، عن عبدة) هو عبدة بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد، أدرك صرد الإِسلام، عن صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، مات 187 هـ، وقيل بعدها.

(عن ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار، (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها بالغسل لكل صلاة، وساق) أي محمد بن إسحاق (الحديث).

(قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي، ولم أسمعه منه) أي لم أسمع هذا الحديث من الطيالسي، بل بلغني بالواسطة عنه (عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: استحيضت زينب بنت جحش)(1) أم المؤمنين (فقالت لها النبي صلى الله عليه وسلم:

(1) اختلف في أن زينب أم المؤمنين هذه استيحضت أم لا؟ وأنكر ابن الجوزي استحاضة الأمهات مطلقًا، كذا في "الفتح"(1/ 411)، وأنكر ابن العربي (1/ 200) استحاضة =

ص: 389

«اغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.

===

اغتسلي (1) لكل صلاة، وساق) أي سليمان بن كثير (الحديث).

وغرض المؤلف بتخريج رواية أبي الوليد عن سليمان تقوية رواية ابن إسحاق في أن أمر الاغتسال لكل صلاة مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لا موقوف على عائشة - رضي الله تعالى عنها -، وقد تقدم عن "فتح الباري" (2) من قوله: أما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث: "فأمرها بالغسل لكل صلاة" فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة، لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكروها، انتهى.

ثم قال الحافظ في "الفتح": والجمع بين الحديثين يحمل الأمر في حديث أم حبيبة على الندب أولى، وقال: وحمله الخطابي على أنها كانت متحيرة، وفيه نظر (3) لما تقدم من رواية عكرمة:"أنه أمرها أن تنتظر أيام أقرائها"، وأجاب بعض من زعم أنها كانت مميزة بأن قوله:"فأمرها أن تغتسل لكل صلاة" أي من الدم الذي أصابها ، لأنه من إزالة النجاسة، وهي شرط في صحة الصلاة، وقال الطحاوي: حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أي لأن فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة.

قلت: وحديث محمد بن إسحاق لا يقاوم حديث الثقات الحفاظ من

= زينب، وكذا ظاهر كلام ابن رسلان إذ قال: الخامس سودة، وذكر بعضهم زينب، والصحيح خلافه، إنما المستحاضة أختها، وقال ابن عبد البر: الصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا مستحاضتين. (ش).

(1)

قال ابن رسلان: فالمتحيرة تغتسل عند كل صلاة إن لم تعلم انقطاع الدم في وقت معين، نبه على ذلك النووي في "شرح المهذب"(2/ 467). (ش).

(2)

(1/ 427).

(3)

وكذا قال ابن رسلان. (ش).

ص: 390

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ:«تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ» .

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا وَهَمٌ مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ أَبِى الْوَلِيدِ.

===

أصحاب الزهري، وهم عمرو بن الحارث ويونس والليث بن سعد ومعمر وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وابن أبي ذئب والأوزاعي فإنهم خالفوا ابن إسحاق، ولم يجعلوا حكم الغسل عند كل صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل جعلوه من قول عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن أم حبيبة كانت تفعل ذلك، وأما حديث أبي الوليد الطيالسي فلا حجة فيه، فإن أبا داود ما سمعه من أبي الوليد، ولا يدري الذي سمعه منه من هو على أن حديث أبي الوليد في قصة زينب بنت جحش، وحديث ابن إسحاق في قصة أم حبيبة بنت جحش.

(قال أبو داود: ورواه عبد الصمد) والذي أظن أنه عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم، التَنُّوري بفتح المثناة وتشديد النون المضمومة، أبو سهل البصري، وثَّقه ابن سعد، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن قانع: ثقة يخطئ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثبت في شعبة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو أحمد: صدوق صالح الحديث، مات سنة 207 هـ.

(عن سليمان بن كثير قال: توضَّئِئ لكل صلاة، قال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد) أي قوله: توضَّئِي لكل صلاة، قاله وهمًا وغلطًا (والقول فيه) أي القول الصحيح فيه (قول أبي الوليد) وهو: اغتسلي لكل صلاة.

ص: 391

293 -

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِى الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ،

===

حاصله: أن أبا الوليد وعبد الصمد اختلفا في الرواية عن سليمان بن كثير في قصة زينب بنت جحش فقال أبو الوليد: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتسلي لكل صلاة"، وقال عبد الصمد في حديثه: قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "توضَّئيْ لكل صلاة"، فرجح أبو داود رواية أبي الوليد على رواية عبد الصمد، لأن ما لأبي الوليد من الضبط والإتقان ليس لعبد الصمد ولا يدانيه فيه، قال البيهقي (1) بعد نقل قول أبي داود هذا: قال الشيخ: رواية أبي الوليد أيضًا غير محفوظة، فقد رواه مسلم بن إبراهيم عن سليمان بن كثير، كما رواه سائر الناس عن الزهري.

293 -

(حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر) التميمي المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، مولاهم، أبو معمر المقعد البصري، واسم أبي الحجاج ميسرة، قال ابن معين: ثقة ثبت، وقال يحيى: ثقة نبيل عاقل؛ وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا صحيح الكتاب، وكان يقول بالقدر، قال أبو داود: وكان الأزدي لا يحدث عن أبي معمر لأجل القدر، وكان لا يتكلم فيه، وقال العجلي: ثقة، وكان يرى القدر، وقال أبو حاتم: صدوق متقن قوي الحديث غير أنه لم يكن يحفظ، وكان له قدر عند أهل العلم، وقال ابن أبي حاتم عن أبي ذر: كان ثقة حافظًا، قال عبد الغني: يعني أنه كان متقنًا، وقال ابن خراش: كان صدوقًا، وكان قدريًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة 224 هـ.

(نا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان، (عن الحسين) بن ذكوان المعلم العوذي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة، نسبة إلى عوذ

(1)"السنن الكبرى"(1/ 350).

ص: 392

عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ، عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ:"حدَّثتْنِى (1) زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّىَ"

===

بطن من الأزد، البصري المكتب، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: سألت ابن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي ثم الأوزاعي وحسين المعلم، وقال الدارقطني: من الثقات، ووثَّقه ابن سعد والعجلي والبزار، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو جعفر العقيلي: ضعيف مضطرب الحديث، حدثنا عبد الله بن أحمد ثنا أبو بكر بن خلاد سمعت يحيى بن سعيد هو القطان، وذكر حسين المعلم فقال: فيه اضطراب، مات سنة 145 هـ.

(عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال: حدثتني زينب بنت أبي سلمة أن امرأة (2) كانت تهراق الدم) وهي أم حبيبة بنت جحش (وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي)، وهذا تأييد وتقوية لحديث ابن إسحاق عن الزهري، وسليمان بن كثير عن الزهري.

قال الخطابي (3): هذا الحديث مختصر، وليس فيه ذكر حال هذه المرأة، ولا بيان أمرها وكيفية شأنها في استحاضتها ، وليس كل امرأة

(1) وفي نسخة: "أخبرتني".

(2)

وهم فيه مالك في "موطئه"(106) إذ قال: زينب بنت جحش، الحديث، والصواب إبهام المرأة. (ش).

(3)

"معالم السنن"(1/ 143).

ص: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا يتميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها، ولا عددها ، ولا وقت انقطاع الدم عنها من أيامها المتقدمة، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئًا من الصلاة، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة، لأنه قد يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها، فالغسل عليها عند ذلك واجب، ومن كان هذا حالها من النساء لم يأتها زوجها في شيء من الأوقات، لإمكان أن تكون حائضًا، وعليها أن تصوم شهر رمضان كله مع الناس، وتقضيه بعد ذلك، لتحيط علمًا بأن قد استوفت عدد ثلاثين يومًا في وقت كان لها أن تصوم فيه، وان كانت حاجّة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، لتكون على يقين من وقوع الطواف في وقت حكمها فيه حكم الطهارة، وهذا على مذهب من رأى أكثر أيام الحيض خمسة عشر يومًا، انتهى.

قلت: أخرج مسلم في "صحيحه"(1) من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر، ومن طريق بكر بن مضر، قال: حدثني جعفر بن ربيعة في قصة أم حبيبة بنت جحش، وفيه: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي"، فهذه الرواية تدل على أنها كانت معتادة أو مميزة، فكيف يمكن أن يأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوبًا بالاغتسال لكل صلاة للتطهير، وقد طهرت من المحيض واغتسلت؟ ولو كان قابلًا للحجة فلا يخلو إما أن يكون الأمر لكل صلاة محمولًا على العلاج، أو للندب، أو لإزالة الدم من الجسد، أو لتقليل النجاسة فقط، والله أعلم.

(1)"صحيح مسلم"(334/ 65 و 66).

ص: 394

وَأَخْبَرَنِى أَنَّ أُمَّ بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِى الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ: «إِنَّمَا هِىَ - أَوْ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ - عِرْقٌ"، أَوْ قَالَ: "عُرُوقٌ». [جه 646، ق 1/ 337، حم 6/ 71]

قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَفِى حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ الأَمْرَانِ جَمِيعًا. وَقَالَ: «إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِى لِكُلِّ صَلَاةٍ،

===

(وأخبرني) عطف على قوله: عن أبي سلمة، أي قال يحيى بن أبي كثير: وأخبرني (1) أي أبو سلمة (أن أم بكر أخبرته) أي أبا سلمة، ويقال: أم (2) أبي بكر، روت عن عائشة في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر، وعنها أبو سلمة بن عبد الرحمن، روى لها أبو داود، ولم يذكرها المزي، قال في "التقريب": لا يعرف حالها، وقال في "الميزان": لا تعرف.

(أن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المرأة ترى ما يريبها (3) بعد الطهر) أي بعد أن تطهير من المحيض (إنما هي، أو قال: إنما هو عرق، أو قال: عروق) أي دم عرق يخرج من انفجاره، وليس هو دم رحم حتى يجب الغسل من خروجه، ولعل غرض المصنف بذكر هذه الرواية الإشارة إلى أن الأمر بالاغتسال لكل صلاة ليس هو لأجل التطهر من الحيض، بل لعلة أخرى.

(قال أبو داود: في حديث ابن عقيل) أي عبد الله بن محمد بن عقيل المتقدم قريبًا (الأمران جميعًا، قال: إن قويت فاغتسلي لكل صلاة،

(1) وكذ في" ابن رسلان". (ش).

(2)

كذا في "ابن رسلان". (ش).

(3)

بفتح الياء. "ابن رسلان". (ش).

ص: 395

وَإِلَّا فَاجْمَعِى» ، كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ فِى حَدِيثِهِ. وَقَدْ رُوِىَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَلِىٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما.

===

وإلَّا فاجمعي) حاصله (1): أن ما تقدم في الحديث المتقدم في قصة حمنة بنت جحش أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بأمرين، ثم قال:"وهذا أعجب الأمرين إلى"، فالأمران: أحدهما: الاغتسال لكل صلاة، وثانيهما: الاغتسال للجمع بين الصلاتين وأدائهما بغسل واحد، (كما قال القاسم في حديثه) الظاهر (2) أن المراد بالقاسم قاسم بن محمد بن أبي بكر، وسيخرج المصنف حديثه في الباب الآتي.

(وقد روي هذا القول) أي القول بالغسل لكل صلاة والقول بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد (عن سعيد بن جبير، عن علي وابن عباس) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(3) بسنده عن سعيد بن جبير: أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصره، فدفعه إلى ابنه، فتترتر (4) فيه، فدفعه إليّ، فقرأته، فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه (5) الغلام

(1) حاصله عندي غير ما أفاده الشيخ: والظاهر عندي أنه لا تعلق لهذا الكلام بحديث حمنة، بل يتعلق بأحاديث الباب، والمعنى أن المذكور في روايات الباب الغسل لكل صلاة فقط، وفي حديث ابن عقيل كلا الحكمين مذكور، الغسل لكل صلاة والجمع أيضًا، يدل على ذلك أن ما تقدم من حديث ابن عقيل في قصة حمنة ليس سياقه (إن قويت فاغتسلي لكل صلاة إلَّا فاجمعي"، فالظاهر عندي أن المراد بحديث ابن عقيل هاهنا غير المذكور سابقًا، وقد أخرج ابن ماجه ح (622) حديث ابن عقيل في قصة أم حبيبة أيضًا، لكنه لم يذكر ألفاظه بتمامها، بل أحال على لفظ شريك، ولفظ شريك بسياق آخر. (ش).

(2)

وقال ابن رسلان: كما قال القاسم بن مبرور الأيلي في حديثه. (ش)

(3)

(1/ 99).

(4)

الترترة: التحريك وإكثار الكلام، واسترخاء في البدن والكلام.

(5)

الهذرمة: سرعة الكلام والقراءة.

ص: 396