الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شريك بن عمرو، ولم يأزف الموعد المحدد حتى كان حنظلة قد عاد وأظهر استعداده للموت، فاهتز شعور الملك لهذا الوفاء، فأقلع عن هذا التقليد الذي سار عليه، وقد بلغ به التأثر حدًّا جعله يتنصر.
غير أن هذه القصة في نظر المؤرخين المحدثين إنما هي قصة أسطورية؛ فإذا كان لا بد من قبول فكرة بناء الغرييين، لما لهما من صلة بعبادة الأوثان التي تقضي بذبح القرابين ودهن الأصنام بدمائها، فإنه لا سبيل إلى قبول خبر دفن النديمين وقتل الناس القادمين إلى بلاط الملك في يوم بؤسه؛ لأن هذا أمر لا يقبله العقل والمنطق. إنما وجود هذه القصة في تراث الأخباريين إن هو إلا دليل على تأثر العقلية العربية بالثقافة اليونانية التي وصلت إلى أوج تغلغلها في العصر العباسي، ففي الآداب اليونانية قصة مطابقة لقصة الغرييين تمام المطابقة1. كما لا يستطيع المحدثون قبول فكرة تنصر المنذر إثر حادث فردي كهذا، بل ربما كان تنصره لدافع أقوى هو ما عرف من عمق تغلغل الديانة المسيحية في مجتمع الحيرة وبلاط الملك الذي كان يعج بالمؤمنين في عهده، ويروى أنه وزوجته هند قد اعتنقاها وقد خلفه ابنه:
1 جورحى زيدان: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص208 "يروي فيها قصة رجل يسمى فنطياس حكم عليه ملك سرقوسة بالإعدام، فاستمهله التنفيذ أيامًا يدبر فيها أمور أهله وكفله رجل، ثم عاد قبل الموعد بيوم واحد".
عمرو بن هند:
"554-574" ولقبه "مضرط الحجارة":
وأمه هند التي ينتسب إليها، هي ابنة الحارث الكندي وعمة الشاعر امرئ القيس، فهو كندي من جهة أمه. كان عمرو شديد البأس، قوي الشكيمة مع زهو وكبرياء وغطرسة، فهابته العرب. وقد استغل ضعف كندة ليوسع نفوذه فيما يلي الحيرة من شبه الجزيرة العربية، وحارب قبائل تميم وطيء وتغلب فكسرها وأخضعها. وكان سبب غزوه لتغلب أنه طلب من وجوهها مساعدته للأخذ بثأر أبيه من الغساسنة، فامتنعوا فغزاهم وفتك بهم1، وأما غزوه لتميم في يوم أوارة الثاني فكان سببه رغبته في الانتقام لأخيه
1 الأغاني: 11/ 3833.
"سعد" الذي قتلته، ويروى أن عدد من قتل منهم بلغ مائة شخص ألقى جثثهم في النار فلقب بـ "المحرق".
وقد عرف عن عمرو بن هند حبه للشعر والأدب؛ فتح بلاطه للأدباء والشعراء، فتقاطروا عليه من أماكن نائية لإنشاده ونيل جوائزه، فأصبحت الحيرة في عهده موئل الشعراء، قصده منهم بوجه خاص طرفة بن العبد والحارث بن حلزة1 المتلمس وعمرو بن كلثوم، ولم تكن مجالسه لتخلو من منافسة الشعراء بعضهم لبعض، ومن نقد بعضهم لبعض. ويظهر من الروايات التي تحدثت عنه أنه كان مغرورا متغطرسا سريع الانفعال، الأمر الذي أوقعه في مشاكل عديدة، فلأكثر مشاهير شعراء الجاهلية خبر أو قصة معه؛ مما جعله في أحيان كثيرة عرضة لهجومهم.
وقصصه مع طرفة بن العبد والمتلمس2 وعمرو بن كلثوم معرفة ومشهورة. وأشهرها قصته مع عمرو بن كلثوم، إذ حدا به غروره وغطرسته يومًا إلى سؤال جلسائه: هل من أحد من العرب تأنف أمه أن تخدم أمي؟ فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم، أبوها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل أعز العرب وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، فدعا
1 راجع الأغاني "11/ 3829" عن مناسبة نظم الحارث بن حلزة معلقته:
آذنتنا ببينها أسماء
…
رب ثاوٍ يمل منه الثواء
بعد عهد لها ببرقة شما
…
ء فأدنى ديارها الخلصاء
وقد قالها ارتجالًا في مجلس عمرو بن هند، في أثناء جدل بين عمرو بن كلثوم التغلبي وبين زعيم من زعماء بكر التي ينتمي إليها الحارث بن حلزة. وكان الحارث بن حلزة مصابًا بالوضح "البرص" وكان عمرو بن هند قد أمر بأن يجعل بينهما ستار، فما زال يدينه منه ويدنيه حتى أمر بطرح الستر وأقعده معه قريبا منه لإعجابه به.
2 يروى أن عمرو بن هند قد جعل الدهر يومين يومًا يصيد فيه ويومًا يشرب، فإذا جلس للشراب أخذ الناس بالوقوف على بابه حتى يرتفع مجلس شرابه، وقد هجاه طرفة بن العبد ولم يزل يهجوه ويهجو أخاه قابوسًا، ويشبب بأخت لهما، وكان المتلمس خال طرفة بن العبد يساعده على هجائه، إلى أن قال لهما عمرو يوما: قد طال ثواكما ولا مال قبلي، ولكن كتبت لكما إلى عاملي بالبحرين يدفع لكل منكما مائة ألف درهم، فأخذ كل منهما صحيفته. غير أن المتلمس قد ارتاب في الأمر وأقرأ صحيفته لغلام نصراني فإذا فيها:"إذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا" فطرح الصحيفة وقال لطرفة: في صحيفتك مثل هذا؟ قال: ليس يجترئ على قومي بهذا وأنا بذلك البلد أعز منه، فمضى طرفة إلى عامل البحرين فلما قرأ صحيفته قطع يديه ورجليه وصلبه. "تاريخ اليعقوبي: 1/ 172" أو فصد أكحليه فنزف حتى مات "الألوسي: 3/ 374-375".