الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقد قاد حملة ثانية على "طيسفون" وضرب عليها الحصار، ولم يقبل بما قدمه الفرس من تنازل، بل كان شرطه الأساسي أن يطلقوا سراح الإمبراطور "فاليريان" ولم ينقذ العاصمة الفارسية من تهديده لها سوى الخطر الذي حاق بالإمبراطورية الرومانية في هجوم الجرمن البرابرة والقوط، فارتد إليهم وخلصها من خطرهم. وفي طريق عودته إلى عاصمته نزل في حمص حيث انقض عليه ابن أخيه معن وأعوان له في أثناء مأدبة كان قد أقامها احتفالًا بعيد ميلاده، فقتله غيلة؛ لزعمه بأنه كان غاصبا لعرشه.
غير أن الغموض يكتنف الظروف التي قتل فيها "أذينة" وليس هناك من الأدلة القاطعة ما يؤكد أن الحادثة قد وقعت بتدبير من الرومان، أو من الحزب الوطني التدمري الذي كان يكره اليونان والرومان1. وتتوالى الأحداث سراعًا بعد مقتله إذ لم يلبث أهل حمص -وربما بإيحاء من زوجته زنوبيا وأعوان زوجها الراحل- أن انقضوا على "معن" الذي تولى الحكم بعده فقتلوه، وآل الحكم بعدئذ إلى ابن لأذينة صغير السن هو "وهب اللات" فكان على أمه زنوبيا أن تتولى الوصاية عليه، وأن تحكم باسمه.
1 د. جواد علي: 2/ 96.
حكم زنوبيا:
كانت زنوبيا عربية الأصل1، ذات شخصية قوية، تتحلى بتربية عالية، تجيد اليونانية والآرامية، وتتكلم بهما بمثل الطلاقة التي تتكلم بها العربية، ولم تكن تجهل اللاتينية، ولها اطلاع على تاريخ الغرب بالإضافة إلى كونها قد دونت لنفسها خلاصة لتاريخ الشرق، مما يدل على سعة اطلاعها عليه، وأَلِفَتْ أن تعقد الموازنة بين روائع "هوميروس وأفلاطون" تحت إشراف فيلسوف بلاطها العالم "لونجين" الأمر الذي يشهد باطلاعها أيضا على الفلسفة الأفلاطونية. يصفها إدوار جيبون2 بأنها كانت تتمتع بعبقرية فذة، وأنها أُوتيت من الصفات كالجرأة والشجاعة، ما رفعها إلى مرتبة البطولة، عودت
1 وقد روي أنها انتمت إلى البطالمة. لكن بعض المؤرخين يفسرون هذا الانتماء بحرصها على التقرب من الرومان، بادعائها أنها من أصل يوناني وليست بعيدة عن الحضارة، أو بحرصها على التقرب من المصريين ليخلصوا لحكمها، أو بحرصها على إلباس أسرتها لباس القدم والأصالة في الملك "جواد علي: 3/ 103".
2 إدوار جيبون: اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها، ص265.
جسمها وبنيتها على التعب والجهد، فكانت ترتدي اللباس العسكري، وتمتطي الجواد وتسير في مقدمة جيشها، وأنها بحسن بصرها بالأمور وجلدها وثباتها كانت خير عون لزوجها أذينة في أداء مهام الحكم.
وفي عهد وصايتها على ابنها "وهب اللات" بدأ نجمها يسطع، وأصبح بلاطها من الفخامة بحيث يضاهي البلاط الساساني رونقًا وبهاءً. حكمت في عزم الرجال تدمر وسورية والشرق لأكثر من خمس سنوات، واستشعرت الدول المجاورة لها، كدولتي أرمينية وفارس، الرهبة من عدائها فتوسلت لمحالفتها.
هنالك رواية عربية معروفة، ذكرها كل من الطبري والمسعودي، تزعم بأنها هي نفسها الزباء، ويسميها الطبري نائلة بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميذع العمليقي، بينما يسميها المسعودي باسم "الزباء بنت عمر
…
إلخ" التي انتقمت من جذيمة الأبرش أول ملك للحيرة كما تزعم بعض الروايات العربية، إذ استدرجته إلى قصرها وقتلته انتقامًا لقتله والدها، فقام بعده ابن أخته وخليفته عمرو بن عدي فانتقم بدوره له عن طريق الحيلة، إذ وجه إليها رجلًا يسمى قصير بن سعد الذي جدع أنفه، وادعى أنه مطرود من بلاط الحيرة، حتى إذا نال ثقة الزباء أدخل رجال عمرو بن عدي إلى قصرها فقتلوها "ومن هنا جاء المثل المعروف: لأمر ما جدع قصير أنفه". وهذه الرواية تبدو بعيدة عن الصحة ومختلقة، إنما ترمز إلى ما كان من صلات تجارية بين تدمر والحيرة.
شعرت زنوبيا بقوتها بعد أن أصبح تحت تصرفها جيش بلغ من القوة والبأس ما تستطيع أن تتحدى به الإمبراطورية الرومانية، فلم تعد تهتم بالخضوع لها، واحتقرت مجلس الشيوخ "السيناتو" الذي لم يعترف لها بما كان لزوجها من سلطة، فآلت على نفسها أن تنتقم لزوجها الذي اعتقدت أن الرومان هم الذين دبروا مؤامرة قتله، وربما كان مشروعها يرمي إلى الاستقلال عن روما وقطع كل علاقة معها. فما كان من الرومان -وقد شعروا بنواياها- إلا أن سيَّرُوا إليها حملة تظاهرت باتجاهها لمحاربة الفرس، لكنها في الواقع كانت موجهة لإخضاعها، فقابلتها زنوبيا وهزمتها وقتلت قائدها "هركليانوس". ثم اغتنمت مشاكل الإمبراطورية الداخلية من صراع الطامعين بالعرش مع
الإمبراطور القائم، ومن قيام الجرمن البرابرة بحركات تمرد في بلاد الغال التابعة لروما، فوجهت إلى مصر جيشًا مؤلفًا من 70 ألف جندي بقيادة قائدها زبدة1، فاحتلها وألحقتها بالدولة التدمرية.
ولم يسع الإمبراطور الروماني كلوديوس -وقد اعتلى العرش حديثًا- إلا أن يعترف بعجزه عن إخضاعها، وأن يسلم بالأمر الواقع ويتفق معها على بقاء الجيوش التدمرية في القطر المصري، شريطة اعتراف زنوبيا بتبعيتها للدولة الرومانية.
لكن السلام الذي حل بين الطرفين لم يلبث أن تبدد باعتلاء الإمبراطور أورليانوس العرش، إذ تمكن من دحر المتمردين وتفرغ لإخضاغ زنوبيا. وكان على هذه أن تجابه الإمبراطور بنقض الاتفاقية المعقودة مع روما، وأردفت ذلك بإسقاط رسم الإمبراطور عن النقود واستبدلت به رسم ابنها، واتخاذها وابنها "وهب اللات" لقب أغسطس الخاص بالإمبراطور الروماني. ثم وجهت حملة إلى آسيا الصغرى، فاحتلت جزءًا كبيرًا منها سنة 270م، ودحرت الجيوش الرومانية وردتها إلى ما وراء أنقرة، وأحدقت جيوشها بأسوار القسطنطينية.
أما أورليانوس فلم يبدأ هجومه على زنوبيا من جهة البلقان والأناضول كما كانت تتوقع، بل بدأ بمصر مستغلًّا ضعف وسائل الدفاع عنها، وذلك أنها قد سحبت منها معظم قواتها لتعزز بهم جبهة الأناضول؛ اعتقادًا منها بأن المصريين الناقمين على الرومان سيهبون للدفاع ضدهم. إنما خاب ظنها بهم؛ لأن الرومان تمكنوا من استمالة قسم منهم، فأحرزوا بذلك انتصارا ساحقا واستعادوا سيطرتهم على مصر "271م".
ثم التفت الإمبراطور إلى الشرق، وتقدم لمحاربتها في عدة جبهات، فمن البحر أرسل أسطولا كبيرا لاحتلال أنطاكية، ومن البر الأناضولي تقدم نحو أنقرة فتراجعت الجيوش التدمرية حتى أنطاكية، حيث التقى الإمبراطور بالجيش التدمري، وكان بقيادة زباي الذي كان يتلقى أوامره من زنوبيا نفسها التي لم تغادر أرض المعركة. كان الجيش التدمري مؤلفا من رماة السهام الخفاف، ومن الخيالة الثقيلة المدرعة بالصلب، فلم يقوَ فرسان
1 كان قائداها: زبدة وزباي، وكان لونجين فيلسوف بلاطها ومستشارها.
أوليان على تحمل الهجوم الثقيل من جانب التدمريين، فهربوا تصنعًا أو حقيقة، فتعقبهم فرسان تدمر، وكان من الطبيعي أن يصيبهم الإرهاق لثقل معداتهم وعسر حركتهم، فعمد الرومان إلى مضايقتهم بمناوشات جانبية متقطعة حتى تمكنوا من دحرهم حين بدا عليهم الارتباك، ثم التفتوا إلى المشاة من رماة النبل، وكانوا قد انعزلوا ونفدت نبلهم، فسهل على الإمبراطور إلحاق الهزيمة بهم.
تقدم الإمبراطور بعدئذٍ نحو حمص متابعا زنوبيا التي انسحبت إليها، فأوقع بجيشها هزيمة أخرى، شابهت ظروفها ظروف معركة أنطاكية، وتابع سيره إلى تدمر لمحاصرة الملكة التي لم تر بُدًّا من الاعتصام داخل أسوار عاصمتها، وقد أعدت كل ما تستطيع إعداده من وسائل الدفاع، إذ وضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف المهاجمين بالحجارة، وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وصممت على المقاومة بشجاعة بطولية، معلنة أنه إذا كان لا بد لحكمها من نهاية فلتقترن هذه النهاية بنهاية حياتها. وهكذا كان حصار الإمبراطور لتدمر من أشد ما واجه من صعاب، لا سيما وأنه قد أصيب خلاله بجرح من أحد النبال. يدلنا على ذلك ما جاء في خطاب له:"إن الشعب الروماني يتحدث باستهزاء وسخرية عن الحرب التي أشنها ضد امرأة، لكنهم يجهلون شخصية زنوبيا وقوتها. وإنه لمن العسير أن تحصى معداتها الحربية من الحجارة والسهام وكل أنواع القذائف"1.
ولم يغب عن خاطر أورليان أن يضع ثقته بآلهة روما مستمدًّا عونها ونصرتها له ضد هذه المرأة الشجاعة. ولما ساوره الشك في نصرة آلهته عرض على زنوبيا التسليم لقاء شروط معتدلة: أن تنسحب انسحابًا كريمًا، وأن يحتفظ مواطنوها بامتيازاتهم القديمة. لكنها رفضت شروطه بإباء وشمم، "لا بل اقترن الرفض بالإهانة"2. والواقع أنها ركزت أملها في أن تحل المجاعة في الجيش الروماني فيرغم على الانسحاب، وبأن يأتيها المدد من ملك فارس. لكن سابور قد توفي في تلك الآونة، وشغل الفرس بالفتن الداخلية، وحال الرومان دون وصول أية نجدة إليها، بينما كانت النجدات الرومانية تتدفق على أورليان،
1 إدوار جيبون: ص269-270.
2 إدوار جيبون: ص271.