الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد تغنى الشعراء العرب قديمًا بنسيم نجد العليل وأسهبوا في وصفه، ولهجوا بذكر هذه البلاد وترنموا برباها وريا عطرها1. فالمناخ في نجد معتدل جاف على العموم، غير أنه يختلف من مكان إلى آخر باختلاف الموقع الجغرافي، فمنطقة الحريق كاسمها شديدة الحر ومثلها وادي الدواسر، بينما تكون منطقة حائل والقصيم لطيفة المناخ2.
على أن منطقة اليمامة -في نظر الباحثين- إنما هي جزء من إقليم أكثر شمولًا هو إقليم العروض، ويشمل اليمامة والبحرين والإحساء وشبه جزيرة قطر. وفي هذا الإقليم من المرتفعات هضبة الصمان التي تمتد موازية لساحل الخليج العربي وهضبة طويق في الوسط الجنوبي.
1 يقول عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
…
لقد زادني مسراك وجدًا على وجد
ويقول الصمة بن عبد الله:
بنفسي تلك الأرض ما أطيبَ الربا
…
وما أحسنَ المصطاف والمتربعا
2 حافظ وهبة: المصدر نفسه، ص 45.
الألوسي: المصدر نفسه، 196، 198.
الحرات:
ويشاهد في شبه جزيرة العرب ما يطلق عليه اسم "الحرات أو الحرار""مفردها: حَرَّة"، وهي تكوِّن مظهرًا مهما من المظاهر الطبيعية فيها وبخاصة في الحجاز واليمن.
وهي مناطق تقوم عند أفواه البراكين الخامدة، وقد تشكلت من تفتت اندفاعاتها "اللافا"، حيث تسيل اللافا إلى الأطراف فتبرد ثم تتفتت بفعل التقلبات الجوية فتكوِّن ركامًا من الحجارة البركانية يغطي الأرض بطبقات سميكة أو رقيقة. وقد وصفها العلماء فقالوا:"الحرة: أرض ذات حجارة سوداء نخرة كأنها أحرقت بالنار" ويصفها ياقوت الحموي بقوله: "الحرة: الأرض التي ألبستها الحجارة السود
…
وتكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شيء مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع، والكراع: أعناق البراكين". والواضح أن شبه الجزيرة قد شهدت في قديم الأزمنة نشاطًا بركانيا واسع النطاق، ويروى أن بعض البراكين لم يزل ثائرًا حتى العهد الأموي "حرة النار في عهد عثمان بن عفان". وقد أشار
مؤرخو العرب إلى أن آخر انفجار بركاني قد وقع سنة 654هـ/ 1256م في الحجاز قريبًا من المدينة المنورة؛ فهددها بالدمار واستمر عدة أسابيع.
وتكثر هذه الحرار في الأقسام الوسطى ولا سيما الغربية والجنوبية من شبه الجزيرة. ففي الحجاز تقع فيما يلي جبال السراة نحو الشرق، وهي تمتد شمالا حتى تتصل بالحرار التي نشاهدها في منطقة حوران وجبل العرب "الصفاة واللجاة". وفي اليمن تقع بالقرب من المدن التاريخية القديمة كحرة أرحب شمال صنعاء، وكبعض الحرار بالقرب من ذمار وشمال وادي أبرد وقرب صرواح ومأرب. ويعتقد بعض العلماء أن خراب بعض المدن القديمة كمأرب وشبوة كان بتأثير هياج البراكين، ولعل عدد الحرار في شبه الجزيرة يقارب الثلاثين ذكرها ياقوت الحموي بأسمائها وأوصافها ومواقعها1. وبعض هذه الحرار -بما كان ينشر من صيحات مرعبة وسحب دخان قاتمة وكتل نيران متأججة- قد ترك صداه في الشعر الجاهلي مثل: حرة قوس وحرة لبن2.
ومن الحرار في شمالي شبه الجزيرة حرة "العويرض" شمال مدائن صالح، وحرة "خيبر" وهي أعظم وأوسع حرات شبه الجزيرة وتقع إلى الشمال من المدينة المنورة، وحرة "الكسب" وتقع في جنوبها، وتوجد فيها منطقة تسمى "مهد الذهب" لما يحتوي باطنها من هذا المعدن. وحول المدينة المنورة نفسها حرة اقترن اسمها بحادثة تاريخية شهيرة "موقعة الحرة" بين جند يزيد بن معاوية وأهل المدينة الثائرين عليه، وحرة بني هلال "ابن عامر بن صعصعة" على طريق اليمن.
ومن الملاحظ أن التربة المتفتتة لهذه الحرار خصبة صالحة للزراعة، ولا سيما بسبب وجود العيون والأودية التي تختزن في جوفها طبقة مائية قريبة من سطح الأرض. وقد استغلها العرب استغلالا جيدا قبل الإسلام وبعده، وبخاصة منها حرة خيبر التي كثرت
1 راجع مادة حرة في معجم البلدان.
2 كقول الشاعر:
بحرة قوس وجنبي محفل
…
بين ذراه كالحريق المشعل
أو كقول شاعر آخر:
بحرة لبن يبرق جانباها
…
ركود ما تهد من الصياح
راجع جواد علي: المصدر نفسه، 91-92.