الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القبائل التي لم تتحالف مع غيرها، بأنها التي تتكون من ثلاثمائة فارس أو ألف فارس، أما إذا تحالفت مع غيرها فإنها تكون قد انطفأت1. ومما روي عن القبائل التي قالوا: إنها الجمرات كونها لم تقوَ على الصمود بمفردها في الحروب، فاضطرت إلى طلب المساعدة من القبائل الأخرى، وتحالفت معها فانطفأت2.
1 د. جواد علي: 4/ 616-617.
2 ذكر الأخباريون أن ضبة طُفئت لأنها حالفت غيرها، وأن الحارث طفئت لأنها حالفت مذحجًا، وأن عبسًا طفئت لمحالفتها بني عامر بن صعصعة.
طقوس الأحلاف:
عرف العرب بالوفاء والالتزام بالمواثيق. وكان من شدة حرصهم على الوفاء بعهود التحالف أن اتبعوا طقوسًا يقومون بها عندما يعقدونها، والغرض منها أن يحيطوها بجو من القدسية والرهبة، من شأنه أن يلزم المرتبطين بها إلزامًا شديدًا ودقيقًا.
من هذه الطقوس أن يحضروا طستًا من المسك، يغمسون أيديهم فيه، ويمسحون بها جدران الكعبة، كما جرى بالنسبة لحلف المطيبين وهو حلف بني عبد مناف ضد بني عبد الدار عندما اختلفوا على الوظائف التي خلفها جدهم قصي، بينما أتى خصومهم بنو عبد الدار بطست من الدم غمسوا أيديهم فيه، ومسحوا بها جدران الكعبة.
أو كأن يأخذ الطرفان المتحالفان مقدارا من ماء زمزم، يغسلون به أركان الكعبة، ثم يجمعونه في جفنة ويشرب منه الطرفان، كما جرى في حلف الفضول بين قريش وزهرة وتيم. أو كأن يوقدوا نارًا يدعون بالحرمان من خيرها لمن ينقض الحلف، ويتلفظون بعبارات1 يعتقدون أن من شأنها أن تزيد الحلف قوة وثباتا. وقد يلقي فيها سدنة النار ملحا وكبريتا، حتى إذا استشاط وفرقع، هددوا المتحالفين، وهولوا عليهم بقولهم: إن النار تهددكم إن نقض أحدكم الحلف، فإن كان يضمر الغدر نكل عن التحالف، وإن كان مخلصًا أبرمه.
وقد ذكر "هيرودوت" طريقة للتحالف يقول فيها: إن شخصًا ثالثًا يقف بين
1 مثل عبارات: "الدم الدم، الهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلا شدًّا، وطول الليل إلا مدًّا، ما بل بحر صوفة، وأقام رضوى في مكانه" إن كان رضوى جبلهم، وإلا ذكروا جبلًا آخر يجاورهم.
الطرفين المتحالفين؛ ليجري مراسيم عقد الحلف، فيأخذ حجرًا له حرف حاد كالسكين، يجرح به راحتي الرجلين قرب الأصبع الوسطى، ثم يأخذ قطعة من ملابسهما فيغمسها في دمهما، ويلطخ بها سبعة أحجار، يحمل المتحالفان بعضها إلى قومهما، وهو في أثناء ذلك يتلو أدعية للأصنام، حتى إذا انتهت مراسيم الحلف، قاد الحليف حليفه إلى أهله وعشيرته؛ لإخبارهم بذلك وللإعلان عنه، فيصبح الحليف بذلك أخًا لحليفه، أمرهما واحد في الوفاء، كما كانوا يعتقدون.
كما كان من طقوس قريش عند عقد الأحلاف، أن يأخذ الحليف حليفه إلى الكعبة، وبعد إجراء بعض المراسيم يطوفان حول الأصنام لإشهادها على ذلك، ثم يعودان إلى قريش لإشهادها وإشهاد من يكون حاضرًا في الكعبة، على صحة الحلف وقبول الحليف محالفة حليفه، حيث يصبح له ما له، وعليه ما عليه.
وفي الأحلاف المهمة والمواثيق الخطيرة، كان القرشيون يؤكدون على العهود والمواثيق تأكيدا شديدا، وذلك بأن يكتبوا ما اتفقوا وتعاهدوا عليه في صحيفة1، يشهد عليها رؤساؤهم وسادتهم من الطرفين، ومن أناس آخرين محايدين، ثم يعلقون الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا لها وتشديدًا للميثاق، كالذي كان من تآمر قريش على مقاطعة بني هاشم قبل هجرة الرسول إلى المدينة المنورة2.
1 وقد عرفت الصحيفة باسم "المهارق" من اسم المادة التي يكتب عليها، وهي قطع من قماش تسقى بالصمغ أو تطلى بشيء، ثم تصقل فيكتب عليها. وقد ذكر التبريزي "شرح المعلقات، ص 268" أن اللفظة "مهارق" فارسية معربة.
2 جواد علي: 6/ 323-324.