الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومما تجدر الإشارة إليه، أن العرب لم يكونوا يزوجون بناتهم في غير العرب، وأن الفتيات البدويات لم يكنَّ يحببن الزواج في الحضر، وأن المرأة المرغوب فيها هي الولود التي تنجب كثيرًا من البنين؛ لأنهم عماد الأسرة العربية، التي اعتادت أن تعيش في حراسة السواعد المفتولة والرماح السمهرية.
كان العربي يغار على نسائه، ويحرص عليهن، ويعتبر العرض أغلى من النفس والمال والولد1؛ ولذلك كان الرجال يصطحبون نساءهم في الغزوات والحروب، ويجعلونهن في مؤخرة الجيش، خوفًا من مباغتة العدو لهن في مضارب القبيلة والرجال غائبون، وكي يدرك المحارب أن هزيمته ستجعل عرضه مباحًا لأعدائه، فيستميت في القتال ليجنب نساءه السبي. وفضلا عن ذلك، فإن النساء في المؤخرة كنَّ يعنين بالمرضى، ويضمدن جراح المصابين، كما يشجعن المحاربين، ويأخذن بتلابيب الفارين من ساحة القتال. ففي موقعة ذي قار وقفت امرأة من بني عجل، تنشد مستحثة الرجال على الجلاد:
إن تهزموا نعانق
…
ونفرش النمارق
أو تُهزَموا نفارق
…
فراق غير وامق
1 المعتقد أن الجاهليين كانوا يعاقبون الزانية بالرجم، فجاء الإسلام وأقر ذلك.
معاملة الأولاد:
إن أولوية الرجل في الأسرة الجاهلية قد جعلت للأب سلطة على أفراد عائلته، وقد تصل إلى حد تجعل للآباء على أولادهم حق التصرف بمصائرهم، ففي بعض الأحيان كانوا يجعلون أولادهم رهائن في أيدي خصومهم؛ فيؤدي ذلك أحيانا إلى قتل هؤلاء لهم، وإذا استثنينا هذه الحالة الشاذة، ومثلها ما كان من وأد البنات، فإن العربي كان يعامل أبناءه معاملة تنطوي على العطف والحنان والمحبة1 مع حرصه على تربيتهم تربية خشنة،
1 كقول أحد شعراء الجاهلية:
وأنما أولادنا بيننا
…
أكبادنا تمشي على الأرض
وكقول أمية بن أبي الصلت يخاطب ولده:
غدوتك مولودًا وعلتك يافعًا
…
تُغَلُّ بما أُدني إليك وتُنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت
…
لشكواك إلا ساهرًا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي
…
طرقت به دوني وعيني تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي
…
إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي منك جَبْهًا وغلظة
…
كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي
…
فعلت كما الجار المجاور يفعل
تؤدي بهم إلى استكمال أسباب القوة؛ ليكونوا درعًا حصينًا له ولقبيلته. وكان الآباء يتخيرون لأبنائهم الأسماء التي تدل على الخشونة، أو توحي بالتفاؤل بالظفر على الأعداء مثل: كلب، أسد، فهر، صخر، غلاب، ضرار، حنظلة، حرب، بينما كانوا يتخيرون لأرقائهم أسماء جميلة مثل: سهيل، ميسور، هانئ، نجاح، فلاح، ونحو ذلك. سئل الدقيش الكلابي: لماذا تسمون أبناءكم بشر الأسماء، وعبيدكم بأحسنها؟ قال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا1.
كان الجاهليون يفضلون من المواليد البنين على البنات، وقد دعاهم إلى ذلك عوامل عديدة؛ فالأولاد يصبحون في المستقبل محاربين، تعتمد عليهم القبيلة في الدفاع عن حوزتها وفي الكسب، بينما تكون البنت عبئًا ثقيلًا تحتاج إلى حماية، أو قد تجلب العار إلى قبيلتها فيما إذا تعرضت للسبي. تقول الآية الكريمة:{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 2 وكذلك جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} 3 {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} 4 يتضح لنا من هذه الآيات ثلاثة أمور: أولًا أن العرب كانوا يفضلون البنين على البنات، وأنهم كانوا يئدون البنات، وأن سبب كره ولادة البنات عدم غنائهن في القتال والخصام، وقد لمس الباحثون أسبابًا أخرى للوأد منها الإملاق:{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم} 5،
1 القلقشندي: نهاية الأرب
…
، ص23.
محمود شكري الألوسي: بلوغ الأرب
…
، 3/ 193.
محمد الخضري: المصدر نفسه، ص21.
2 [النحل: 58-59] .
3 [الزخرف: 17-18] .
4 [التكوير: 8-9] .
5 [الأنعام: 151] .