الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكمها عدة قرون. وليس من الضروري أن يكون الشبه بين اللغة الحبشية ولهجات عرب الجنوب، والاشتراك بين الأحباش واليمنيين في عبادة الإله "ألمقة" نتيجةَ هجرة حبشية إلى اليمن، بل قد يكون العكس هو الصحيح. فمن الثابت تاريخيا أن الساميين الذين دخلوا الحبشة من اليمن -ربما في غضون القرن الخامس قبل الميلاد- هم الذين كونوا دولة أكوم الحبشية1 التي استعملت اللغة "الجفرية" وهي لغة سامية. والأحباش لا يزالون يكتبون حتى اليوم بقلم شبيه بالقلم المسند، وهو مقتبس من القلم العربي الجنوبي، وتشكل بعض الكتابات المدونة به، والتي عثر عليها في الحبشة -وهي أحدث عهدا من كتابات السبئيين- دليلًا على أثر العرب في الأحباش2.
1 Henri Masse: ibid.، p.13.
2 د. جواد علي: 1/ 156.
النظرية الخامسة:
وهناك أخيرًا النظرية القائلة بأن شبه جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول ومهدهم الأصلي. وأول من قال بها العالمان "سبرنجر" الألماني، و"كايتاني" الإيطالي، وأيدهما فيها كثير من العلماء والمستشرقين مثل "شرايدر ورايت وماير ومورغان وفانسان ودتلف نلسن". وأما الحجج التي أدلوا بها لتدعيمها فهي:
1-
أن الأسس والشروط التي اتفق العلماء على كونها تؤلف الصفات المشتركة بين الساميين متوفرة، على أتم ما يكون التوفر، في سكان شبه الجزيرة العربية، وأن قبائل شبه الجزيرة قد حافظت على النموذج السامي الخالص بسبب وضعها الجغرافي الذي لا يسمح بالامتزاج مع الشعوب الأخرى، وأن اللغة العربية أصلح لغة تمثل خصائص اللغة السامية الأم.
2-
أن شبه الجزيرة العربية كانت في غابر الأزمنة مطيرة كثيرة النباتات والمزروعات، تتوفر فيها جميع وسائل العيش الرغد -وقد أورد العلماء على ذلك أدلة كثيرة ذكرتها سابقًا في بحث المناخ- وقالوا: إن السكان فيها كانوا يتكاثرون كثرة عظيمة، حتى إذا حل الجفاف تدريجيا محل الرطوبة، والمحل مكان الخصب، وذلك منذ حوالي
الألف العاشرة قبل الميلاد على الغالب، بدأ سكانها يغادرونها على موجات بشرية مهاجرة نحو الشمال والشرق والغرب.
3-
كون هذه النظرية تفسر تماثل المفردات والمفاهيم المشتركة التي تعبر عن السهول والنبات والمياه بالإضافة إلى ما ذكرته النظرية الأولى والثانية عن اسم الجمل، إذ المفروض أن شبه الجزيرة العربية كانت تحتوي على هذه العناصر بسبب مناخها المطير قديمًا، والذي تحول بعضها فيما بعد إلى صحارَى.
4-
أن من غير المعقول انتقال المزارعين من مناطقهم الخصبة إلى المناطق الصحراوية القاحلة بل العكس هو الصحيح. ولما كانت نشأة الساميين الأولى بدوية؛ فلا بد أن يكون موطنهم الأول موطنا صحراويا، وشبه جزيرة العرب، بعد أن تحول كثير من مناطقها الداخلية إلى صحارى بسبب الجفاف الطارئ عليها إثر التغيرات المناخية، هي أصلح من غيرها لتكون ذلك الموطن، لا سيما وأنه قد ثبت أن معظم المدن والقرى، التي تكونت في بلاد الشام والعراق، قد كونتها عناصر بدوية جاءت إليها من شبه جزيرة العرب. فشبه الجزيرة إذن أولى أن تكون هي مهد الساميين الذين خرجت جموعهم منه إلى الأطراف.
5-
كون الوضع الجغرافي لشبه الجزيرة ينطبق مع الواقع التاريخي للهجرات السامية، إذ إنها محاطة من جميع أطرافها بجبال وبحار ما عدا الجهة الشمالية، وأن الجفاف حينما بدأ يحل فيها أحال سهولها الداخلية إلى صحارى رملية قاحلة، حيث انقلب السكان إلى عرب رحل لا يستقر لهم قرار واستأنسوا الجمل الذي كان بحق "سفينة الصحراء" بالنسبة لهم. ولما نضبت موارد بلادهم الزراعية ولم تعد تفي بحاجتهم، وإذ كانوا يتكاثرون كالماء الذي ينفر من جوف حوض محدود المساحة فيفيض إلى خارج حوافه، كذلك انتشروا إلى المناطق التي تحيط بشبه جزيرتهم، ولم يكن لهم من سبيل سوى سلوك طريق الشمال إلى الهلال الخصيب، أو طريق باب المندب وبرزخ السويس إلى إفريقيا ومصر.
وللمستشرق الدكتور "دتلف نلسن" في هذا الموضوع نظرات تستلفت الاهتمام، فهو
يرجح كون شبه الجزيرة العربية هي الموطن الأصلي للعرق السامي، وأن الحضارات السامية الشمالية الرفيعة قد انبثقت عنها، باعتبار أن الشعوب السامية القاطنة في الهلال الخصيب قد نشأت فيها ثم هاجرت منها. وقد نشر هذا المستشرق كتابًا عالج فيه تاريخ الأديان وأبدى فيه رأيًّا يقول:"إن الدين العربي القديم1 هو الخطوة السابقة للدين البابلي الآشوري المعقد، وأنه كان تمهيدًا للتطور التاريخي للدين العبري اليهودي". ويشير "دتلف نلسن" إلى أن النزاع بين مختلف النزعات الدينية السامية قد تطور أخيرًا إلى الثالوث الإلهي "أب، ابن، وروح"، ومن ثَمَّ خطا خطوة أخرى إلى التوحيد المسيحي في صورته القديمة التي نعرفها في الحضارة العربية القديمة2.
وبناء على النظرية الأخيرة اتفقت آراء كثير من المستشرقين على أن مجموعات الشعوب السامية المنتشرة في أنحاء الشرق القديم المختلفة، من بلاد الشام إلى بلاد الرافدين، قد نشأت عن هجرات متتالية انطلقت من شبه الجزيرة العربية في أزمنة مختلفة، وفي فترات دورية منتظمة، يفصل بين كل هجرة وأخرى نحو ألف سنة أو أقل. ففي كل مرة يزداد فيها سكان البلاد، وتقل فيها موارد الأرض عن حاجتهم الغذائية، تنزح عنها موجة بشرية وتتجه إلى جهات أخرى يتوفر فيها الخير بحثًا عن الغذاء ورغد العيش.
وهكذا حدثت أول هجرة للساميين في الألف الرابعة قبل الميلاد سالكة طريق الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية، منطلقة نحو الشمال إلى سيناء فوادي النيل حيث امتزج أفرادها بالعرق الحامي، فتكون بذلك الشعب المصري القديم كما يقول "بارتون" بدليل أن الباحثين قد وجدوا في لغة الشعب المصري في أول تكوينها خليطًا من كلمات سامية وأخرى حامية إذا صحت التسميتان.
وفي الفترة نفسها، أي حوالي منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، حصلت هجرة الأكاديين إلى بلاد الرافدين عن طريق بلاد الشام، وألفوا هناك الدولة الأكادية التي وحدت العراق، وسيطرت على جميع أرجائه حتى أعالي نهر الدجلة. وقد حل الساميون
1 يقصد بتلك الديانة ما ذكره في كتابه عن التاريخ العربي القديم من أن عرب الجنوب كانوا يعبدون آلهة عديد من بينها ثالوث إلهي مؤلف من القمر والشمس والزهرة، كأسرة إلهية مقدسة مكونة من أب وزوجة وابن.
2 دتلف نلسن، فرتز هومل
…
: التاريخ العربي القديم، ص53.
الأكاديون فيها محل السومريين المتحضرين، بعد أن اقتبسوا منهم فن الكتابة وأساليب الزراعة. وتبع الأكاديين، بعد ذلك وفي الألف الرابعة نفسها، الكلدانيون ثم الآشوريون واستوطنوا بلاد الرافدين.
وفي حوالي عام 2900ق. م، قامت موجة أخرى حملت الكنعانيين إلى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وإلى ربوع بلاد الشام الداخلية، حيث تفرع منهم الفينيقيون الذين سكنوا سواحل بلاد الشام، كما حملت العموريين الذين استوطنوا المناطق الشمالية الداخلية، وقد اتجه قسم من هذه الموجة إلى بلاد الرافدين حيث ألفوا سلالة بابلية سنة 2100 ق. م.
وفي سنة 1500 ق. م، هاجر الآراميون من شبه الجزيرة العربية واتجهوا إلى بلاد الشام، حيث حلوا في ضواحي دمشق ومناطقها، وفي منطقة البقاع، كما حل العبرانيون في أراضي فلسطين إلى جانب الكنعانيين.
وفي حوالي سنة 500 ق. م، قدم الأنباط إلى شمالي شبه جزيرة العرب حيث أقاموا حضارتهم في مدينة البتراء الواقعة إلى الشمال الشرقي من خليج العقبة، والتي اتخذوها عاصمة لهم، كما نزل التدمريون في واحة تدمر إلى الشرق من مدينة حمص.
وأخيرًا خرجت جموع العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، وانطلقوا نحو الشمال حيث نشروا لواء الإسلام والعروبة على كافة بلاد الشرق القديم وشمالي إفريقيا، وامتدت سيطرتهم على قسم مهم من جنوبي أوروبا.
هذا ولا بد من تقييد البحث حول الموطن الأصلي للساميين في: أن كلًّا من النظريات الآنفة الذكر لا تخلو من عيوب وانتقادات، وحتى النظرية الأخيرة التي تبدو وكأن لها كثيرًا من المؤيدات المنطقية كما أسلفت؛ ذلك أنها تعلل بشكل مرضٍ وحدة العرق السامي ولغته وموطنه الأصلي، أقول: حتى هذه النظرية لا تخلو من ثغرة؛ إذ إنها تستند على موضوعات يصعب قبولها بسهولة من حيث تكاثر السكان في بلاد صحراوية لم يثبت بشكل قاطع أنها كانت في قديم الزمن كثيرة الأمطار، بل إن ما قيل عن رطوبة مناخها في الأزمنة الغابرة لا يزال في نطاق الفرضيات التي يجري التدقيق والبحث فيها.
إذن ليس في وسعنا إلا القول: إنه لا يمكن للمؤرخ أن يبدي رأيًا قاطعًا في هذا الموضوع، بل يميل الباحثون المعتدلون إلى القول بأن يترك أمر إيضاح هذه القضية إيضاحا نهائيا للمستقبل، وأنا أميل إلى الاقتصاد في هذا الحديث مخافة الوقوع في المزالق والخروج عن نطاق العلمية؛ لأن موضوع الأجناس والعروق موضوع حديث لم تتوفر العناصر الكافية والأدلة الشافية لعلماء الآثار واللغة والأنثروبولوجيا "علم الأجناس" لدراسته دراسة وافية وكاملة، لا سيما وأن الحفريات والتنقيبات التي تهدف إلى الكشف عن غوامض هذه المسألة تجري في مناطق كبلاد كنعان القديمة "فلسطين" ووادي الرافدين، بينما لم تجر حتى الآن أية حفريات في شبه الجزيرة العربية للكشف عن تاريخها القديم، وقد تأتي مثل هذه الحفريات بنتائج ربما تكون في جانب هذه النظرية، أكثر مما تكون في جانب سواها.