الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لليمن. وقد اتخذت الدولة الجديدة مدينة ريدان التي عرفت فيما بعد باسم "ظفار" عاصمة لها، وهي تقع على بعد مائة كيلومتر إلى الشمال الشرقي من "مخا" على الطريق الذي يصل بينها وبين صنعاء.
الدول الأول
…
الدور الأول: "115 ق. م - 300 م":
تمتعت الدولة في هذا الدور بالاستقرار والازدهار الاقتصادي، ففي الميدان الاقتصادي أفادت الدولة الحميرية من الضعف الذي بدأ يدب في دولة البطالمة في أواخر أيامها، لا سيما وأن قوتها قد أخذت في التلاشي أمام الضغط الذي لقيته من الدولة الرومانية التي ما لبثت أن تغلبت عليها، وانتزعت منها سورية ومصر في النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد. لكن الفرصة لم تتهيأ لها في بادئ الأمر للاستقرار والاهتمام بالنشاط التجاري، فانفتح المجال بذلك لعودة التجارة اليمنية إلى سلوك الطريق البري القديم إلى جانب الطريق البحري، فلعب الحميريون دورا مهمًا في هذا الميدان، وعادوا إلى فرض السيطرة العربية على النشاط التجاري بين الشرق والبحر الأبيض المتوسط عبر الطريقين البحري والبري، فجنوا الأرباح الطائلة وجمعوا الثروات الضخمة، وازدهرت دولتهم أيما ازدهار، إذ أنشئوا القصور الشامخة، وأبرزها قصر غمدان الذي ذكر الهمداني أنه بني على عشرين طابقًا، ووصفه وصفًا يظهر أنه مبالغ فيه، وبنوا المعابد الفخمة وتفننوا في تزيينها وتجميلها، وغرسوا الحدائق حولها، واستحالت بلادهم إلى جنان وارفة الظلال عامرة البنيان، كما اقتنوا أفخر الأثاث والرياش وتمتعوا بنعيم الحياة.
وفي الميدان السياسي شعرت الدولة الحميرية في بسط سيطرتها على كافة أرجاء الجنوب اليمني، وامتد نفوذها إلى خارجها، إذ هاجر جماعة من اليمنيين إلى أرض كوش "الحبشة حاليا" لأغراض تجارية، وأنشئوا هناك مستعمرات، وكونوا جالية يمنية نشرت بين الأحباش ثقافة لم يكن بوسع هؤلاء أن ينشئوها، وتمكنت في القرن الأول قبل الميلاد من إقامة دولة سميت "دولة أكسوم" التي اتخذت الخط اليمني "المسند" لكتابة لغتها التي عرفت باسم "الجعزية". كما هاجرت قبائل يمنية أخرى، ومنها معافر على ما يعتقد، إلى الشاطئ الشرقي من إفريقيا، وانتشرت في مختلف جهاتها، وأنشأت فيها -وبخاصة في الصومال وفي جوار زنجبار- بعض المشيخات والحكومات.
غير أن الوهن ما لبث أن دب في الدولة خلال الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، وكان عليها أن تواجه الخطر الروماني في مصر بعد أن أصبح قريبًا منها، فتعرضت لأطماع روما التي أخذت تمد نفوذها المناطق المجاورة، لا سيما وأن الرومان قد تضايقوا من الدولة الحميرية، ومن قوتها وسيطرتها على التجارة في المناطق المجاورة لأملاكهم الجديدة، واحتكارها لمواد الترف وللتوابل التي تأتي بها من الهند وتتحكم في أسعارها فلا تصل إلى أوروبا إلا بأغلى ثمن، فلما تسنم "أغسطس" عرش الإمبراطورية في روما عقد العزم على استلحاق البلاد اليمنية فأوعز إلى واليه في مصر "إيليوس غالوس" سنة 24 ق. م. بأن يسير على رأس حملة حربية نحو اليمن للاستيلاء عليها وعلى ثروتها ومحاصيلها، وللقضاء على القراصنة الذين كانوا على ما يظهر يزعجون سفن الرومان في البحر الأحمر، والذين كانوا يحتمون بسواحل الحجاز واليمن وللهيمنة على ملاحة وتجارة البحر الأحمر.
فتحركت الحملة، وكان قوامها عشرة آلاف جندي بينهم مصريون ورومان بالإضافة إلى عدد من الأنباط يقدرون بألف جندي وخمسمائة يهودي. وقد رافقها كل من المؤرخ اليوناني "سترابون" والوزير النبطي "صالح Syllaeus" الذي وضعه ملك الأنباط عبادة الثاني أو الثالث "28 - 9 ق. م" تحت تصرف الحملة ليكون دليلها ومستشارها، بعد أن وقعت دولة الأنباط تحت سيطرة الرومان.
سارت الحملة من الموانئ المصرية، ونزلت في الميناء النبطي "نيجرا" الواقع على البحر الأحمر إذ كانت سيطرة الأنباط تمتد إلى هذه الجهات، ومنها ثابرت على زحفها بطريق البر نحو الجنوب في أرض وعرة، قليلة الزرع والأمطار، إلى أن وصلت إلى مدينة نجران فاستولت عليها، ثم تجاوزتها إلى الجنوب حتى مسيرة ستة أيام. ولم يبق بينها وبين الوصول إلى هدفها سوى مسيرة يومين حينما شعر "إيليوس غالوس" باستحالة الاستمرار في الحملة بسبب الأمراض الفتاكة التي انتشرت بين جنوده، لا سيما وقد أصابهم الإنهاك الشديد، فعاد بها إلى "نيجرا" ومنها أبحرت إلى البر المصري بعد أن مضى على خروجها من الميناء النبطي ستة أشهر ولم تحقق الغاية التي ذهبت من أجلها. وقد تعرضت سواء في الذهاب أو الإياب إلى مهاجمة العرب لها هجومًا عنيفًا؛ مما اضطرها إلى خوض معارك ضارية معهم وكان لها الأثر الفعال والرئيسي في إخفاق الحملة.