الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل في تفسيرها آراء أخرى، إذ يقول بعضهم: إن السائبة الناقة إذا ولدت عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، فتُسَيَّب لا يركب ظهرها ولا يُجَزُّ وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضيف. أما إذا أنتجت بعد ذلك أنثى، شقت أذن هذه، وأخلي سبيلها مع أمها، ويجري عليها التحريم الذي يطبق على أمها وتسمى "بحيرة". والوصيلة: الشاة إذا أتأمت "ولدت توأمًا" عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينها ذكر، فيقولون: قد وصلت. وكل ما ولدت بعد ذلك يكون للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت من مواليدها شيء، عندئذ يشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم1. وقد ندد القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى:{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} 2.
1 جواد علي: 5/ 209-210.
2 [الأنعام: 139] .
البعث والحساب بعد الموت:
ليس باستطاعتنا معرفة ما إذا كان الجاهليون يعتقدون بالبعث بعد الموت أو بعدمه، إلا من خلال أقوال شعرائهم، ومن القليل الذي رواه الأخباريون عن تقاليدهم، ومن بعض الآيات القرآنية التي تعرضت لهذا الأمر وهي قليلة. وقد ناقض الشعراء بعضهم بعضا في ذلك: منهم من أنكر البعث، ومنهم من آمن به. وربما كان السبب في ذلك تأثر القائلين بالبعث بالأفكار التوحيدية التي تسربت إلى شبه جزيرة العرب. ومعنى ذلك أن الأصل هو نكران البعث، وأن أغلب الجاهليين كان على هذا الاعتقاد، وقد دهشوا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعث والحساب، كما جاء في التنزيل الحكيم:{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} 1، {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2، أو كما يقول شاعر جاهلي:
حياة ثم موت ثم نشر
…
حديث خرافة يا أم عمرو
1 [الأنعام: 29] .
2 [النحل: 38] .
ومن الشعر الذي ينبئ باعتقادهم أن الموت نهاية حياة الإنسان، قول شداد بن الأسود يرثي قومه من قتلى بدر، مستغربًا فكرة البعث التي بشر بها الرسول:
يخبرنا الرسول بأنْ سنحيا
…
وكيف حياة أصداء وهام
غير أن الأخباريين رووا لنا أن فريقا من الجاهليين كانوا يؤمنون بالبعث والحشر بالأجساد، ويستشهدون على ذلك بالتقليد الجاهلي الذي يقال له "البلية"، ويقصدون بذلك عقل ناقة أو جمل عند قبر ميت ليحشر وهو راكب عليها، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا1. ويروى أن من تقاليد الجاهلية أن يعكسوا رأس الناقة أو الجمل إلى مؤخرة، ويأخذون ولية -أي: سرجا- فيشدون وسطه، ويقلدون عنقه، ويتركونه كذلك حتى يموت عند القبر. إذ كان بعضهم يوصي بأن يدفنوا معه ناقته كي لا يسير إلى المحشر راجلا، فيفعلون ذلك، كما قال عمرو بن زيد المتمني يوصي ابنه:
ابني، زودني إذا فارقتني
…
في القبر راحلة برحل فاتر
للبعث أركبها إذا قيل: اظعنوا
…
مستوثقين معًا لحشر الحاشر2
ومما ينبئ بالاعتقاد بالبعث والقيامة والحساب، قول خزيمة بن الأشيم يوصي ابنه:
يا سعد إما أهلكنَّ فإنني
…
أوصيك -إن أخا الوصاة الأقرب-
لا تتركن أباك يعثر راجلا
…
في الحشر يصرع لليدين وينكب
واحمل أباك على بعير صالح
…
وتقي الخطية، إنه هو أقرب
ولعل لي مما تركت مطية
…
في الحشر أركبها إذا قيل: اركبوا
وقول زهير بن أبي سلمى:
فلا تكتمن الله ما في صدوركم
…
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يوخر فيوضع في كتاب فيدخر
…
ليوم الحساب أو يعجل فينقم3
1 جواد علي: 5/ 248-251.
2 الألوسي: 2/ 309، راجع عن ذلك بعض الأشعار لشعراء آخرين في الألوسي.
3 عمر فروخ: تاريخ الفكر العربي، ص162