الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استطاع في أثناء إقامته في القسطنطينية أن يقنع الإمبراطور بإسناد أسقفيات المقاطعات السورية إلى رؤساء هذه الطائفة، بالرغم من مخالفتها لمذهب الدولة الرسمي. ويقال: إن عدد الأساقفة الذين عينوا لهذه الأسقفيات بلغ تسعة وثمانين، فانتشرت العقيدة الجديدة في سورية في أثناء حكمه وحكم ابنه على نطاق واسع.
والحارث هذا هو الملك الذي روي أن امرأ القيس الشاعر الكندي قد لجأ إليه؛ كي يتوسط لدى الإمبراطور البيزنطي ليعاونه على قتلة أبيه. وهو أيضا صاحب القصة المشهورة عن وفاء السموأل بن عادياء الذي أودع امرؤ القيس لديه دروعه، فأصر على رفض تسليمها لمندوبي الملك ولو كلفه ذلك قتل ولده. وقد خلفه ابنه:
المنذر بن الحارث
"569-581م":
الذي كان متطرفًا في تأييد مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، وقد حدث جفاء بينه وبين البيزنطيين بسبب ذلك، إذ ارتاب الإمبراطور جوستين "ابن أخي جوستنيان وخليفته" بولاء المنذر؛ نظرا لتعصبه الشديد لمذهبه، فكتب رسالة إلى حاكم سورية البيزنطي يأمره فيها بالتخلص منه. لكن كاتب الإمبراطور أرسلها خطأ إلى المنذر بدلا من الرسالة الموجهة إليه بدعوته إلى زيارة الحاكم للتشاور. فحصل الجفاء، وقطع الإمبراطور عنه الإمدادات مدة ثلاث سنوات متعاقبة، فتمرد وغادر أرض الروم إلى البادية، الأمر الذي أطمع المناذرة بسورية فهاجموها وأمعنوا في غزوهم لها، وأوقعوا الرعب في قلوب أهلها، مما حمل الروم على مصالحة المنذر، والتودد إليه لاسترضائه فعقد الصلح بين الطرفين في مدينة الرصافة سنة 578م، فعاد المنذر إلى عرشه وتصدى لحرب المناذرة وانتصر عليهم، وتمكن من بلوغ عاصمتهم الحيرة وأحرقها وكان ذلك في عام 580م.
وقد زار المنذر وولدان له العاصمة البيزنطية في العام نفسه، فاستقبله الإمبراطور الجديد "تيبريوس" الثاني بحفاوة عظيمة، وأنعم عليه بالتاج بينما لم يكن لأسلافه سوى الإكليل يضعونه على رءوسهم1. وانتهز المنذر فرصة وجوده في العاصمة لإقناع رجال
1 فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان، 1/ 449، جواد علي: 4/ 135.
القصر بالتسامح مع أتباع الطبيعة الواحدة والصفح عنهم، ومن المحتمل أن يكون قد عقد مجمعًا هناك لتعزيز مذهبه، واتصل بالبطاركة للتوفيق بين رجال الكنيستين، لكن مساعيه خابت بالرغم من إبداء البطاركة رغبتهم وعدم ممانعتهم في ذلك.
لكن الوفاق لم يلبث أن انقلب إلى جفاء مرة ثانية، عندما تمادى المنذر في مساعيه الهادفة إلى إعلاء شأن مذهبه، الأمر الذي أوغر عليه صدر الكهنوت الرسمي للدولة، فحرض رجاله الإمبراطور عليه، سيما قد رافق ذلك إسهامه مع حاكم سورية البيزنطي في هجوم على الفرس، حيث أحجم الحاكم عن متابعة السير عند رؤيته أن الجسر القائم على نهر الفرات، والذي يؤدي إلى الأراضي الفارسية مهدم؛ فعاد أدراجه إلى الشام، وكتب إلى القسطنطينية كتابًا يدفع فيه عن نفسه مسئولية الإخفاق والخيبة، ويتهم المنذر بالخيانة، وبأن له صلات سرية مع الفرس، وأنه قد أخبرهم بقيام الحملة، وأوعز إليهم بهدم الجسر ليكتب لها الإخفاق. وزاد الأمر سوءًا أن المنذر بعد أن عاد إلى الشام جهز جيشًا سار به إلى الحيرة، فغزاها وألحق بها أضرارا جسيمة، ولم يغادرها إلا وهي شعلة من نار، خلافا لمقتضيات الهدنة بين الإمبراطوريتين. فاتخذ الروم من هذه الأعمال جميعها دليلًا على تحديه لهم. فأصدر الإمبراطور أمرا سريا إلى عامله الجديد في الشام -وكان صديقا للمنذر- بأن يحتال للقبض عليه، فدعاه لحضور حفلة تدشين كنيسة جديدة بنيت في حوران، وما أن أطل عليها حتى ألقي القبض عليه، وأرسله إلى العاصمة مع زوجته وثلاثة من أولاده، فوضعوا جميعًا في الأسر، ثم جرى نفيهم إلى صقلية حيث قضى المنذر نحبه بعد حين. قطع البيزنطيون بعد ذلك ونهائيا الإعانة المالية وسواها من الإعانات التي كانوا يدفعونها للغساسنة1.
فما كان من أولاد المنذر، وعلى رأسهم ابنه الأكبر النعمان، إلا أن غادروا ديارهم وأعلنوا الثورة، فاتخذوا البادية منطلقا لسلسلة من الغارات، شنوها على أراضي البيزنطيين في الشام ينهبون ويدمرون. وقد استولوا على بلدة حوارين وقتلوا بعض أهلها، وأسروا آخرين منهم، وعادوا بكثير من الغنائم. ولم يسع القيصر إلا الإيعاز لحاكمه على الشام بتجهيز حملة إليهم. فلما رأى الحاكم صعوبة مهاجمتهم في البادية، عمد إلى المكر
1 د. جواد علي: 4/ 137- 138.