الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما إخباره صلى الله عليه وسلم عمير بن وهب بن خلف بن وهب ابن حذافة بن جمح الجمحيّ أبا أمية وهو المضرّب بما همّ به من قتله [رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم]
فقال إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق [ (1) ]، عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحيّ مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير وهو في الحجر، وكان عمر بن وهب شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه به ويلقون منه عنتا وهم بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر.
قال: فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان: واللَّه إن في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت واللَّه أما واللَّه لولا دين عليّ ليس عندي قضاء له، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي قبلهم علة: ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان بن أمية فقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي [أو اسيهم] ، لا يسعني شيء ويعجز، عنهم قال له عمير: فأكتم عليّ شأني [وشأنك]، قال: أفعل.
ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينا عمر ابن الخطاب رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه في نفر من المسلمين في المسجد يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم اللَّه به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحا بالسيف، فقال: هذا الكلب عدو اللَّه عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر، وهو الّذي حرّش بيننا وحزرنا [للقوم] يوم بدر.
ثم دخل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي اللَّه! هذا عدو اللَّه عمير بن وهب قد جاء متوشحا بسيفه، قال: فأدخله عليّ، قال: فأقبل عمر حتى أخذ
[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 3/ 212- 215، إسلام عمير بن وهب بعد تحريض صفوان له على قتل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وما في ذلك من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وما بين الحاصرتين زيادة للسياق وتصويبا منه.
بحمالة سيفه في عنقه فلبه بها، وقال لرجال ممن كان معه من الأنصار:
ادخلوا على رسول اللَّه فاجلسوا عنده، واحذروا [عليه من] هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فلما رآه صلى الله عليه وسلم وعمر رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا ثم قال: انعموا صباحا- وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم- فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا اللَّه بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة، قال: أما واللَّه يا محمد إن كنت لحديث عهد بها، قال فما أقدمك؟ قال: جئتك لهذا الأسير الّذي في أيديكم، فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها اللَّه من سيوف، وهل أغنت شيئا؟ قال: أصدقني ما الّذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك.
قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك حتى تقتلني له، واللَّه حائل بينك وبين ذلك.
قال عمير: أشهد أنك رسول اللَّه، وقد كنا [يا رسول اللَّه] نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو اللَّه إني لأعلم إنه ما أتاك به إلا اللَّه، فالحمد للَّه الّذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم تشهد بشهادة الحق، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره، قال:
ففعلوا.
ثم قال: يا رسول اللَّه، إني كنت جاهدا على إطفاء نور اللَّه، شديد الأذى لمن كان على دين اللَّه، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلي اللَّه وإلى الإسلام، لعل اللَّه أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك.
قال: فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة، وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى
الإسلام ويؤذي من خالفه إيذاء شديدا، وكان رجلا شهما منعيا، فأسلم على يديه ناس كثير، [فلما انقضى أمر بدر أنزل اللَّه فيه القرآن [سورة] الأنفال بأسرها] [ (1) ] .
وقد ذكر قصة عمير بن وهب موسى بن عقبه رحمه اللَّه تعالى وذكرها الواقدي في (مغازيه)[ (2) ] فقال: ثم قال: حدثني محمد بن أبي حميد عن عبد اللَّه بن عمرو بن أمية قال: لما قدم عمير بن وهب في أهله ولم يقرب صفوان بن أمية فأظهر الإسلام ودعا إليه، فبلغ صفوان فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد ارتكس، وحلف باللات والعزى لا أكلمه من رأسي أبدا ولا أنفعه ولا عياله بنافعة أبدا، فوقف عليه عمير وهو في الحجر فأعرض عنه، فقال عمير: أنت سيد من ساداتنا أرأيت الّذي كنا عليه من عبادة حجر والذبح له، أهذا دين؟ أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، فلم يجبه صفوان بكلمة.
[ (1) ] ما بين الحاصرتين ليس في (سيرة ابن هشام) .
[ (2) ](مغازي الواقدي) : 1/ 127- 128.