الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[تقديم المستثنى]
قال ابن مالك: (ولا يقدّم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ بل على أحدهما، وما شذّ من ذلك فلا يقاس عليه خلافا للكسائيّ).
ــ
قال ناظر الجيش: المستثنى جار من المستثنى منه مجرى الصفة المختصّة، من الموصوف بها ومجرى المعطوف بـ (لا) من المعطوف عليه، فكما لا تتقدّمان على متبوعهما، كذا ينبغي أن لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، لكن تقدّم الصفة والمعطوف غير ممكن من جهة أنّ التابع لا يتقدم على المتبوع، بخلاف المستثنى، فلهذا إذا
تقدّم أول الكلام ما يشعر بالمستثنى منه ما هو مسند إليه أو واقع عليه جاز تقدمه، نحو: قام إلّا زيدا القوم، وضربت إلّا زيدا القوم، قاله المصنف، فلو لم يتقدم ما يشعر بالمستثنى منه من مسند أو واقع لم يجز التقديم، وإليه الإشارة بقوله:
ولا يتقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معا، بل على أحدهما؛ فعلم بذلك أنّه لا يجوز: إلّا زيدا قام القوم، وإلّا زيدا ضربت القوم (1). وإنما قال:
والمنسوب إليه؛ ليشمل المسند والواقع، وممّا مثّل به المصنف في الجائز التقديم:
القوم إلّا زيدا ذاهبون، وأدرجه في التّمثيل مع:(ما قام إلّا زيدا القوم) ولا ينتظم لي تمثيله بـ: القوم إلّا زيدا ذاهبون، مع قوله في المتن: إنّه لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ لأنه قدّم عليهما في المثال المذكور، فإنّ المستثنى منه الضمير، وذاهب مسند إليه إلّا أن يقول: قد تقدم ما يشعر بالمستثنى منه وهو القوم؛ لإشعاره بالضّمير من حيث إنّ مدلولهما واحد، وإذا جاز التقديم في مثل:
قام إلّا زيدا القوم لتقدّم (قام) المشعر بالمسند إليه من حيث هو مسند، جاز: القوم إلّا زيدا ذاهبون، من طريق أولى، لكن ينكر عليه كونه قيّد المشعر المتقدم بكونه مسندا إلى المستثنى منه أو واقعا عليه، ولو أطلق فقال: إذا تقدم ما يشعر به كان المثال المذكور مندرجا تحت الإطلاق.
ونحن نتذكر أحوال التقديم لننبّه على محلّ الوفاق ومحلّ الخلاف منها، فنقول: -
(1) في التذييل والتكميل (3/ 567): «ذهب الجمهور إلى المنع واستدلوا بأن ذلك لم يسمع من كلامهم، ولأن (إلّا) مشبهة بلا العاطفة وواو مع نحو: قام القوم لا زيد، وجاء البرد والطيالسة وهذان لا يتقدمان، فكذلك ما أشبههما» ا. هـ، وينظر أيضا: المقرب (1/ 69)، والهمع (1/ 226).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المستثنى إمّا أن يتقدم أول الكلام أو يقدّم على المستثنى منه دون المنسوب إليه مع توسطه بين جزئي كلام، أو يقدّم على المستثنى منه، أو يقدّم على المنسوب دون المستثنى منه، أمّا تقديمه أول الكلام فلم يجزه أحد إلّا الكسائي (1).
قال الشيخ: والزجاج - أيضا - (2) واستدلّ لهما بقول الشاعر:
1702 -
خلا الله لا أرجو سواك وإنّما
…
أعدّ عيالي شعبة من عيالكا (3)
وبقول الآخر - وهو استثناء منقطع -:
1703 -
وبلدة ليس بها طوريّ
…
ولا خلا الجنّ بها إنسيّ (4)
ففي تقديم (خلا) إشعار بتقديم (إلّا) لأنّها الأصل ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فعلى هذا جوّز الكسائيّ (5) إلّا زيدا قام القوم؛ قياسا، وحكم الجمهور على ما استدل به بالشذوذ، وعن ذلك احترز المصنف بقوله: دون شذوذ.
ووجه الشذوذ بأن قال: قد يكون المستثنى منه جائز التقديم، فيقدر وقوعه مقدما ويقدم لذلك المستثنى عليه وعلى ما عمل فيه، وأنشد البيتين المتقدّمين، ثمّ قال قدّر أنّه قال: سواك خلا الله إلّا أرجو، وأنّه قال: ولا بها إنس خلا الجنّ، فاستجاز مع المقدّر ما استجاز مع المحقّق.
وأمّا تقديمه على المستثنى منه وما نسب إليه وهو متوسّط الكلام ففيه ثلاثة مذاهب، -
(1) ينظر: الارتشاف (2/ 307)، والكسائي وأثره في الدراسات النحوية (ص 191، 192).
(2)
ينظر: التذييل والتكميل (3/ 567).
(3)
البيت من الطويل، وقد نسب في معجم الشواهد (ص 255) إلى الأعشى، وليس في ديوانه.
والشاهد في قوله: «خلا الله لا أرجو سواك» ؛ حيث استدل به من ذهب إلى جواز تقديم المستثنى وجعله أول الكلام. ينظر: الخزانة (2/ 3)، والتصريح (1/ 363)، والهمع (1/ 226، 233)، والدرر (1/ 193، 197)، والأشموني (2/ 163).
(4)
بيتان من بحر الرجز للعجاج.
اللغة: طوري: بمعنى أحد ولا يستعمل إلا مع النفي، وروي: طوئي، بمعنى طوري أيضا، والشاهد فيه: - كالذي قبله - حيث استدل به من ذهب إلى جواز تقديم المستثنى أول الكلام. ينظر: ديوان العجاج برواية: «وخفقة ليس بها طوئي» ، أمالي القالي (1/ 251)، الإنصاف (159، 160)؛ الخزانة (7/ 2)، والهمع (1/ 226، 232)، والدرر (1/ 193).
(5)
في المساعد لابن عقيل (1/ 569): «والزجاج، ونقله ابن الخباز في النهاية عن الكوفيين، وابن العلج في البسيط عن طائفة منهم» . اه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يفرق في الثّالث بين أن يكون العامل متصرفا، فيجوز نحو: القوم إلّا زيد جاؤوا، أو غير متصرف فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدا في الدّار، وهو مذهب الأخفش (1).
قال الشيخ: ولم يسمع التقديم إلّا مع العامل المتصرف فينبغي الاقتصار عليه (2).
ومن شواهد التقديم قول ذي الرّمة:
1704 -
معرّسا في بياض الصّبح وقعته
…
وسائر الشّيء إلّا ذاك منجذب (3)
فاستثنى من الضّمير المستتر في (منجذب) و (منجذب) العامل فيه، وقول لبيد:
1705 -
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل (4)
فـ (ما خلا الله) استثناء من الضمير المستتر في (باطل) و (باطل) مسند إليه، عامل فيه (5). وأنشد المصنف قول ابن أبي الصّلت (6):
1706 -
كلّ دين يوم القيامة عند اللّ
…
هـ إلا دين الحنيفة بور (7)
وقول الآخر:
1707 -
تعلم بأنّ الوفد إلّا عويمرا
…
هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد (8)
-
(1) لمراجعة المذاهب الثلاثة ورأي الأخفش، ينظر: التذييل والتكميل (3/ 570)، والهمع (1/ 226).
(2)
ينظر: التذييل والتكميل (3/ 570، 571) والمساعد لابن عقيل (1/ 566).
(3)
التعريس: النوم في آخر الليل، وقعته: نومته، أي مستمر، والبيت من البسيط، وهو في ديوان ذي الرمة (ص 7) برواية: وسائر الليل إلا ذاك منجذب. وجمهرة القرشي (ص 178)، والتذييل والتكميل (3/ 571).
(4)
البيت من الطويل وتمامه:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
…
وكل نعيم لا محالة زائل
وهو في شرح ديوان لبيد (ص 256)، وشرح المفصل (2/ 78)، والهمع (1/ 3، 226)، وشرح التصريح (1/ 29).
(5)
المرجع السابق الصفحة نفسها.
(6)
نسبه الأستاذ عبد السّلام هارون في معجم الشواهد إلى عبد الله بن الزبعرى أو أمية بن أبي الصلت والبيت من الخفيف.
(7)
الشاهد في تقديم المستثنى وهو (دين) على المستثنى منه وهو الضمير المستتر في (بور)، وعامله وهو (بور)، ينظر البيت في: ديوان أمية بن أبي الصلت (ص 180)، والهمع (1/ 226)، والدرر (1/ 193)، والتذييل والتكميل (3/ 571).
(8)
البيت من الطويل ولم ينسب لقائل معين.
والشاهد فيه: كالذي قبله حيث تقدم المستثنى على المستثنى منه وهو الضمير، وعلى العامل فيه وهو (الكاذبون). ينظر: الهمع (2/ 44)، والدرر (2/ 52)، والتذييل والتكميل (3/ 572).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد علمت أنّ عبارة المصنّف - في المتن - تقتضي امتناع التقديم وأنّ تمثيله بنحو:
القوم إلّا زيدا ذاهبون؛ تقتضي جوازه، وأمّا تقديمه على المستثنى منه نحو: قام إلّا زيدا القوم، فنقل الشيخ أنّه لا خلاف في جوازه ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
1708 -
النّاس ألب علينا فيك ليس لنا
…
إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر (1)
وأنشد الزّجّاجي (2):
1709 -
وما لي إلّا آل أحمد شيعة
…
وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب (3)
وجعل المصنف التقديم في نحو: قام إلّا زيدا القوم، أقوى منه في نحو [3/ 41]: ضربت إلّا زيدا القوم، قال: لأنّ طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عمدة، وتقدم ما يطلب المستثنى منه وهو عمدة، بمنزلة تقدمه نفسه، وليس كذلك تقدم ما يطلب المستثنى منه، وهو فضلة، ونظير ما أنشده سيبويه من تقديم المستثنى على المستثنى منه ما نقله المصنّف عن الأخفش من قوله: هاهنا إلّا زيدا قومك، وأين إلّا زيدا قومك، وكيف إلّا زيدا قومك؟.
وأمّا تقديمه على المنسوب إلى المستثنى منه فقط، نحو: القوم إلّا زيدا ضربت، فيظهر أنه في الجواز كالقسم الّذي قبله بل أولى، وكأنّه لوضوحه لم يتعرّض المصنف لتمثيله ولنختم الكلام على هذا الفصل بمسألتين تتعلقان بالاستثناء المقدم من جهة العطف:
إحداهما: ما نبّه عليه سيبويه، وهي: ما لي إلّا زيدا صديق وعمرا. وعمرو، وما لي إلّا إيّاك صديق وزيدا، وزيد. قال سيبويه: فأمّا النصب فعلى الكلام الأول -
(1) نسبه أبو حيان - التذييل والتكميل (3/ 582) إلى كعب بن مالك، وهو في ديوان حسان بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - (ص 119)، الألب - بفتح الهمزة، وكسرها -: القوم يجتمعون على عداوة إنسان، وفيك: يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوزر: الملجأ.
والشاهد: في الشطر الثاني؛ حيث تقدم المستثنى وهو (السيوف) على المستثنى منه وهو (وزر).
ينظر: الكتاب (2/ 336)، والإنصاف (ص 159)، وشرح المفصل (2/ 79)، والبيت من البسيط.
(2)
الجمل للزجاجي (ص 228).
(3)
قائله الكميت. والبيت من الطويل، ويروى (مذهب) بدل (مشعب) والمعنيان متقاربان.
والشاهد: في شطريه؛ حيث تقدم المستثنى على المستثنى منه فيهما، ينظر: المقتضب (4/ 398)، والإنصاف (ص 159)، وشرح المفصل (2/ 79)، والخزانة (2/ 207).