المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[حكم تقديم الحال على عامله] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٥

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب السابع والعشرون باب المستثنى

- ‌[تعريف المستثنى]

- ‌[الاستثناء المتصل والمنقطع]

- ‌[إعراب المستثنى بـ «إلّا»، وبيان العامل فيه]

- ‌[حذف عامل المتروك]

- ‌[الاستثناء التام وأحكامه]

- ‌[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]

- ‌[مسألتان في الاستثناء التام]

- ‌[حكم تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه]

- ‌[مسائل لا يجوز فيها الإتباع على اللفظ]

- ‌[إتباع المستثنى المنقطع عند بني تميم]

- ‌[جواز الإتباع على الاسم الظاهر أو ضميره]

- ‌[مجيء المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا]

- ‌[تقديم المستثنى]

- ‌[استثناء شيئين بأداة واحدة]

- ‌[استثناء النصف، وما هو أكثر]

- ‌[ما هو أولى بالاستثناء]

- ‌[تعدد المستثنى منه]

- ‌[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد]

- ‌[حكم تكرار «إلّا» لغير التوكيد ولا يمكن الاستثناء]

- ‌[تكرار «إلّا» مع إمكان الاستثناء]

- ‌[«إلا» الموصوف بها]

- ‌[إيلاء «إلا» نعت ما قبلها]

- ‌[عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وعكسه]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «حاشا»، و «عدا»، و «خلا»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «ليس» و «لا يكون»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «غير» وبيد»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «سوى»]

- ‌[حذف ما بعد «إلّا» و «غير»]

- ‌[حكم الاسم المذكور بعد «لا سيما» - اللغات فيها]

- ‌الباب الثامن والعشرون باب الحال

- ‌[تعريف الحال - بعض أحكامه]

- ‌[من أحكام الحال: الاشتقاق وقد يأتي جامدا مؤولا]

- ‌[من أحكام الحال التنكير وقد تأتي معرفة]

- ‌[وقوع الحال مصدرا وأحكام ذلك]

- ‌[مسوغات تنكير صاحب الحال]

- ‌[حكم تقديم الحال على صاحبه]

- ‌[حكم تقديم الحال على عامله]

- ‌[مسألتان بين الحالية والخبرية]

- ‌[تعدد الحال]

- ‌[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا]

- ‌[حكم حذف الحال]

- ‌[الحال المؤكدة]

- ‌[مجيء الحال جملة وحديث عن رابط هذه الجملة]

- ‌[الجملتان المفسرة والاعتراضية وعلاقتهما بالحالية]

- ‌الباب التاسع والعشرون باب التّمييز

- ‌[تعريفه]

- ‌[قسما التمييز: ما يميز مفردا وما يميز جملة]

- ‌[أحكام تمييز المفرد]

- ‌[الأوجه الجائزة في تمييز المفرد من إضافة وغيرها]

- ‌[حكم آخر لتمييز المفرد]

- ‌[تمييز الجملة وأحكامه]

- ‌[أحكام أخرى لتمييز الجملة]

- ‌[تعريف تمييز الجملة، وتقدير تنكيره، أو تأويل ناصبه]

- ‌[أحكام تقديم التمييز على عامله]

- ‌الباب الثلاثون باب العدد

- ‌[حكم تمييز الأعداد من واحد إلى مائة]

- ‌[أحكام خاصة بالتمييز «المفسّر»]

- ‌[حذف تاء الثلاثة وأخواتها]

- ‌[عطف العشرين وأخواته على النيف]

- ‌[مذكر ما دون ثلاثة عشر ومؤنثه]

- ‌[ياء الثماني في التركيب والإفراد]

- ‌[استعمال «أحد» استعمال «واحد»]

- ‌[اختصاص «أحد» بعموم من يعقل]

- ‌[حكم تثنية وجمع أسماء العدد]

- ‌[إدخال حرف التعريف على العدد]

- ‌[حكم العدد المميز بشيئين في التركيب]

- ‌[التأريخ بالليالي لسبقها]

- ‌[صياغة وحكم اسم الفاعل المشتق من العدد]

- ‌[استعمال «فاعل» المصوغ من العدد]

- ‌[ما يستعمل استعمال خمسة عشر من الظروف والأحوال]

- ‌الباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذا

- ‌[معنى كم - نوعاها - حكم تمييز كل نوع]

- ‌[أحكام مختلفة لـ «كم» بنوعيها]

- ‌[«كأيّن» و «كذا» وأحكامهما]

- ‌الباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئس

- ‌[فعلان أم اسمان والأدلة على كلّ]

- ‌[اللغات فيهما]

- ‌[أنواع فاعل «نعم» و «بئس»]

- ‌[أحوال وأحكام المخصوص بالمدح والذم]

- ‌[الأفعال المحولة للمدح والذم]

- ‌الباب الثالث والثلاثون باب حبّذا

- ‌[أصلها - فاعلها - تمييزها - مخصوصها - إفرادها]

الفصل: ‌[حكم تقديم الحال على عامله]

[حكم تقديم الحال على عامله]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرّفا، أو صفة تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، ولا مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم. ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرّف أو صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، أو مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، أو مقرونا

بلام الابتداء أو القسم، أو جامدا ضمّن معنى مشتقّ، أو أفعل تفضيل، أو مفهم تشبيه. واغتفر توسيط ذي التّفضيل بين حالين غالبا.

وقد يفعل ذلك بذي التّشبيه، فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جرّ مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصحّ توسيط الحال بقوّة إن كانت ظرفا أو حرف جرّ، وبضعف إن كانت غير ذلك) (1).

- الأكثرين (2). والذي اختاره المصنف سهل قريب، لا محذور فيه، وهو الظاهر من الآيات الكريمة فيتعين المصير إليه.

قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على تقديم الحال بالنسبة إلى صاحبه شرع في الكلام على التقديم بالنسبة إلى العامل في الحال. وكما انقسم التقديم على صاحب الحال إلى ثلاثة أقسام، كذلك انقسم التقديم على العامل إلى ثلاثة أيضا: قسم يجب فيه التقديم، وقسم يمتنع فيه ذلك، وقسم يجوز فيه الأمران، وقد ذكر المصنف قسمي الجائز والممتنع وأنا أشير إلى الأقسام الثلاثة، قسما قسما، مع مراعاة لفظ المصنف وترتيبه.

القسم الأول: ما يجوز فيه الأمران، وهو إذا كان العامل فعلا متصرفا نحو:

«أتيت مسرعا، وضربت اللصّ مكتوفا» أو صفة تشبه الفعل المتصرف تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية؛ لأنها في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة، كقول الشاعر [3/ 72]:

1807 -

لهنّك سمح ذا يسار ومعدما

كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا (3)

-

(1) تسهيل الفوائد (ص 110).

(2)

انظر شرح المقرب لابن عصفور (المنصوبات - القسم الأول ص 633).

(3)

البيت من الطويل، ولم يعرف قائله. وينظر في: شرح المصنف (2/ 343)، وشرح الألفية -

ص: 2293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال المصنف: فلو قيل في الكلام: إنّك ذا يسار ومعدما سمح، لجاز؛ لأنّ (سمحا) عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل، لما تقدّم (1).

وقال الشيخ جمال الدين بن عمرون في شرح المفصل: ذكر بعضهم تقديم الحال على الصفة المشبّهة، وهو سهو؛

لأنّ الصفة لا يتقدّم معمولها عليها (2).

ثم إنّه قد يعرض للعامل المذكور ما يمنع تقدم الحال عليه: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولم يكن نعتا

إلى قوله:

ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم إلّا أنّ المصنف عدّ من جملة ذلك كون العامل مصدرا مقدّرا بحرف مصدري، ولم يدخل تحت قوله الأول (3) ليخرجه كما أخرج المذكورات معه، والحكم صحيح، إلّا أنّ هذا ليس موضعه، وتقدير كلام المصنف: ولم يكن العامل نعتا، ولا كذا

ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ومثاله:«يعجبني ضرب اللصّ مكتوفا» فلا يجوز يعجبني مكتوفا ضرب اللصّ.

فمن الموانع: وقوع العامل نعتا كقولك: «مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها» فلا يجوز أن يقال: مررت برجل مكسورا سرجها ذاهبة فرسه.

قال الشيخ: فعلى ما قرّره المصنف يمتنع في «مررت برجل مسرع ضاحكا» :

مررت برجل ضاحكا مسرع، قال: وهذا وهم منه؛ لأنّ النحاة نصّوا على جواز تقديم معمول النعت عليه، من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها، وإنّما منعوا من تقديم المعمول (4) على المنعوت، فيجوز في «مررت برجل يركب الفرس مسرجا»: مررت برجل مسرجا يركب الفرس، ولا يجوز: مررت مسرجا برجل يركب الفرس. -

- (ص 327)، والتذييل (3/ 762). لهنك: لغة في لأنك، وسمح: كريم.

(1)

أي: لتضمنه حروف الفعل ومعناه مع قبوله لعلامات التأنيث والتثنية والجمع. ينظر: شرح المصنف (2/ 343).

(2)

قال الشيخ خالد في التصريح (1/ 381): فإن قلت: معمول الصفة المشبهة لا يكون إلا سببيّا مؤخرا، فكيف جاز تقديمه وكونه غير سببي؟

قلت: المراد بالمعمول المذكور، ما عملها فيه بحق الشبه وأما عملها في الحال فيما فيها من معنى الفعل. اه.

(3)

يعني قوله: (يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرفا، أو صفة تشبهه ..).

(4)

قال الدماميني: «الممتنع إنما هو التقدم على المنعوت؛ لأنّ النعت لا يتقدمه فلا يتقدم معموله، ونصوص النحاة طافحة بذلك» أي: يتقدم معمول المنعوت. تعليق الفرائد (6/ 206).

ص: 2294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال: وامتناع تقديم (مكسورا سرجها) ليس للذي ذكره، بل من حيث قدّم المضمر على مفسّره. انتهى (1).

وفي كون هذه المسألة ممنوعة من جهة تقديم الضمير على مفسّره نظر؛ لأنّه وإن تقدّم عليه لفظا فهو مؤخر

رتبة؛ لأنّ (مكسورا) حال من (فرسه) المرفوع بـ (ذاهبة) ورتبة صاحب الحال قبلها، فلم يتقدم الضمير إلّا على مفسّر مقدّم الرتبة وإن كان مؤخرا لفظا، وحينئذ يحصل الإشكال؛ لأنّ الشيخ سلم المنع في هذه الصورة وأسنده إلى شيء لم يثبت (2)، والظاهر دعوى الجواز في المثال المذكور إذ لا مانع منه (3)، فعلى هذه لا حاجة إلى الاحتراز بقوله: ولم يكن نعتا.

ومن الموانع أيضا: وقوع العامل صلة لـ (أل) نحو: «أنت المصلي فذّا، أو أنا المعتكف صائما» أو لحرف مصدري، نحو:«لك أن تتنقل قاعدا» أو لاختصاص الحال بذلك، بل كل شيء يعلق بالعامل الواقع صلة لـ (أل) أو لحرف مصدري، حالا كان أو غير حال، ممتنع تقديمه عليه فلو كان العامل صلة لاسم غير (أل) لم يمتنع تقديم الحال عليه، كما لا يمتنع تقديم غيرها مثل قولك في «من الذي جاء مفاجئا»: من الذي مفاجئا جاء (4).

ومنها: كون العامل مقرونا بلام الابتداء، نحو:«لأصبر محتسبا» ، ولام القسم نحو:«لأقومنّ طائعا» .

واعلم أنّ معمول مصحوب الأدوات التي تقدم ذكرها من حال أو غيره قد يمتنع -

(1) ينظر: التذييل (3/ 762 - 763)، والارتشاف (2/ 350، 351)، والهمع (1/ 242).

(2)

وأنكر ابن هشام في المغني (ص 493) ما قاله أبو حيان في المثال المذكور من أنّ تقديم الحال هنا على عاملها وهو «ذاهبة» ممتنع؛ لأنّ فيه تقديم الضمير على مفسره، وقال: هذا غريب جدّا، فإن هذا المؤخر مقدم في الرتبة، ولا شك أنّه لو قدّم لكان كقولك:«غلامه ضرب زيد» .

ثم قال ابن هشام: ووقع لابن مالك سهو في هذا المثال من وجه غير هذا، وهو أنه منع من التقديم لكون العامل صفة، ولا خلاف في جواز تقديم معمول الصفة عليها بدون الموصوف. ويراجع الأشموني (2/ 182).

(3)

وفي التذييل (3/ 763) بعد كلام أبي حيان السابق: وقد نصّ النحويون على منع تقديم المضمر في هذه المسألة، وما أشبهها، وأنه مما يلزم فيه تأخير الحال؛ إذ ليس من المواضع التي يفسّر فيها المضمر ما بعده. اه. وينظر: الهمع (1/ 242)، وحاشية الصبان على الأشموني (2/ 182).

(4)

ينظر: شرح المصنف (2/ 343).

ص: 2295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

تقديمه مطلقا، أي: على الأداة، وعلى مصحوبها، كالمصاحب لـ (أل) وقد يمتنع تقديمه على الأداة مع جواز تقديمه على مصحوبها كالمقرون بلام الابتداء والقسم، كما تقول: لمحتسبا أصبر، ولطائعا أقومنّ.

وأما المصاحب بحرف مصدري فكالمصاحب لـ (أل) عند المصنف (1)، ولابن عصفور فيه تفصيل، وهو أنّه إن كان الحرف المصدري عاملا امتنع التقديم، وإن كان غير عامل جاز تقديمه على مصحوبه دونه، نحو: عجبت ممّا

ماشيا يجيء زيد، والأصل: مما يجيء زيد ماشيا وهذا التفصيل المذكور بالنسبة إلى الأدوات المذكورة لم يتعرض له المصنف بل حكم بمنع التقديم على العامل من غير تفصيل (2).

القسم الثاني: ما يمتنع فيه التقديم، وليعلم أنّ الموجب لمنع التقديم أمران:

أحدهما: يرجع إلى ذات العامل، والآخر: يرجع إلى أمر عارض له.

والأول منحصر في خمسة أشياء: وهي كون العامل غير متصرف، أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري، أو جامدا ضمّن معنى المشتق، أو أفعل التفضيل، أو مفهم تشبيه.

وأمّا الأمر الآخر فمنحصر في ثلاثة: وهي الأمور التي أوردها المصنف في قسم الجائز، على أنّ عدمها شرط لجواز التقديم (3)، ككون العامل صلة إمّا للألف واللام أو لحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو مقرونا بلام القسم. وإلى تفصيل صور الأمرين معا أشار المصنف بقوله: ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف

إلى آخره.

وإنّما فصل المصنف في الذكر من الفعل غير المتصرف ومن الجامد وما بعده وكان من حقّه أن يذكره مقرونا بتلك الأمور من جهة أنّ المنع فيها يرجع إلى العامل نفسه؛ لأنّ المصنف أراد أن يجري على بعض الشروط التي تقدّم له ذكرها في قسم الجائز فذكرها مرتبة ثم أتبعها غيرها وقد علمت أنّ صور هذا القسم ثمان، وتقدم تمثيل المصدر المقدر بحرف مصدري والعامل الواقع صلة لـ (ال) أو لحرف مصدري والعامل المقرون بلام الابتداء، والمقرون بلام القسم. -

(1) في أنه يلزم تقديم العامل مطلقا. ينظر: شرح المصنف (2/ 343).

(2)

ينظر: التذييل (3/ 763).

(3)

في المخطوط: التقدير، وهو تحريف.

ص: 2296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وأما الفعل غير المتصرف فمثاله: «ما أنصرك مستنجدا» (1). وأما الجامد المضمّن معنى مشتق فإما أن يكون حرفا أو شبهه وسيذكران، وإما غيرهما، وذلك: أمّا، وحرف التنبيه والتمني [3/ 73] والترجي، واسم الإشارة، والاستفهام المقصود به التعظيم، والجنس المقصود به الكمال، والمشبّه به، هكذا أوردها المصنف من غير زيادة.

وبسط الشيخ الكلام عليها (2)، فنقلت كلامه ملخصا ممزوجا بكلام غيره:

أمّا (أمّا): فمثّلها بقولهم: «أمّا علما فعالم، وأمّا صديقا فأنت صديق» وهو غير واضح؛ لأنّ العامل ليس (أمّا)(3) وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة.

وأمّا حرف التنبيه واسم الإشارة: فنحو: «هذا زيد قائما» وقد أجازوا أن يكون العامل (ها)؛ لأنه بمعنى: أنبّه، وأن يكون العامل (ذا)؛ لأنه بمعنى: أشير، فنصب قائما بأحدهما، وهو حال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في أنبّه عليه، أو أشير إليه، والمختار أن يكون العامل اسم الإشارة لقربه، وإذا تقرر هذا علم امتناع «قائما هذا زيد» لتقدمه عليهما، وأمّا «ها قائما ذا زيد» فجائز إن كان العامل حرف التنبيه، لا إن كان العامل اسم الإشارة هذا مذهب الجمهور (4)، وهو جواز نسبة العمل إلى كل منهما.

وذهب ابن أبي العافية إلى أنّ العامل اسم الإشارة ولا يجوز أن يكون حرف التنبيه، قال: لأنّ الحرف أتي به اختصارا واستغناء عن الفعل، فإعماله بما فيه من معنى الفعل تراجع عما اعترفوه من الاختصار (5). ويقوّي ما ذهب إليه أنّ همزة الاستفهام وحرف الاستثناء وما النافية لا يعمل شيء منها في الحال.

وذهب السهيلي إلى أنّ العامل ليس شيئا منهما، وإنّما العامل (انظر) مقدرا دلّ عليه اسم الإشارة، فإذا قلت:«هذا زيد قائما» فكأنك قلت: انظر إليه قائما، -

(1) لأن فعل التعجب غير متصرف في نفسه، فلا يتصرف في معموله بالتقديم عليه.

(2)

تحدث عنها أبو حيان في التذييل (3/ 765 - 783).

(3)

ونسبة العمل إلى «أما» مجاز، والعامل هو فعل الشرط المحذوف أو بالصفة التي بعد الفاء، كما سبق بيانه.

(4)

ينظر: الارتشاف (2/ 351)، والمغني (2/ 564).

(5)

ينظر: منهج السالك لأبي حيان (ص 197، 198)، والارتشاف (2/ 351).

ص: 2297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنع تقديم الحال على شيء من أجزاء الجملة قال: لأنّ العامل المقدّر يشبه العامل المعنوي، واسم الإشارة هو الدّال عليه، فلم يجز التقديم (1).

وقد ردّ مذهب السهيلي بأنه يلزم منه تقدير عامل لم يلفظ به قط، وأنّ الكلام يصير في تقدير جملتين، وظاهر الكلام أنه جملة واحدة وبأنه قد سمع التقديم على بعض أجزاء الجملة، وهو قد منعه، قال الشاعر:

1808 -

أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا

وهذا عروسا باليمامة خالد (2)

وعلى اسم الإشارة أيضا، قال الشاعر:

1809 -

ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له

وطع فطاعة مهد نصحه رشد (3)

وفي هذا البيت الثاني ردّ على ابن أبي العافية فإنّه جعل اسم الإشارة عاملا، ولو كان عاملا لم يتقدم الحال عليه.

وقال جمال الدين بن عمرون: قال السخاوي: إذا قلت: «هذا زيد قائما» إنما صحّ إذا كان المخاطب يعرف زيدا، ولا يجوز إذا أردت تعريف المخاطب بزيد؛ لأنّ معنى الكلام إذ ذاك: هذا زيد في حال قيامه دون حال قعوده، وذا محال فإذا كان المخاطب عرف زيدا كانت الفائدة في الحال، وإذا كان يجهله كانت في المعرفة به.

وأما حرفا التمني والترجي (4): فهما «ليت، ولعلّ» وذكر المصنف (كأنّ) أيضا في الكافية (5)، فقال - بعد ذكر (تلك): كذلك ليت ولعل وكأنّ. فزاد التشبيه، وقد صرح بذكر الثلاثة صاحب المفصل (6) أيضا، وذلك نحو: ليت زيدا مقيما عندنا، ولعلّه، وكأنّك. -

(1) ينظر: نتائج الفكر للسهيلي (ص 179) تحقيق عادل عبد الموجود، والسابقين.

(2)

البيت من الطويل، ولم يعرف قائله، وينظر في: الأصول لابن السراج (1/ 153) وشرح السيرافي للكتاب (1/ 49) ط، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 360) ويروى بنصب «عروس» على الحال، ورفعه على أنه خبر.

(3)

البيت من البسيط، ولم يعرف قائله، وينظر في: المغني (ص 564، 659)، وشرح التسهيل للمرادي (2/ 202)، والخضري على ابن عقيل (1/ 218).

(4)

في المخطوط: «حرف التمني والترجي» .

(5)

ينظر: الكافية الشافية (2/ 751) مع شرحها.

(6)

ينظر: المفصل (ص 62).

ص: 2298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقال الشيخ: الصحيح أنّ (ليت) و (لعلّ) وباقي الحروف لا تعمل في حال ولا في ظرف، ولا تتعلق بها حروف جرّ إلّا (كأنّ) وكاف التشبيه، قال النابغة:

1810 -

كأنّه خارجا من جنب صفحته

سفّود شرب نسوه عند مفتأد (1)

ويدلّ على ذلك أنك لو قلت: «ليت زيدا اليوم ذاهب غدا» ونحوه، لم يجز ذلك بإجماع.

قال: وعلل الفارسي منع ذلك في «الحلبيات» بأنّها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف يغني عن أستفهم، و (ما) عن أنفي و (إنّ) عن أؤكد، فلو أعملت في الظرف والحال ومكنت تمكين الفعل لكان نقضا لما قصدوه.

قال: وهذا التعليل هو الذي أشار إليه ابن أبي العافية في منع عمل حرف التنبيه.

انتهى (2).

وقال جمال الدين بن عمرون: إن قيل: إنّ (ها) حرف فلم جاز أن يعمل في الحال، وكذا (يا) و (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) ولم يجز عمل ما في الحروف من معنى الفعل؛ لأنّ الحرف أتي به للاختصار ولذا لا تعمل همزة الاستفهام وحرف الاستثناء و (ما) النافية في الحال؟

نصّ عليه أبو علي في القصريات.

قيل: إنّ (يا) نفس الفعل المعبّر عنه بـ (ناديت) و (ها) هي نفس الفعل المعبّر عنه بـ (نبّهت) وكذا (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) فلمّا كنّ نفس الفعل المعبر عنه بالفعل في (تمنّيت) و (شبّهت) و (ترجّيت) و (نبّهت) و (ناديت) صارت مشاهدتك الفعل دليلا على العبارة عنه، كما إذا رأيت من يضرب فتقول: زيدا، قامت مشاهدتك الفعل مقام لفظك بـ (اضرب) فلذا عملت بخلاف الهمزة في الاستفهام فليست المعبر عنه بـ (استفهمت)؛ لأن (استفهمت) عبارة عن طلب الفهم، فلو قال: افهم، لصحّ أن تقول: استفهم، فعلمت أنّ الهمزة في «أزيد -

(1) البيت من البسيط وهو في التذييل (3/ 771)، واللسان (فأد)

والسّفّود: حديدة ذات شعب معقّفة، يشوى بها اللحم. والمفتأد: موضع الوقود.

(2)

ينظر: هذا النقل في التذييل (3/ 771).

ص: 2299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عندك؟» ليست المعبّر عنها بـ (استفهمت) وكذا حرف الاستثناء، فإن الاستثناء له حدّ، فالاستثناء عبارة عن المحدود بذلك، وكذا النفي ليس عبارة عمّا تحصل الفرق. انتهى.

وفي كلامه (1) غموض، فليتأمله الواقف عليه، وفهم منه جواز إعمال (ليت) و (لعلّ) في الحال، كما أشار إليه المصنف.

قال الشيخ: وكما فارقته [3/ 74](كأنّ) وأخواتها فعملت في الظروف والحال فارقتها أيضا في وقوعها نعتا لنكرة، وحالا من معرفة وخبرا لـ (كان) وأخواتها. قال الشاعر:

1811 -

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة

من الرقش في أنيابها السمّ ناقع (2)

وأما الاستفهام المقصود به التعظيم فنحو قولهم:

1812 -

يا جارتا ما أنت جاره (3)

فـ (جارة) منصوب على الحال، والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنته من معنى التعظيم، فكأنه قال: ما أعظمك جارة.

قال الشيخ: وهذا تفسير معنى. وتفسير الإعراب؛ أي: عظيمة أنت في حال كونك جارة (4)، وهذا عجز بيت للأعشى، وصدره:

1813 -

بانت لتحزننا عفاره

وأجاز الفارسي أن تكون منصوبة على التمييز بدليل جواز دخول (من) عليه (5)، كما قال الآخر: -

(1) أي: في كلام ابن عمرون.

(2)

البيت من الطويل، وقائله النابغة الذبياني وهو في ديوانه (ص 51) وسيبويه (2/ 89)، والتذييل (3/ 772).

(3)

صدر بيت من مجزوء الكامل للأعشى ميمون بن قيس، وسيأتي عجزه، وجعله بعضهم صدره.

وينظر في ديوانه (ص 111) وكتاب الشعر للفارسي (1/ 222، 319) وشرح التسهيل للمصنف (2/ 344)، والأشموني (2/ 181).

(4)

ينظر: التذييل (3/ 773)، والارتشاف (2/ 352).

(5)

ينظر: الإيضاح لأبي علي (ص 180، 181) تحقيق د/ كاظم المرجان.

ص: 2300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

1814 -

يا سيدا ما أنت من سيد (1)

وقد ذكره في باب التمييز (2)، وسيأتي.

وجوّز بعضهم في (ما) أن تكون نافية تميمية أو حجازية، والنفي على وجهين:

أحدهما: ما أنت جارة لبينونتك عنّا.

الثاني: ما أنت جارة بل أعظم من ذلك كقوله تعالى: ما هذا بَشَراً (3).

وأمّا الجنس المقصود به الكمال: فنحو «أنت الرجل علما» وقد تقدّم الكلام عليه.

وأمّا المشبّه به: فنحو: «هو زهير شعرا» وتقدّم الكلام عليه أيضا.

ومقتضى كلام المصنف هنا أنّ العامل في الحال المشبّه به، ولهذا امتنع تقدّمها عليه، لكن قد تقدّم أنّ التقدير في ذلك: هو مثل زهير في حال شعر، وحينئذ لا يكون العامل المشبّه به، بل (مثل) المحذوفة، ويكون امتناع تقديم الحال من جهة أنّ العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرف، وقد تقدّم استثناؤه، اللهمّ إلّا أن يلغى المحذوف، ويجعل الأول الثاني مجازا للمبالغة فتصحّ نسبة العمل إلى المشبّه به، ولعلّ ذلك مراد المصنف.

وأمّا أفعل التفضيل: فنحو: «هو أكفأهم ناصرا» وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المتضمّنة معنى الفعل؛ لأنّ فيه ما فيهنّ من معنى الفعل، ويفوقهنّ بتضمن حروف الفعل ووزنه، ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى وفيه من الضعف - لعدم قبول علامة التأنيث والتثنية والجمع - ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبّهة فجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين كالمثال المتقدم، وجعل موافقا للصفة المشبّهة إذا توسط نحو:«تمرنا بسرا أطيب منه رطبا» (4) وسيأتي الكلام عليه. -

(1) هذا صدر بيت من السريع للسفاح بن بكير اليربوعي، وعجزه:

موطأ الأكناف رحب الذراع

وينظر: في الإيضاح للفارسي (181)، والتذييل (3/ 774)، والتصريح (1/ 399).

(2)

ينظر: في شرحه (2/ 380).

(3)

سورة يوسف: 31، وينظر: التذييل (3/ 774)، والارتشاف (2/ 352).

(4)

ينظر: شرح المصنف (2/ 344).

ص: 2301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وأما مفهم التشبيه: فنحو: «زيد مثلك شجاعا، وليس مثلك جوادا» .

وكذا إذا حذف (مثل) وضمّن المشبّه به معناه كقولك: «زيد زهير شعرا» و «أبو يوسف أبو حنيفة فقها» ومنه:

1815 -

فإنّي اللّيث مرهوبا حماه

وعيدي زاجر دون افتراس (1)

هكذا ذكره المصنف، وقد يقال: إذا ذكرت (مثل) فالمانع من التقديم كون العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرّف، لا كونه أفهم التشبيه وإن اتفق أنّه كذلك إذا لم تذكر (مثل)؛ لأنّها مراده، ومع ذلك فقد فهم هذا الحكم من قوله أولا عند تعديد أقسام الجامد المضمّن معنى مشتق: والمشبّه به، ومثّله بنحو:«زهير شعرا» فلا فائدة إذا لقوله: أو مفهم تشبيه.

وأمّا الظرف وشبهه: فنحو: «زيد عندك مقيما، وعمرو في الدار قائما» وفي تقديم الحال على العامل هنا خلاف:

مذهب سيبويه: المنع مطلقا، أي: صريحة كانت الحال أو غير صريحة (2).

ومذهب الأخفش والكسائي والفراء: الجواز مطلقا (3).

والمذهب الثالث، ونسبه الشيخ إلى ابن برهان: التفصيل بين أن يكون الحال ظرفا أو شبهه فيصح التقديم، أو غير ذلك فيمتنع (4).

والخلاف المذكور جار فيما إذا تقدّمت الحال على عاملها المذكور فقط دون المسند إليه نحو: «زيد قائما عندك، أو في الدار» أمّا إذا تقدّمت عليهما فهي ممتنعة بلا خلاف نحو: «قائما زيد في الدار» (5)؛ ولهذا قال المصنف: مسبوقا بمخبر عنه فجعل السبق قيدا في الجواز. -

(1) البيت من بحر الوافر، ولم يعرف قائله. وينظر في: شرح المصنف (2/ 345)، والتذييل (3/ 777)، وشرح المرادي (2/ 203).

(2)

ينظر: التذييل (3/ 785)، ومنهج السالك (ص 199).

(3)

ينظر: الارتشاف (2/ 355)، والتصريح (1/ 385).

(4)

ينظر: الارتشاف (2/ 355، 356).

(5)

ينظر: شرح الكافية الشافية (2/ 753)، والارتشاف (2/ 356)، والداودي على ابن عقيل (1/ 1086).

ص: 2302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومستند سيبويه: أنّ العامل معنوي فلا يقوى في تقدّم معموله عليه وإذا منعوا أن يتقدم معمول الفعل غير المتصرّف فمعمول المعنى أحرى بالمنع.

واستدلّ الأخفش ومن وافقه بقراءة بعض السلف: والسماوات مطويات بيمينه (1)، وبقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متواريا بمكة (2). وبقول الشاعر:

1816 -

بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلّة

لديكم فلم يعدم ولاء ولا نصرا (3)

وبقول النابغة:

1817 -

رهط ابن كوز محقبي أدراعهم

فيهم ورهط ربيعة بن حذار (4)

وبقول الآخر أنشده الفارسي:

1818 -

أبنو كليب في الفخار كدارم

أم هل أبوك مدعدعا كعقال (5)

-

(1) سورة الزمر: 67، والقراءة بنصب (مطويات) على الحال لعيسى بن عمر كما في شواذ ابن خالويه (ص 131)، والحسن البصري كما في معاني الفراء (2/ 425).

(2)

ينظر: شرح المصنف (2/ 346)، وروايته في مسند ابن حنبل (1/ 23) برفع (متوار) وفي صحيح البخاري كتاب التوحيد (9/ 153):

مختف بمكة.

(3)

البيت من الطويل، ولم يعرف قائله وينظر: في شرح الألفية لابن الناظم (ص 330)، والتصريح (1/ 385)، والأشموني (2/ 182) وعوف: اسم رجل، وبادئ: من البدء وهو الظهور.

والشاهد: في «بادئ ذلّة» ؛ حيث قدم الحال وهو «بادئ» على صاحبها وهو الضمير في «لديكم» وقال: المانع بأن البيت ضرورة.

(4)

البيت من قصيدة من الكامل للنابغة الذبياني يخاطب بها زرعة بن عمرو وينظر: في ديوانه (ص 99)، وشرح المصنف (2/ 346)، وشرح الكافية الشافية (2/ 733) وشرح الألفية لابن الناظم (ص 329)، والأشموني (2/ 181).

ورهط الرجل: قومه، ما دون العشرة من الرجال، ومحقبي: من أحقب زاده خلفه، إذا جعله وراءه حقيبة، والأدراع: جمع درع، ويريد الحديد.

والشاهد: في قوله: «محقبي أدراعهم» ؛ حيث وقع حالا من «فيهم» وتأوله المانع بأنه ضرورة.

(5)

البيت من الكامل من قصيدة طويلة للفرزدق في هجاء جرير وقبيلته بني كليب وفيها يمدح قومه من تميم قائلا في مطلعها:

الضاربون إذا الكتيبة أحجمت

والنازلون غداة كل نزال

المدعدع: الذي يسير أمام الغنم والماعز يصوت لهم ليتبعوه، عقال: من أجداد الفرزدق. والمعنى:

لا يستوي القبيلتان: دارم وكليب. والبيت في الديوان (2/ 217)(طبعة دار الكتاب العربي).

ص: 2303

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وبقول الآخر:

1819 -

ونحن منعنا البحر أن تشربوا به

وقد كان منكم ماؤه بمكان (1)

وقد تأوّل المانع ذلك كله بما يقرب تأويله وما يبعد، واختار المصنف جواز التقديم، غير أنّه جعله قويّا إن كانت الحال ظرفا أو شبهه، وضعيفا إن كانت غير ذلك، فقال:

ويضعف [3/ 75] القياس على الصريحة لضعف العامل وظهور العمل

ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة لشبه الحال فيه بخبر (إنّ) إذا كان ظرفا، فكما استحسن القياس على «إنّ عندك زيدا» لكون الخبر (2) فيه بلفظ الظرف الملغى، ولتوسعهم في الظروف بما لا يتوسع في غيرها بمثله كذا يستحسن القياس على:

وقد كان منكم ماؤه بمكان

انتهى (3). ولا يظهر لي أنّ قول الشاعر: «وقد كان منكم ماؤه بمكان» مما نحن بصدده؛ لأنّ «منكم» المحكوم بحاليته قد تقدم على العامل المعنوي وعلى المخبر عنه معا، وقد تقدّم أنّ من شرط الجواز ألّا يتقدم على المخبر عنه، وإنّما يحسن الاستشهاد بقول الآخر:

1820 -

فقلت له لمّا تكشّر ضاحكا

وقائم سيفي من يدي بمكان (4)

أي: وقائم سيفي كائنا من يدي بمكان.

ثم قال المصنف (5): ولا يجري مجرى العامل الظرفي غيره من العوامل المعنوية -

(1) البيت من الطويل، وقائله ابن مقبل العجلاني وينظر في: شرح المصنف (2/ 246)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 330) والتذييل (3/ 785)، والمساعد (2/ 31)، والأشباه والنظائر (4/ 94).

والشاهد فيه: تقدم «منكم» ؛ حيث وقع حالا مقدما على عامله وهو الجار والمجرور «بمكان» وأصل الكلام وقد كان ماؤه بمكان منكم.

(2)

في المخطوط: «لكون الظرف» وما أثبته من كلام المصنف.

(3)

ينظر: شرح المصنف (2/ 346).

(4)

البيت من الطويل وهو للفرزدق من قصيدة طويلة في المدح بدأها بحوار مع ذئب لقبه وبعد بيت الشاهد قوله:

تعش فإن واثقتني لا تخونني

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وشاهده: قوله: «وقائم سيفي من يدي بمكان» ؛ حيث تقدم الحال الظرف «من يدي» على الخبر «بمكان» ولم يتقدم على المخبر عنه «وقائم سيفي» وانظر البيت في: الديوان (2/ 400)(دار الكتاب العربي).

(5)

انظر: شرح التسهيل لابن مالك (2/ 347).

ص: 2304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

باتفاق؛ لأنّ في العامل الظرفي ما ليس في غيره من كون الفعل الذي ضمّن معناه في حكم المنطوق به، لصلاحية أن يجمع بينه وبين الظرف دون استقباح بخلاف غيره فإنه لازم التضمّن غير صالح للجمع بينه وبين [لفظ](1) ما تضمّن معناه، فلهذا اختص العامل الظرفي بجواز (2) تقديم الحال عليه دون غيره من العوامل المعنوية.

وأجاز الأخفش أيضا في الجملة الحالية المقرونة بالواو إذا كان العامل ظرفا ما أجاز في غيرها، فاستحسن أن يقال:«زيد وماله كثير في البصرة» (3).

القسم الثالث: ما يجب فيه تقديم الحال على عاملها وهو الذي لم يتعرض إليه المصنف، وذلك إذا كان الحال اسم استفهام نحو:«كيف جاء زيد؟ وكيف كلّمت عمرا؟» (4).

ولنرجع إلى الكلام على أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين: وذلك قولك: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا المثال هو كالعلم على هذه المسألة، وقد اختلف في ذلك؛ فقيل: العامل في (بسرا) اسم الإشارة. وقيل: حرف التنبيه. والعامل في (رطبا)(أطيب) على القولين.

وقيل: العامل فيهما (كان) التامة، أي: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا.

وقيل: العامل (كان) الناقصة، فـ (بسرا) خبر لها، وكذا (رطبا). فعلى الأقوال الثلاثة الأول لم يتقدم الحال على عاملها

المعنوي ولا غيره، وعلى القول الرابع ليس في المسألة حال.

وقيل: العامل فيهما معا أفعل التفضيل (5)، وهو (أطيب) وإياه قصد المصنف (6).

أمّا القول الأول؛ فنسب إلى جماعة منهم الفارسي في أحد قوليه وقد ضعف من وجوه:

أحدها: أنّهم متفقون على جواز «زيد قائما أحسن منه قاعدا وتمر نخلتنا بسرا -

(1) زيادة من شرح المصنف.

(2)

لفظة «بجواز» مكررة في المخطوط سهوا.

(3)

ينظر: شرح المصنف (2/ 347).

(4)

ينظر: الأشموني (2/ 182).

(5)

ينظر: هذه الأقوال في: الارتشاف (2/ 353).

(6)

ينظر: شرح المصنف (2/ 344).

ص: 2305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أطيب منه رطبا» ولا إشارة، والمعنى في الصورة واحد.

الثاني: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون في حال الخبر عنه بسرا؛ لأنه حال من المشار إليه، ولا شك في أنه يجوز أن يكون على غير ذلك بدليل قولك له وهو رطب أو تمر:«هذا بسرا أطيب منه رطبا» .

الثالث: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقا؛ لأنّ تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة لا يوجب تقييد الخبر بدليل قولك: «هذا قائما» أي: وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الخبر بـ (أطيب) وقع عن المشار مطلقا فكأنك قلت: «هذا أطيب منه رطبا» إذ وجود الحال وعدمها - إذا كان العامل الإشارة باعتبار الخبر - على السواء، وإذا كان كذلك فسد المعنى؛ لأنّك فضّلت شيئا على نفسه من غير تقييد له فحصل به الأفضلية. وما أبطل به عمل اسم الإشارة يبطل ببعضه عمل حرف التنبيه.

وأما القول الثالث؛ فنسب إلى سيبويه، وهو ظاهر كلامه، فإنه قال - بعد تمثيله بـ «هذا بسرا أطيب منه رطبا» -: فإن شئت جعلته حينا قد مضى نحو: إذ كان .. ، وإن شئت جعلته مستقبلا نحو: إذا كان

وإنما قال الناس: هذا منصوب على إضمار (إذا كان) فيما يستقبل، و (إذا كان) فيما مضى؛ لأنّ هذا لمّا كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذ كان وإذا كان. انتهى (1).

وعلى ذلك حمل السيرافي كلام سيبويه (2) وأعمل في الظرفين (أطيب)؛ لأنّه بمعنى فعل ومصدر، ومعناه يريد

طيبه، فجاز أن يعمل فيهما، وهذا التقدير المذكور إنّما يتّجه إذا كانت الإشارة إليه في غير حال كونه بسرا، فإن أشير إليه وهو تمر قدّر (إذ كان) أمّا إذا أشير إليه وهو بسر فلا يصح تقدير (إذ كان) ولا (إذا كان) وقد بطل أن يكون العامل اسم الإشارة فينبغي أن يكون العامل (أطيب) وإذا صحّ -

(1) ينظر: الكتاب (1/ 400)، وشرح التسهيل (2/ 344 - 345).

(2)

وعبارة السيرافي: فإذا قلت هذا بسرا أطيب منه تمرا وكانت الإشارة إليه في حال ما هو تمر أو رطب، فالتفضيل لما مضى والتقدير: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان تمرا، فـ «هذا» مبتدأ، وخبره «أطيب منه» و «بسرا» و «تمرا» حال من المشار إليه في زمانين، والعامل في الحال «كان» وفي «كان» ضمير من المبتدأ. شرح الكتاب (3/ 606) تحقيق: محمد حسن يوسف (رسالة).

ص: 2306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عمل (أطيب) في صورة أمكن عمله في بقية الصور، فرجح اختيار المصنف على هذا، وسيأتي.

وأما القول الرابع؛ وهو أنّ (بسرا) و (رطبا) خبران لـ (كان) الناقصة، فقد ذكره ابن عصفور (1) وهو مخالف لنصّ الجمهور على الحالية.

وأما القول الخامس: وهو أنّ العامل فيهما أفعل التفضيل فهو مختار جماعة منهم المصنف (2)، والحال الأولى من الضمير في (أطيب) والثانية من الضمير المجرور بـ (من) وجاز عمل أفعل التفضيل في حالين للعلة التي جاز لها عمله في ظرفين فإنّ لـ (أطيب) جهتين؛ لأنّ معناه: زاد طيبه، فعمل في (بسرا) باعتبار (زاد) وعمل في (رطبا) باعتبار الطيب.

قال المصنف - فور ذكر كلام سيبويه المتقدم -: فهذا نصّ منه على أنّ تقدير (كان) لم تدع إليه [3/ 76] حاجة من قبل العمل، بل من قبيل تقريب المعنى، والعامل إنّما هو أفعل، وقد تقدّم دليل ذلك (3).

ثم قال: وغير السيرافي من الشارحين للكتاب مخالفون للسيرافي ذاهبون إلى ما ذهبت إليه (4).

ثم قال: قال أبو علي في التذكرة: «مررت برجل خير ما تكون خير منك» وصحح أبو الفتح قول أبي علي في ذلك. وقال أبو الحسن بن كيسان: تقول:

«زيد قائما أحسن منه قاعدا» والمراد: يزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة ولم يجمع بينهما. ومثل هذا أن تقول:«حمل نخلتنا بسرا أطيب منه رطبا» . انتهى (5).

ولنعلم أنّ أفعل التفضيل المتوسط بين حالين لا يتعين كونه خبرا لمبتدأ، بل قد يقع صفة نحو:«مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون» وقد يقع حالا -

(1) ينظر: هذا القول في الارتشاف (2/ 353).

(2)

ينظر: شرح المصنف (2/ 344).

(3)

ينظر: شرح المصنف (2/ 345).

(4)

،

(5)

السابق نفسه.

ص: 2307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

نحو: «مررت بزيد أصلح ما يكون أصلح منك أصلح ما تكون» .

وقال ابن عصفور - في شرح الإيضاح (1) -: اعلم أن نصب الاسمين لا يجوز إلّا في ثلاثة أماكن:

أحدها: أن يكون للشيء انتقالان لصحتهما صفة، تلك الصفة أقوى بالنظر إلى أحدهما منها بالنظر إلى الآخر، وذلك نحو:«هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا مائحا أقوى منه راعيا.

والآخر: أن يكون الشيء الواحد يعتوره صفتان، وتلك الصفتان لصحتهما صفة هي في أحدهما أكثر منها في الأخرى أو أقل وذلك نحو قولك:«زيد قاعدا أخطب منه قائما، وزيد فارسا أقل مضاء منه راجلا» .

والآخر: أن يشترك شيئان في صفة واحدة وتلك الصفة لأحدهما في حال من أحواله أكثر منها للآخر في حال من أحواله أو أقل، وذلك نحو قولك: زيد راجلا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أقل مضاء من عمرو راجلا» وما عدا ذلك لا يجوز فيه نصب الاسمين بل رفعهما وذلك إذا اشترك الشيئان في صفة واحدة هي لأحدهما أكثر منها للآخر على كلّ حال، وذلك قولهم:«هذا بسر أطيب منه عنب» فـ (بسر) خبر (هذا) و (أطيب) مبتدأ و (عنب) خبره، والجملة في موضع الصفة لـ (بسر) ويجوز أن يكون (أطيب) خبرا مقدما و (عنب) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لعمومها. انتهى.

وقال ابن عصفور - في الشرح أيضا -: وزعم الزجاج أنّ السبب في أن لم تقدّم الحالان فيقال: «هذا بسرا رطبا أطيب منه» أو يؤخّرا فيقال: «هذا أطيب منه بسرا رطبا» أنّهم أرادوا أن يفصلوا بين المفضّل والمفضّل عليه، لئلّا يقع الإلباس بينهما.

وهذا التعليل حسن إلّا أنه لا مانع عندي (2) من أن يقال: «هذا أطيب بسرا منه رطبا» على أن يكون بسرا حالا من الضمير المستتر في (أطيب) و (رطبا) حال -

(1) من الكتب المفقودة لابن عصفور وقد صورت منه بعض الصفحات (من أول الكتاب) من تركيا وكنت أظنه كاملا قبل التصوير ولناظر الجيش وغيره بعض النقول من هذا الكتاب وهذا النقل طويل مفيد.

(2)

هذا كله كلام ابن عصفور في شرح إيضاح أبي علي.

ص: 2308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

من الضمير المجرور بـ (من)؛ لأنّ تقدّم إحدى الحالين على (من) وتأخر الأخرى عنها فاصل بين المفضّل والمفضّل عليه؛ إذ لا يكون بعد (من) إلا المفضول. انتهى.

ولم يذكر المصنف في الشرح ما احترز عنه بـ (غالبا) في قوله: واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين غالبا. ويحتمل أنّ في غير الغالب قد يقدّم الحالان أو يؤخران، لكن قد علمت من كلام الزجاج أن تقديمهما وتأخيرهما غير جائز لعدم السماع، إلا أنّ ابن عصفور أجاز تأخيرهما بالشرط الذي تقدم ذكره، فيمكن صرف غير الغالب في كلام المصنف إلى ذلك. والله تعالى أعلم.

وقول المصنف: وقد يفعل ذلك بذي التشبيه أي: يتوسط بين حالين فيعمل في أحدهما متقدّما وفي الآخر متأخرا كأفعل التفضيل وأنشد المصنف شاهدا على ذلك:

1821 -

أنا فذّا كهم جميعا فإن أم

دد أبدهم ولات حين بقاء (1)

وأنشد أيضا:

1822 -

تعيّرنا أنّنا عالة

ونحن صعاليك أنتم ملوكا (2)

قال: أراد ونحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف (مثلا) وأقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه، وأعمله بما فيه من معنى التشبيه (3). ومراد المصنف بقوله: وقد يفعل ذلك (4) أنّه إذا عمل في حالين جاز تقديم أحدهما وتأخير الأخرى كما كان ذلك مع أفعل التفضيل وإلى هذا أشار بقوله: ذلك فلا يرد عليه ما ناقشه الشيخ (5). -

(1) البيت من الخفيف، ولم يعرف قائله وينظر: في شرح المصنف (2/ 345)، والتذييل (3/ 782)، والارتشاف (2/ 354)، وتعليق الفرائد (6/ 214). وفذّا: فردا.

(2)

البيت من المتقارب، ولم يعرف قائله، ونسب للنابغة في شرح شواهده المغني (6/ 329)، وينظر:

في شرح المصنف (2/ 346)، وتعليق الفرائد (6/ 214) والمغني (439)، والارتشاف (2/ 354).

(3)

ينظر: شرح المصنف (2/ 346).

(4)

ينظر: تسهيل الفوائد (ص 111).

(5)

ينظر: التذييل (3/ 783) وقد ذكر الشيخ أبو حيان كلام المصنف السابق، ثم قال: وفيه مناقشتان:

إحداهما: قوله: (وقد يفعل ذلك بذي التشبيه) فدلّ على أنه يقع ذلك قليلا، وهذا التركيب الذي ذكره لا يمكن فيه إلّا ذلك، ولا يجوز تقديمهما، ولا تأخيرهما، فما كان هكذا لا يقال فيه:

(وقد ..) لأنه يشعر بالقلّة، وأنّ الكثير غيره، وذلك أن الذي يظنّ أنه كثير لا يقع البتة، لا يجوز «زيد -

ص: 2309