الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الأفعال المحولة للمدح والذم]
قال ابن مالك: (وتلحق «ساء» بـ «بئس» وبها وب «نعم» «فعل» موضوعا أو محوّلا من «فعل»، أو «فعل»، مضمّنا تعجّبا، ويكثر انجرار فاعله بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضماره على وفق ما قبله).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): يقال: ساء الرجل أبو لهب، وساءت المرأة حمالة الحطب، وساء رجلا هو، وساءت امرأة هي - بإجراء (ساء) مجرى (بئس) في كلّ ما ذكر (2)، وكذلك استغني بـ (ساء) عن (بئس) في قوله تعالى:
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ (3)، وأجري باطراد مجرى (نعم وبئس) ما كان على (فعل) مضمّنا تعجبا، نحو: حسن الخلق حلم الحلماء، وعظم الكرم تقوى الأتقياء، وقبح العمل عناد المبطلين، وشنعت الوجوه وجوه الكافرين (4)، ومنه: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (5) وقرئ بسكون الباء، فهذا من أمثلة (فعل) الموضوع، وأما أمثلة المحوّل من (فعل) أو (فعل) فمنهما قول العرب، قضو الرجل فلان، وعلم الرجل فلان، بمعنى: نعم القاضي هو، ونعم العالم هو، وفيه معنى: ما أقضاه وما أعلمه، ولا يقتصر في هذا النوع على المسموع، كما لم يقتصر في التعجب، ولكون (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن فيه ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء حملا على (أفعل) في التعجب، ومن كثرة مجيئه مستغنيا عن الألف واللّام، ومضمرا، ومطابقا لما قبله.
فإذا قيل: حسن زيد رجلا؛ نزّل منزلة أحسن بزيد رجلا، وإذا قيل (6):
وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (7)؛ نزّل منزلة: ما أحسن أولئك رفيقا، وإذا قيل: -
(1) شرح التسهيل لابن مالك (3/ 20).
(2)
في شرح فصول ابن معط، للقاضي الخويي (ص 129) رسالة: «وأصل ساء: سوء، على مثال:
كبر، وشرف، إلا أن الواو انقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، واعلم أن جريان كَبُرَتْ كَلِمَةً وساءَ مَثَلًا مجرى (نعم وبئس) ليس من خصائصهما، بل ذلك جار في كل ما بني على (فعل) لغرض الإلحاق بباب (نعم وبئس)
…
».
(3)
سورة الأعراف: 177.
(4)
شنعت - من باب ظرف - من الشناعة، وهي الفظاعة ومعنى الإلحاق أنه يثبت لـ (فعل) سائر الأحكام التي لـ (نعم) و (بئس)، من الفاعل والتمييز، والمضمر ومجيء (ما) بعده، كقوله تعالى:
ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: 136].
(5)
سورة الكهف: 5.
(6)
لعل الأولى أن يقول: وقوله تعالى: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.
(7)
سورة النساء: 69.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الزيدون كرموا رجالا؛ نزّل منزلة: الزيدون ما أكرمهم رجالا، فهذا سبب استحسان ما استحسن مع (فعل) المذكور، ممّا لم يستحسن مع (نعم، وبئس) ويحتمل قوله تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً (1) أن يكون مثل: «نعمت امرأة هند» على تقدير: كبرت الكلمة كلمة، وهو قول ابن برهان (2)، وأن يكون فاعل كَبُرَتْ ضميرا يرجع إلى اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (3) وهو قول الزمخشريّ في الكشاف (4). انتهى كلام المصنف - رحمه الله تعالى - ويتعلق به أبحاث:
الأوّل:
انتقد الشيخ على المصنّف أمرين (5):
أحدهما: إفراد (ساء) بالذّكر وهي فرد من أفراد (فعل) المجرى مجرى (بئس، ونعم)، و (ساء) - في الأصل - فعل متعدّ إلى واحد، متصرف، على وزن (فعل) بفتح العين، تقول: ساء الأمر زيدا، يسوءه، فحوّل إلى (فعل) بضمّ العين؛ لما في ذلك من المبالغة. قال: فهو مندرج تحت قوله: أو محوّلا من (فعل) فإفراده بالذكر لا وجه له.
ثانيهما: قوله: إنه استغني بـ (بئس) عن (ساء) في قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ (6)، قال: وليس هذا استغناء؛ لأنّ ما جاء على الأصل لا يقال فيه ذلك، نعم، يقال: استغني بـ (ساء) عن بئس؛ لأنّها ضمّنت معنى (بئس) فأمّا (بئس) -
(1) سورة الكهف: 5.
(2)
في شرح اللمع لابن برهان العكبري (ماجستير إعداد فائز فارس بجامعة القاهرة برقم (1263) قال ابن برهان (ص 356) ما نصه: «وتقول: حبذا هند ولا تغير لفظ (ذا) إلى غيره من ألفاظ المؤنث، كما قلت: نعمت البلدة مكة؛ لأنه كالمثل، والمثل لا يغير، تقول للرجل: الصيف ضيعت اللبن، ولأن المرتفع بها جنسي وتأنيث الجنس غير حقيقي، ولذلك قال تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي:
كبرت الكلمة كلمة تخرج من أفواههم، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ فأضمر الفاعل قبل ذكره، وألزم فعله المفسر ليدل على المضمر، وحذف المخصوص بعد (الجملة) وأبقى صفته». اه.
(3)
سورة الكهف: 4.
(4)
في الكشاف (2/ 472): «قرئ: كبرت كلمة وكلمة، بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة تخرج من أفواههم.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في «كبرت» قلت: إلى قولهم: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً». اه.
(5)
ينظر التذييل والتكميل (4/ 552) وما بعدها.
(6)
سورة الجمعة: 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم تضمّن معنى (ساء). انتهى.
والجواب عن الأول أن يقال: لا نسلّم أنّ «ساء الرجل زيد» محوّل من «ساء الأمر زيدا» ، بل اللازم غير المتعدّي، فـ (ساء) من «ساء الرجل زيد» فعل أصلا، ليس محولا من (ساء) المتعدّي ويدلّ على ذلك أنّ (ساء) من «ساء الأمر زيدا» ليس معناه الذمّ، إنّما معناه أنّه أحزن زيدا، أو آلمه، أو شوش عليه، أو نحو ذلك، وقد يكون ذلك الأمر الذي شوش على زيد، حسنا في نفسه، بالنسبة إلى غير زيد بل قد يسرّ الغير أيضا ومعنى (ساء) من «ساء الرجل فلان» القبح، والفحش ومن ثمّ كان معناه الذمّ، وإذا كان كذلك فكيف يحكم بأنه محوّل من (ساء) المتعدّي.
وأمّا الجواب عن الثّاني: فإنّ معنى قول المصنف: استغني بـ (بئس) عن (ساء) وقوله أولا: استغني بـ (ساء) عن (بئس) أنّ كلّا منهما أوقع موقع الآخر؛ لأنّ معناهما واحد، ثم إنّ المصنف لم يمثّل لذلك بما أورده الشيخ (1). إنما مثل بقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ (2) ولا شكّ أنّ تمام الآية الشريفة: وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (3)؛ فكأنّه قد قيل: ساء الشراب، وساءت مرتفقا (4).
البحث الثاني:
مقتضى كلام المصنّف أنّ تحويل الفعل المقصود إلحاقه بـ (نعم، وبئس) إلى (فعل) لا بدّ منه، كائنا ما كان، ولذا مثّل بـ (علم الرجل) لكن لمّا ذكر ابن عصفور هذه المسألة، قال: كلّ فعل ثلاثيّ يجوز فيه أن يبنى على (فعل) بضمّ العين، ويراد به معنى المدح أو الذّمّ، استثنى ثلاثة أفعال وهي: علم، وجهل، وسمع، بمعنى أنها لا تحول إلى (فعل) بل تستعمل على صيغها مرادا بها ما يراد بـ (نعم، وبئس)، وتصير (حينئذ) لازمة، فيقال: علم الرّجل زيد، وجهل الرّجل عمرو، وسمع الرجل عمر، إذا أرادوا المبالغة في علمه، وجهله، وسماعه (5) وفي ارتشاف الضرب للشيخ، كذا قال الكسائي: إنّه يجوز أن يبنى على (فعل) إلا في هذه الأفعال الثلاثة: قال: ومن -
(1) الذي أورده الشيخ قول الله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [الجمعة: 5]، ينظر التذييل والتكميل (4/ 552).
(2)
،
(3)
سورة الكهف: 29.
(4)
ينظر: التذييل والتكميل (4/ 552) رسالة، وشرح الألفية للشاطبي (4/ 46) رسالة.
(5)
المقرب لابن عصفور (1/ 69) وشرح الشاطبي (4/ 47) وقد شذت العرب في هذه الأفعال الثلاثة، فلم تحولها إلى (فعل) عند قصد المبالغة، بل استعملتها استعمال نعم وبئس من غير تحويل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النحويين من أجاز فيها - سمع، وعلم، وجعل بضمّ العين. انتهى (1). قلت:
وإذا كان ذلك جائزا خلص المصنف من أن يستدرك [3/ 107] عليه تمثيله بعلم.
ثمّ إنّ ابن عصفور قيد الفعل الذي يحوّل إلى صيغة (فعل) بأن يكون من الأفعال التي يجوز التعجب منها، مستندا في ذلك إلى ما حكاه الأخفش من أنّ العرب لا تفعل ذلك إلّا في الأفعال التي يجوز التعجب منها بقياس، وقال ابن عصفور (2): إلا أنّ منهم من يجريه مجرى (نعم، وبئس) فيجعل فاعله كفاعلها، لما تضمّنه من معنى المدح أو الذمّ، ومنهم من لا يجريه مجراهما، فلا يلزم إذ ذاك أن يكون فاعلها كفاعل (نعم وبئس) رعيا لما فيه من معنى التعجّب، ولهذا يجوز زيادة الباء في فاعله؛ لأنها تزاد في فاعل فعل التعجّب دلّ ذلك على أنّه حكم له بحكم (أفعل به)؛ لأنّه بمعناه. هذا كلام ابن عصفور. وقد قال المصنف:
ولكن (فعل) المذكور مضمّنا تعجّبا استحسن ما لم يستحسن في (نعم) من جرّ فاعله بالباء، حملا على (أفعل) في التعجّب فوافق كلامه كلام ابن عصفور.
وقال الشيخ: هذان مذهبان للنحاة؛ مذهب الأخفش، ما ذكر عنه من إجازة الاستعمالين، ووافقه المبرّد، قال: ومذهب الفارسيّ، وأكثر النحويّين إلحاقه بباب (نعم، وبئس) فقط (3)، والدليل على استعمال فاعل (فعل) مجرورا بالباء ما حكاه الكسائيّ عن العرب، مررت بأبيات جاد بهنّ أبياتا وجدن أبياتا (4)، وقال الشاعر:
2033 -
حبّ بالزّور الذي لا يرى
…
منه إلّا صفحة أو لمام (5)
-
(1) ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان (3/ 27) تحقيق د/ النماس.
(2)
ينظر: شرح الجمل الصغير لابن عصفور ورقة (49).
(3)
ينظر: التذييل والتكميل (4/ 555)، والبحر المحيط (3/ 298)، والمقتضب (2/ 147 - 148) وشرح التصريح (2/ 98)، والأشموني (3/ 39)، والصحيح مذهب الأخفش والمبرّد، كما قال صاحب التصريح، فلا يلزم فاعله (أل) أو الإضمار.
(4)
تراجع حكاية الكسائي هذه في: التذييل والتكميل (3/ 560)، وشرح التسهيل للمرادي (187 / أ)، والهمع (2/ 89).
(5)
هذا البيت من المديد، وقائله الطرماح بن حكيم، ورواية الديوان:
حبذا الزور الذي لا يرى
…
منه إلا صفحة أو لمام
ولا شاهد في البيت على هذه الرواية.
اللغة: حب: بمعنى أحبب، وضم الحاء لأنه فعل المذكور يجوز فيه أن تسكن عينه، وأن تنقل حركتها، الزور - بفتح الزاي - بمعنى: الزائر، يكون للواحد والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظ واحد؛ لأنه -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2034 -
لحبّ بنار أوقدت بين محلب
…
وفردة لو يدنو من الحبل واصله (1)
وقال الآخر:
2035 -
يضيء سناه الهضب هضب متالع
…
وحبّ بذاك البرق لو كان دانيا (2)
وقال الآخر:
2036 -
سرت تخبط الظلماء من جانبي قسا
…
وحبّ بها من خابط اللّيل زائر (3)
وقال الآخر:
2037 -
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها
…
وحبّ بها مقتولة حين تقتل (4)
-
- مصدر، صفحة كل شيء: جانبه، واللمام: الشعر يجاوز شحمة الأذن، والمراد: اللقاء اليسير.
والشاهد في البيت: قوله: «حب بالزور» فقد زاد الباء في الفاعل حملا على أحبب بالزور.
ينظر الشاهد في: ديوان الطرماح (ص 393) تحقيق د/ عزة حسن (1388 هـ)، وشرح التصريح (2/ 99)، والهمع (2/ 89)، والدرر (2/ 119)، والعيني (4/ 15)، والأشموني (3/ 39).
(1)
هذا البيت من الطويل، وقائله جرير بن عطية الخطفي، الشاعر الأموي المشهور، يردّ على الفرزدق.
اللغة: محلب: قاع، وفردة: اسم قارة، والقارة: الجبل الصغير.
والشاهد: «لحب بنار» ؛ حيث جر فاعل (حبّ) وهو نار بالباء الزائدة حملا على: أحبب بنار.
ينظر الشاهد في: ديوان جرير (2/ 963) طبعة دار المعارف (1971 م) تحقيق د/ نعمان طه، النقائض (2/ 360)، والتذييل والتكميل (4/ 561)، ومنهج السالك (ص 378).
(2)
هذا البيت من الطويل، وقائله سحيم عبد بني الحسحاس. ينظر ديوانه (ص 31) وفيه:
«الهضب» ، بدل «البرق» .
اللغة: الهضب: الجبل المنبسط ينبسط على الأرض كالهضبة، متالع: جبل بالبادية.
الشاهد: «وحبّ بذاك البرق» ؛ حيث جرّ فاعل (حبّ) وهو «ذاك» وهو على وزن فعل، حملا على أحبب. ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 561)، ومنهج السالك (ص 378).
(3)
هذا البيت من الطويل وقائله ذو الرمة غيلان بن عقبة، الشاعر المشهور.
اللغة: سرت: سارت بالليل، يعني خيالها، وحبّ بها أصله: حبب بها، ثم أدغم، يريد: ما أحبّها إلى قسا:
موضع تخبط الظلماء: تسير على غير هداية، زائر: نعت لخابط، والشاهد فيه: وحب بها، وهو كالبيت السابق.
ينظر الشاهد في: ديوان ذي الرمة (3/ 1683)، والكتاب (1/ 212) طبعة بولاق، وابن السيرافي (1/ 236).
(4)
البيت من الطويل وقائله الأخطل غوث بن غياث، الشاعر المشهور.
اللغة: فقلت: الفاء للعطف، اقتلوها: أي الخمر، من قولهم: قتلت الشراب، إذا مزجته بالماء، وحبّ بها: ما أحبها. مقتولة: ممزوجة. والشاهد: «وحبّ بها» ؛ حيث جاء فاعل. حبّ مجرورا بالباء الزائدة فالضمير في (بها) في موضع رفع.
ينظر الشاهد في: ديوانه (ص 4) طبعة. بيروت (1891 م)، والتذييل والتكميل (4/ 561)، واللسان -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الآخر:
2038 -
بكت عيني وحقّ لها بكاها
…
وما يغني البكاء ولا العويل (1)
البحث الثالث:
في الإشارة إلى كيفية بناء: (فعل) جاريا مجرى (نعم، وبئس) أو مرادا به التعجّب (2) - لا شكّ أنّ الفعل إذا كان صحيح العين واللام، فأمره واضح، يقال:
حسن الوجه وجهك، ويجوز تسكين العين، كما يجوز ذلك في غير هذا الباب، وأمّا نقل حركة العين إلى الفاء، فقالوا: إن أجريته مجرى (نعم) جاز وإن أجريته مجرى فعل التعجب لا يجوز إلا إن كان مضعفا فيجب الإدغام، ويجوز النقل نحو: لحب الرجل زيد، ويجوز ألّا تنقل، فيقال: لحب الرجل، وإن كانت العين معتلة - فإنّه يلزم قبلها ألفا، لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فيقال: لجار الرجل زيد، وإن كان معتلّ العين واللام فإن كانا واوين، فإنك تقلب ضمة العين كسرة، والواو التي هي لام ياء، استثقالا للواوين، والضّمة، فيقال: لقوي الرجل عمرو، وإن كانت العين واوا، واللام ياء، قلبت الياء واوا لتطرّفها وانضمام ما قبلها.
فيجتمع حينئذ واوان وضمة، وتنقل الكلمة، فتقلب الضمة كسرة، وتعود الواو -
- «قتل» ، والأشموني (3/ 42)، والدرر (2/ 118).
(1)
هذا البيت من الوافر، ونسب لكعب بن مالك الأنصاري (3/ 223) وقيل: هو لحسان بن ثابت، وهو في ديوان عبد الله بن رواحة الأنصاري (ص 98) تحقيق د/ محمد حسن باجودة، مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة (1392 هـ/ 1972 م).
اللغة: البكاء: - بالمد - الصوت مع الدموع، وبالقصر: الدموع مع خروجها. حقّ لها: وجب، فبكاها فاعل لا مفعول.
والشاهد في البيت: قوله: «وحقّ لها بكاها» ؛ حيث جرّ فاعل (حقّ) لأنه على فعل.
ينظر الشاهد في مجالس ثعلب (1/ 88)، والتذييل والتكميل (4/ 562)، ومنهج السالك (ص 378).
(2)
في التذييل والتكميل (4/ 558): «وكيفية بنائه أنه إما أن يكون صحيحا عينه ولامه، أو معتلها، أو معتل أحدهما، أو مضعفها، إن كان صحيحا على (فعل)، وضعا أو تحويلا من فعل، وفعل، فإما أن تجريه مجرى (نعم)، أو مجرى فعل التعجب.
إن أجريته مجرى (نعم) نحو: حسن الوجه وجهك، فيجوز فيه إقرار ضمة العين، وتسكينها، ونقلها إلى فاء الكلمة. وإن أجريته مجرى فعل التعجب جاز الضم والتسكين، ولا يجوز النقل، وإن كان مضعفا بالإدغام فنقول: لحب الرجل زيد، ويجوز النقل إلى الفاء فنقول: لحب الرجل زيد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتطرفة إلى أصلها، وهو الياء، فيقال: لشوي الرجل عمرو، وإن كانت لام الفعل واوا بقيت. فيقال: لغزو الرجل وإن كانت لام الفعل ياء نحو: رمى، قلت: لرمو الرجل فنقلبها واوا؛ لانضمام ما قبلها. قال ابن عصفور (1): ومن النحويين من لا يجيز ذلك، بل يبقيه على حاله، فيقول: لرمي الرجل ولغزا الرجل يريد:
ما أرماه، وما أغزاه؛ قال: ولا يجوز عنده: لرمو ولغزو؛ لأن هذا الفعل لا يفارقه معنى التعجّب، وفعل التعجّب يجري مجرى أفعال التفضيل لعدم تصرّفه؛ ولأنّ وزنهما واحد ولذلك صحّت العين في: ما أطوله، وما أبينه، كما صحّت في: هذا أطول، وهو أبين، ولو لم يكن الفعل فعل تعجّب وجب الإعلال، فيقال: أطال، وأبان، فكما أجري فيما ذكر مجرى (أفعل من) فكذلك ينبغي أن يعامل معاملة الأسماء في أن لا يكون آخره واوا مضموما ما قبلها، والصحيح أنه يجب البناء على (فعل). إذا أريد معنى المدح أو الذّمّ، أو التعجّب؛ لأنّ معنى التحويل إلى (فعل) في الصحيح اللّام موجود في المعتلّ اللّام، وذلك أن (فعل) بالضّمّ هو من أفعال الغرائز.
ولا يبنى فعل التعجب إلا من فعل قد حوّل إلى (فعل)؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا الوصف المتعجّب منه كأنه غريزة في التعجّل من وصفه، وما قاله هذا القائل أنّه يكره أن يجيء، وفي آخره واو مضموم ما قبلها؛ لإجرائهم لها مجرى
الأسماء ليس فيه حجّة؛ لأنّ الأسماء إنما كره ذلك فيها؛ لأنها متعرضة لإضافتها إلى ياء المتكلم، وللحاق ياء النسب، ولذلك احتملوا الواو المضموم ما قبلها في الأفعال، نحو:
يدعو، ويغزو؛ لأنها غير متعرضة لذلك فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: لقضو الرجل وإذ سكنت العين من قضو، ورمو، وأمثالهما؛ تخفيفا قلت: لرمو الرجل فلا تردّ الواو إلى أصلها، وهو الياء، وإن ذهبت الضمة الموجبة لقلبها ياء؛ لأنّ ذهابها عارض، والعارض غير معتدّ به (2) انتهى كلام ابن عصفور.
* * *
(1) شرح الجمل الصغير لابن عصفور ورقة (49)(مخطوط بدار الكتب).
(2)
ينظر: شرح الجمل الصغير لابن عصفور، ورقة (49)، وينظر: شرح الألفية للشاطبي (4/ 50، 51) رسالة.