الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حكم حذف الحال]
قال ابن مالك: (ويجوز حذف الحال ما لم تنب عن غيرها أو يتوقّف المراد على ذكرها، وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافا لمن منع ذلك).
ــ
ويتناول غير التوبيخ قول النابغة:
1831 -
أتاركة تدلّلها قطام
…
وضنّا بالتّحيّة والسّلام (1)
وقد تقدم في باب المفعول المطلق الإعلام بأنّ المبرد يحمل (عائذا) و (أقاعدا) وأشباههما على أنهما مصادر جاءت على وزن فاعل (2)، وتبيّن هنالك ضعف مذهبه بالدليل (3)، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
قال ناظر الجيش: الحال جائزة الحذف في الأصل لكونها فضلة، ثم إنه قد يعرض لها ما يجعلها بمنزلة العمد، كما يعرض لغيرها من الفضلات، وحينئذ يمتنع الحذف، وذلك أمران:
أحدهما: نيابتها عمّا لا يستغنى عنه كالتي سدت مسد الخبر وكالواقعة بدلا من اللفظ بالفعل، وقد تقدم ذكرهما.
الثاني: توقّف فهم المراد على ذكرها، وذلك في صور:
الأولى: حال ما نفي عامله أو نهي عنه كقوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (4)، وكقوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى (5)، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً (6).
الثانية: الحال المجاب بها استفهام، كقولك:«جئت راكبا» لمن قال: «كيف جئت؟» .
الثالثة: الحال المقصود بها حصر كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (7). -
(1) البيت من الوافر وهو في ديوان النابغة (ص 111) وشرح المصنف (2/ 193، 352)، واللسان «رقش» .
(2)
ينظر: شرح المصنف (2/ 194، 353)، وشرح الكافية للرضي (1/ 214) وابن يعيش (1/ 123).
ومن يراجع المقتضب (3/ 228 - 229) يجد أن المبرد على وفاق مع سيبويه في أن نحو: «أقائما وقد قعد الناس؟» حال حذف عاملها. ويراجع ما كتبه محققه في هذا المقام.
(3)
ينظر: شرح المصنف (2/ 194).
(4)
سورة الدخان: 38.
(5)
سورة النساء: 43.
(6)
سورة الإسراء: 37.
(7)
سورة الإسراء: 105، وينظر: شرح المصنف (2/ 353).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرابعة: الحال التي لا يتم فائدة الكلام التي هي فيه [3/ 79 مكرر] إلا بذكرها، كقوله تعالى: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (1)، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً (2)، وكقول الراوي:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان اثنين بواحد» (3) أي:
متفاضلا، وكقول الشاعر:
1832 -
إنّما الميت من يعيش كئيبا
…
... (4)
ومما التزم ذكره من الفضلات غير الحال: المجرور في قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (5)، والصفة في قولك:«ما في الدار رجل يبغضك» فلو حذف لَهُ أو (يبغضك) انتفت الفائدة (6).
وقوله: وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها: قال المصنف: الأكثر أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها؛ لأنها وإياه كالصفة والموصوف ولكنهما أيضا كالمميّز والمميّز، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلوم أنّ ما يعمل في المميّز والتمييز قد يكون واحدا وغير واحد، وكذا ما يعمل في الخبر والمخبر عنه، فكذا الحال وصاحبها قد يعمل فيهما عامل واحد وقد يعمل فيهما عاملان. ومثال اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة:«طاب زيد نفسا، وإن زيدا قائم، وجاء زيد راكبا» . ومثال عدم الاتحاد في الثلاثة: «لي عشرون درهما، وزيد منطلق» - على مذهب سيبويه ومن وافقه - وإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (7) فـ (أمة) حال، والعامل فيها اسم الإشارة، و (أمتكم) صاحب الحال، والعامل فيها (إن.)
قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة انتصابه إذا -
(1) سورة الشعراء: 130.
(2)
سورة هود: 72.
(3)
رواه ابن حنبل في مسنده (3/ 710) فقد وقع قوله: «اثنين بواحد» حالا، ولا يجوز حذفه حتى لا يؤدي المعنى إلى النهي عن بيع الحيوان مطلقا.
(4)
هذا صدر بيت من الخفيف، وعجزه:
كاسفا باله قليل الرجاء
وقائله: عدي بن الرعلاء. وينظر في: الأصمعيات (ص 152)، وشرح المفصل لابن يعيش (10/ 69)، وشرح المصنف (2/ 353)، والتذييل (3/ 812).
(5)
سورة الإخلاص: 4.
(6)
ينظر: شرح المصنف (2/ 354).
(7)
سورة الأنبياء: 92.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان ما قبله مبنيّا على الابتداء؛ لأنّ المعنى واحد في أنّه حال، وأنّ ما قبله قد عمل فيه، ومنعه الاسم الذي قبله أن يكون محمولا على (إنّ) وذلك «إنّ هذا عبد الله منطلقا» ، وقال جلّ ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (1). وقد تقدّم من كلامه (2) ما يدلّ على أنّ صاحب الحال في:
1833 -
لعزّة موحشا طلل (3)
هو المبتدأ لا الضمير المستكن في الخبر، وبيّنت رجحان قوله على قول من زعم أنّ صاحب الحال هو الضمير (4).
ومن ورود الحال وعاملها غير عامل صاحبها: قولهم: «ها قائما ذا زيد» فنصب الحال بحرف التنبيه وليس له عمل في صاحبها ومنه قول الشاعر:
1834 -
ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له
…
...
البيت (5)
انتهى كلام المصنف (6).
وكلام سيبويه يشهد ظاهره بصحة ما ادّعاه، وقد تأول المخالفون ذلك فقالوا: إذا قلنا: «هذا زيد منطلقا» فالعامل في الحال إمّا معنى (ها) وهو: أنبّه، وإما معنى (ذا) وهو: أشير، وليس شيء منهما عاملا في (زيد) الذي هو
صاحب الحال، لكن الحال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في «أنبّه عليه» أو «أشير إليه» وإذا كانت الحال من ضمير في أحدهما فالعامل في الحال وصاحبها بالحقيقة -
(1) سورة المؤمنون: 52، وينظر: نص سيبويه في: الكتاب (2/ 147).
(2)
ينظر: الكتاب (2/ 122 - 123).
(3)
صدر بيت من مجزوء الوافر، وعجزه:
يلوح كأنّه خلل
وقائله: كثير عزة وهو في ديوانه (ص 536)، وكتاب سيبويه (2/ 123)، وشرح المصنف (2/ 355)، والمغني (2/ 564).
(4)
ينظر: شرح المصنف (2/ 333)، وفيه قال
…
كلام سيبويه أن صاحب الكائن في نحو: «فيها رجل قائما» هو المبتدأ، وذهب قوم إلى أنّ صاحبه الضمير المستكن في الخبر وقول سيبويه هو الصحيح؛ لأنّ الحال خبر في المعنى، فجعله لأظهر الاسمين أولى من جعله لأغمضهما. اه. ويراجع الكتاب (2/ 122 - 123).
(5)
سبق تخريج هذا البيت.
(6)
ينظر: كلام المصنف في شرحه (2/ 354، 355).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد، قال ابن عمرون: إن وقع ما يوهم بظاهره خلاف ذلك - أي: خلاف كون العامل في الحال غير عامل صاحبها فالطف به حتى ترده إلى القاعدة، كما ذكر في «هذا زيد قائما» فقلّ أن يسلم باب من مشكل يتفاضل فيه العلماء، ونقل عن ابن جني أنّه قال: قد يكون العامل في الحال غير العامل في ذي الحال نحو قوله تعالى: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (1) فالحال هنا من الحق، والعامل فيه هُوَ وحده، أو هُوَ والابتداء الرافع له، وكلا ذانك لا ينصب الحال، وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ الحال ضرب من الخبر، والخبر العامل فيه غير العامل في المخبر عنه (2).
ثم قال ابن عمرون: رحم الله ابن جني لم ينعم النظر في هذه المسألة، وحقيقة القول أنه حال من المفعول الذي هو الهاء في (أثبته) أو (أحقه). ثم ليت شعري إذا جعل مُصَدِّقاً حالا من الْحَقُّ وليس بفاعل ولا مفعول فما وجه صحته؟ ثم قال: ومما يدلّ على أنّ العامل فيهما هو العامل في صاحبهما منع سيبويه تقديم حال المجرور بحرف عليه نحو: «مررت قائما برجل» ؛ لأنهم علّلوه بأنّ الفعل لمّا لم يصل إلى صاحب الحال إلّا بعد وجود الباء، فكذا لا يصل إلى الحال إلا بعد وجودها. ثم قال: والجمع بين القول بمنع التقديم هنا وبين جعل (موحشا) في قوله:
1835 -
لميّة موحشا طلل (3)
حالا من (طلل) دون الضمير مشكل جدّا، لم أر لأحد كشفه، قال: ويحتمل أنّه لمّا عاد إلى متأخر لفظا وهو المفسّر للضمير فهما شيء واحد ضعف تقديم الحال عليه. انتهى. وتعليله المذكور غير واضح فليتأمل.
واختار الشيخ أنّ العامل في الحال في مثل «هذا زيد منطلقا» ليس حرف التنبيه ولا اسم الإشارة، قال: فإنهما لا يعملان في الحال، وأنّ العامل في الحال هو العامل في ذي الحال كما هو رأي الأكثرين (4)، إلا أنّه لم يقدّر ما تقدّم من قولهم:
«أنبّه عليه» أو «أشير إليه» ليجعل الحال بالحقيقة (5) من الضمير، بل قال: العامل محذوف يدل عليه الجملة السابقة، وتقديره انظر إليه منطلقا، وعلّل ذلك بما يوقف -
(1) سورة البقرة: 91.
(2)
ينظر: الحديث عن ذلك في باب المبتدأ والخبر.
(3)
البيت سبق تخريجه.
(4)
ينظر: الارتشاف (2/ 361).
(5)
هذه اللفظة غير واضحة في المخطوط.