المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٥

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب السابع والعشرون باب المستثنى

- ‌[تعريف المستثنى]

- ‌[الاستثناء المتصل والمنقطع]

- ‌[إعراب المستثنى بـ «إلّا»، وبيان العامل فيه]

- ‌[حذف عامل المتروك]

- ‌[الاستثناء التام وأحكامه]

- ‌[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]

- ‌[مسألتان في الاستثناء التام]

- ‌[حكم تقدم المستثنى على صفة المستثنى منه]

- ‌[مسائل لا يجوز فيها الإتباع على اللفظ]

- ‌[إتباع المستثنى المنقطع عند بني تميم]

- ‌[جواز الإتباع على الاسم الظاهر أو ضميره]

- ‌[مجيء المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا]

- ‌[تقديم المستثنى]

- ‌[استثناء شيئين بأداة واحدة]

- ‌[استثناء النصف، وما هو أكثر]

- ‌[ما هو أولى بالاستثناء]

- ‌[تعدد المستثنى منه]

- ‌[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد]

- ‌[حكم تكرار «إلّا» لغير التوكيد ولا يمكن الاستثناء]

- ‌[تكرار «إلّا» مع إمكان الاستثناء]

- ‌[«إلا» الموصوف بها]

- ‌[إيلاء «إلا» نعت ما قبلها]

- ‌[عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وعكسه]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «حاشا»، و «عدا»، و «خلا»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «ليس» و «لا يكون»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «غير» وبيد»]

- ‌[أحكام الاستثناء بـ «سوى»]

- ‌[حذف ما بعد «إلّا» و «غير»]

- ‌[حكم الاسم المذكور بعد «لا سيما» - اللغات فيها]

- ‌الباب الثامن والعشرون باب الحال

- ‌[تعريف الحال - بعض أحكامه]

- ‌[من أحكام الحال: الاشتقاق وقد يأتي جامدا مؤولا]

- ‌[من أحكام الحال التنكير وقد تأتي معرفة]

- ‌[وقوع الحال مصدرا وأحكام ذلك]

- ‌[مسوغات تنكير صاحب الحال]

- ‌[حكم تقديم الحال على صاحبه]

- ‌[حكم تقديم الحال على عامله]

- ‌[مسألتان بين الحالية والخبرية]

- ‌[تعدد الحال]

- ‌[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا]

- ‌[حكم حذف الحال]

- ‌[الحال المؤكدة]

- ‌[مجيء الحال جملة وحديث عن رابط هذه الجملة]

- ‌[الجملتان المفسرة والاعتراضية وعلاقتهما بالحالية]

- ‌الباب التاسع والعشرون باب التّمييز

- ‌[تعريفه]

- ‌[قسما التمييز: ما يميز مفردا وما يميز جملة]

- ‌[أحكام تمييز المفرد]

- ‌[الأوجه الجائزة في تمييز المفرد من إضافة وغيرها]

- ‌[حكم آخر لتمييز المفرد]

- ‌[تمييز الجملة وأحكامه]

- ‌[أحكام أخرى لتمييز الجملة]

- ‌[تعريف تمييز الجملة، وتقدير تنكيره، أو تأويل ناصبه]

- ‌[أحكام تقديم التمييز على عامله]

- ‌الباب الثلاثون باب العدد

- ‌[حكم تمييز الأعداد من واحد إلى مائة]

- ‌[أحكام خاصة بالتمييز «المفسّر»]

- ‌[حذف تاء الثلاثة وأخواتها]

- ‌[عطف العشرين وأخواته على النيف]

- ‌[مذكر ما دون ثلاثة عشر ومؤنثه]

- ‌[ياء الثماني في التركيب والإفراد]

- ‌[استعمال «أحد» استعمال «واحد»]

- ‌[اختصاص «أحد» بعموم من يعقل]

- ‌[حكم تثنية وجمع أسماء العدد]

- ‌[إدخال حرف التعريف على العدد]

- ‌[حكم العدد المميز بشيئين في التركيب]

- ‌[التأريخ بالليالي لسبقها]

- ‌[صياغة وحكم اسم الفاعل المشتق من العدد]

- ‌[استعمال «فاعل» المصوغ من العدد]

- ‌[ما يستعمل استعمال خمسة عشر من الظروف والأحوال]

- ‌الباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذا

- ‌[معنى كم - نوعاها - حكم تمييز كل نوع]

- ‌[أحكام مختلفة لـ «كم» بنوعيها]

- ‌[«كأيّن» و «كذا» وأحكامهما]

- ‌الباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئس

- ‌[فعلان أم اسمان والأدلة على كلّ]

- ‌[اللغات فيهما]

- ‌[أنواع فاعل «نعم» و «بئس»]

- ‌[أحوال وأحكام المخصوص بالمدح والذم]

- ‌[الأفعال المحولة للمدح والذم]

- ‌الباب الثالث والثلاثون باب حبّذا

- ‌[أصلها - فاعلها - تمييزها - مخصوصها - إفرادها]

الفصل: ‌[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]

[حكم المستثنى المتصل في الكلام التام المنفي]

قال ابن مالك: (فإن كان المستثنى بـ «إلّا» متصلا، مؤخّرا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه، أو نفي، صريح أو مؤول، غير مردود به كلام، تضمّن الاستثناء اختير فيه - متراخيا - النصب، و - غير متراخ - الإتباع إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين).

ــ

ويمكن الجواب عنه بأن يقال: لا تسلم أنّ مدلول (إلّا) الثانية، في هذا التركيب مدلول (إلّا) الأولى، فيلزم ما قاله، ولو كان مدلولها كالأولى وجب العطف، ونحن نعقل الفرق بين قولنا: قاموا إلّا زيدا إلّا عمرا، وقولنا: قاموا إلّا زيدا، وإلّا عمرا؛ لأن (إلّا) - مع العطف - أخرجت زيدا وعمرا من القوم، فمدلول الأولى والثانية واحد (1)، ولذا احتيج إلى العطف، وأمّا مع عدم العطف فليس مدلولها واحد؛ لأنّ الثانية أخرجت عمرا من قوم ليس زيد منهم، ولا يلزم ما ذكره المصنف، وليعلم أنّ صاحب الكتاب وغيره ذكروا الخلاف في المسألة، ولم يفرقوا بين المتّصل (2)، وقال ابن الحاجب - بعد ذكر الخلاف وتقريره: وإنّما هذا في الاستثناء المتّصل، فامّا المنقطع فالعامل فيه نفس (إلّا)؛ لأنّها تعمل عمل (لكن) ولها خبّر مقدّر على حسب المعنى (3)، ومنهم من يقول: إنّه يظهر (4) ومنهم من يجعله إذا كلاما مستأنفا. اه.

وقد تقدّم أنّ تقدير (إلّا) بـ (لكن) في المنقطع، هل هو تفسير معنى، أو على أنّ (إلّا) قامت مقامها لفظا، والأوّل (5) أظهر؛ فعلى هذا لا فرق بين المتّصل والمنقطع، بالنسبة إلى ما يدعى كونه عاملا، وقد صرّح سيبويه بذلك.

قال ناظر الجيش: تقدّم أنّ المستثنى بـ (إلّا)، إذا ذكر المستثنى منه ينصب مطلقا، وأنّه قد يشارك النصب في بعض الصّور، والغرض الآن تبيّن مواضع -

(1) ينظر: الاستغناء في أحكام الاستثناء (ص 191).

(2)

ينظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.

(3)

ينظر: الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (1/ 363) تحقيق د/ موسى بناي العليلي.

(4)

أي قد يجيء خبرها ظاهرا، نحو قوله تعالى:

إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ. [يونس: 98]. ينظر: الإيضاح في شرح

المفصل (1/ 363)، والأصول لابن السراج (1/ 291).

(5)

كونه تفسير معنى.

ص: 2136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المشاركة، فإن تعينت علم أنّ النصب متعين لما سواها، وبدأ المصنف بذكر المتصل؛ لأنّ البدل فيه راجح، بشروط، وأخّر الكلام على المنقطع؛ لأنّ النصب فيه راجح، أو واجب. واشترط في جواز البدل مع الاتصال ثلاثة شروط: تأخير المستثنى عن المستثنى منه، وأن يشتمل على المستثنى منه نفي أو نهي، وأن يكون الكلام داخلا عليه النفي غير مردود به كلام تضمن الاستثناء.

أمّا الشرط الأول فواضح، وحكم المستثنى إذا قدّم النصب، وله حكم آخر، يأتي الكلام عليه.

وأما الشرط الثاني فاحترز به من الموجب، نحو: اذهبوا إلّا زيدا، وسيظفرون إلّا عمرا، والموجب من الكلام في الاستثناء ما كان الكلام بعد (إلّا) مثبتا فيه، فيدخل الأمر، والتخصيص، وإن كانا - في الجواب بالفاء، والنيابة عن الشرط - غير واجبين، ويدخل الشّرط أيضا، وقد ذكر مثال الخبر والأمر، وأما التخصيص فكقولك: لولا خاصمت القوم إلّا زيدا، ومثال الشّرط: إن قام القوم إلّا زيدا، ومثال النهي: لا يقم أحد إلّا زيد، وأمّا معنى النّهي فكقول عائشة - رضي الله تعالى عنها -:«نهى عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين» (1) التقدير:

لا تقتل جنان البيوت إلّا الأبتر، وذو الطفيتين (2).

ومثال النفي الصّريح: ما قام أحد إلا زيد، ومثال المؤول قوله تعالى:

وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ (3)، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا -

(1) أخرجه النسائي في كتاب المناسك (2/ 27)، وابن حنبل (6/ 83) برواية:«نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الجنان التي تكون في البيوت غير ذي الطفيتين، والبتراء» والجنان: الحيات التي تكون في البيوت واحدها جان هو الدقيق، والطفيتان: الخطان الأبيضان على ظهر الحية، والأبتر: القصير الذنب. وينظر في ذلك المساعد لابن عقيل (1/ 558).

(2)

في إعراب الحديث النبوي للعكبري (ص 192): «القياس أن يكون هو يعني «ذو الطفيتين والأبتر» منصوبين؛ لأنه استثناء من موجب أو منفي، ولكن المقدر في المعنى منصوب؛ لأن التقدير:

لا تقتل جنان البيوت إلا الأبتر، فأما الرفع فوجهه - على شذوذه - أن يقدر له ما يرفعه، والتقدير: لكن يقتل ذو الطفيتين والأبتر، وعلى هذا يجوز نصبه على أصل باب الاستثناء ورفعه على ما قدرناه». اه.

وينظر أيضا: المساعد لابن عقيل (1/ 558).

(3)

سورة آل عمران: 135، وهو من الهامش. والمعنى: ما يغفر الذنوب أحد إلا الله، فهو استفهام في اللفظ، نفي في المعنى، ينظر شرح الألفية لابن الناظم (ص 295).

ص: 2137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الضَّالُّونَ (1). فإن (من) استفهام في اللفظ ونفي في المعنى، والبدل من الضمير في (يغفر) ومن الضمير في (يقنط) وأكثر ما يكون معنى النّفي في الاستفهام إذا كان بـ (هل) أو (من) وقد يكون في الاستفهام بـ (أيّ) ولذلك عطف بعدها بـ (إلّا) في قول الشّاعر:

1684 -

فاذهب فأيّ فتى في النّاس أحرزه

عن حتفه ظلم «دعج» ولا جبل (2)

ومن النّفي المؤوّل: قلّ رجل يقول ذلك إلّا زيد وكذا: أقل رجل يقول - إذا قصد بهما النفي - (3).

قال الشيخ: وارتفاع (زيد) على أنّه بدل من الضمير المستكن في المثالين؛ لأنّ المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد، ولا يجوز أن يكون المستكن بدلا من (رجل) في (قلّ رجل)؛ لأن (قلّ) لا تعمل إلّا في النكرة ولا تعمل إلا في منفيّ، ولا من (أقلّ) في (أقل رجل)؛ لأن (أقلّ رجل) لا يمكن تعريفه (4) كقولك: إلا زيد، وإن أريد بـ:(قلّ رجل) أو (أقلّ رجل) التعليل، لا النّفي المحض، فمذهب ابن خروف أنه لا يجوز في (إلا زيد) النصب للإيجاب (5). وأجاز السيرافي البدل؛ لأنه نفي للتكثير، فالمعنى: ما يقول ذلك كثيرا إلا زيد (6). اه.

ولا يعد فيما أجازه السيرافي، ومن النفي المؤول قراءة بعض السلف (7) فشربوا -

(1) سورة الحجر: 56، والمعنى: ما يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، يرى ابن الناظم - في شرح الألفية (ص 295) اختيار الرفع على البدل، وإن النصب عربي جيد.

(2)

البيت من بحر البسيط، وهو من قصيدة للمتنخل الهذلي في رثاء ابنه أثيلة.

اللغة: أحرزه: بمعنى حصنه، والحتف: الموت والهلاك، والظلم: جمع ظلمة ضد النور، والدعج:

شديدات السواد.

والشاهد في قوله: «ولا جبل» حيث عطف (لا) بعد (أي) مما يدل على أنها نافية في المعنى، ينظر:

ديوان الهذليين (2/ 35)، معاني الفراء (1/ 164، 423)، والتذييل والتكميل (3/ 533).

(3)

ينظر الأصول في النحو لابن السراج (1/ 297)، والتذييل والتكميل (4/ 533).

(4)

ينظر الكتاب (2/ 314) هارون، والخصائص لابن جني (2/ 142)، والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي (2/ 45).

(5)

حملا على المعنى: ينظر التذييل والتكميل (3/ 533)، والارتشاف (2/ 305).

(6)

التذييل والتكميل (3/ 533)، شرح السيرافي (3/ 103 / أ) المخطوط.

(7)

عبد الله بن مسعود وأبيّ والأعمش، ينظر البحر المحيط (2/ 266)، ومعاني الفراء (1/ 166).

ص: 2138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

منه إلا قليل منهم (1) لأنّ قبله فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (2)؛ فلذلك صار فَشَرِبُوا مِنْهُ بمعنى: لم يتركوه [3/ 34] فلم يكونوا منه (3) ومنه أيضا ما أنشده الأخفش:

1685 -

لدم ضائع تغيّب عنه

أقربوه إلا الصبا والجنوب (4)

وكذلك قول الآخر:

1686 -

وبالصّريمة منهم منزل خلق

عاف تغيّر، إلّا النؤي والوتد (5)

لأنّ (تغيّب) بمعنى: لم يحضر، (وتغير) بمعنى: لم يبق على حاله (6).

ونقل الشيخ في إعراب: قليل منهم أن يكون مبتدأ، والخبر محذوفا وهو رأي الفراء (7) وأن يكون إلا قليل صفة للضّمير في: شربوا (8) على رأي من يجوّزه (9)، وهو ابن عصفور، وأن يكون إلا قليل بدلا من الضمير، -

(1) و (2) سورة البقرة: 249.

(3)

فلم يصاحبوه، ينظر: تفسير ابن كثير طبعة الحلبي، (1/ 302)، والبحر المحيط (2/ 266) وفيه بسط الآراء في الإعراب.

(4)

البيت من الخفيف قاله أبو زبيد الطائي، والصبا: ريح مهبها مطلع الشمس، إذا استوى الليل والنهار. والجنوب: الريح المقابلة للشمال. والشاهد: جواز الإبدال بالرفع - لاعتبار معنى النفي، مع التمام. ينظر الهمع (1/ 229)، والدرر (1/ 194).

(5)

البيت من بحر البسيط وهو للأخطل الثعلبي، والصريمة: كل رملة انصرمت من معظم الرمل، والمراد بها - هنا - مكان معين، والخلق: البالي، عاف: بمعنى دارس، النؤي: حفرة تكون حول الخباء لئلا يدخله المطر، والشاهد فيه: كالذي قبله. ينظر العيني (3/ 203)، والتصريح (3/ 349)، وشرح الأشموني (2/ 144).

(6)

شرح التسهيل لابن مالك (2/ 281).

(7)

ينظر: البحر المحيط (2/ 265، 266)، ومعاني الفراء (1/ 266)، وفي التذييل والتكميل (3/ 534): «وزعم الفراء وتبعه ابن خروف أن ارتفاع إِلَّا قَلِيلٌ على الابتداء والخبر محذوف.

التقدير: لكن قليل منهم لم يشربوا منه

وهذا الذي ذهبا إليه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر لأن (شربوا) لا يدل على أن غيرهم لم يشربوا

». اه.

(8)

أي: واو الجماعة.

(9)

ينظر شرح الجمل لابن عصفور (2/ 203)، والاستغناء في أحكام الاستثناء (343)، حيث نسب هذا الرأي لآخرين غير ابن عصفور، وفي التذييل والتكميل (3/ 535): «وزعم ابن عصفور أن قوله: إلا قليل صفة للضمير في فَشَرِبُوا وأن الوصف بـ (إلا) يخالف جميع الأوصاف فيكون -

ص: 2139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فتكون (إلّا) محكوما لها بحكم (غير) ثم قال: وما ساغ من التأويل في الآية الكريمة (1) ساغ في التبيين. اه. (2).

قال المصنف (3): وقلت: المشتمل عليه ولم أقل: الكائن معه أو نحو ذلك؛ تنبيها على أنّ النهي والنفي قد يوجد ولا يكون له حكم لكونه منقوصا نحو:

لا تأكلوا إلّا اللحم إلا زيدا، وما شرب أحد إلا الماء إلا عمرا، فإن هذا، وأمثاله بمنزلة ما لا نهي فيه ولا نفي إذ المراد: أكلوا اللحم إلا زيدا، وشربوا الماء إلا عمرا.

انتهى. ولو قلت: ما شارب أحد إلا الماء إلا زيد رفعت، إما على الخبريّة عن (شارب) وإما على الابتدائيّة وهو أولى. قال ابن عمرون (4): فإن لم تجعل للمبتدأ خبرا، كما في: أقائم الزيدان ما أرى لمنع نصب (زيد) وجها. انتهى (5).

والظاهر أنّ نصبه متعين ثم قال المصنف - بعد تمثيله بما تقدم -: ومنه:

ما مررت بأحد إلا قائما إلّا أخاك، ذكره الفارسيّ في التذكرة (6)، وقال: لا يجوز كون (قائم) صفة لـ (أحد) لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، ولا كونه حالا من التاء؛ لأنه يصير المعنى: مررت قائما بأحد، وهو لا يجوز، فكذا ما في معناه، وإذا بطل هذا ثبت أنّ (قائما) حال من (أحد) منصوب؛ لأنّه بعد إيجاب.

ونقل الشيخ عن ابن هشام (7) تمهيد هذه القاعدة وتقريرها بالأمثلة واستطرد إلى أن قال: تقول: ما أتاني بنو محمد، إلّا بنو جعفر، إلا خالدا، فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر، وأوجبته لبني جعفر ثم أخرجت (خالدا) وهو منهم - مما أدخلتهم فيه من الإتيان فلم يكن فيه إلّا النصب، لا غير، وعكس هذه -

- صفة للضمير». اه.

(1)

سورة البقرة: 249.

(2)

في التذييل والتكميل (3/ 536) «وما ساغ من التأويل في فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهو سائغ هنا ومحتمل. اه.

(3)

شرح التسهيل (2/ 280).

(4)

من تلامذة ابن يعيش. سبقت ترجمته.

(5)

الاستغناء في أحكام الاستثناء (ص 184).

(6)

التذكرة من كتب الفارسي المفقودة، ينظر في ذلك شرح المصنف (2/ 280).

(7)

هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي، الأندلسي، توفى سنة (646 هـ)، سبقت ترجمته.

ص: 2140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المسألة: أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالد، برفعه حملا على المعنى؛ لأنك لما استثنيت من إيجاب نصبت، كما قدمنا، فـ «بنو جعفر» قد تغيب عنهم الإتيان وكأنك قلت: ما أتاني (بنو جعفر) ثم استثنيت منهم خالدا فأدخلته فيما نفيته فصار موجبا له بعد نفي (1). انتهى.

وفي المثالين اللذين ذكرهما ابن هشام (2) نظر؛ فإنّ الظاهر فيهما الانقطاع وكلاهما إنما هو في المتصل إلا (أن)(3) يريد الاتصال بتأويل.

وأما الشرط الثالث: وهو أن يكون غير مردود به كلام تضمن الاستثناء فاحترز به عن رد قول القائل: قاموا إلا زيدا، وأنت تعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، فتدخل النفي وتأتي بالكلام، مثل ما نطق به المردود عليه، فتنصب (زيدا) ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد، وكذا إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين، وأردت جحد ما ادعاه، فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين، كأنّك قلت: ما لك عندي الذي ادّعيته، ولو رفعت الدرهمين كنت مقرّا بهما، جاحدا لثمانية وتسعين؛ لأنّ المستثنى المبدل ممّا قبله في حكم الاستقلال فكأنّك قلت - إذا رفعت -: مالك عندي إلا درهمان (4)، وهذه الثلاثة شروط جواز البدل.

وبقي لرجحان النصب على الاستثناء شرط رابع: وهو ألا يتراخى، أي: يتباعد ذكر المستثنى، عن ذكر المستثنى منه نحو الأمثلة المتقدمة فإن حصل التراخي كان النصب على الاستثناء راجحا، والبدل مرجوحا وذلك نحو قولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، ولا تنزل على أحد من تميم إن وافيتهم إلا قيسا (5)؛ لأنّه إنّما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النّصب؛ لأنّ معناه ومعنى النّصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين، وهو مطلوب وللقرب تأثير في طلب المشاكلة، فلما تباعدا تباعدا بينا رجح النصب، لضعف الداعية، والأصل في هذا -

(1) التذييل والتكميل (3/ 539).

(2)

تنظر السطور السابقة.

(3)

ما بين القوسين من الهامش.

(4)

ينظر - لزيادة الإيضاح - الأصول في النحو لابن السراج (1/ 304)، والمساعد لابن عقيل (1/ 559).

(5)

في المساعد لابن عقيل (1/ 559): «فينصب اختيارا لضعف التشاكل، لطول الفصل بين البدل والمبدل منه. اه.

ص: 2141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها» فقال له العباس رضي الله عنه: «إلا الإذخر؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «إلّا الإذخر» (1). وقد يكون من هذا: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء، إذا قبضت صفيّه من أهل الدّنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة» (2) وعللّ قوم هذا النوع بعروض الاستثناء، قال ابن السّراج: فإن لم تقدّر البدل، وجعلت قولك:(ما قام أحد) كلاما، لا تنوي فيه الإبدال من (أحد) ثم استثنيت؛ نصبت، فقلت: ما قام أحد، إلا زيدا (3).

قال المصنف - بعد ذلك -: فعلى هذا يكون للزوم النصب - بعد النفي سببان، التراخي، وعروض الاستثناء (4). ومراده بلزوم النّصب لزوم اختيار النّصب؛ لأن النصب غير لازم وقوله: إبدالا عند البصريين، وعطفا عند الكوفيين إشارة إلى الخلاف في المستثنى، إذا جعل تابعا لما قبله، فمذهب البصريين أنه بدل، وقد نصّ عليه سيبويه (5)، وعليه إشكالان:

أحدهما: أنّه بدل بعض وليس معه - في نحو: ما قام أحد إلا زيد - ضمير يعود على المبدل منه.

والثّاني: ما بينهما من التخالف فإنّ المبدل موجب، والمبدل منه منفيّ.

وأجابوا عن الأول بأن (إلّا) وما بعدها من تمام الكلام الأول، و (إلّا) قريبة مفهمة أنّ الثّاني قد كان يتناوله [3/ 35] الأول، فمعلوم أنّه بعض الأول، فلا يحتاج فيه إلى رابط بخلاف: قبضت المال بعضه. وأما الإشكال الثاني فأجاب السيرافي عنه بأن قال: هو بدل منه في عمل العامل فيه وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية؛ لأن مذهب البدل فيه أن يجعل الأول كأنّه لم يذكر، والثاني في موضعه، وقد يخالف الصفة والموصوف نفيا وإثباتا، نحو: مررت برجل لا كريم -

(1) أخرجه البخاري في كتاب اللقطة (3/ 125)، والديات (9/ 5)، وأخرجه مسلم في كتاب الحج (986، 988) وابن حنبل (1/ 259، 318)، وقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل مكة. والخلي:

النبات الرقيق ما دام رطبا، ويعضد: بمعنى يقطع، والإذخر: نبات عشبي له رائحة عطرة.

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (8/ 90).

(3)

الأصول لابن السراج (1/ 218).

(4)

شرح التسهيل لابن مالك (2/ 283).

(5)

ينظر الكتاب (2/ 311)، والهمع (1/ 224)، والمغني (ص 70).

ص: 2142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولا لبيب (1). وقال غيره - ممّن تعرض لشرح كتاب سيبويه -: إنّما يشترط في البدل أن يحلّ محلّ الأول، في العامل خاصة، وأما أن يكون على معناه فلا وقال ابن الضائع (2): لو قيل: إنّ البدل في الاستثناء قسم على حدته، ليس من تلك الأبدال، التي بينت في غير الاستثناء؛ لكان وجها وهو الحقّ، وقال - في موضع آخر -: اعلم أنّ البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فـ (إلّا زيد) هو البدل وهو الذي يقع موقع (أحد)، فليس (زيد) وحده بدلا من (أحد) و (إلا زيد) هو الذي نفيت عنه القيام، فـ (إلا زيد) بيان لل (أحد) الذي عنيت. ثم قال - بعد ذلك - «فهذا البدل - في الاستثناء - أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل. اه.

ومذهب الكوفيين أنه معطوف وجعلوا «إلا» من حروف العطف في هذا الباب خاصّة، والحامل لهم على ذلك وجود المخالفة المذكورة قال: فعليه كيف يكون بدلا وهو موجب ومتبوعه منفيّ؟ والعطف توجد فيه المخالفة في المعنى كالمعطوف بـ (بل) و (لكن) فلذا قالوا به.

قال الشيخ: وما ذهبوا إليه ممكن خال من التكلف، وقد ردّ القول بالعطف بأنّه:

لو كانت (إلّا) عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد، وحروف العطف لا تلي العوامل، ذكر ذلك الشيخ وفيه نظر؛ لأنّ لهم أن يقولوا: إنّ (إلّا) التي باشرت العامل، ليست هي العاطفة.

وقال المصنف - بعد نقل جواب السيرافي على التخالف (3): ويقوّى العطف أن يقول: تخالف الصفة والموصوف كلا تخالف؛ لأنّ نفي الكرم واللّبابة إثبات لضدّهما وليس كذلك تخالف المستثنى والمستثنى منه، فإن جعل «زيد» بدلا من (أحد) إذا قيل: ما فيها أحد إلا زيد يلزم منه عدم النظير؛ إذ لا بدل في غير محلّ -

ص: 2143