الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عودة إلى السنة
(1)
كتب الأستاذ الفاضل صديقنا الشيخ علي الطنطاوي مقالاً مسهباً تحت عنوان «مشكلة» نشره في عدد جمادى الأولى سنة 1375 هـ من مجلة «المسلمون» .
بدأ فيه فوصف أفراداً من المسلمين جعلهم أمثلة للذين يدعون الإسلام منهم ولا يعملون به، ثم تعرض لنقد طوائف نعتهم بـ «الدعاة إلى الله، الذين نرجو بهم نصرة الإسلام، وإعادة أهله إليه» .
فبدأ بنقد «من يرى الإسلام في اتباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عندما أفتى به متأخرو فقهائه» ثم ثنى بالرد على «من يدعو إلى العودة إلى السنة» وأفاض هنا ما لم يفض في رده على غيرهم!
ثم ختم الشيخ مقاله بما خلاصته: «وهؤلاء الدعاة مختلفون أبداً، آخذ بعضهم بخناق بعض، يتناظرون أبداً ويتجادلون، يتقاذفون الردود، لا في مصر والشام والعراق وحدها، بل في بلاد الإسلام جميعاً
…
والإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم واحد، له مفهوم واحد، فعلام هذا الاختلاف؟
…
».
(1)«مجلة المسلمون» (5/ 172 - 176، 280، 463 - 470، 913 - 916).
«فما هو الأسلوب (العملي) الممكن للوصول إلى هذه الغاية؟ هل يكون ذلك بمؤتمر لعلماء المسلمين، أم يتولاهم معهد من المعاهد العلمية أم يقوم به واحد من المسلمين؟ ما هو الأسلوب؟
وللجواب عن سؤال الأستاذ نسوق هذا المقال فنقول:
1 -
لا اتفاق على الأسلوب قبل الاتفاق على الهدف: (الإسلام):
إن الذي يقرأ مقال الشيخ بتدبر وإمعان، يظهر له أن فيه فجوة تركها الشيخ دون أن يملأها ببيانه، ذلك أنه بعد أن عرض «المشكلة» عرضاً بيناً قفز إلى الدعوة إلى وضع أسلوب عملي للدعوة إلى الإسلام والمنطق يشهد أنه كان من الواجب بعد عرض المشكلة التحدث عن طريقة حلها أو على الأقل دعوة العلماء إلى حلها، ثم بعد ذلك يأتي دور الدعوة إلى وضع أسلوب عملي للدعوة إلى الإسلام، لأنه من البدهي أنه ما دام الدعاة إلى الإسلام مختلفين
في فهم الإسلام ذلك الاختلاف الذي وصفه الشيخ وهو في الواقع أكثر مما وصف! فإنه من غير الممكن أن يتفق هؤلاء على الأسلوب العملي، كيف وهم لم يتفقوا على فهم الهدف (الإسلام) ولو فرضنا أنهم اتفقوا على أسلوب ما، فلن يؤدي بهم إلى الدعوة إلى «إسلام واحد له مفهوم واحد» ، بل سيدعو كل منهم إلى الإسلام الذي فهمه هو، أو تلقاه عن آبائه ومشايخه، وبذلك تعود المشكلة كما هي دون أن نستفيد من أسلوب الدعوة شيئاً لو تمكنوا من وضعه!
إذن لابد من وضع حل لهذه «المشكلة» فما هو؟ وأين هو؟ .
2 -
حل المشكلة بالرجوع إلى السنة:
لا شك أن المفروض في الدعاة إلى الله تعالى أن يكونوا من أطوع الناس لله تعالى، وأسرعهم مبادرة إلى تطبيق أحكامه عز وجل، فإذا كانوا مختلفين في فهم الإسلام فمن الواجب عليهم أن يحتكموا إلى ما أمر الله به، من الرجوع إلى السنة، لأنها هي التي تفسر القرآن، وتوضحه، وتبين مجمله، وتقيد مطلقه، كما يشير لهذا قوله تعالى:{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} ، وقد قال عز وجل:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .
فهذه الآية الكريمة صريحة في أن من كان مؤمناً حقاً رجع عند الاختلاف إلى حكم الله عز وجل في كتابه، وبيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته، وأن الرجوع إليهما يرفع الخلاف، فوجب بنص هذه الآية على الدعاة أن يرجعو إلى السنة
الكريمة ليرفعوا الخلاف بينهم.
ومما لا شك فيه أن الرجوع إلى السنة يقتضي العلم بها والمعرفة بما صح منها وما لم يصح، والدعاة في هذا العصر بين إحدى حالتين:
1 -
إما أن يكونوا قادرين على الرجوع إليها، وحينئذ فالطريق سهل بين ليس عليهم إلا سلوكه، وهم في الغالب لم يفكروا في سلوكه بعد! وهنا يقال: كيف يدعو إلى الإسلام من لا يُحكِّم الإسلام في نفسه؟
2 -
وإما أن يكونوا عاجزين عن الرجوع إليها بسبب جهلهم بها، كما هو الغالب مع الأسف على أكثر الدعاة، ففي هذه الحالة عليهم أن يعدوا العدة لتخريج جماعة، بل جماعات من العلماء، يتدارسون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويتفقهون فيهما، ويصدرون الفتاوى معتمدين عليهما، كما كان عليه الأمر في عهد السلف الصالح، فإذا تحقق هذا-وهو واقع إن شاء الله تعالى ولو بعد حين- نكون قد سلكنا النهج المستقيم للقضاء على الخلاف في فهم الإسلام على الصورة التي عرضها الشيخ الطنطاوي-حفظه الله تعالى- في مقال:«المشكلة» وبذلك يمكن حل (المشكلة) التي تقف عقبة في سبيل «الاتفاق على الأسلوب الذي ندعو به إلى الإسلام» .
3 -
هل يرضى الدعاة بهذا الحل؟
لكن يبدو للباحث أن كثيراً من الدعاة اليوم لا استعداد عندهم-مع الأسف الشديد- لتقبل الحل المذكور منهجاً للقضاء على الخلاف، مما يحملنا على أن نعتقد أن تحقيق الاتفاق الذي يدعو إليه الشيخ بعيد المنال في الوقت
الحاضر، كيف لا، ونحن نرى حضرته-وهو ممن كنا نظن أنه من أقربهم إلى السنة وأدناهم للتفاهم معه في سبيل الدعوة إليها والعمل بها- نراه قد حمل في مشكلته هذه على الدعاة إلى السنة حملة شعواء، وهجاهم فيها بما لم يهج به القائلين بوحدة الوجود!
وهذا في الواقع من غرائب الاختلاف، فبينما يرى دعاة السنة أن «المشكلة» لا تحل إلا بتبني الدعاة لدعوتهم حقاً، إذا ببعض هؤلاء الدعاة يجعلهم من الدعائم التي قامت بسببهم «المشكلة» !
هذا ولما كان في رده عليهم كثير من الأخطاء والآراء التي يفهم منها القراء خلاف ما عليه دعاة السنة، رأيت أنه لابد من بيان ذلك إظهاراً للحق ودفعاً للتهمة، راجياً من فضيلة الشيخ أن يتقبل ما عسى أن يظهر له صوابه، وأن يدلنا على ما تبين له خطؤه، سائلاً المولى-سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، موافقة لسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
4 -
نص كلام الأستاذ الطنطاوي:
«وآخرُ يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها، والعودة إلى السنة، فكل من استطاع أن يقرأ البخاري ومسلم ومجمع الزوائد، وأن يفتش عن اسم الراوي في التقريب أو التهذيب، وجب عليه الاجتهاد، وحرم عليه التقليد، ويسمون هذا الفقه العجيب الذي يشبه فقه برد (والد بشار) بفقه السنة، لا يدرون أن الوقوف على الأحاديث ومعرفة إسنادها ودرجاتها شيء، واستنباط الأحكام منها شيء آخر، وأن المحدثين كالصيادلة، والفقهاء كالأطباء، والصيدلي
يحفظ من أسماء الأدوية ويعرف من أصنافها ما لا يعرفه الطبيب، ولكنه لا يستطيع أن (يشخص) الأمراض ويشفي المرضى، وأن الصحابة أنفسهم لم يكن فيهم إلا مائة ممن يفتي، وأن مائة الألف من المسلمين الذين توفى عنهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يرجعون إلى هذه المائة، ولا يجتهدون لأنفسهم، وأنه إن لم يطلع الإمام من الأئمة على الحديث من الأحاديث، فإن اتباع مذهبه قد اطلعوا عليه خلال هذه القرون الطويلة، وأنهم كانوا أتقى لله وأحرص على دينهم من أن يخالفوا حديثاً صحيحاً لقول إمام أو غير إمام، وإن المذاهب لم تأخذ الأحاديث وحدها، بل أخذت الحديث وما قال فيه الصحابي، والتابعي، ومن بعده، وسجلت هذه الشروح والأفهام المتعاقبة ثم استخلصت منها الحكم، وأن من يترك اجتهادات الأئمة كمن يرى الطيارة وما بلغت إليه بعد الجهود المتتالية والرقي المتسلسل، فيتركها ويعرض عنها، ويحاول الطيران بأجنحة ليركبها لنفسه كما فعل العباس بن فرناس، وإن دعوى منع التقليد في الدين دعوى باطلة، لأن في كل علم أهل اختصاص فيه، وغرباء عنه فإذا احتاج الغريب إلى معرفة حكم فيه رجع إلى أهله، كالعامي يحتاج إلى مداواة مريضه، أو عمارة بيته، أو إصلاح ساعته، فلا يستطيع إلا الرجوع إلى الطبيب أو المهندس أو الساعاتي، وتقليده فيما يذهب به إليه اجتهاده» أ. هـ.
5 -
لماذا يدعو دعاة السنة للعودة إلى السنة:
وإني قبل الشروع في بيان ما في كلام الأستاذ الطنطاوي من الأخطاء، أرى لزاماً علي أن أبين الأسباب التي تحمل دعاة السنة على الدعوة إليها، وترك كل قول يخالفها فأقول:
أولاً: إنها المرجع الوحيد بعد القرآن الكريم، وفي ذلك آيات كثيرة معروفة وعلى ذلك إجماع الأمة.
ثانياً: إنها عصمة من الوقوع في الخطأ وأمان من التردي في الضلال كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع: «ياأيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه» ، وليس كذلك اجتهادات الرجال وآراؤهم، ولذلك قال الإمام مالك-رضي الله عنه:«إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» ، وقال شُرَيحٌ القاضي:«إن السنة سبقت قياسكم، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإنكم لن تضلوا ما أخذتم بالأثر» .
ثالثاً: إنها حجة ملزمة باتفاق المسلمين، بخلاف آراء الرجال فإنها غير ملزمة عند السلف وغيرهم من المحققين، قال الإمام أحمد-رضي الله عنه:«رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار» .
رابعاً: إنه لا يمكن لطالب العلم أن يصير فقيهاً حقاً إلا بدراستها، فهي وحدها بعد القرآن الكريم تؤهله لأن يستنبط ويقيس قياساً صحيحاً إذا أعوزه النص، فلا يقع مثلاً في مثل الأخطاء التي يقع فيها الجهال بها، كقياس الفرع على الفرع، أو الضد على الضد، أو القياس مع وجود النص، ولهذا قال ابن القيم-رحمه الله:
«إن أصح الناس قياساً أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث
أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد».
خامساً: إنه لا يمكن القضاء على ما دخل في المسلمين من البدع والأهواء إلا من طريق السنة، كما أنها سد منيعٌ للوقوف في وجه المذاهب الهدامة، والآراء الغربية التي يزينها أصحابها للمسلمين، فيتبناها بعض دعاتهم ممن يدعي التجديد والإصلاح ونحو ذلك!
سادساً: إن المسلمين اليوم قد شعروا-على اختلاف مذاهبهم وفرقهم- أن لا مناص لهم من الاتحاد ونبذ الخلاف حتى يستطيعوا الوقوف صفاً واحداً تجاه أعدائهم، وهذا لا يمكن إلا بالرجوع إلى السنة لما سبق ذكره في الأسباب (1، 2، 3).
سابعاً: إنها تقرن مع ما تحمله من أحكام مرغبات في تنفيذها، ومرهبات عن التساهل بها، وذلك أسلوب النبوة، وروح الشرع، مما يجعل أصحابها أرغب في القيام بأحكامها من الذين يأخذونها من كتب الفقه العارية عن الدليل، وهذا أمر مشهود ما أظن أن أحداً حتى من المتعصبين للمذاهب ينكره.
ثامناً: إن المتمسك بها يكون على مثل اليقين في الأحكام التي يأخذها منها، بخلاف المقلدين الجهال بها، فإنهم يضلون بين الأقوال الكثيرة المتضاربة التي يجدونها في كتبهم، ولا يعرفون خطأها من صوابها، ولذلك قد يفتي أحدهم في مسألة بقولين متعارضين، فيقول مثلاً: يجوز ذلك عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند صاحبيه، مع أن السنة الصحيحة الصريحة مع أحد
القولين، ولكنه لجهله بها يحكي القول المعارض لها، بدون إنكار منه له، ولو بطريق الإشارة، فيلقي بذلك المستفتي في الحيرة! بل إن بعضهم يجعل القولين المتناقضين كشريعتين محكمتين يجوز للمسلم أن يأخذ بأيهما شاء! بل إن بعض الشافعية أجاز لنفسه أن يفتي بالقول الذي يعطي عليه أجراً أكبر.
تاسعاً: إن السنة تسد الطريق على الذين يريدون أن يتحللوا من الإسلام باسم المذاهب الفقهية نفسها، ويتخذون من التلفيق باسم المصلحة ما يؤيد حجتهم! ولا يعجزون أن يجدوا في ثنايا المذاهب في كل مسألة من المسائل ما يوافق ويؤيد «مصلحتهم» المخالفة للسنة، وهم لذلك يحاربون الرجوع إلى السنة، لأنها تسد الطريق عليهم كما قلنا، وتكشف تسترهم وراء المذاهب وسعة الشريعة الإسلامية بسعة الأقوال الكثيرة، والاجتهادات الغزيرة والثروة الفقهية الطائلة التي قل أن تخرج مسألة عنها»؟ ! والله أعلم بما يوعون.
فهذه بعض الأسباب التي تحضرني الآن مما يحمل أنصار السنة على الدعوة إليها، وإيثارها على خلافها، فكيف لا يدعون الناس إليها ويرغبونهم في الاهتداء بهديها، والاستنارة بنورها؟ بل كيف لا يفدون أرواحهم في سبيلها؟
فالعجب ممن يريد أن يصدهم عنها، ويحملهم على تركها إلى التمسك بالمذهب، مع أن إمامه يأمر بالرجوع إليها، وتسليم القياد بها، هيهات هيهات!
6 -
بيان ما في كلام الأستاذ الطنطاوي من المآخذ:
بعد هذا نعود فنذكر ما بدا لنا من المآخذ في كلام الطنطاوي فأقول:
1 -
قال الشيخ: «وآخر يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها، والعودة إلى السنة» .
أقول: أما العودة إلى السنة فحق واجب، وقد سبق بيان أسباب ذلك في الفصل السابق، وأزيد هنا فأقول: إنه يجب على كل مسلم أن يستجيب لدعوتهم هذه إن كان مؤمناً حقاً، فقد قال تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51 - 52]، وقال في المنافقين:{وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48]، وقال:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وهي معروفة، وإنما أوردنا بعضها للذكرى.
فلا حجة لأحدٍ في أن لا يستجيب لدعوتهم هذه، فكيف في الإنكار عليهم بسببها؟ ولئن كان بعض الناس يزعم أن الدعاة إليها ليسوا أهلاً من الوجهة العلمية للقيام بها- كما قد يشير لهذا قول الشيخ في الفقرة الآتية، فهذا-لو صح- ليس بمسوغ لهم أبداً أن يردوها عليهم، لأن الحق يجب قبوله، ولا يجوز رده مهما كان مصدره، وهذا شيء بين لا يحتاج إلى تدليل.
ثم إنهم لو كانوا صادقين في ذلك الزعم، لبادروا إلى بيان ذلك للناس، بضرب أمثلة يظهرون بها جهل هؤلاء الدعاة بالسنة وسوء فهمهم لها، حتى يعرفهم الناس ويجتنبوهم ولا يغتروا بدعوتهم إلى السنة! ولكنهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك، ولعلهم لن يفعلوا، والسبب معلوم لديهم، وعند أهل العلم من غيرهم!
7 -
رأي دعاة السنة في المذاهب:
وأما ترك المذاهب كلها، فعزو هذا إلى الدعاة إلى السنة لا يخلو مما يوهم خلاف ما هم عليه، ودفعاً لذلك أرى أنه لابد من بيان رأيهم في المذاهب وموقفهم منها فأقول:
من المعلوم عند العلماء أن المذاهب الأربعة وغيرها ليست آراؤها متفقة في كل الأحكام الشرعية، بل هي فيها على ثلاثة أقسام:
1 -
قسم منها متفق عليه، كتحريم التشبه بالكفار-مثلاً-.
2 -
وقسم فيه خلاف، ولكنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، مثل أدعية الاستفتاح والتشهد.
3 -
وقسم فيه اختلاف شديد لا يمكن الجمع بين الآراء المختلفة فيه بوجه من وجوه الجمع المعروفة لدى العلماء، مثل: مس الرجل المرأة ونقض الوضوء به، فإن فيه ثلاثة أقوال مشهورة: النقض، وعدمه، والفرق بين أن يكون المس بشهوة فينقض وإلا فلا.
وإذا كان الأمر كما فصلنا، فكيف يعزو الشيخ للدعاة إلى السنة أنهم «يرون ترك المذاهب كلها» ! مع أن هذا الترك يستلزم الإعراض عما فيها من الحق المسلم به لديهم؟ ! أليس هذا من الأدلة الكثيرة على أن الشيخ لا يتحرى الصواب حين يتهم خصومه في الرأي بما هم براء منه؟
ولعلم أنصار السنة بما سبق من التفصيل يضطرون إلى أن يبحثوا عن الحق في المذاهب كلها، ليس خارجاً عنها، ولا في مذهب معين منها، وهذا البحث
قد بين لهم فضل أئمة المذاهب، وعلمهم، ودقة فهمهم للكتاب والسنة، وتنبهوا بسبب ذلك لكثير من دقائق المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة، فاستفادوا بسببهم علوماً كثيرة في أوقات يسيرة، لولاهم لما وصلوا إليها، فجزاهم الله عن المسلمين خيراً.
ولهذا فإن أنصار السنة أعرف بفضل الأئمة وعلمهم من أتباعهم الذين يقلدونهم على جهل بطرق الاستنباط والاستدلال، والله تعالى يقول:{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} .
هذا، ثم إن الدعاة إلى السنة لما تبين لهم بعد البحث في المذاهب أن فيها الخلاف المذكور في القسم الثالث، لم يجيزوا لأنفسهم أن يتمسكوا بمذهب معين فيها، لأنهم علموا أن الصواب في الخلاف المذكور ليس محصوراً في مذهب واحد منها، بل هو مشاع بين جميعها، فالحق في المسألة الفلانية في المذهب الفلاني، وفي المسألة الفلانية في المذهب الفلاني وهكذا سائر المسائل، فلو أنهم تمسكوا فيها بالمذهب لأضاعوا كثيراً من الحق الوارد في المذاهب الأخرى وهذا لا يجوز عند مسلم عارف.
ولما كان لا سبيل لمعرفة الحق مما اختلف فيه الناس إلا بالرجوع إلى السنة على ما بيناه فيما سبق، جعلها الدعاة إلى السنة الأصل الذي يرجعون إليه، والأساس الذي يبنون آراءهم وأفكارهم عليه.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لما كان الأئمة قد بذلوا جهوداً مشكورة في سبيل توضيح السنة وتقريبها للناس وبيان الأحكام الممكن استنباطها منها،
فإن الدعاة إلى السنة لا يسعهم إلا الاستفادة من علمهم والاستعانة بآرائهم على فهم الكتاب والسنة، وبذلك يجمعون بين المحافظة على الأصل (السنة) وبين تقدير الأئمة قدرهم اللائق بهم، وذلك مما وصى به السلف أتباعهم، فقال عبد الله بن المبارك-رضي الله عنه:
«ليكن الأمر الذي تعتمدون عليه هذا الأثر، وخذوا من الرأي ما يفسر لكم الحديث» .
ذلك رأي الدعاة إلى السنة في المذاهب، وذلك موقفهم من أئمتها، فهل فيه ما يحمل المنصف على الطعن بهم والتنفير منهم؟ أم ذلك ما ينبغي أن يكون عليه كل مسلم عرف الفرق بين كلام المعصوم وكلام غيره، ثم لم ينس الفرق بين الغاية والوسيلة؟
8 -
التقاء الطنطاوي مع الدعاة إلى السنة في ترك المذهب أتباعاً للسنة:
بعد هذا البيان أستطيع أن أقول: إن موقف الصديق الطنطاوي من المذاهب لا يختلف كثيراً عن موقف دعاة السنة منها، ذلك لأن الطنطاوي يرى الخروج من المذهب جائزاً، بدليل إنكاره في مقاله هذا «مشكلة» على من «يرى الإسلام في اتباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عندما أفتى به متأخرو فقهائه
…
» ويؤيد هذا قوله في مقدمة كتاب «قانون الأحوال الشخصية» (ص/6):
وعلى هذه السياسة جرى حضرة الصديق في «مشروع الأحوال الشخصية» الذي تحدث عنه في المقدمة المذكورة، فخالف فيه مذهبه الحنفي في مسائل كثيرة، أكتفي بذكر مسألتين منها على سبيل المثال:
1 -
قال الشيخ في المقدمة (ص/5):
2 -
ثم قال فيها (ص/6 - 7):
والواقع أن حضرة الشيخ الطنطاوي قد وُفِّقَ للصواب فيما ذهب إليه في هاتين المسألتين، وقد بين هو في المسألة الأولى خلافه للمذهب الحنفي، وذهابه إلى المذاهب الثلاثة.
وأما المسألة الأخرى فخلافه فيها أشد لأن أحداً من أئمة المذاهب الأربعة لم يأخذ بحديث مسلم الذي ذكره هو، وإن أخذ به غيرهم من الأئمة.
وما ذهب إليه الشيخ في هاتين المسألتين، هو مذهب الدعاة إلى السنة، قبل أن يكتبهما الشيخ في مشروعه بسنين.
وقد رأيت أنه في المسألة الثانية إنما ذهب إلى خلاف الأئمة الأربعة أخذاً بالحديث وبرأي ابن تيمية، وهذا هو عين ما يصنعه الدعاة إلى السنة، فإنهم
يأخذون بالحديث الصحيح مدعمين فهمهم إياه بتبني بعض الأئمة له كابن تيمية ومن قبله من أئمة الفقه والحديث، فما بال الشيخ ينكر عليهم هذا وهو معهم فيه فعلاً؟ !
وخلاصة القول: إن الدعاة إلى السنة لا يتركون المذاهب كلها جملة وتفصيلاً، بل إنهم يحترمونها ويقدرون أئمتها، ويستعينون بها على فهم الكتاب والسنة، ثم يتركون من أقوالهم وآرائهم ما تبين أنه على خلاف الكتاب والسنة، وذلك من تمام إجلالهم واتباعهم، كما قال أبو الحسنات اللكنوي في «الفوائد البهية في تراجم الحنفية» بعد أن ذكر أن عصام بن يوسف البلخي من أصحاب أبي يوسف ومحمد كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، قال أبو الحسنات (ص/116):
2 -
ثم قال الشيخ الطنطاوي تفريعاً على ما ذكر في الفقرة الأولى من
المقال، عن الدعاة إلى السنة:
أقول: في هذه الكلمة ما يوهم أيضاً خلاف ما عليه الدعاة إلى السنة وإليك البيان:
9 -
تعريف التقليد وبيان ما يحرم منه وما يجب:
من المقرر عند العلماء أن التقليد هو «أخذ القول من غير معرفة دليله» ومعنى ذلك أن التقليد ليس بعلم، ولذلك جزم العلماء بأن المقلد لا يسمى عالماً، بل نقل الاتفاق على ذلك ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (2/ 36، 117)، وابن القيم في «أعلام الموقعين» (3/ 293) والسيوطي وغيرهم من المحققين، حتى بالغ بعضهم فقال:«لا فرق بين بهيمة تُقلدُ وإنسان يقلد» ! وأطلق بعض الحنفية عليه اسم الجاهل!
فقال صاحب الهداية في صدد الكلام على تولية المقلد على القضاء:
«فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا، خلافاً للشافعي» .
ولذلك قالوا: إن المقلد لا يجوز له الإفتاء.
فإذا عرف هذا يظهر السبب الذي من أجله حمل السلف على التقليد والمقلدين وصرحوا بذمه وتحريمه. ذلك لأنه يؤدي بصاحبه إلى الإعراض عن الكتاب والسنة في سبيل التمسك بآراء الأئمة وتقليدهم فيها، كما هو
الواقع بين المقلدين، مما هو مشهور عنهم، بل هو ما قرره بعض متأخريهم من الحنفية، فقال الشيخ محمد الخضري في صدد الكلام عن دور التقليد وأهله:
«
…
ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولاً يخالف ما أفتى به إمامه، كأن الحق كله نزل على لسان إمامه وقلبه! حتى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور وإمامهم غير منازع وهو أبو الحسن عبيد الله الكرخي:«كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ» وبمثل هذا أحكموا دونهم إرتاج باب الاختيار».
وقد استولى هذا التوجيه الخاطئ على قلوب كثير من المقلدة، لا سيما في الأزمنة المتأخرة، بحيث صار من المعروف المشهور ردهم السنن الصحيحة اتباعاً للمذهب فإذا قيل لأحدهم: هذه المسألة التي ذكرتها خلاف السنة، بادرك بقوله: أأنت أعلم بالسنة من علماء المذهب؟ ! لا يجوز العمل بالحديث لغير المجتهد! هذا جوابهم جميعاً لا فرق في ذلك بين عاميهم وعالمهم!
وهم حين يجيبونك بهذا الجواب الذي لا يمكن أن يصدر ممن عرف قدر حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأدب معه، يجهلون أو يتجاهلون أن الحديث الذي لم يأخذ به مذهبهم قد قال به مذهب آخر أو إمام آخر ليس هو دون مذهبهم أو إمامهم، فالذي ذهب إلى الحديث يكون قد أخذ به وبالمذهب الذي عمل به، بينما مخالفه إنما يعمل بالمذهب فقط! .
قد يقال: إن المذهب لابد له من دليل، ولكنا لا نعلمه، فنقول: إذا
كان الأمر كما تقول فكيف يجوز لمسلم أن يترك الدليل الذي عرفه وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لدليل لا يعلمه، وقد يكون لو علمناه قياساً أو استنباطاً من عمومات أو كليات الشريعة لا ينهض تجاه الحديث إذ لا اجتهاد في مورد النص، وإذا ورد الأثر بطل النظر، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل؟
هذا التقليد الذي هو رد الحديث انتصاراً للمذهب ونحوه هو الذي يحرمه دعاة السنة، ويدعون المسلمين جميعاً إلى الخلاص منه، بالرجوع إلى اتباع السنة أينما كانت، وفي أي مذهب وجدت.
وأما تقليد المسلم من هو أعلم منه حين لا يجد نصاً عن الله ورسوله، أو حين لا يمكن الفهم عنهما فليس مما نحن فيه، بل لا يتصور أن يقول بتحريمه مسلم، لأنه مضطر إليه، والضرورات تبيح المحظورات، ولولا ذلك لصار الدين هوى متبعاً-والعياذ بالله تعالى-. ولهذا ذكر العلماء:«إن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد، فهو كمن عدل إلى الميتة مع قدرته على المذكي، فإن الأصل أن لا يقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة» .
10 -
الفرق بين التقليد والاتباع:
ولا يليق بالعاقل البصير في دينه أن يفهم مما سبق من بيان تحريم التقليد، أن الاجتهاد واجب على كل مسلم مهما كان شأنه في العلم والفهم، فإنه خطأ بين، ويظهر أن الشيخ سبق إليه هذا الفهم مما بلغه من تحريم دعاة السنة للتقليد، فاستلزم من ذلك أنهم يوجبون الاجتهاد على كل مسلم، مهما كانت
منزلته في العلم، وذلك واضح من كلمته في هذه الفقرة وهو قوله:«وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد» فجعل المحرم، هو الاتباع الواجب على كل مسلم، وبينهما فرق ظاهر، قال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:
وأما الاجتهاد فمن المعلوم أنه «بذل الوسع لمعرفة الحكم من كتاب الله وسنة رسوله» ولا شك أنه فرض كفائي لا يجب على كل مسلم، بل لا يستطيعه إلا القليل منهم، بل قد ندر المجتهدون اليوم بسبب غلبة التقليد على العلماء والقيود التي وضعوها للمجتهد، ومن العجائب أن الذين اشترطوا تحقق تلك الشروط في العالم حتى يسوغ له الاجتهاد هم من المقلدة الذين لا يدينون إلا بما قال إمامهم! فهم في الواقع متناقضون، يمنعون الاجتهاد ويوجبون التقليد، ثم هم يجتهدون ولا يقلدون، وليتهم إذا اجتهدوا أصابوا الحق ولم يخطئوه!
ويطول بنا المقال لو أردنا أن نذكر الأدلة على ذلك، فأكتفي بمثال واحد يراجع في التعليق.
والذي أراه أن (الاجتهاد) ليس عسيراً كما يظن البعض بل هو ميسور لمن كان عنده أهلية الخطاب، وفهم أدلة ما يحتاجه من أدلة الكتاب والسنة، وبتعبير آخر إن الذي عنده أهلية لفهم كتب المذاهب وعباراتهم، سيما ما كان منها للمتأخرين فإنها تشبه الألغاز أحياناً، يستطيع أن يفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهما بدون ريب أبين وأوضح من كل ما سواهما من الكلام، خصوصاً إذا استعان على ذلك بكتب أهل العلم من التفسير، وشروح الحديث، وبمبسوطات الفقه، التي تتعرض لذكر أدلة المختلفين، كالمجموع للنووي، وفتح القدير لابن الهمام، ونيل الأوطار للشوكاني ونحوها، ومن أنفعها كتاب «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» للعلامة ابن رشد، فإنه إنما ألفه لإعداد طلاب العلم للوصول إلى رتبة الاجتهاد، كما صرح بذلك في الكتاب نفسه.
وخلاصة القول: إن الدعاة إلى السنة لا يوجبون الاجتهاد إلا لمن كان عنده أهلية، وإنما يوجبون الاتباع على كل مسلم، ويحرمون-اتباعاً للسلف- التقليد إلا عند الضرورة وعدم الوقوف على السنة، فمن نسب إليهم خلاف هذا فقد تعدى وظلم، ومن طعن فيهم بعد هذا فإنما يطعن في السلف، وفيهم الأئمة الأربعة وإن ادعى أنه سلفي! إذ ليست السلفية إلا فهم ما كان عليه السلف الصالح، ثم السير على ذلك، وعدم الخروج عنه.
ومما سبق يتبين للقارئ الكريم خطأ قول الأستاذ الطنطاوي في تمام الفقرة الرابعة: «وإن المحدثين كالصيادلة والفقهاء كالأطباء، والصيدلي يحفظ
…
» فإن هذه الكلمة على إطلاقها تجرد المحدثين من صنعة الفقه والفهم لما
يحملون من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنها تجرد أيضاً الفقهاء من العلم والإطلاع على حديثه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخفى ما في ذلك من الطعن في الفريقين معاً. وأنا لا أنكر أن يكون في الفقهاء من هو أفقه من بعض المحدثين، كيف وقد أشار لهذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور عنه:«نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ولكن ليس معنى ذلك أنه يسوغ لنا وصف المحدثين إطلاقاً بعدم الفقه، كما هو ظاهر عبارة الشيخ، فإن الحديث المذكور صريح في ردها حيث قال: «رب حامل فقه ليس بفقيه
…
» فأشار إلى قلة ذلك في المحدثين، لأن الأصل في «رُبَّ» أنها للتقليل، وكيف لا يكون الأصل في حق المحدثين ما ذكرناه، وهم ممن عناهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» قال ابن المديني: هم أصحاب الحديث، والذين يتعاهدون مذهب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويذبون عن العلم، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي.
ثم إنما تظهر الفائدة من التفريق بين معرفة الحديث، وبين استنباط الأحكام منه والتفريق بين المحدث والفقيه في مسألة اختلف فيها الطرفان ودليل كل منهما هو عين دليل الآخر، وإنما الخلاف في فهمه وتطبيقه، ففي هذه الصورة يمكن ترجيح رأي الفقيه على رأي المحدث، وهذا على كل حال بالنسبة للمقلد الذي لا معرفة عنده بطرق الترجيح! وأما بالنسبة للمتبع فقد يترجح عنده رأي المحدث على رأي الفقيه لأدلة ظهرت له.
وأما إذا كان منشأ الخلاف بين الطرفين إنما هو اختلاف الدليل فأحدهما يحتج بالحديث والآخر بالرأي والقياس أو بحديث ضعيف، فهاهنا لا تظهر الفائدة من التفريق الذي ذكره الشيخ، بل تكون النتيجة خلاف ما قصد إليه الشيخ-حفظه الله تعالى-، ولنوضح هذا بمثال:
رجل سها فصلى الظهر خمساً، فالحنفية تقول إن هذه الصلاة باطلة إن لم يكن قعد قدر التشهد وسجد في الخامسة، وإن كان قعد في الرابعة قدر التشهد فقد تمت له الظهر والخامسة تطوع، وعليه أن يضيف إليها ركعة ثم يتشهد ويسجد سجدتي السهو، وهذا يخالف مخالفة ظاهرة حديث الشيخين، عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر خمساً فقيل له أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك» ؟ قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم فليس في الحديث ما يقوله الحنفية من إضافة الركعة السادسة، ولا أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلس للرابعة، ولهذا ذهب إلى ظاهر الحديث الجمهور فقالوا: من صلى الظهر خمساً يكفيه سجدتا السهو، ولو لم يقعد في الرابعة.
فهاهنا نسأل فضيلة الشيخ: هل الفرق الذي ذكرته له تأثير في هذه المسألة وأمثالها، بمعنى هل يجوز للمحدث الذي نشأ مثلاً على المذهب الحنفي أن يأخذ بهذا الحديث ولو خالف المذهب، أم تقول: إنه يجب عليه التمسك بالمذهب ولو خالف الحديث بناء على «أن المحدثين كالصيادلة والفقهاء كالأطباء» ؟ فإن قلت بالأول فقد وافقت الدعاة إلى السنة فإنه الميدان الذي يدعون الناس إليه، وإن قلت بالثاني-لا سمح الله- فهو مخالفة للكتاب والسنة، وخروج عن تقليدك لإمامك الذي أمرك بتقديم حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -
على قوله! كما أنه يلزمك أن تصف الجمهور من الأئمة الذين أخذوا بظاهر هذا الحديث بأنهم كالصيادلة، والذين خالفوه كالأطباء! !
أيها الصديق: إن الفهم في الدين ليس محصوراً بطائفة دون أخرى، فلا يلزم من اختصاص البعض في علم الفقه أن يكون مصيباً في كل ما يستنبطه من الشرع كما لا يلزم من اختصاص الآخر في علم الحديث أن يكون مخطئاً في كل ما يستنبطه منه، فالمرجع إذن هو الدليل، فمن قام الدليل على إصابته ومعرفته للحق فيما اختلف فيه الناس كان هو الفقيه سواءً كان معروفاً بالتخصص في الحديث أو الفقه، ولذلك كان الأحرى بك أن ترد على أنصار السنة في بعض المسائل التي تراهم أخطؤوا فيها الحق على ما تقتضيه الأدلة الشرعية لا حسبما يلزم من المذهبية الضيقة، إنك لو قبلت ذلك لظهر للناس أي الفريقين أهدى سبيلا، ولساعد ذلك المسلمين على السير في هذا المنهج العلمي الجديد، الذي يعين على كشف الحقائق، وتقريب وجهة الخلاف بين المسلمين ما استمروا فيه.
4 -
ثم قال الشيخ:
قلت: وهذه هفوة من الشيخ-حفظه الله-، فمن أين له أنه لم يكن في الصحابة إلا هذا العدد من المفتين؟ ! ونحن نقطع بأنهم كانوا أكثر من ذلك
بكثير لأنه اللائق بفضلهم وصحبتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كنا لا نستطيع أن نعين عددهم إلا أنه قد نص من قوله حجة في هذا الموضوع على عدد أكثر مما ذكره الشيخ، بل جزم بأن كل من تشرف بصحبته صلى الله عليه وآله وسلم والتلقي من علمه أفتى الناس، فقال الإمام ابن حزم:
تعقيب الأستاذ علي الطنطاوي:
1 -
أنا أولاً، لست ممن يتألم أو يغضب إن رد عليه، والرجوع عن رأي أعلنته، وظهر لي خطؤه، أهون علي من شربة الماء.
2 -
وقد قرأت رد الشيخ ناصر، منتظراً أن أرى فيه ما يظهر لي خطأ رأيي، فلم أجد فيه رداً، بل وجدت قد انتهى هو إلى مثل رأيي أنا.
3 -
وأنا أقول: (وقد أعلنت هذا في محاضرة مطبوعة ألقيتها سنة 1350 هـ) إن الله إنما تعبدنا بالكتاب والسنة، وإن الاجتهاد أصل، والتقليد ضرورة، وإنه ليس كل ما قال الفقهاء على درجة سواء فما كان مستنداً فيه إلى نص فهذا هو القول الملزم، وما كان عن اجتهاد فهذا الذي قيل في مثله: إن تغير الأزمان لا يغير الأحكام.
4 -
ولكن المسألة هي: هل إن كل مسلم، حتى الجاهل الأمي يأخذ الأحكام رأساً من الكتاب والسنة، أم أن هنالك شروطاً للاجتهاد؟
هناك شروط، والإطلاع على طرق الحديث، والاتساع في روايته (وهذا ما نقر به للشيخ ناصر) لا يكفي لاجتهاد، بل لابد مع ذلك من دراسة الفقه والوقوف على علم الخلاف، والتمكن من العربية علماً وسليقة، ومعرفة أسباب نزول الآية وورود الحديث (أي ظروف النص)، والوقوف على أعراف الناس وأوضاعهم، إلخ ما هنالك وشروطه.
وهذا ما تضمنه كلامي، الذي جاء الشيخ ناصر، يرد عليه فعاد إليه.
5 -
وإذا كان الشيخ ناصر يستطيع الاجتهاد، فأهلاً وسهلاً، ولكن لا في العبادات فقط، فهذه مسائل فيها نصوص كثيرة، وقد فرغ منها، وكل ما يأتي به قد أتى به ناس من قبل، ولكن ليتفضل فليأخذ القانون المدني (الذي ابتلينا به مع الأسف) وليبين لنا حكم الله في كل مادة منه، بدليل من الكتاب والسنة.
6 -
وأنا أشكر لأخي على كل حال ما بذل من جهد في إعداد هذا البحث والسلام عليه ورحمة الله.
«مقالات الألباني» (ص 29 - 54)