الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اتهام السلفيين بأنهم يُلْزِمون
أئمة المذاهب مالا يَلْزَمُهم
أبو اسحاق الحُويني: يقولون يُكثر السلفيون من ذكر قول الأئمة الأربعة: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» فيأتون على حديث أفتى بعض العلماء بخلاف ظاهره، فيلزمون الإمام به، مع أن الإمام النووي رحمه الله حقق في مقدمة المجموع أن هذه العبارة ليست على ظاهرها، وبذلك تفرد السلفيون بآراء فقهية ضعيفة يلزمون الأمة بها، فما قولكم؟
الشيخ: جوابي على هذا السؤال، أنا مع الإمام النووي رحمه الله فيما ذهب إليه بشرطين اثنين: -
الشرط الأول: إذا كان يعني أنه لا يجوز نسبة الإمام الشافعي إلى مخالفته للحديث، لأنه فهمه على وجه خاص فهذا صحيح.
والشرط الثاني: أننا نحن معشر السلفيين إذا كان الحديث الذي فهمه الإمام الشافعي على وجه ووجدنا أئمة آخرين عملوا به على ما يبدو لنا من الوجه الآخر للمعنى وأراد النووي انه لا يجوز لنا العمل به، لأن الإمام الشافعي عمل به في وجه، أو على معنى آخر، حينئذ نحن ننفصل عنه ونقول لا يجوز لنا أن نعمل بحديث فهمه الشافعي وسائر الأئمة على وجه، ونفهمه نحن في
آخر الزمان على وجه آخر، والحديث في واقعه يحتمل وجهين، لا نجد أحداً سبقنا إلى الأخذ بالوجه الآخر، حينئذ فنحن مع الإمام النووي أما إذا كان الحديث صريح الدلالة لا يقبل تأويلاً، وعرفنا أن الإمام الشافعي أو غيره، لأن هو يتكلم في حدود مذهبه وعرفنا أن إماما من أئمة المسلمين الفقهاء المجتهدين فسره على خلاف ظاهره وجاء على تفسيره بدليل لا نعلمه وجب علينا أن نتبعه، أما إذا كانوا مسلمين معنا بأن دلالة الحديث صريحة وليس عندنا دليل يصرف هذه الدلالة إلى شيء آخر، سوى رأي فلان وعلان، حين ذاك نكون مع الحديث، لأن الإمام الشافعي نفسه كان يقول الحديث أصل مستقل في نفسه فيجب على كل مسلمٍ إذا صح لديه أن يعمل به، أما الإمام الشافعي فسره بمعنى آخر، فنقول هذا المعنى الآخر، إما أن يكون له دليل بالنسبة إلينا نقتنع به فوجب حين ذاك أن نتبعه، أو ليس عنده دليل إلا الاجتهاد وكان الحديث ظاهر الدلالة على خلاف ما ذهب إليه، فنحن في هذه الحالة نطبق عموم إرشاد الأئمة:«إذا صح الحديث فهو مذهبي» .
وقد كنت تعرضت لشيء من التفصيل في مقدمتي لصفة صلاة النبي صلى الله عليه وآلة وسلم فأوردت صورة هي: أن العامي إذا بلغه حديث عن النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، وضاق صدره في ترك العمل به، فهل يجوز له أن يعمل به، وهو على خلاف مذهبه، أجاب الإمام السبكي نعم يجوز له العمل به، إذا أخبر بأن الحديث صحيح، وأن معناه على ما وضح له كان له عذراً عند الله عز وجل، أن يعمل به، هذا بالنسبة للأمي العامي، فما بالكم بالنسبة للعالم، أو طالب العلم.
لكن هنا لا بد لي من وقفه، في نهاية الإجابة عن هذا السؤال، فأقول إضافة إلى ما سبق من الجواب، أريد من طلابنا، الذين نشؤوا معنا على اتباع الكتاب والسنة، أن لا يكونوا جريئين على التطاول على الأئمة المجتهدين وعلى أن يقولوا كما يفلت أحياناً من ألسنتهم، قولهم نحن رجال وأولئك رجال، هذا عار أن يقوله الشباب الناشئ في طلب العلم، وهو لا يزال على الأقل شاباً في طلب العلم، قد يكون كهلاً، وقد يكون شيخاً في السن، ولكنه شاباً ناشئاً في طلب العلم، مع ذلك هو يقول حينما يقال كيف أنت تقارن في العلم، وتستقل في فهمك للحديث، فيكون الجواب: نحن رجال وأولئك رجال، انظروا الآن بمناسبة الكلام على ما سبق حول أبي حنيفة رحمه الله، من فضل أبي حنيفة أنه قال: إذا جاءت الآثار عن أصحاب الرسول عليه السلام، في مسألة ما متفقة لا خلاف بينهم فيها، فنحن لهم تبع، أما إذا اختلفوا، فنحن رجال وهم رجال.
متى قال هذه الكلمة إذا اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وآلة وسلم، في مسألة، فهو يختار المناسب في قول من تلك الأقوال ولا يخرج عن غيرها، فيجب أن نأخذ أدبا من هذا الأثر، عن أبي حنيفة رحمه الله، أن لا نتسرع في تخطئة الأئمة، وإنما علينا أن نتئد وأن نتروى في الحكم بخطأ، ليس خطأ إمامٍ واحد، بل خطأ أئمة كثيرين، لست داعية إلى التعصب للجمهور، لا لست جمهورياً، ولعلكم تعلمون ذالك علماً يقينياً، لكني أيضاً في الوقت نفسه لا أريد من طلاب العلم أن يتجرؤوا على العلماء لأنه بدا له أن الحديث يخالفهم، وإنما أريد من طلاب العلم، أن ينكبوا على دراسة كل مسألة على حدة، أن يدرسوها كما يقال اليوم، دراسة الفقه المقارن، ولكن بشرط أن يصل إلى النتيجة إلى الثمرة، لأن الفقه المقارن اليوم في أكثر الجامعات المعروفه
اليوم في البلاد الإسلامية، يتعاطون المقدمات ثم لا يقدمون النتائج والثمرات، وهم يذكرون مثلاً أدلة المذهب الفلاني، ودليل المذهب الفلاني، ثم لا شيء وراء ذالك فيخرج الطلبة حيارى، لا هذا ليس فقه، وإنما الفقه أن تقدم هذه الأدلة وتجري مفاضلة بينها ترجيحاً، كأن تقول مثلاً دليل فلان الآية الفلانية، لكنها من باب الاستدلال من الباب العام، ودليل فلان استدل بآية أخرى خاصة أو بدليل خاص والخاص يقضي على العام وهكذا يجري عملية تصفية بين الأدلة، قد يكون منها، حديث المذهب الفلاني لا يصح، والحديث الذي عارضه هو الصحيح إلى آخره.
فأنا أريد من كل طلاب العلم، أن يدرسوا المسائل الخلافية دراسة مبسطة، موضوعة تحت المجهر العلمي، وبعد ذلك ليخرج بالنتيجة ثم ليقل هذا رأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.
أرى كثيراً وأخشي أن أقول عامة طلاب العلم، لا يتأثرون ببعض آثار السلف، ونحن سلفيون، ليس اسماً وإنما هو مسمى أيضاً، الحديث ذو شجون، ولقد تأخر الوقت أكثر من المفروض، ولكن في هذه القصة ما أردت الاستنباط منها مما يتعلق بطالب العلم، لقد روى الإمام الدرامي في «سننه» المعروف بالمسند، بالسند الصحيح، أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، جاء صباح يومٍ إلى دار ابن مسعودٍ في الكوفة، فوجد أصحابه ينتظرونه، فقال: أَخَرَجَ أبا عبد الرحمن؟ قالوا: لا، فجلس ينتظره إلى أن خرج، فقال أبو موسى، يا أبا عبد الرحمن: لقد رأيت آنفاً في المسجد شيء أنكرته، ومع ذالك والحمد لله، لم أر إلا خيراً، ارجوا الانتباه إلى الجمع بين النقيضين في الظاهر، ولا تناقض، قال: رأيت شيئاً أنكرته ولم أر إلا خيراً، كيف ذالك؟ ، سيأتيكم
البيان في تضاعيف القصة، قال: ماذا رأيت، قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت ناساً حلقاً، حلقاً في المسجد وفي وسط كل حلقة منها رجلاً، يقول لمن حوله: سبحوا كذا، احمدوا كذا، كبروا كذا، وأمام كل رجل منهم حصى يعد به التسبيح والتحميد والتكبير، قال ابن مسعود: أفلا أنكرت عليهم، هنا الشاهد، قال: لا، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، هذا هو الأدب، أبو موسى هو من كبار أصحاب الرسول عليه السلام، ومن علمائهم، لكنه يعلم أنه ليس بمثابة ابن مسعوداً في الفقه بالكتاب والسنة، فقال: لا ما أنكرت عليهم، انتظار أمرك، أو انتظار رأيك، قال: أفلا أنكرت عليهم وأمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم دخل داره وخرج متنقباً «متلثماً» ، حتى دخل المسجد ورأى تلك الحلقات كما وصف له أبا موسى، فقال لهم: ويحكم ما هذا الذي تصنعون، أنا عبد الله ابن مسعود صحابي رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وهذا لسان كل المبتدعة، لسان كل المبتدعة، أنهم يقولون كما ستسمعون، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما
أردنا إلا الخير، قال: وهذا جوابنا للمبتدعة كلهم، «وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمدً صلى الله عليه وآلة وسلم، حدثنا أن أقواما يقرؤون القرآن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، قال شاهد هذه القصة، فلقد رأينا أولئك الأقوام، أصحاب الحلقات، أصحاب الذكر غير المشروع، فلقد رأينا أولئك الأقوام يقاتلوننا يوم النهروان، أي صاروا من الخوارج، الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، وقاتلوه، وقاتلهم، حتى استأصل شأفتهم، ولم ينج منهم إلا القليل، هذه هي القصة والعبرة منها أن أبا موسى لم يتقدم بين يدي ابن مسعود لينكر ذلك المنكر
الذي وصفه بأنه لم ير إلا خيراً، لماذا؟ ، لأنه تسبيحاً وتحميداً وتكبير، وهذا خير، ولكن الإنكار إنما جاء بما انضم إلى هذا الذكر من زيادات وإضافات جعلت هذا الذكر بدعةً، كما يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي، بدعةً إضافية فبسبب هذه الإضافات أنكر أبو موسى ذلك، لكن خشي أن يكون واهماً خطأً، فجاء إلى ابن مسعود فأخذ راية، فاتفق رأية مع رأيه، وتوجه ابن مسعود وتولى بنفسه إنكار ذلك، فأنا ارجو من إخواننا طلاب العلم أن يقدروا لأهل العلم قدرهم وجهدهم ومنزلتهم، وأن لا يتقدموا بين أيديهم وأنا اعرف في كثير من المجالس، يتوجه سؤال لكن يكون المجلس عادةً يعني فيه وحدة حال، يعني ما في تكلف ما في رسميات فيتوجه السؤال إلى احد المشايخ، فينبري احدهم أن يقول الجواب كذا، هذا قلة أدب، لا يجوز لطلاب العلم أن يقعوا في مثله، لأننا رأينا أبا موسى وهو بعيد عن ابن مسعود كيف خطر في باله، أن هناك قريباً منه من هو أفقه وأعلم منه، إذاً ينبغي عليه هو أن يأخذ رأية في مثل هذا الأمر الحادث لأنه ليس أمراً معروفاً بالإنكار، أو لأنه معروفاً في الشرع، فتأدب هذا الأدب، فلما قال له ابن مسعود أفلا أنكرت عليهم، قال لا بانتظار أمرك أو انتظار رأيك، هذا أدب، أؤكد توصية إخواننا الطلاب أن يضعوه دائماً نصب أعينهم
وان يتأدبوا مع علمائهم، وهذا مما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآلة وسلم بالحديث الصحيح:«ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كريما.
(الهدى والنور / 397/ 09: 24: 00)
(الهدى والنور / 397/ 23: 35: 00)