الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه (1)».
قال سهيل: «وأنّك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل (2) خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب:
السيوف فى القرب (3)، لا تدخلها بغير هذا».
فلما فرغ من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين:
أبا بكر بن أبى قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل ابن عمرو، وسعد بن أبى وقّاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص- وهو يومئذ مشرك (4) - وعلىّ بن أبى طالب.
(سيرة ابن هشام 2: 216، وتاريخ الطبرى 3: 79، وصبح الأعشى 4: 14، والسيرة الحلبية 2: 144، وتاريخ الكامل لابن الأثير 2: 77، وكتاب الخراج لأبى يوسف ص 250، وصحيح الإمام البخارى 2 ص 79، وإعجاز القرآن ص 114 والجامع الصحيح للإمام مسلم 5: 175)
3 - كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبىّ، إلى هرقل قيصر الروم (5) سنة ستّ (6) بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، ونسخته:
(1) فتواثبت خزاعة. فقالوا: نحن فى عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بكر. فقالوا: نجن فى عقد قريش وعهدهم.
(2)
قبل العام والشهر قبولا كقعد قعودا، فهو قابل. وأقبل فهو مقبل:
ضد دبر دبورا. (كقعد قعودا أيضا) وأدبر.
(3)
القرب جمع قراب ككتاب: وهو غمد السيف.
(4)
وقد أسلم سهيل بن عمرو يوم الفتح.
(5)
وقيل أمر صلى الله عليه وسلم دحية أن يدفع الكتاب إلى عظيم بصرى (بصرى كحبلى: بلد بالشام) وهو الحارث ملك غسان، ليدفعه إلى قيصر، ولما انتهى دحية إلى الحارث أرسل معه عدى بن حاتم ليوصله إلى قيصر، فذهب به إليه، وقد لقيه ببيت المقدس.
(6)
كان ذلك زمن هدنة الحديبية أواخر سنة ست، وقيل كتب إليه صلى الله عليه وسلم من تبوك سنة تسع. وجمع بينهما بأنه عليه الصلاة والسلام كتب لقيصر مرتين، والأول هو ما فى الصحيحين، فقد حدث أبو سفيان أن هرقل أرسل إليه فى ركب من قريش كانوا تجارا بالشام فى المدة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهو بايلياء وحدثه هرقل فى شأن محمد إلى أن قال: ثم دعا بكتاب رسول الله الذى بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل.
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد: فإنى أدعوك بدعاية (1) الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين (2)، فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الأريسيّين (3)، و «يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً،
(1) أى بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهى كلمة التوحيد: أى أدعوك إليها، فالباء بمعنى إلى.
(2)
أى لإيمان أتباعك بسبب إيمانك، أو لإيمانك بعيسى، ثم بمحمد عليهما الصلاة والسلام.
(3)
وردت هذه الكلمة فى متن البخارى: «اليريسين» . وجاء فى إرشاد السارى لشرح صحيح البخارى للقسطلانى. ج 1: ص 93. «اليريسين» جمع يريس على وزن كريم، وفى رواية: «الأريسين» بقلب الياء الأولى همزة، وفى أخرى: «اليريسيين». بتشديد الياء بعد السين جمع يريسى، وفى أخرى:
«الأريسيين» . بتشديد الياء بعد السين أيضا: وقلب الياء الأولى همزة جمع أريسى، وجاءت فى صحيح مسلم مرة بالرواية الثالثة:«اليريسيين» . وأخرى بالرواية الرابعة: «الأريسيين» . وفى لسان العرب:
«الإريسيين» جمع إريس كسكيت، ومن ذلك يتبين لك أن فى مفردها لغات: أريس ويريس ككريم.
وأريسى ويريسى كحقيقى، وإريس كسيكيت. وهو الأكار: أى الفلاح. قال الأزهرى: أحسب الأريس والإريس بمعنى الأكار من كلام أهل الشام، وقد جاء فى رواية الطبرى:«فإن إثم الأكارين عليك» .
وكذا فى تاريخ ابن الأثير، وقال صاحب السيرة الحلبية:«وجاء فى رواية: إثم الفلاحين» . وكذا فى شرح الزرقانى على المواهب» وفى فتح المبدى بشرح مختصر الزبيدى. ج 1: ص 36.
وفى الكلام حذف دل عليه المعنى: أى فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين، وإنما خص هؤلاء: لأنهم أغلب رعاياه، وأسرعهم انقيادا، لجهلهم وسذاجتهم. وقيل المراد بالفلاحين أهل مملكته، لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلى ذلك بنفسه أم بغيره، والعجم عند العرب كلهم فلاحون لأنهم أهل زرع وحرث. فالمعنى: فإن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. وقيل: كان أهل السواد ومن هو على دين كسرى أهل فلاحة وإثارة للأرض، وكان أهل الروم أهل أثاث وصنعة، فكانوا يقولون للمجوسى أريسى نسبوهم إلى الأريس، وهو الأكار وكانت العرب تسميهم الفلاحين، فأعلم النبى صلى الله عليه وسلم الروم أنهم وإن كانوا أهل كتاب، فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا بنبوته مثل إثم المجوس وفلاحى السواد الذين لا كتاب لهم. وقيل: أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذا لم يسلموا تقليدا له، لأن الأصاغر أتباع الأكابر. وقيل: الإريس كسكيت: الأمير والأصل فيه رئيس كسكيت أيضا من الرياسة فقلب: أى فعليك إثم كبرائهم، وقد جاء فى رواية الأغانى:«فإن إثم الأكابر عليك» .
والمعنى: أنك إن توليت عن إجابة الدعوة لم يجب إليها كبراء دولتك تبعا لك، ولو أنهم أسلموا لهدوا قومهم إلى الإسلام، لما لهم فيهم من الأمر المطاع والكلمة النافذة وقوة التأثير، فامتناعك عن الإسلام يحملهم إثما مضاعفا: إثم الامتناع عنه، وإثم القعود عن نصرته ونشره والسعى فى التنفير منه والصد عنه.
وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (1)».
(السيرة الحلبية 2: 366، وصحيح الإمام البخارى 1: 5، والجامع الصحيح للإمام مسلم 5: 165، وتاريخ الطبرى 3: 87، وتاريخ الكامل لابن الأثير 2:
81، والأغانى 6: 93، وصبح الأعشى 6: 376، والمواهب اللدنية للقسطلانى شرح الزرقانى 3: 384)
*** وجاء فى صبح الأعشى:
وذكر أبو عبيد فى «كتاب الأموال» أن كتابه صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، كان فيه:
«من محمد رسول الله إلى صاحب الروم:
إنى أدعوك إلى الإسلام، فإن أسلمت فلك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، وإن لم تدخل فى الإسلام، فأعط الجزية، فإن الله تعالى يقول:«قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (2)» وإلّا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية (3)».
(1) الآية من سورة آل عمران.
(2)
الجزية: الخراج الذى يضرب عليهم كل عام. واليد: الذلة والاستسلام، أى حتى يؤدوها منقادين خاضعين، أو عن يدهم أى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدى غيرهم، واليد أيضا: القدرة والقوة:
أى عن قدرة عليهم وغلب، أو عن قدرة منهم على الدفع وغنى، ولذلك قيل لا تؤخذ من الفقير. واليد:
النعمة والصنيعة، أى عن إنعام عليهم وإحسان فإن إبقاءهم بالجزية نعمة عليهم، أو معناه: نقدا مسلمة عن يد إلى يد لا نسيئة، وهم صاغرون: أى أذلاء منقادون لحكم الإسلام، فهو توكيد لقوله:
«عن يد» على المعنى الأول، والآية من سورة التوبة.
(3)
وروى أن هرقل لما رجع إلى حمص دار ملكه، كان له فيها قصر عظيم، فأغلق أبوابه، وأمر مناديا ينادى: ألا إن هرقل قد آمن بمحمد واتبعه، فأقبلت الأجناد فى سلاحها، وطافت بقصره تريد قتله، فأرسل إليهم إنى أردت اختبار صلابتكم فى دينكم، فقد رضيت، فرضوا عنه. وفى صحيح البخارى:
«وسار هرقل إلى حمص فأذن لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص (والدسكرة بفتح الدال والكاف:
بناء للملوك يشبه القصر حوله بيوت للخدم والحشم)، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر-