الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
456 - كتاب بين عمرو بن العاص وأبى موسى
ولما انقضى الأجل، اجتمع الحكمان فى دومة الجندل، وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعرىّ، ففشل التحكيم، واشتدّت الفرقة بين المسلمين.
وروى المسعودى فى مروج الذهب قال:
فلما التقى أبو موسى وعمرو، قال عمرو لأبى موسى تكلّم وقل خيرا، فقال:
أبو موسى: بل تكلم أنت يا عمرو، فقال عمرو: ما كنت لأفعل وأقدّم نفسى قبلك، ولك حقوق كلها واجبة، لسنّك وصحبتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت ضيف، فحمد الله أبو موسى وأثنى عليه، وذكر الحدث الذى حلّ بالإسلام، والخلاف الواقع بأهله، ثم قال: يا عمرو هلمّ إلى أمر يجمع الله فيه الألفة، وبلمّ الشّعث، ويصلح ذات البين، فجزاه عمرو خيرا، وقال: إن للكلام أولا وآخرا، ومتى تنازعنا الكلام خطبا، لم نبلغ آخره حتى ننسى أوّله، فاجعل ما كان من كلام نتصادر عليه فى كتاب يصير إليه أمرنا، قال: فاكتب، فدعا عمرو بصحيفة وكاتب، وكان الكاتب غلاما لعمرو، فتقدم إليه ليبدأ به أوّلا دون أبى موسى، لما أراد من المكر به ثم قال له بحضرة الجماعة، اكتب، فإنك شاهد علينا، ولا تكتب شيئا يأمرك به أحدنا، حتى تستأمر الآخر فيه، فإذا أمرك فاكتب، وإذا نهاك فانته حتى يجتمع رأينا، اكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان» فكتب وبدأ بعمرو، فقال له عمرو: لا أمّ لك، أتقدّمنى قبله؟ كأنك جاهل بحقه! فبدأ باسم عبد الله ابن قيس، وكتب: تقاضيا على أنهما يشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، ثم قال عمرو: «نشهد أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
عمل بكتاب الله وسنة رسوله، حتى قبضه الله إليه، وقد أدّى الحق الذى عليه» قال أبو موسى: اكتب، ثم قال فى عمر مثل ذلك، ثم قال عمرو أكتب:«وأن عثمان ولى هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين، وشورى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضا منهم، وأنه كان مؤمنا» فقال أبو موسى: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: والله لا بد من أن يكون مؤمنا أو كافرا، قال أبو موسى:
اكتب، قال عمرو: فظالما قتل عثمان أو مظلوما؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوما، قال عمرو: أفليس قد جعل الله لولىّ المظلوم سلطانا يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعثمان وليّا أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو:
أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز؟ قال أبو موسى: بلى.
قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البيّنة أن عليّا قتل عثمان، قال أبو موسى: هذا أمر قد حدث فى الإسلام، وإنما اجتمعنا لله، فهلمّ إلى أمر يصلح الله به أمة محمد، قال عمرو: وما هو؟ قال أبو موسى: قد علمت أن أهل العراق لا يحبّون معاوية أبدا، وأن أهل الشأم لا يحبون عليّا أبدا، فهل تخلعهما جميعا، ونستخلف عبد الله بن عمر؟ قال عمرو: أيفعل ذلك عبد الله بن عمر؟
قال أبو موسى: نعم، إذا حمله الناس على ذلك فعل، فعمد عمرو إلى كل ما مال إليه أبو موسى فصوّبه، وقال له: هل لك فى سعد بن أبى وقاص؟ قال له أبو موسى: لا، فعدّد له عمرو جماعة، وأبو موسى يأبى ذلك إلا ابن عمر، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه، بعد أن ختماها جميعا، وقال عمرو: أرأيت إن رضى أهل العراق يعبد الله بن عمر، وأبى أهل الشأم، أيقاتل أهل الشأم؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فإن رضى أهل الشأم وأبى أهل العراق، أيقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى:
لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح فى هذا الأمر والخير للمسلمين، فقم فاخطب الناس، واخلع صاحبينا، وتكلم باسم هذا الرجل الذى نستخلف، فقال أبو موسى:
بل أنت قم فاخطب، فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدّمك، وما قولى وقولك للناس إلا قول واحد، فقم راشدا.
فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:
فقام عمرو، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال:
«أيها الناس، إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليّا وأخرجه من هذا الأمر الذى يطلب، وهو أعلم به، ألا وإنى خلعت عليا معه، وأثبتّ معاوية علىّ وعليكم، وإن أبا موسى قد كتب فى الصحيفة أن عثمان قد قتل مظلوما شهيدا، وأن لوليّه أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب أبوه النبى صلى الله عليه وسلم» وأطراه ورغّب الناس فيه، وقال: هو الخليفة علينا، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان.
(1) وفى غير هذه الرواية أنه لما التقى الحكمان جعل عمرو يجب إلى أبى موسى أن يولى معاوية، ويعدد له محاسنه، ثم عرض له بالسلطان فقال: إن ولى معاوية أكرمك كرامة لم يكرمكها خليفة، فأبى عليه أبو موسى، وكان فيما قال له: فو الله لو خرج لى من سلطانه كله ما وليته، وما كنت لأرتشى فى حكم الله عز وجل، ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأراده أبو موسى على عبد الله بن عمر فأبى عليه، وقال له: إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابنى وأنت تعرف فضله وصلاحه؟ فقال: إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته فى هذه الفتنة، فقال له عمرو: خبرنى ما رأيك؟
قال: رأيى أن نخلع هذين الرجلين، ونجعل الأمر شورى بين المسلمين فيختارون لأنفسهم من أحبوا، فقال له عمرو: فإن الرأى ما رأيت، فقدم عمرو أبا موسى، فقال أبو موسى إنى قد خلعت عليا ومعاوية «فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلا، ثم تنحى، وقام عمرو فقال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحى معاوية- انظر تاريخ الطبرى ج:
6 ص 38 - 40، ومروج الذهب ج 2، ص 33.