الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإمام مسلم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((نور أنى أراه)) (1).
5 -
قضية المتعة:
كانت المتعة (2) مباحة في الجاهلية، وفي الإسلام حتى السنة السابعة من الهجرة النبوية، ثم حرمها الإسلام وأعلن تحريمها في غزوة خيبر، وكان
ابن عباس (ض) ومعه بعض الصحابة يقولون بإباحتها، ولكن جمهور الصحابة يقولون بتحريمها، ويستدلون عليه بأحاديث مختلفة صحيحة وصريحة، ولما سئلت عائشة (ض) عن المتعة لم تجب مستدلة بالحديث الشريف وإنما قالت: بيني وبينهم كتاب الله (3)، ثم قرأت:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (*) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنين: 5 - 6] فلا يجوز للمؤمن إلا هاتان الصورتان، ومعلوم أن المرأة التي ينكحها الإنسان عن طريق المتعة لا تكون زوجة ولا مما ملكت يمينه، فلا تجوز.
6 -
ولد الزنا شر الثلاثة:
بلغ عائشة (ض) أن أبا هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فقالت: أما قوله: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يعذرني من فلان؟ قيل: يا رسول الله، مع ما به ولد زنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((هو شر الثلاثة والله عز وجل يقول:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] يعني أن التقصير كان من الوالدين فما ذنب الابن فيه)) (4).
ب - الوصول إلى فحوى الكلام ولبه:
إن اختلاف بعض الصحابة فى رواية بعض الأحاديث قد يكون ناتجا عن
(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان برقم 178، والترمذي في سننه كتاب تفسير القرآن برقم 3282.
(2)
المتعة هي: أن يقول الرجل لامرأة: خذي هذه العشرة، وأتمتع بك مدة معلومة، فتقبله. (التعريفات للجرجاني ص 315).
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك 334/ 2 برقم 3193 و 427/ 2 رقم 3484، والبيهقي في السنن الكبرى 206/ 7 رقم 13952.
(4)
عن الإصابة للسيوطي ص 309 والإجابة للزركشي ص 134 - 131.
الاختلاف في فهم لب الكلام وإدراك فحواه الحقيقي، وعائشة (ض) كانت من أولئك اللاتي أكرمهن الله سبحانه وتعالى بحظ وافر ونصيب كامل من نعمة الفهم، والذكاء المتوقد، والفطنة النادرة، فاستغلت (ض) هذه الموهبة الربانية في فهم السنة النبوية وإدراك روحها الحقيقي، والأمثلة التالية توضح ما قلناه سابقا:
1 -
روى أبو هريرة (ض) عن الرسول (ض) أنه قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا)) (1) ثم دخل أبو هريرة على عائشة (ض) فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها، فقال أبو هريرة: سمعته منه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة:((أتدري ما كانت المرأة؟ قال: لا، قالت: إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر كيف تحدث)) (2).
2 -
عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها)) (3) فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي سعيد قالت: ((رحم الله أبا سعيد كان قصد النبي صلى الله عليه وسلم باللباس أعمال الإنسان)) (4) وقد
(1) أخرجه البخاري في صحيحه باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(2)
مسند الطيالسي 199/ 1 برقم 1400، وأخرجه أحمد في مسنده 519/ 2 برقم 10738، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 190 وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب الجنائز رقم 3114، والحاكم في المستدرك 490/ 1 برقم 1260 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في السنن الكبرى 384/ 3 رقم 6395، وأورده المنذري في الترغيب والترهب 205/ 4 رقم 5417، وقال: رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، وفي إسناده يحيى بن أيوب وهو الغافقي المصري، احتج به البخاري ومسلم وغيرهما، وله مناكير، وقد قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: سيئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي.
(4)
تأويل عائشة (ض) للحديث وإنكارها على أبي سعيد الخدري ذكره السيوطي في عين =
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم محشورون حفاة عراة غرلا)) وفي رواية: ((حفاة عراة مشاة غرلا)) (1).
3 -
الأصل في الإسلام أن المطلقة تعتد في بيت زوجها، لكن فاطمة بنت قيس (ض) تحكي قصتها خلاف ذلك وتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها بالخروج من بيت زوجها أيام اعتدادها، كما أنها احتجت بقصتها في مختلف الأوقات عند عدد من الصحابة الكرام، فقبل بها البعض ورفضها الأكثرون، ثم حدث أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق ابنة عبد الرحمن بن الحكم، فأخرجها عبد الرحمن من بيته، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها)) قال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: ((لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة)) (2) وفي رواية: ((قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث)) وزاد ابن أبي الزناد: ((وعابت عائشة أشد العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم)) (3).
4 -
روى أبو هريرة (ض) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن أعتق ولد زنية)) (4) دل الحديث على أن ولد الزنا إذا
= الإصابة ص 301، وقال الزركشي: ورأيت في كتاب أصول الفقه لأبي الحسين أحمد بن القطان من قدماء أصحابنا من أصحاب ابن سريج في الكلام على الرواية بالمعنى: أن أبا سعيد فهم من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالثياب الكفن، وأن عائشة (ض) أنكرت عليه ذلك وقالت: يرحم الله أبا سعيد إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم عمله الذي مات عليه)) (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي ص 146).
(1)
صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء رقم 3349 و 3447، وكتاب التفسير برقم 4625، وصحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم 2859 و 2860.
(2)
صحيح البخاري كتاب الطلاق برقم 5322، وصحيح مسلم كتاب الطلاق برقم 1481.
(3)
صحيح البخاري كتاب الطلاق برقم 5326، وسنن أبي داود كتاب الطلاق برقم 2292 وسنن ابن ماجه كتاب الطلاق 2032.
(4)
أخرجه الحاكم في المستدرك 233/ 2 برقم 2853، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
كان رقيقا فلا ثواب في إعتاقه، فلما سمعت عائشة (ض) بحديث أبي هريرة هذا قالت:((رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة)) أما قوله: ((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا)) أنها لما نزلت: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (*) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (*) فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11 - 13] قيل: يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد)) (1).
5 -
أخرج أصحاب الصحاح إلا أبا داود عن أبي هريرة (ض) أن الذراع كانت أحب اللحم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمعت عائشة (ض) ذلك قالت:((ما كان الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، فكان يعجل إليه، لأنه أعجلها نضجا)) (2).
6 -
روي عن عمر (ض) وغير واحد من الصحابة أن لا صلاة بعد صلاة الصبح والعصر، فلما سمعت عائشة (ض) قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها)) (3).
هذا وقد علل الفقهاء المنع بأن هذا وقت عبادة الشمس، فوجب تجنب التشبه بعباد الشمس، وإن صح هذا فما ذهبت إليه عائشة (ض) هو أقرب إلى الصواب، وأصح وأنسب من حيث الدراية، ويعلم من ذلك أن عائشة (ض) كانت قد فهمت علة المنع والغرض منه، وقد ورد في الحديث أن من تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الفجر (4)، وقال قوم من أهل مكة
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 234/ 2، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 58.
(2)
أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأطعمة برقم 1838.
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة برقم 833، والإمام أحمد في مسنده 6/ 124، وأما قول عمر (ض) ومعه علي، وعقبة بن عامر، وأبو هريرة، وابن عمر، وسمرة بن جندب (ض)، ذكره الترمذي في سننه كتاب الصلاة برقم 183.
(4)
أخرج الترمذي في سننه عن قيس قال: أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فوجدني أصلي فقال: مهلا يا قيس أصلاتان معا؟ =
بهذا، حيث لم يروا بأسا أن يصلي الرجل الركعتين بعد المكتوبة قبل أن تطلع الشمس، كما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر ركعتين، وروي عن عائشة (ض):((أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل عليها بعد العصر إلا صلى ركعتين)) (1) فكان بعض الصحابة يصلونهما، والبعض الآخر يقولون: إنهما مما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هاتين الركعتتن فقال صلى الله عليه وسلم: إنه شغل عن ركعتي الظهر فصلاهما بعد العصر (2).
وعلى كل يبدو أن رواية عائشة (ض) هي الأقوى والأنسب نظرا إلى الروايات السابقة، ولكونها أقرب إلى المصلحة الشرعية والمعقول.
لكن شخصية عمر رضي الله عنه أيضا ليست من عامة الناس حتى لا يدرك روح الشريعة ومقصد كلام النبي صلى الله عليه وسلم وغرصه من المنع، مثلما فهمت عائشة (ض)، والأصل أن الشريعة إن تمنع من شيء فإنها تمنع من مبادئها كذلك، فالصلاة ممنوعة عند طلوع الشمس وغروبها، ولكن أطلق عليه بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر لكي لا تصلى صلاة بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
7 -
روى أبو هريرة ((عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من لم يوتر فلا صلاة له)) فبلغ ذلك عائشة (ض) فقالت: من سمع هذا من أبي القاسم صلى الله عليه وسلم؟ والله ما بعد العهد وما نسيت، إنما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:((من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئا، فليس له عند الله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه)) (3) والمقصود أن الوتر
= قلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا إذن)) (كتاب الصلاة برقم 422، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة برقم 1154).
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحج برقم 1631، وصحيح الإمام مسلم كتاب صلاة المسافرين برقم 835، وسنن النسائي كتاب المواقيت برقم 575.
(2)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه مفصلا عن أم سلمة (ض)، كتاب صلاة المسافرين برقم 834، والنسائي في سننه كتاب المواقيت برقم 579.
(3)
انظر: مجمع الزوائد للهيثمي 1/ 93 و 292/ 1، والمعجم الأوسط للطبراني 4/ 215 =