الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
معاملتها مع الضرائر والأقارب
لا يوجد شيء في حياة امرأة أشد مرارة وأنكى جرحا من وجود ضرة لها، وكانت عائشة (ض) لها ثماني ضرائر، ولكن حياتهن كلها كانت صافية نظيفة، لم يعكر صفوها شيء من الحقد أو الشحناء، وذلك لما أكرمهن الله تعالى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورفع من مكانتهن وأعظم من شأنهن.
وكان جملة من تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أم المؤمنين خديجة الكبرى (ض) عشر نساء، وقد كان زواجه صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النسوة في مناسبات مختلفة، ولعدد من الأسباب والمصالح. ومن ضمنها كانت أم المساكين زينب بنت خزيمة (ض)، التي تشرفت بالزواج بالنبي صلى الله عليه وسلم في سنة 3هـ، وعاشت شهرين أو ثلاثة أشهر فقط، أما التسع البواقي فقد قدر لهن العيش إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والجدول الآتي يوضح سنوات زواج أمهات المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تتبين لنا الفترة التي عايشت فيها عائشة (ض) صويحباتها وضرائرها.
أسماء أمهات المؤمنين ............................... سنة زواجهن
1 -
سودة بنت زمعة ................................ السنة العاشرة من البعثة.
2 -
حفصة بنت عمر الفاروق ....................... السنة الثالثة من الهجرة.
3 -
أم سلمة ....................................... السنة الرابعة من الهجرة.
4 -
جويرية (من أثرياء قبيلة بني المصطلق) .......... السنة الخامسة من الهجرة.
5 -
زينب بنت جحش القرشية ...................... السنة الخامسة من الهجرة.
6 -
أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان ................... السنة السادسة من الهجرة.
7 -
ميمونة ......................................... السنة السابعة من الهجرة.
8 -
صفية .......................................... السنة السابعة من الهجرة.
1 -
أم المؤمنين خديجة (ض) هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رزق حب أم
المؤمنين خديجة (ض)، وكان لها مكانة رفيعة في قلبه صلى الله عليه وسلم، وكان دائما يذكرها بالخير عند عائشة (ض) - رغم أنها انتقلت إلى رحمة الله تعالى قبل زواجه صلى الله عليه وسلم بعائشة (ض) - فكانت تغار عليها غيرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتي يعشن معها، لأنها شغلت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها ويحب لحبها من كان يزورها أو يراها، وكان شديد الكلف بها والتطلع إليها، تقول عائشة (ض):((ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتوزجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن)) (1).
وكل ما سجلته لنا كتب الأحاديث من مآثر وخدمات أم المؤمنين خديجة (ض) الدينية والدعوية؛ من مواساتها للنبي صلى الله عليه وسلم ومساعدتها له ومؤازرتها إياه، كل ذلك مروي عن طريق عائشة (ض).
2 -
سودة (ض): وقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة وسودة في الوقت نفسه تقريبا، بفارق يسير من التقديم والتأخير، إلا أن دخوله بعائشة (ض) قد تأخر إلى ما بعد الهجرة، حيث إنها بقيت في بيت أمها بمكة لمدة ثلاث سنوات ونصف سنة تقريبا، وفي هذه الفترة (فترة تأخير بنائه بعائشة) كانت سودة (ض) هي الزوجة الوحيدة للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما بنى الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة (ض) في سنة 1هـ كانت سودة (ضرتها) موجودة، وكان من المتوقع أن تكون هذه الفترة فترة المنافسة بينهما، ونيل الحقوق دون مشاركة غيرها، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك كليا، فكل ما حدث في هذه الفترة يدل على وحدتهما ومودتهما وإخلاصهما ووفائهما، بل كانت سودة (ض) صديقة لعائشة ورفيقتها في الأمور المنزلية (2)،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب بأرقام 3816، 3817، 3818، وكتاب النكاح برقم 5229، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم 2435، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة برقم 2017، وكتاب المناقب برقم 3875،
وابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم 1997. [هلكت: ماتت].
(2)
انظر: صحيح البخاري كتاب الطلاق رقم 5268 قصة العسل، وفيها: قالت عائشة: فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير
…
الحديث.
ولما كبرت سودة (ض) وأسنت فرقت أن يفارقها الرسول صلى الله عليه وسلم وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة فوهبت يومها لها، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها (1).
كانت عائشة (ض) تمدح سودة كثيرا وتقول: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في سلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة (2).
3 -
حفصة (ض): وأم المؤمنين حفصة (ض) دخلت في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة من الهجرة، وعاشتا معا في ظل حبيبهما المصطفى صلى الله عليه وسلم حوالي ثماني سنوات، فإحداهما كانت فلذة كبد أبي بكر الصديق (ض)، والأخرى كانت قرة عين عمر الفاروق (ض)، كانت حياتهما نموذجا حيا صادقا للتوادد والتلاطف والتحابب، يكون لهما رأي (3) واحد في الأمور المنزلية، وكانتا أصدق صديقتين تتفقان وتتكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤيد إحداهما الأخرى في كل الأمور بإزاء غيرهما من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كله فبسبب نطاق الحب ودائرة العشق لا تكاد تتحمل فيه الواحدة الأخرى ولا ترضى بقسمة هذا الجوهر الغالي في غيرها، لما فيها من المنافسة والغيرة على أترابها كما قال الشاعر:
(1) انظر: صحيح البخاري كتاب النكاح برقم 5212، وصحيح الإمام مسلم كتاب الرضاع برقم 1463 ومستدرك الحاكم 203/ 2 برقم 2760، وسنن سعيد بن منصور 1401/ 4 برقم 702، وسنن البيهقي الكبرى 74/ 7 برقم 13212 و297/ 7 برقم 14513
(2)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم 1463، وابن حبان في صحيحه 12/ 10 برقم 4211، والبيهقي في السنن الكبرى 74/ 7 برقم 13211، والنسائي في السنن الكبرى 5/ 301 برقم 8934، وإسحاق بن راهويه في مسنده 207/ 2 برقم 712.
(3)
يتبين اتحادهما في الرأي واتخاذهما موقفا واحدا في كل القضايا بما ورد في الأحاديث الصحيحة في قصة الهدايا وحادث التحريم والإيلاء، تقول عائشة في قصة العسل: فتواصيت أنا وحفصة (صحيح البخاري كتاب الطلاق برقم 5267)، وفي سنن الترمذي عن صفية بنت حيي قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام
…
الحديث، (كتاب المناقب برقم 3892، وكذلك سنن النسائي كتاب عشرة النساء برقم 3958 و3959).
((باسايه ترانمي بسندم))
((حتى ظلك فإني أغار عليه))
وما كانت تتوقف هذه المنافسة بينهما حتى في السفر، وإلى هذا يشير حديث عائشة الآتي:
((إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئا)) (1).
4 -
أما أم سلمة (ض): فكانت هي التي امتازت بصفات عالية من العقل وقوة الإدراك وملكة في الفهم وبعد في النظر بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد عائشة (ض)، ومشورتها التاريخية التي أشارت بها على النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بخصوص (2) نحر الهدي لتستحق أن تسجل بأحرف من الذهب،
(1) انظر صحيح البخاري كتاب النكاح حديث رقم 5211، وصحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة رقم 2445.
(2)
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من كتابة المعاهدة أمر أصحابه بالنحر والحلق، قال ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة (ض) وهو شديد الغضب، فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارا وهو لا يجيبها، ثم ذكر لها ما لقي من الناس وقال لها: ((هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، وفي لفظ قال: عجبا يا أم سلمة، ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه، قلت لهم انحروا واحلقوا
…
ثم أشارت عليه صلى الله عليه وسلم أن يخرج ولا يكلم أحدا منهم، وينحر بدنه ويحلق رأسه، ففعل، فلما رأى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وتحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون)).
انظر تفاصيل الروايات والأحاديث الواردة في الموضوع: صحيح ابن حبان 11/ 225 برقم 4872، سنن البيهقي الكبرى 5/ 215 برقم 9856، مصنف ابن أبي شيبة 7/
383 برقم 36840، مصنف عبد الرزاق 5/ 340، مسند الإمام أحمد 4/ 325، المعجم الكبير للطبراني 20/ 14 برقم 13.
وتبقى تذكارا رائعا في تاريخ النساء. ودرجتها في فهم المسائل، ومكانتها في استنباط الأحكام الفقهية بعد عائشة (ض)(1)، ولذلك نراها قد احتلت مرتبة رفيعة لدى النبي صلى الله عليه وسلم رغم كبر سنها، ولم يعكر صفاء علاقتها مع عائشة طوال هذه الفترة إلا حادث واحد بسيط فقط، وهو ما حكته لنا عائشة (ض) تقول: اجتمع صواحبي إلى أم مسلمة، فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت (أم مسلمة): فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال:((يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها)) (2).
5 -
وأما جويرية (ض): فلم تذكر لنا كتب الأحاديث والسير أي خلاف بينها وبين عائشة (ض)، سوى أن عائشة قد انبهرت بجمالها لما رأتها لأول وهلة، ولنسمع وصفها بلسان عائشة تقول: وكانت امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت .... الحديث (3). فخافت عائشة على نفسها علها تسبب نقصان مرتبتها، والتقليل من مكانتها وأهميتها، وسرعان ما زاحت هذه الفكرة وزالت هذه الوسوسة، وثبت أن ذلك كان خطأ، إذ لم تكن أسباب مكانتها العالية، وعظم مرتبتها وسمو درجتها ورفعتها ذاك الجمال الظاهري أو الحسن الرائع الذي يبهر العقول ويجلب النفوس.
(1) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 92 - 86.
(2)
صحيح البخاري كتاب المناقب برقم 3775، سنن الترمذي كتاب المناقب برقم 3879، سنن النسائي كتاب عشرة النساء برقم 3950.
(3)
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ترجمة جويرية 8/ 117 - 161، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك 28/ 4 برقم 6781.
6 -
أم المؤمنين زينب بنت جحش (ض): كانت بنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، أبية، أنوفة، فيها شيء من الحدة من أجلها فارقها زوجها الأول، كانت (ض) أقرب النساء قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإنها كانت تعتبر نفسها أحق وأجدر بالاحترام، والاهتمام من غيرها من الأزواج.
تقول عائشة (ض) وهي تصفها: ((وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (1) وقد أرسلها بعض الأزواج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلتني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت (عائشة): ثم وقعت بي، فاستطالت علي، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه، هل يأذن لي فيها، قلت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ابنة أبي بكر (2).
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان يضرب له الخباء، فيدخله صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة أيضا يضرب لها الخباء في فناء المسجد، وذات مرة ضرب لها الخباء، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال: آلبر تردن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال وفي رواية مسلم ((فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان ....)) (3).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات برقم 2661، وكتاب المغازي 4141، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم 2442.
(2)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب فضل عائشة برقم 2441، والبيهقي في السنن الكبرى 299/ 7 برقم 14526، والنسائي في السنن الكبرى 5/ 281 برقم 8892، وأحمد في مسنده 88/ 6 برقم 24619.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الاعتكاف برقم 2041، ومسلم في صحيحه كتاب الاعتكاف برقم 1173، وأبو داود في سننه كتاب الصوم برقم 2464، والنسائي في سننه كتاب المساجد برقم 709، وابن ماجه في سننه كتاب الصيام برقم 1771.
وذات ليلة جاءت زيب إلى بيت عائشة - ولم يكن يومئذ مصباح في
البيوت - إذ دخل النبي صلى الله عليه وسلم فمد يده إليها، فقالت عائشة (ض): هذه زينب، فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده فتقاولتا، حتى استخبتا وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولا شديدا، وقال: أتصنعين هذا (1)؟.
ولا يظنن ظان من هذه القصص أن قلوبهن لم تكن صافية تجاه ضرائرهن وصواحبهن، فكانت العلاقات بينهن على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة، فعائشة وزميلاتها كن يغرن ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه، ويتطلعن إلى رضاه، وكل ما روي لنا من غيرة زوجات النبي إن ذكرنا أنهن نساء من طينة الأنوثة الخالدة، فلن ينسينا أنهن نساء نبي يتأدبن بأدبه ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل بهن في كنفه ورعايته، وإن تسع أخوات شقيفات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في عشرتهن الطويلة.
ومما لا مراء فيه أن شرف الصحبة يجعل الإنسان يحتل مكانة عالية مرموقة ودرجة سامية، ولكنه لا يغير من طبيعته وجبلته شيئا، كذلك حال المرأة فإنها بطبيعتها وفطرتها لا ترضى بأن تشاركها واحدة أخرى في حبها، ولا تقبل فيه أية قسمة، لكن حال زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تختلف عن عامة النساء، فكن يحمن حول حمى المصباح الوحيد - وهو مصباح حب النبي صلى الله عليه وسلم - بينما قلوب جميعهن كانت تستضيء من سراج واحد، وتستنير من مصباح واحد، ورغم ذلك كله كن نموذجا رائعا ومثالا نادرا للملاطفة والمداراة والتحابب فيما بين الضرائر، سوى
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم 1462. [الاستخاب: ارتفاع الأصوات].
ما روي عنهن في بعض الأحوال الاستثنائية والمواضع العاطفية.
وهذه زينب بنت جحش (ض) لما بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم هنأتها عائشة (ض) وباركتها (1).
ولما حاولت بعض القلوب المنافقة الحاقدة اتهام عائشة (ض) في حادث الإفك شاركتهم حمنة بنت جحش - شقيقة زينب - في هذه المؤامرة، إلا أن زينب (ض) لم تزل قدماها عن طريق الصواب قيد شبر لأية لحظة، وظلت على موقفها ثابتة، ولما سألها الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر عائشة (ض): يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فاستعاذت بالله وقالت: ((أحمي سمعي وبصري؛ والله ما علمت إلا خيرا))، وقد كان بوسعها أن تقول في هذه المناسة ما تقوله الضرة المحنقة، وتسقط قرينتها وتخسرها بكلمة واحدة، لكن شرف صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم جعلها أعلى وأرفع بكثير من هذه الدنايا، فلم ينبس فمها بكلمة باطل، ولذلك نرى عائشة (ض) كانت تذكرها بكلمات من الشكر والامتنان، وتقول:((فعصمها الله بالورع)) (2).
ومرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فاعتل بعير لصفية، وفي إبل زينب فضل من الإبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب:((إن بعير صفية قد اعتل فلو أنك أعطيتها بعيرا؟ قالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركها شهرين أو ثلاثا حتى رفعت سريرها، وطنت أنه لا يرضى عنها، قالت: فإذا أنا بظله يوما بنصف النهار، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعادت سريرها)) (3).
(1) أخرج البخاري في صحيحه عن أنس (ض) قصة بناء النبي صلى الله عليه وسلم بزيب وفيها:
…
فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدث أهلك بارك الله لك
…
الحديث (كتاب تفسير القرآن برقم 4793).
(2)
يراجع: صحيح البخاري كتاب الشهادات برقم 2661، صحيح الإمام مسلم كتاب التوبة برقم 2770.
(3)
أخرجه أبو داود في سننه مختصرا باب ترك السلام على أهل الأهواء برقم 4602، وأحمد في مسنده 131/ 6 برقم 25046 و261/ 6 برقم 26293، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 323/ 4، والطبراني في المعجم الأوسط 99/ 3 رقم 2609، وفي الكبير =
مما لا شك فيه أن ذكر محاسن الأموات ومآثرهم يمنح حياتهم الخلقية الدوام والسرمدية وعائشة (ض) كانت خير مثال لذكر محاسن ضرائرها وقريناتها، تقول (ض): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا، قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله. (1).
وقد سبق أن ذكرنا ما حدث ذات مرة بين عائشة وزينب (ض) ووصل الأمر إلى غاية الضيق والكره والاستياء، وها هي عائشة (ض) تحكي لنا تلك القصة المرة بأسلوب حلو غني بالحب والإخلاص، لا يشوبه شيء من الحقد أو الكره أو الاشمئزاز، فهي تسرد القصة وتمدحها، تقول (ض): ((فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من
= 24/ 71 برقم 188، قلت: ذكر المؤلف أن زينب بنت جحش لما وجد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم (لمخاطبتها صفية باليهودية) طلبت من عائشة التدخل في الموضوع وإرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم ففعلت عائشة ذلك، وعزاه إلى مسند الإمام أحمد 6/ 95، لكن تبين بمراجعة مسند الإمام أحمد وغيره من كتب المسانيد والسنن أن التي طلبت من عائشة التدخل في الموضوع هي صفية لما وجد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر ما، وليست زينب.
وها هو نص رواية أحمد: عن عائشة (ض) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية بنت حيي فى شيء، فقالت: يا عائشة أرضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي، فقالت:
نعم، فأخذت خمارا لها مصبوغا بزعفران فرشته بالماء ليفوح ريحه، فقعدت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك يا عائشة، إنه ليس يومك، قالت:
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واخبرته بالأمر، فرضي عنها (منسد الإمام أحمد 6/
95 برقم 24684، السنن الكبرى للنسائي 5/ 300 برقم 8923).
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة مختصرا برقم 2452، وابن حبان في صحيحه 108/ 8 برقم 3314، والحاكم في المستدرك 26/ 4 برقم 6776، والطبراني في الأوسط 233/ 1 برقم 6276.
زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حد كانت فيها، تسرع منها الفيئة
…
)) (1) الحديث.
7 -
أما أم المؤمنين أم حبيبة (ض)، فلم تسجل لنا كتب الأحاديث عنها شيئا في تعاملها مع عائشة (ض) بالموافقة أو بالمخالفة، إلا أن كتب أسماء الرجال تنص على أنها استدعت عائشة (ض) عند وفاتها فقالت: قد كان ويكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت (القائلة هي عائشة): غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحللك من ذلك، فقالت (أم حبيبة): سررتني سرك الله (2).
8 -
وكذلك أم المؤمنين ميمونة (ض) لم تذكر لنا كتب الأحاديث شيئا من تعاملها مع عائشة (ض)، وقد ثبت في كتب الرجال أنها لما ماتت قالت عنها عائشة (ض): أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم (3).
9 -
أما صفية بنت حيي (ض) فقد نالت شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وحظيت بالبقاء في كنفه لمدة ثلاث سنوات فقط، وكانت مختلفة عن بقية أمهات
المؤمنين، لأنها كانت من خيبر ومن أسرة يهودية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعثرت الناقة العضباء وندر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فسترها، وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية (4).
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب في فضل عائشة برقم 2442، والبيهقي في السنن الكبرى 299/ 7 رقم 14526، والنسائي في السنن الكبرى 5/ 281 رقم 8892، والطبراني في الأوسط 88/ 9 رقم 9211.
(2)
أحال المؤلف إلى طبقات ابن سعد 8/ 100 فقط، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك 24/ 4 رقم 6773، كما ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء 223/ 2، وابن حجر في الإصابة 653/ 7.
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك 4/ 34 رقم 6799، وابن سعد في الطبقات 138/ 8، والحارث في مسنده 1/ 13 برقم 455، وأبو نعيم في حلية الأولياء 97/ 4، والذهبي في السير 244/ 2 وابن حجر في الإصابة 128/ 8.
(4)
صحيح الإمام مسلم باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها رقم 1365، والبخاري في صحيحه كتاب النكاح، برقم 5085، 5159.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ومعه صفية أنزلها في بيت من بيوت حارثة بن النعمان، فسمع بها نساء الأنصار وبجمالها فجئن ينظرن إليها، وجاءت عائشة متنقبة حتى دخلت، فعرفها، فلما خرجت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثرها، فقال: كيف رأيتها يا عائشة؟ قالت: رأيت يهودية، قال: لا تقولي هذا يا عائشة، فإنها قد أسلمت وحسن إسلامها (1).
وقد عرفت أم المؤمنين صفية (ض) بجودة الطهي فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة، ولم تكتم غيرتها عليها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها عرفناها، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كفارته فقال:((إناء كإناء وطعام كطعام)) (2). وفي رواية البخاري: فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول القصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة (3).
كانت صفية (ض) قصيرة القامة، فذات مرة قالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال صلى الله عليه وسلم ((لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا)) (4). والدليل على أن هذه المشاعر تجاه الضرة كانت
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد 126/ 8، وسير أعلام النبلاء للذهبي 227/ 2.
(2)
أخرجه النسائي في سننه برقم 3957، وفي السنن الكبرى 5/ 286 برقم 8905، وأحمد في مسنده 148/ 6 برقم 25196، هذا وقد اختلفت ألفاظ الرواية من كتاب إلى كتاب، وتتبين صورة القصة بأكملها عند جمع سائر الروايات.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المظالم برقم 2481، والترمذي في سننه كتاب الأحكام برقم 1359، والنسائي في سننه كتاب عشرة النساء برقم 3955، وأبو داود كتاب البيع برقم 3567، وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث أصلا عظيما من أصول الفقه الإسلامي ألا وهو كيفية أداء الضمان.
(4)
أخرجه الإمام أبو داود في سننه باب الغيبة برقم 4875، والترمذي كتاب صفة القيامة برقم 2502، والمنذري في الترغيب والترهيب 3/ 327 برقم 4286.