الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاجتماعية التي شاهدها العصر سابقا، وإن بقي هذا الاتحاد والتجمع في مكان، فكان في رحاب بيوت النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وأم المؤمنين عائشة (ض) هم الأربعة المشهورون الذين تبوؤا مناصب الفقه، ومنابر الإفتاء والدعوة والإرشاد في المدينة المنورة بعد خلوها من كبار الصحابة، علما أن هؤلاء الأربعة تختلف وجهات نظرهم، وتتباين أصولهم ومناهجهم في استنباط الأحكام للوقائع الجديدة التي لم يرد في حكمها نص صريح، فكان منهج عبد الله بن عمر وأبي هريرة (ض) أنهما إذا عرض عليهما حادث بحثا عن حكمه في الكتاب والسنة والأثر، فإن وجداه أفتيا به، وإن لم يجدا سكتا عنه، أما عبد الله بن عباس (ض) فإنه لا يقتصر على البحث في الكتاب والسنة وإنما يقيس الوقائع الجديدة على الأحكام المنصوص عليها، ثم يفتي بما يراه مناسبا من حيث العقل.
القرآن الكريم:
أما عائشة (ض) فكان منهجها أنها كانت ترجع أولا إلى كتاب الله العزيز، ثم إلى السنة النبوية ثم إلى القياس وإلحاق النظير بالنظير، وقد سبق أن ذكرنا في مبحث ((مكانتها في الحديث)) استدلالها بالآيات القرآنية بشكل تلقائي، فذات مرة سئلت عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله، وقرأت:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (*) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5 - 6](1) والمرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا أمة، فلا تجوز المتعة.
وسألها رجل عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ((ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم)) (2) وكأنها استنبطت
(1) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 334 برقم 3913، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 206 برقم 1395.
(2)
ذكره القرطبي في تفسيره 2/ 224، وكذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره 1/ 206.
هذا الحكم من قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173].
جاءت أم محبة إلى عائشة (ض) فقالت لها: ((يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية إلى عطائه بثمانمئة نسيئة، وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمئة نقدا، فقالت لها: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب)) (1) ومعنى ذلك أن عائشة (ض) قررت المئتين في هذه الصورة من الربا، وقد اقتصرت بعض الروايات على ذكر هذه القصة دون التطرق إلى مستند عائشة في هذا الحكم، إلا أن هناك روايات أخرى (2) تصرح أن مستندها في هذا الحكم هو قوله تعالى:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 228]. يقول الباري تعالى في عدة المطلقة: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] واختلف العلماء في تحديد معنى القرء، ولما طلقت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وانتقلت حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس، فقالوا: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فقالت عائشة (ض): ((صدقتم، تدرون، إنما الأقراء الأطهار)) (3).
يقول الإمام مالك (ح) وهو يروي عن ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ((ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا، يريد قول عائشة)) (4).
أما أهل العراق فيفسرون الأقراء بالحيض.
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 5/ 330 برقم 10579 و10580، والدارقطني في سننه 52/ 3 برقم 211، وعبد الرزاق في المصنف 185/ 8 برقم 14812، 14813.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
موطأ الإمام مالك 576/ 2 برقم 1197.
(4)
المصدر السابق برقم 1198.