الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكان منزله هو ذلك المكان المبارك الذي يحمل في طياته أسمى معاني الشرف والسعادة والعزة والوقار، حيث طلعت من هناك أولى أشعة الشمس البارقة، وبالتالي فعائشة (ض) من أولئك الناس الخيرين سعيدي الحظ، الذين لم يقع آذانهم صوت من الشرك أو الكفر.
تقول (ض): ((لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين)) (1). وقد أرضعتها زوجة وائل أبي القعيس، فكان أخو وائل أفلح - عمها من الرضاعة - يأتي أحيانا لزيارتها فتأذن له عائشة بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم، تقول (ض):((إن أفلحأخا أبى القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة، بعد أن أنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بالذي صنعث، فأمرني أن آذن له)) (2) كما أن أخاها من الرضاعة أيضا كان يزورها في بعض الأحيان (3).
الطفولة:
إن العباقرة تبدو معالم عبقريتهم منذ نعومة أظفارهم في كل ما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، وتتلمع آثار رفعتهم وعلامات سعادتهم على نواصيهم، تنبئ عن المستقبل الباهر والرائع لهم، وتوحي بأنهم يصنعون العظائم.
وأم المؤمنين عائشة (ض) كانت من هؤلاء العباقرة، فسيما الرفعة وعلو الدرجة والسعادة كان يلوح منذ صباها في سائر أعمالها وحركاتها، لكن كما
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصلاة برقم 476 وكتاب الحوالة برقم 2298 وكتاب المناقب رقم 3906 وكتاب الأدب رقم 6079، والإمام أحمد في مسنده 6/ 198 برقم 25667.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم 5103، ومسلم في صحيحه كتاب الرضاع برقم 1445، والإمام أحمد في مسنده 177/ 6 برقم 25482، والإمام مالك في الموطأ كتاب الرضاع رقم 1279، والدارمي في سننه كتاب النكاح رقم 2248.
(3)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الحيض برقم 320، والبخاري في صحيحه كتاب الغسل برقم 251، والنسائي في سننه كتاب الطهارة برقم 227.
هو معروف فإن الطفل هو الطفل في فطرته وطبيعته، مهما بلغ أوج السعادة وقمة الشرف، فهو يحب اللعب نظرا لسن طفولته. وعائشة (ض) كذلك كانت تحب اللعب كثيرا، فكانت جواري الحي تجتمع عندها وتلعب معها، إلا أنها رغم هذه الطفولة وصغر السن لا يفوتها أن تراعي أدب النبي صلى الله عليه وسلم في كل لحظة، وغالبا ما يحدث أن تكون ملهوفة على لعبها ومعها صواحبها إذ يأتيها النبي صلى الله عليه وسلم فجأة، فتسرع في إخفاء اللعبة عنه، وتنقمع صواحبها، لكن الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي كان حنونا على الأطفال، محبا لهم، رؤوفا بهم، وشفيقا عليهم، يأمرهن أن يلعبن معها.
تقول عائشة إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت:
((وكانت تأتيني صواحبي، فكن ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسربهن إلي يلعبن معي)) (1) وكان أحب اللعب إليها هو اللعب بالبنات والعرائس والأراجيح.
وذات مرة كانت تلعب بالبنات إذ جاءها الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأى بين البنات فرسا له جناحان من يمين وشمال، فسألها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: فرس، فقال: وهل يكون للفرس جناحان؟ فردت عليه مرتجلة: أما كانت لخيل سليمان (س) - أجنحة؟ فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم (2) على هذا الرد الارتجالي المقنع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قوتها الفائقة الطبيعية في الإسراع في
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب في فضل عائشة برقم 2440، وابن حبان في صحيحه 173/ 13 برقم 5863 ط: مؤسسة الرسالة بيروت 1414 هـ، والبيهقي في السنن الكبرى باب ما جاء في اللعب 219/ 10، كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الأدب برقم 6130 وفيه ((يتقمعن)) بدل ((ينقمعن)).
(2)
مشكاة المصابيح باب عشرة النساء من كتاب النكاح برقم 3265، 974/ 2 تحقيق ناصر الدين الألباني، وقد رواه أبو داود في سننه باب في اللعب بالبنات برقم 4932 وفيه أن هذه الواقعة كانت عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وتبوك كانت في السنة التاسعة وخيبر كانت في السابعة من الهجرة، وعلى هذا فيكون سنها في ذاك الوقت ثلاث عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 219/ 10.
الجواب، والثقافة العالية التي كانت تتمتع بها، وسعة اطلاعها على الأمور الدينية، والذكاء المتوقد، وسرعة إدراك الأمور.
إن طبيعة الأطفال في كل عصر تكون واحدة حيث إنهم لا يبالون بشيء، ولا يهمهم أمر، ولا تلفت نظرهم قضية حتى السن السابعة والثامنة، ويكونون بعيدين كل البعد عن الأمور الفكرية. إلا أن السيدة عائشة (ض) قد اختلفت طبيعتها عن الآخرين في هذا الشأن، فنرى أنها كانت تحفظ كل ما حدث أيام طفولتها، وتخزنه في ذاكرتها، وتفقه من أحاديثه صلى الله عليه وسلم ما تيسر لها أن تفقه، ثم ترويه، وتستخرج منه الأحكام، وتستنبط منه الجزئيات الفقهية، كما أنها كانت تشرح الحكم والمصالح من واقعات الطفولة الجزئية، حتى لو قرعت أذنيها آية من كتاب الله أثناء لعبتها فإنها كانت تذكرها.
تقول (ض): لقد أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46](1).
وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم تكن عائشة تجاوزت الثامنة من عمرها لكنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ لأسرار وقائع الهجرة النبوية والجزئيات المتعلقة بها، ولم يدانها أحد من الصحابة في حفظ هذه الوقائع بالترتيب المسلسل كما حفظته هي (2).
…
(1) أخرجه البخاري في صحيحه تفسير سورة القمر برقم 4876، وبرقم 4993 باب تأليف القرآن.
(2)
يراجع أبواب الهجرة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما.