الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
((كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد رفاعة .. الحديث)) (1).
الدفاع عن حقوق المرأة:
وكانت أم المؤمنين (ض) زعيمة المدافعين عن المرأة وحقوقها، فكانت تنكر على كل من يتكلم بشيء ينال من كرامة المرأة أو يحط منزلتها، وعندما ذكر لها ما يقطع الصلاة من الكلب، والحمار، والمرأة قالت:((إن المرأة إذا دابة سوء، بئس ما عدلتمونا بالحمار والكلب، ولقد رأيتني وأنا معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض الجنازة وهو يصلي)) (2) وفي رواية: ((فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتهما إلي ثم يسجد)) (3)، وفي هذا رد صريح على أولئك الفقهاء الذين يقولون بانتقاض الوضوء بمس المرأة، وقد ثار غضب أم المؤمنين (ض) عندما سمعت حديث أبي هريرة (ض) يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار)) فطارت شقة منها في السماء وشقة منها في الأرض وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول:((إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك)) (4).
وهناك بعض الجوانب الفقهية والفروع والجزئيات التي اختلفت فيها آراء العلماء إلا أن عائشة (ض) اختارت فيها الجانب الذي يكون أكثر سهولة ويسرا للنساء، لأنها كانت أدرى بمثل هذه الحاجات من الرجال، ثم تخبرهن على ما تختاره من الكتاب والسنة.
وبالتالي رجح الفقهاء آراءها في معظم الأحوال، وهي المعول عليها والمفتى بها في أغلب البلدان الإسلامية، ومن الأمثلة على ذلك:
1 -
كان ابن عمرو (ض) يقول بوجوب نقض الضفائر للنساء عند
(1) صحيح البخاري كتاب اللباس باب الثياب الخضر برقم 5825.
(2)
مسند الطيالسي 1/ 205 رقم 1458.
(3)
سنن أبي داود باب من قال المرأة لا تقطع الصلاة برقم 712.
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/ 150 برقم 25209.
الاغتسال، فلما بلغ عائشة (ض) أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت:((يا عجبا لابن عمرو، هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات)) (1).
2 -
التحليق أو التقصير من واجبات الحج والعمرة، فما هو القدر الواجب في ذلك للنساء؟ كان ابن الزبير (ض) يفتي المرأة المحرمة أن تأخذ من شعرها قدر أربع أصابع، فلما سمعت عائشة (ض) بذلك قالت:((ألا تعجبون من ابن الزبير، يفتي المرأة المحرمة أن تأخذ من شعرها أربع أصابع وإنما يكفيها من ذلك التطريف)) (2).
3 -
يحرم على المحرم لبس الخفين إلا لمن لم يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين (3). فكان ابن عمر (ض) يفتي بقطع الخفين للمرأة المحرمة، ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد أن عائشة حدثتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص للنساء في الخفين، فترك ذلك (4).
4 -
يحرم على المحرم استخدام الطيب في حالة الإحرام، فاستنتج منه بعض الصحابة منع التطيب عند الإحرام، فبلغ ذلك عائشة (ض) فقالت:((كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها)) (5).
5 -
روي عن ابن عمر (ض) أنه قال: ((لا تنتقب المحرمة)) (6) (كانت
(1) صحيح الإمام مسلم باب حكم ضفائر المغتسلة برقم 331.
(2)
ذكره الزركشي في الإجابة ص 155 نقلا عن كتاب الإمام أحمد بن حنبل ((المناسك الكبير)).
(3)
.......... سنن أبي داود باب ما يلبس المحرم برقم 1823.
(4)
.......... سنن أبي داود باب ما يلبس المحرم برقم 1831.
(5)
.......... سنن أبي داود باب ما يلبس المحرم برقم 1830.
(6)
.......... سنن أبي داود ما يلبس المحرم برقم 1826/ 1825.
النساء والعرب ينتقبون اتقاء من الحر الشديد) لكن مواظبة النساء على ذالك كان أمرا صعبا، فقالت عائشة (ض):((كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه)) (1) فكانت النساء في القرن الأول يعملن بقول عائشة (ض)، تقول فاطمة بنت المنذر:((كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق (ض))) (2).
6 -
عن عبد الله بن عمر (ض) أنه قال: قام رجل فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس، إلا أن يكون ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران ولا الورس)) (3). فاستدل بعض الصحابة بهذا الحديث على منع النساء من لبس الثياب المصبوغة بالزعفران، إلا أن ما يظهر بعد إمعان النظر في الحديث أن الخطاب يرجع إلى الرجال دون النساء، كما أن الحديث جواب لسؤال سأله رجل من النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نرى أن عائشة (ض) لبست الثياب المعصفرة، وهي محرمة، بل إنها لا ترى بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة (4).
7 -
اختلف العلماء في زكاة حلي الذهب والفضة، فذهب عبد الله بن مسعود (ض) وغير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى وجوب الزكاة، وهو اختيار الأحناف، بينما ذهب ابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله (ض) إلى عدم وجوب الزكاة. وهو اختيار مالك، والشافعي، وأحمد، ومعروف أن الحلي من الأشياء التي لها صلة بالنساء في
(1) سنن أبي داود باب في المحرمة تغطي وجهها برقم 1833.
(2)
موطأ الإمام مالك باب تخمير المحرم وجهه برقم 726.
(3)
صحيح البخاري باب ما لا يلبس المحرم من الثياب برقم 1542 وبرقم 1838.
(4)
صحيح البخاري ترجمة الباب في كتاب الحج.
الأغلب، فيكون رأي عائشة (ض) هو المعول عليه في هذا الموضوع، إلا أنه لم يرد عنها نص صريح أو عمل ظاهر بصدد هذا الموضوع، ففي جانب روى الإمام مالك في الموطأ عن القاسم ((أن عائشة (ض) كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة)) (1).
وفي جانب آخر روى الإمام أبو داود، والدارقطني عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال:((دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار)) (2) ومن المستحيل أنها لا تؤدي زكاتها
(1) موطأ الإمام مالك باب ما لا زكاة فيه من الحلي والتبر والعنبر برقم 586، وانظر سنن الترمذي باب ما جاء في زكاة الحلي تحت حديث رقم 636.
(2)
أخرجه أبو داود في سننه باب الكنز ما هو؟ وزكاة الحلي برقم 1565، والدارقطني
في سننه باب زكاة الحلي 2/ 105، والبيهقي في السنن الكبرى 139/ 4 برقم 7339.
هذا وقد روي الحديث من طريق محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال الدارقطني عن محمد بن عطاء: هذا مجهول، لكن صرح أبو داود أنه محمد بن عمرو بن عطاء، وهو مشهور، فلا يصح تجريح الدارقطني له، وقال الإمام الترمذي
عن حديثه في زكاة الحلي: ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن روى الدارقطني عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((في الحلي زكاة)) (107/ 2) وأخرج الترمذي أن امرأتين أتتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما:((أتؤديان زكاته؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته)) قال أبو عيسى: هذا حديث رواه المثنى عن عمرو بن شعيب نحو هذا، والمثنى وابن لهيعة يضعفان في الحديث، (سنن الترمذي برقم 637) إلا أنه توجد روايات أخرى تؤيد هذا المعنى.
وعلى كل فقد اختلف أهل العلم في ذلك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، ودلائل كلا الفريقين موجودة ومبسوطة في كتب الفقه، وأكبر دليل على وجوب الزكاة في الحلي هو ورود الوعيد الشديد للذين يكنزون الذهب والفضة ولا يؤدون زكاتهما، يقول الله تعالى:
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} الآية وأخرج أبو داود في سننه عن أم سلمة (ض) قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ((ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز)) (باب الكنز ما هو وزكاة الحلي برقم 1564) وقد اتضح معنى الكنز وتفسيره من هذا الحديث، كما فيه دلالة على أن الحلي وإن كانت للاستعمال فإنها إذا لم تؤد زكاتها فهي من الكنز، وتستوجب الوعيد الشديد الوارد في القرآن الكريم.
بعد سماع هذا الوعيد الشديد، ولذا أخرج الإمام الدارقطني في سننه عن عائشة (ض) قولها:((لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته)) (1) وهذا يدل على أنها كانت ترى وجوب الزكاة في الحلي، أما ما روي عنها أنها لم تكن تودي زكاة حلي بنات أخيها اللاتي كن في حجرها، فيمكن القول أنها لا ترى إيجاب الزكاة على الصغار كما هو مذهب كثير من الصحابة والتابعين.
لكن يرد عليه ما روي عنها في موطأ الإمام مالك أيضا أنها كانت تخرج الزكاة عن أموال اليتامى الذين كانوا في حجرها، فيجاب عن هذا أنها لا ترى وجوب الزكاة في أموال الصغار بل تقول باستحباب الزكاة، لأن حلي الصغار كانت موجودة بعينها ولم تحولها إلى العروض ولا أعطتها لمن يتجر فيها حتى تزداد قيمتها بالتجارة والبيع والشراء، كما أن البنات كن في حاجة إليها، فكانت عائشة ترى من المناسب أن لا تنقص قيمتها بأداء الزكاة، وأما أموال اليتامى الذين كانوا في حجرها، فإنها قد سلمتها إلى من يتجر فيها فترى من المناسب أن تؤدى زكاتها.
8 -
لو أراد القاتل دفع الدية لأولياء المقتول فعليه أن يسترضي جميع الأولياء، الأول فالأول، تقول عائشة (ض): على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة (2). تعني أن المرأة إذا كانت أحد الأولياء فينبغي أن تكف أيضا عن القود، فليس هذا خاصا بالرجال فقط، وذلك لأن حق الوراثة ليس بخاص بالرجال.
9 -
أثبت الإسلام تقديره للمرأة ورعايته لحقوقها بإعطائها حق الميراث، خلافا لما كان عليه عرب الجاهلية وكثير من الشعوب القديمة الذين كانوا يحرمونها منه، أما في الإسلام فقد تولى القرآن الكريم بنفسه بيان معظم قضايا الميراث، بما فيها تفاصيل عن أسهم البنات، إلا أن هناك بعض القضايا
(1) سنن الدارقطي 2/ 107 برقم 5، باب ما أدي زكاة الحلي.
(2)
سنن أبي داود كتاب الديات باب عفو النساء برقم 4538، وسنن النسائي كتاب
القسامة برقم 4788.
المسجدة في هذا الصدد قد دعت الحاجة إلى بذل مزيد من الجهود وإعمال الفكر لاستنباط الأحكام الشرعية مستمدة من الكتاب والسنة، فلعبت عائشة (ض) دورا رائدا وملموسا في هذا المجال، ولم تأل جهدا في إثبات حقوق المرأة المسلمة.
ومن صور تقسيم الميراث: ((إذا خلف الميت ابنتين وابنة ابن وابن ابن فكيف يقسم المال بينهم؟ كانت عائشة (ض) تشرك بين ابنتين وابنة ابن وابن ابن، فتعطي الابنتين الثلثين وما بقي فتشركهم، وكان عبد الله بن مسعود (ض) لا يشرك، يعطي الذكور دون الإناث)) (1).
10 -
كان النساء يقدمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستفسار عن المسائل بعضها يكون من القضايا الدقيقة قد يصعب شرحها على عامة النساء، وكان صلى الله عليه وسلم يمنعه الحياء عن التفصيل في سائر الجزئيات، فكانت عائشة (ض) هي التي تعين أخواتها على فهم هذه المسائل، وتجذبها إليها ثم تعلمها (2). وكان العرب يفتخرون بإطالة الذيول، وجر الثوب خيلاء، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال:((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (3) فقالت عائشة (ض): ((فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن؟ قال: فيرخيته ذراعا، لا يزدن عليه)) (4).
(1) سنن الدارمي كتاب الفرائض برقم 2893.
(2)
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة (ض) أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحيض كيف تغتسل منه، قال: تأخذين فرصة ممسكة
…
قالت عائشة: ((فعرفت الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجذبتها إلي فعلمتها)).
(صحيح البخاري كتاب الحيض برقم 315، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة برقم 7357، وسنن النسائي كتاب الغسل والتيمم برقم 427).
(3)
صحيح البخاري كتاب المناقب رقم 3665، وكتاب اللباس برقم 5783 و 5784، ومسلم في صحيحه باب تحريم جر الثوب خيلاء رقم 2085.
(4)
أخرجه الإمام الترمذي باب ما جاء في جر ذيول النساء برقم 1731، وفيه أن أم سلمة هي التي سألت وليست عائشة (ض)، وقد ورد في الروايات الأخرى أن عائشة هي التي سألت، ويمكن التطبيق بالجمع، كما أورده الهيثمي في موارد الظمآن =
11 -
أمر الإسلام بأن تستأذن البنات عند نكاحهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن)) إلا أن البكر يصعب عليها الإعراب عن رضاها ورغبتها بلسانها نظرا إلى حيائها الطبيعي والفطري، وقد أحست بذلك أم المؤمنين عائشة (ض) فقالت للرسول صلى الله عليه وسلم:((يا رسول الله إن البكر تستحي، قال: رضاها صمتها)) (1).
12 -
يزوج بعض أولياء الأمور بناتهن من دون رضاهن، وقد حدث ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة (ض):((إن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء)) (2).
13 -
من طلق زوجته طلقة أو طلقتين، تجب عليه نفقتها وسكناها إلى أن تنقضي عدتها، وهذا بإجماع العلماء، لكن إذا طلقها ثلاثا اختلف العلماء في وجوب النفقة والسكنى على الزوج؟ فقال بعض العلماء بعدم وجوب النفقة والسكنى عليه، واستدلوا بقوله تعالى:{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] في سياق قوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} [الطلاق: 1] أي أن الحكمة من الأمر بعدم إخراج المطلقة المعتدة من بيت زوجها إلى بيت آخر هي أمل حصول الصلح بينهما بعد إزالة البغضاء والشحناء، لكن لما
= 1/ 350 برقم 1451، ورواه الدارمي في سننه باب ذيول النساء برقم 2644، وأبو
داود في سننه باب في قدر الذيل برقم 4117، والنسائي في السنن الكبرى 5/ 494 برقم 9737، 9738، 9739، وابن ماجه في سننه باب ذيل المرأة كم يكون برقم 3580، وأحمد في مسنده 123/ 6 برقم 24962 و 293/ 6 برقم 26554.
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح برقم 5137.
(2)
أخرجه النساني في سننه باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة برقم 3269، والدارقطني في سننه 3/ 232 كتاب النكاح، وابن ماجه في سننه باب من زوج ابنته وهي كارهة برقم 1874، وعبد الرزاق في المصنف 146/ 6 برقم 10302.
طلقها ثلاثا لم يبق أي أمل في رجوعها، ولذا انعدمت علة السكنى في بيت الزوج، فعلم أن الحكم متعلق بالطلاق الرجعي لا البائن، لكن في هذا الاستدلال نظر، لأن الإقامة في بيت الزوح إلى انقضاء العدة بأمل إيجاد الصلح بينهما وترك الفرصة الكافية لإعادة الصفاء بين الزوجين بعد أن تهدأ أعصاب كل منهما، ويريان نتيجة الانفصال وآثاره السيئة على حياتهما فلعلهما يعودان عن الخصام والنزاع ويعود الهدوء والحب إلى جو الأسرة، ليس هذا هو السبب الكلي فقط، وإنما هناك حكم ومصالح أخرى غير ذلك، ومنها أن المرأة تنتظر لتبرئة الرحم من الحمل، ولا يمكنها أن تتزوح إلا بعد انقضاء عدتها لكي يتحقق أن رحمها خال من أي حمل، ولا شك أن هذا الانتظار كان من أجل الزوح، وبالتالي فهو الذي يتحمل نفقتها وسكناها، وهذا هو الأمر الذي دفع عائشة (ض) إلى مخالفتها لاستدلال فاطمة بنت قيس بقصتها على جواز الانتقال من بيت الزوج، فقالت:((ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث)) (1) وفي رواية البخاري: ((أما أنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث)) وقالت: ((إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم (2)، ولما حدثت نفس الواقعة في عهد مروان أرسلت عائشة إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها (3).
كما ورد في بعض الروايات أن فاطمة بنت قيس كانت امرأة فتنت الناس، إنها كانت لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى)) (4).
14 -
إن المتوفى عنها زوجها تمكث مدة أربعة أشهر وعشرا، ولا تخرج من بيتها، فاستنبط منه بعض العلماء أنها لو كانت مع زوجها تعتد حيث مات
(1) صحيح مسلم كتاب الطلاق برقم 1481.
(2)
صحيح البخاري باب قصة فاطمة بنت قيس برقم 5326.
(3)
صحيح البخاري باب قصة فاطمة بنت قيس برقم 5322.
(4)
سنن أبي داود كتاب الطلاق برقم 2296، السنن الكبرى للبيهقي 433/ 7 برقم 15270، المصنف لعبد الرزاق 284/ 2 برقم 4174 و 26/ 7 برقم 12038.
زوجها، فإن لم تكن معه فتعتد حيث يأتيها نعي زوجها، ويحرم عليها السفر في هذه الحالة، واحتجوا بما وردت الأحاديث في المنع من خروج المتوفى عنها زوجها من بيتها، وبلدها، ومن تلك الأحاديث: حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: خرج زوجي في طلب أعبد له فأدركهم بطرف القدوم فقتلوه، فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:((إنه أتاني نعي زوجي وأنا في دار شاسعة من دور أهلي لم يدع لي نفقة ولا مالا، وليس المسكن لي، ولو تحولت إلى إخوتي وأهلي كان أرفق بي في بعض شأني، فقال: تحولي، فلما خرجت إلى المسجد أو الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت له، فقال: امكثى في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا)) (1) فاستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على منع الخروج من البيت، والمفروض أن يثبتوا عدم جواز الانتقال إلى البيت إذا كانت خارجة وكذلك عدم العودة إلى البلد إذا كانت خارجها.
ولذلك نرى أم المؤمنين عائشة (ض) لم تسلم لهم بهذا الاستدلال، وأخرجت أختها أم كلثوم في عدتها حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله، فأخرجتها إلى مكة (2)، ولما حدث بهذا أيوب فقال: إنها نقلتها إلى بلادها (3). والواقع أن هذا كان جوابا صحيحا، لأننا لو تأملنا في ضوء الوقائع التاريخية لوجدنا أن أم المؤمنين عائشة (ض) لو لم توضح هذه المسألة لوقعت النساء في مشكلة وواجهت صعوبات كثيرة.
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 226/ 2 برقم 2833، والبيهقي في السنن الكبرى باب سكن المتوفى عنها زوجها 434/ 7 برقم 15274، والنسائي في السنن الكبرى 3/
393 برقم 5722، وابن أبي شيبة في المصف 4/ 155.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 29/ 7 برقم 12054، والطحاوي في شرح معاني الآثار 81/ 3، وابن عبد البر في التمهيد 32/ 2، وابن سعد في الطبقات الكبرى 8/
462.
(3)
الطبقات الكبرى لابن سعد 462/ 8.
15 -
كما هو معلوم إن الطلاق أبغض المباحات إلى الله تعالى، وآخر وسيلة يرجع إليها الإنسان في الحياة الزوجية، فكان ينبغي تقليل نسبة وقوعه، وتضييق نطاقه إلى أقصى حد ممكن، ولو خير الزوج زوجته بين البقاء والمفارقة فاختارت زوجها فماذا يكون الحكم؟ يرى بعض أهل العلم من الصحابة وقوع طلاق واحد، ولما بلغ ذلك عائشة (ض) أنكرت هذه الفتوى بشدة وقالت: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه أفكان طلاقا (1)؟.
كما أن القول بوقوع الطلاق لا يأتي من الأخلاق في شيء، ففيه جرح لشعور الحب والإخلاص والوفاء الذي دفع الزوجة لاختيار زوجها، وكسر لخواطر صنف القوارير، ورد الجميل بالسيء، ووصمة عار في المجتمع، ولذلك نرى أن جمهور الفقهاء والمحدثين اختاروا قول عائشة (ض) وأفتوا به.
16 -
لو أكره أحد على تطليق زوجته وهدد بالقتل أو التعذيب لا يقع عليها الطلاق عند عائشة (ض)، تقول (ض):((لا طلاق في إغلاق)) (2) وفي رواية: ((لا طلاق في غلاق)) (3) وقد سلم بهذا الأصل سائر الفقهاء والمحدثين، سوى الإمام أبي حنيفة (ح)، وفعلا لو لم يكن هذا الأصل من أحكام ديننا الإسلامي الحنيف لصعب على المحصنات الغافلات ذوات الشرف والعزة التخلص من أيدي الجبابرة والمتكبرين من السلاطين والأمراء.
17 -
كان من ضمن أغلال الطقوس وسلاسل التقاليد والعادات التي أثقلت أعناق النساء في الجاهلية عدم تحديد عدد الطلاق، وكذلك عدم تحديد مدة الرجعة بعد الطلاق، فكان الرجل يطلق أهله ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مئة مرة أو أكثر، حتى قال رجل
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق واللعان برقم 1179، والبخاري في صحيحه كتاب الطلاق برقم 5262.
(2)
سنن ابن ماجه كتاب الطلاق برقم 2046، مستدرك الحاكم 2/ 216 برقم 2802 و 2803، وسنن البيهقي الكبرى 7/ 357 برقم 14874، وسنن الدارقطتي 36/ 4.
(3)
سنن أبي داود كتاب الطلاق رقم 2193.
لامرأته: والله لا أطلقك فتبينين مني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة (ض) فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] قالت عائشة: ((فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق)) (1).
18 -
إن موسم الحج يدخل في بداية الشهر، وهذه الفترة بالذات تكون فترة انشغال معظم النساء بالعذر الشرعي، فإن منعن من أداء مناسك الحج إلى أن يطهرن ستتحول ساحات الحج، والعمرة إلى ساحة القيامة، وتضطر الآلاف من النساء لانتظار انقطاع الدم وحصول الطهارة أو أداء المناسك ناقصة، وكذلك أقاربهن وأولياء أمورهن سوف يضطرون للبقاء معهن، وكلتا الصورتين فيهما من المعاناة والمشكلات للنساء ما لا يمكنهن تحمله. لكن عائشة (ض) قد حلت هذه العقدة وكشفت هذه الغمة بنفسها حيث إنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الموضوع، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:((يا عائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (2)، وإن حدث هذا العذر قريبا من يوم النحر فيسقط عنها طواف الوداع، ولذلك نرى أن أم المؤمنين عائشة (ض) إذا حجت ومعها نساء تخاف أن يحضن قدمتهن يوم النحر فأفضن، فإن حضن بعد ذلك لم تنتظرهن فتنفر بهن وهن حيض إذا كن قد أفضن)) (3) وقد خالفها في هذه المسألة من الصحابة زيد، وابن عمر، وعمر (ض)، وقد
(1) سنن الترمذي كتاب الطلاق واللعان رقم 1192، ومستدرك الحاكم 2/ 307 برقم 3106، وموطأ الإمام مالك 2/ 588 رقم 1222، والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 444 برقم 15337.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحيض برقم 305، وكتاب الحج برقم 1650، ومسلم في صحيحه كتا ب الحج برقم 1211، ومالك في الموطأ كتاب الحج برقم 941، والدارمي في سننه كتاب المناسك برقم 1846.
(3)
موطأ الإمام مالك كتاب الحج برقم 944.