الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
دور عائشة في التعليم والإفتاء والإرشاد
إن الخدمة الحقيقية للعلم هي تبليغه إلى الآخرين واستخدامه في مجال تزكية النفوس وإصلاح الأمة، وإرشادها إلى الصراط المتقيم، ولذلك جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكل صراحة ووضوح (افليبي الشاهد الغائب)) فهل قامت عائشة (ض) بأداء هذه الفريضة؟ وأدت مؤولية التعليم الملقاة على كاهلها؟ سوف نتناول الرد على هذا الزاد في المباحث التالية: التعلبم، والإفتاء، والإرشاد.
ومن هنا ندعو أولئك الذين يزعمون أن القيام بفريضة التعليم، وتبليغه ونشره اختص به صنف الرجال دون النساء أن يصحبونا لكي يتكشف عنهم الغبار ويتضح لديهم الوابع ويتجلى أمام أعينهم الدور البارز الملموس لهذا الصتف الرقيق الذي شبهه النيي. بالقوارير.
1 - التعليم:
من الحقائق التاريخية الثابتة أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انتشروا في مختلف أرجاء العالم وشتى البلدان بعد النبي صلى الله عليه وسلم للقيام بواجب التعليم والدعوة والإرشاد، وكان بلد الله الحرام والطائف، والبحرين، واليمن، والشام، ومصر، والكوفة، والبصرة وغيرها من المدن الكبار مقزأ لهؤلاء الطائفة المباركة من الصحابة.
وانتقلت دار الخلافة الإسلامية بعد مضي سبع وعشرين سنة من المدينة المنؤرة إلى الكوفة، ثم إلى دمشق، إلا أن هذه الحوادث وانتقال دار الخلافة من مكان إلى مكان لم يزلزل تلك الهيبة العلمية، والمعنوية، واروحية التي قد ترسخت في قلوب الناس تجاه المدينة المنؤرة، وكانت المدينة المنؤرة حينذاك محتضنة عدة مدارس علمية ودينية يشرف عليها كل من أبي هريرة،
وابن عباس، وزيد بن ثابت وغيرهم إلا أن أعظم مدرسة شهدتها المدينة المنورة في ذاك الوقت هي زاوية المسجد النبوي التي كانت قريبة من الحجرة النبوية وملاصقة لمسكن زوج النبي صلى الله عليه وسلم، كانت هذه المدرسة مثابة للناس يقصدونها متعلمين ومستفتين، وأصبحت كعبة المحبين ومقصد المشتاقين وروح أرواح المؤمنين، ويمم طلاب العلم وشداة المعرفة وجوههم قبل هذه المدرسة، حتى غدت أول مدارس الإسلام، وأعظمها أثرا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومعلمة هذه المدرسة كانت أم المؤمنين عائشة (ض)، فالذين كانوا من محارمها وأقربائها من الرجال والنساء ضمتهم إليها وربتهم في حجرها وعلمتهم، أما الآخرون فيدخلون وعليها الحجاب، ويجلسون بين يديها من وراء الحجاب في المسجد النبوي (1).
كان الناس يستفتونها ويسألونها عن مختلف القضايا وهي تجيبهم (2)، فينالون بركة تلقي السنة النبوية الشريقة غضة ندية من فم أم المؤمنين السيدة التي كانت ألصق الناس بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقربهم منه، وربما كانت هي التي تثير سؤالا ثم تبدأ في الإجابة عليه، ويستمع لها الناس بآذان صاغية وقلوب واعية، كما أنها كانت تولي عناية فائقة واهتماما بالغا بتصحيح لغة تلاميذها وتعويدهم على النطق الصحيح مع مراعاة القواعد اللغوية.
قال ابن أبي عتيق: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة (ض) حديثا. وكان القاسم رجلا لحانة وكان لأم ولد، فقالت له عائشة:((ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أتيت؟ هذا أدبته أمه وأنت آدبتك أمك)) (3) وكانت أم القاسم أمة.
كما أنها كانت تقوم بتربية وحضانة عدد من اليتامى والمساكين غير هؤلاء التلامذة، وما كانت تضن على أحد منهم بشيء من العلم، أما غير
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل 6/ 71 برقم 24474.
(2)
مسند الإمام أحمد بن حبل 73/ 6 برقم 24497.
(3)
صحيح الإمام مسلم باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام برقم 560.
المحارم فكانت تحتجب عنهم وربما طلبت من أخواتها أو بنات أخواتها أن ترضعهم فتكون لهم جدة، ثم تأذن لهم بالدخول عليها، لأنها كانت ترى أن حرمة المصاهرة في الإرضاع تثبت مهما كان سن الرضيع، وتستدل على رأيها بحديث سالم مولى أبي حذيفة.
والذين لم تسنح لهم فرص الدخول على أم المؤمنين لكونهم من غير المحارم كانوا يتأسفون ويحزنون على عدم تمكنهم من الاستفادة الخاصة، يقول قبيصة:((كان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة)) (1) وقد دخل الإمام إبراهيم النخعي (إمام أهل العراق بالإجماع) على عائشة (ض) في صباه، فكان أقرانه يحسدونه على ذلك، عن أبي معشر عن إبراهيم النخعي:((أنه كان يدخل على عائشة، قال: قلت: وكيف كان يدخل عليها؟ قال: كان يخرج مع خاله الأسود، قال: وكان بينه وبين عائشة إخاء وود)) (2).
كان من عادتها (ض) أنها كانت تحج كل عام، حيث تكون نقطة تجمع للمسلمين في مكان واحد وفي يوم واحد، فتضرب لها الخيام بين جبل حراء وثبير (3)، ويقصدها طلاب العلم وعطاش المعرفة من مشارق الأرض ومغاربها لينالوا بركة تلقي السنة النبوية غضة ندية من فم أم المؤمنين (ض)(4)، ولم تكن رضي الله عنها تتحرج من إجابة المستفتين عن أي مسألة من مسائل الدين، ولو كانت تتعلق بالشؤون الخاصة، بل كانت تشجع المستفتين الذين يأخذهم الحياء أحيانا من السؤال عن مثل هذه الشؤون، وعندما قال لها الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري (ض): إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت:((سل ولا تستحي فإنما أنا أمك)) (5).
(1) تهذيب التهذيب، ترجمة عائشة (ض) 463/ 12.
(2)
مسند الإمام أحمد بن حنبل 172/ 6 برقم 25434.
(3)
صحيح البخاري باب طواف النساء مع الرجال برقم 1618، والطبقات الكبرى لابن سعد 5/ 295.
(4)
الطبقات الكبرى لابن سعد 68/ 8، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 40/ 6.
(5)
مسند الإمام أحمد 97/ 6 برقم 24699.
وفي رواية: استأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أسحييك، فقالت:((لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلا عنه أمك التي ولدتك فإنما أنا أمك)) (1) والواقع أنها كانت تربي تلامذتها مثل الأم، وتتجلى لنا هذه الصفة في تعليم وتربية عروة، والقاسم، وأبي سلمة، ومسروق، وعمرة، وصفية (ض)، وكانت تتكفلهم وتنفق عليهم من مالها الخاص.
وكان بعض أقاربها يحسد بعض تلامذتها لما يرون من معاملتها الخاصة معهم، وهذا عبد الله بن الزبير الذي كان من أحب الناس إلى عائشة (ض) وابن أختها كان يقول للأسود بن يزيد:((أخبرني بما كانت تفضي إليك أم المؤمنين)) (2) وكان تلاميذها أيضا يرقرونها ويجلونها، وهذه عمرة - تلميذتها الخاصة - كانت أنصارية لكنها تنادي أم المؤمنين بالخالة، وقد تبنت عائشة (ض) مسروق (3) بن الأجدع التابعي الجليل، فكان إذا حدث عنها يقول:((حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة)) (4).
هذا وقد تخرج من مدرسة أم المؤمنين عائشة (ض) عدد كبير من سادة العلماء ومشاهير التابعين، ومسند الإمام أحمد بن حنبل يضم في طياته أكبر عدد من مروياتها (ض)، وحسب الإحصائية التي قمت بها أنها بلغت مئتي رواية، سواء رواها عنها الصحابي أو التابعي، الحر أو العبد، القريب أو البعيد، قد أفرد الإمام أبو داود الطيالسي (ح)(ت 204هـ) مرويات تلامذتها على حدة في مسنده، ولكنه مختصر جدا، فلم يحتو على عدد كبير من
(1) صحيح الإمام مسلم كتاب الطهارة برقم 439، وموطأ الإمام مالك كتاب الغسل.
(2)
مسند الإمام أبي داود الطيالسي 197/ 1 برقم 1382.
(3)
سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 67/ 4.
(4)
ذكره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 6/ 241 برقم 26086، والإمام البيهقي في السنن الكبرى 2/ 458 برقم 4193، وأبو نعيم الأصبهاني في مسند أبي حنيفة 1/ 54، والطبراني في المعجم الأوسط 5/ 314 برقم 5411، وفي الكبير 181/ 23 برقم 289، وإسحاق بن راهويه في مسنده 813/ 3 برقم 1452.
الأحاديث، وعن الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى تلامذتها وذكر أخبارهم، كما أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قام بإحصاء الرواة عنها من أقاربها ومواليها والصحابة والتابعين، في كتابه تهذيب التهذيب.
أما الصحابة الذين رووا عنها فمنهم: أبو موسى الأشعري، أبو هريرة، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، عمرو بن العاص، زيد بن خالد الجهني، ربيعة بن عمرو الخرشي، سائب بن يزيد، الحارث بن عبد الله، وغيرهم (ض) أجمعين.
وأما من الموالي فهم: أبو يونس، ذكوان، أبو عمرو، ابن فروخ، هؤلاء الذين ذكرهم ابن حجر في تهذيب التهذيب (1). وأبو مدلة مولى عائشة، ذكره الإمام الترمذي (2)، وأبو لبابة مروان ذكره ابن سعد في الطبقات (3)، وأبو يحيى وأبو يوسف ذكرهما الإمام أحمد في المسند (4)، وأشهر هؤلاء ذكوان، وأبو يونس.
كما ذكر في المسند عبد الله بن يزيد (5) رضيع عائشة (ض) هكذا ذكر في كتب أسماء الرجال، دون التطرق إلى تفاصيل أخبارهم.
أما من الأقارب: أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، أخوها من الرضاعة عوف بن حارث، ابنا أخيها قاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد، وابنتا أخيها حفصة بنت عبد الرحمن، وأسماء بنت عبد الرحمن، وابن حفيد أخيها عبد الله بن عتيق بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنا أختها عبد الله بن الزبير، والقاسم بن الزبير، وبنت أختها عائشة بنت طلحة، وحفيد ابن أختها عباد بن حبيب، وعباد بن حمزة، وكثير غيرهم من أولاد أقاربها الذين تربوا
(1) تهذب التهذب 12/ 462.
(2)
سنن الترمذي باب في العفو والعافية رقم الحديث 3598.
(3)
الطبقات الكبرى لابن سعد 5/ 296.
(4)
مسند الإمام أحمد 6/ 258.
(5)
مسند الإمام أحمد بن حنبل 6/ 32 برقم 240845.
في ظلها، واستفادوا منها في مجال العلم والدعوة، ويوجد في الطبقات الكبرى لابن سعد تفاصيل عن هؤلاء كلهم.
أما من التابعين: فقد تخرج من مدرستها سادة علماء التابعين، وكل من اشتغل بالحديث في عصرها فإنه قد تشرف بالتلقي عنها، وقد انتقينا حوالي مئة وخمسين اسما لأولئك التابعين من كتب المسانيد، ولو أردنا سرد جميع هذه الأسماء فإنه يحتاج إلى عدة صفحات، ولذلك نقتصر على ذكر أسماء النساء منهم فقط اللاتي تخرجن عالمات جليلات ساهمن في حفظ السنة وروايتها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
(أ)
1 -
أسماء بنت عبد الرحمن.
(ب)
2 -
بريرة مولاة عائشة (ض).
3 -
بنانة مولاة عبد الرحمن.
4 -
بهية مولاة الصديق.
(ت)
5 -
تبالة بنت يزيد العبشمية.
(ج)
6 -
جسرة بنت دجاجة.
(ح)
7 -
حفصة بنت عبد الرحمن.
(خ)
8 -
خيرة أم الإمام الحسن البصري.
(ذ)
9 -
ذفرة بنت غالب.
(ر)
10 -
رميثة.
(ز)
11 -
زينب بنت أبي سلمة.
12 -
زينب بنت محمد.
13 -
زينب بنت نصر.
(س)
14 -
سائبة.
15 -
سلمى البكرية.
16 -
سمية البصرية.
(ش)
17 -
شميسة العتكية.
(ص)
18 -
صفية بنت الحارث.
19 -
صفية بنت شيبة.
20 -
صفية بنت أبي عبيد.
21 -
صفية بنت عطية.
(ع)
22 -
عائشة بنت طلحة.
23 -
عمرة بنت عبد الرحمن.
24 -
عمرة بنت قيس العدوية.
(ف)
25 -
فاطمة بنت أبي حبيش.
(ق)
26 -
قمير بنت عمرو الكوفية.
(ك)
27 -
كريمة بنت همام.
28 -
كلثم بنت عمرو صاحبة عائشة.
(م)
29 -
معاذة.
30 -
ميمونة بنت عبد الرحمن.
(د)
31 -
هند. 32 - هنيدة.
(الكنى)
33 -
أم بكر.
34 -
أم جحدر.
35 -
أم حميدة.
36 -
أم الدرداء.
37 -
أم ذرة مولاة عائشة.
38 -
أم سالم.
39 -
أم سعيدة.
40 -
أم عاصم.
41 -
أم علقمة.
42 -
أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
43 -
أم كلثوم بنت ثمامة.
44 -
أم كلثوم الليثية.
45 -
أم محمد.
46 -
أم عبد الله.
47 -
أم هلال.
ومن هؤلاء المستفيدين والمسترشدين من ضمتهم السيدة أم المؤمنين (ض) إليها وربتهم في حجرها، وعلمتهم وشرفتهم بالتلقي منها، فصنع الله منهم على يدها حفظة الإسلام ونقلة السنة النبوية إلى الأجيال اللاحقة بعد جيل الصحابة والتابعين، وكان هؤلاء أقرب إلى السيدة من الآخرين، فيعتبرون من حملة علومها ومعارفها بكل معنى الكلمة، وهم:
1 -
عروة بن الزبير: أبو عبد الله القرشي (ض)، أمه أسماء بنت أبي بكر، كان ابن أخت عائشة (ض) ومن أحب الناس إليها، تربى في حضنها، من كبار علماء المدينة، ولد في آخر خلافة عمر (ض) سنة 23هـ، تفقه على أم المؤمنين عائشة (ض)، وحمل علمها وكثيرا من شمائلها، لا يدانيه فيها أحد من أقرانه، حتى كان يقول: لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد
وعيته (1)، توفي (ض) سنة أربع وتسعين ودفن يوم الجمعة.
2 -
القاسم بن محمد بن أبي بكر: ابن أخي أم المؤمنين عائشة (ض)، تربى في حجر عمته وتفقه عليها حتى أصبح الإمام القدوة في المدينة، أحد الفقهاء السبعة، ورث (ح) عن أم المؤمنين رواية السنة، والحرص على الرواية بألفاظها، فكان يحدث الحديث بحروفه. كان عفيفا كريما، ورعا، فقيها، ذا الحسب العتيق، وكان لغوامض الأحكام فائقا، وإلى محاسن الأخلاق سابقا، توفي سنة ثمان ومئة وقيل: سنة سبع ومئة وقيل: سنة ست ومئة.
3 -
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (ض): توقي أبوه وهو صغير، كان من أقران عروة بن الزبير، جمع بين الفقه والسنة، من كبار محدثي المدينة، روى عنه كبار المحدثين، أمثال عروة، والزهري، والشعبي، كان ثقة ففيها كثير الحديث توفي سنة أربع وتسعين من الهجرة.
4 -
مسروق بن الأجدع بن مالك الكوفي: العابد أبو عائشة، كان (ح) كوفيا، لكنه لم يشارك في الحروب الأهلية والمعارك الداخلية، ذكر الإمام الذهبي أن أم المؤمنين عائشة (ض) تبنته (2)، وذكر الإمام ابن سعد عن مسروق بن الأجدع قال: ((أتينا أم المؤمنين عائشة فقالت: خوضوا لابني عسلا، ثم قالت: ذوقوه، فإن رابكم شيء فزيدوا فيه عسلا
…
)) (3).
ولما توفيت أم المؤمنين عائشة (ض) قال مسروق: ((لولا بعض الأمر لأقمت على أم المؤمنين مناحة)) (4). وقد أخرج البخاري في صحيحه والإمام أحمد في مسنده معظم مروياته عن عائشة (ض).
كان (ح) يعد من فقهاء العراق، وكان على مكانة عالية من الزهد،
(1) تهذيب التهذيب 165/ 7.
(2)
سير أعلام النبلاء للذهبي 4/ 67.
(3)
الطبقات الكبرى لابن سعد 79/ 6.
(4)
الطبقات الكبرى لابن سعد 81/ 6.
يصلي فتتورم قدماه، كان قاضي الكوفة، لكنه لا يأخذ على القضاء رزقا ولا جزاء، قال الشعبي: كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشير مسروقا، مات سنة ثلاث وستين للهجرة.
أما من النساء فأول من ينبغي أن نستهل بذكرها هي:
1 -
السيدة عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت مثالا رائعا لتعليم وتربية أم المؤمنين (ض)، فقد نشأت وترعرعت في حجرها، وذكرها ابن المديني ففخم أمرها وقال:((عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها)) (1).
وقال ابن حبان: ((كانت من أعلم الناس بحديث عائشة)) (2) وقال سفيان:
((أثبت حديث عائشة حديث عمرة، والقاسم، وعروة)) (3) كانت أم المؤمنين تحبها كثيرا، ونظرا إلى حب أم المؤمنين لها كان الناس كذلك يدارونها ويحترمونها، فكانت هي التي يتأخاها الناس وتستلم هدايا الناس لعائشة (ض)، فكانت تثيب الناس وترد عليهم (4)، وكان أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ابن أخيها فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه (5).
كما أنها كانت تقوم بإصلاح الأخطاء الاجتهادية لابن أخيها (6)، يقول الزهري: قال لي القاسم بن محمد: ((أراك تحرص على العلم أفلا أدلك على وعائه؟ قلت: بلى، قال: عليك بعمرة بنت عبد الرحمن، فإنها كانت في حجر عائشة، فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف)) (7).
(1) تهذب التهذيب 466/ 12.
(2)
الثقات لابن حبان 5/ 288 رقم الترجمة 4881.
(3)
تهذيب التهذيب 466/ 12.
(4)
الأدب المفرد للإمام البخاري 382/ 1 برقم 1118.
(5)
تهذيب التهذيب 466/ 12، وكذلك الطبقات الكبرى 381/ 2.
(6)
موطأ الإمام مالك باب ما لا قطع فيه برقم 1531.
(7)
انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي 112/ 1، وكذلك سير أعلام النبلاء 4/ 508 و 5/ 347.
2 -
صفية بنت شيبة رحمها الله: كانت من التابعيات المشهورات، وابنة صاحب مفتاح الكعبة، روى عنها المحدثون، ومروياتها موجودة في سائر كتب الأحاديث، وتذكر في كتب الأحاديث بـ ((صفية بنت شيبة صاحبة عائشة)) (1) ورثت عن عائشة (ض) رواية السنة، فكان الناس يسألونها، ويقصدونها طلبا لأحاديث عائشة (ض)، وفي سنن أبي داود (ض):((خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة، فبعثني إلى صفية بنت شيبة وكانت قد حفظت من عائشة)) (2).
3 -
كلثم بنت عمرو القرشية: هي كذلك تلقب في كتب الرجال بصاحبة عائشة، وقد روت بعض الأحاديث.
4 -
عائشة بنت طلحة: أم عمران التيمية المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، تربت في حضن خالتها عائشة (ض)، قال ابن معين:((ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها)) (3).
5 -
معاذة بنت عبد الله العدوية: أم الصهباء البصرية، تتلمذت على أم المؤمنين عائشة (ض)، وروت معظم أحاديثها، وورثت عنها حبها لكثرة العبادة، كانت من العابدات، يقال: إنها لم تتوسد فراشا بعد وفاة زوجها (أبي الصهباء) حتى ماتت.
روي عن شيخ من أهل البصرة قال: أتيث معاذة فقالت: إني اشتكيت بطني فوصف لي نبيذ الجر، فأتيتها منه بقدح، فوضعته، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدثتني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجر فاكفنيه بما شئت، قال: فانكفأ القدح وأهريق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها (4).
(1) انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل 276/ 6 برقم 26403، والطبقات الكبرى لابن سعد 133/ 8 و 139/ 8.
(2)
سنن أبي داود كتاب الطلاق رقم 2193.
(3)
انظر أقوال العلماء فيها في تهذيب التهذيب لابن حجر 12/ 464.
(4)
تهذيب التهذيب 479/ 12.