الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه السيدة عائشة (ض) تروي لنا قصة هذه المرأة (1) ولا تقول إنها هي التي علمتها أن تقول ما قالت، مع أن حريتها في البيان والاعتراف بالخطأ إذا صدر منها أمر معروف ومشهور.
علاقتها الوطيدة بالسيدة فاطمة (ض):
كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع بنات كلهن من خديجة أم المؤمنين (ض) وهن: السيدة زينب، رقية، أم كلثوم، وفاطمة الزهراء رضي الله عنهن، وكلهن قد كن تزوجن وانتقلن إلى بيوت أزواجهن قبل بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة (ض)، إلا فاطمة الزهراء (ض)، أما السيدة رقية (ض) فقد وافتها المنية قبل سنة من بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة، وأما السيدة زيب وأم كلثوم (ض) فقد عاشتا حوالي سبعة أو ثمانية أعوام مع زوجة أبيهما عائشة (ض)، ثم استأثرت بهما رحمة الله تعالى في السنة الثامنة والتاسة من الهجرة على التوالي، ولم يحدث بينهن خلال هذه الفترة شيء يعكر صفو علاقتهن، وهذه السيدة زينب (ض) أكبر بنات الرسول صلى الله عليه وسلم وقد استشهدت في سبيل الله، تروي لنا عنها عائشة (ض) قول النبي صلى الله عليه وسلم قال:((هي أفضل بناتي أصيبت في)) (2) وكانت لها بنت تسمى أمامة، يحبها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حبه لها أنه كان يصلي وهو حاملها، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (3). وذات مرة
(1) صحيح البخاري كتاب الطلاق، برقم 5257، و5254.
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 219 برقم 2812، و4/ 46، و4/ 47، كما ذكره أبو المحاسن يوسف بن موسى في معتصر المختصر 2/ 246، وأحمد بن عمرو الشيباني في الآحاد والنسائي 5/ 372 رقم 2975، كما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 7/ 109 نقلا عن الطحاوي، والبخاري في التاريخ الصغير 1/ 7 مبحث حديث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة رقم 516، ومسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة رقم 543، وأبو داود في سننه كتاب الصلاة رقم 917، والإمام مالك في الموطأ كتاب النداء للصلاة برقم 412، والدارمي في سننه كتاب الصلاة رقم 1359.
أهديت للرسول صلى الله عليه وسلم هدية فيها قلادة من جزع فقال: ((لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي)).
فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب فعلقها قي عنقها)) (1).
أما السيدة فاطمة الزهراء (ض) فإنها كانت بكرا عندما بنى الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة (ض)، لكنها كانت أكبر سنا منها بحوالي خمس أو ست سنوات، وقد عاشت مع عائشة (ض) سنة أو أقل، لأنها تزوجت في وسط السنة الخامسة للهجرة، وكانت عائشة من اللاتي قمن بتجهيزها للعرس، وإعداد أغراض البيت وترتيب أمور الزواج، تقول (ض): أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجهز فاطمة حتى ندخلها على علي، فعمدنا إلى البيت، ففرشنا ترابا لينا من أعراض البطحاء، ثم حشونا مرفقتين ليفا فنفشناه بأيدينا، ثم أطعمنا تمرا وزبيبا، وسقينا ماء عذبا، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ويعلق عليه السقاء، فما رأينا عرسا أحسن من عرس فاطمة (2) والبيت الذي نزلت فيه فاطمة (ض) بعد الزواج كان يفصله جدار من حجرة عائشة (ض)، وكان بينهما مشربة تتكلمان منها.
هذا ولم تسجل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن واحدة منهما تحمل شيئا من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير وكتب الأحاديث على أن الصلة بين عائشة (ض) وبين فاطمة كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل صلة من قبيلها، وكانتا شريكتين في قلب واحد تتنافسان عليه ولكنها شركة بين
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/ 101 برقم 24748، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مفصلا باب مناقب أمامة 9/ 254، والطبراني في المعجم الكبير 442/ 22 برقم 1080.
(2)
أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم 1911.
كريمتين، وها هي فاطمة (ض) تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى وقد بلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة
…
الحديث (1).
ومن أثر هذه المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبى صلى الله عليه وسلم ينشدن العدل في ابنة أبي قحافة، لكن لنرى كيف كان موقفها من ذلك، تقول: فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (2).
وهذه عائشة (ض) تثتي على فاطمة (ض) قائلة: ما رأيت أحدا أحسن من فاطمة غير أباها صلى الله عليه وسلم (3).
ويقول جميع بن عمير التيمي: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فاطمة (4).
تقول عائشة (ض): ((ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها)) (5).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النفقات برقم 5361، ومسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء برقم 2727، وأبو داود في سننه كتاب الخراج برقم 2988.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الهبة برقم 2581، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم 2442، والنسائي في سننه كتاب عشرة النساء برقم 3944.
(3)
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة (ض) قالت: ما رأيت أفضل من أبيها
…
الحديث 137/ 3 برقم 2721.
(4)
أخرجه الإمام أبو عبد الله الحاكم في المستدرك 3/ 171 برقم 4744، والترمذي سننه باب فضل فاطمة (ض) برقم 3874، والطبراني في المعجم الكبير 403/ 22 برقم 1008.
(5)
أخرجه الترمذي في سننه باب مناقب فاطمة (ض) برقم 3872، وابن حبان في صحيحه 15/ 403 برقم 6953، نحوه، وكذلك الحاكم في المستدرك 174/ 3 برقم 4753 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأبو داود في سننه باب ما جاء في القيام برقم 5217.
كما أن عائشة هي التي روت حديث فضل أهل البيت الذي يعتبر من أعظم مناقب فاطمة (ض). والحديث الآتي يبين لنا مدى علاقتها الوطيدة مع فاطمة (ض)، وثنائها عليها في الوقت نفسه، تول: كن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية، فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت:((ما كنت أفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره، قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما راى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة، قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت)) (1).
هذا الحديث خير دليل على حسن علاقتهما الوطيدة، وكما نعلم أن هذا الحادث جرى في آخر عمر فاطمة (ض)، فاتضح من ذلك أن قضايا الميراث وفدك لم تؤثر شيئا على علاقتهما الطيبة، ولم تدفع إلى حدوث أي توتر في الصلة التي تجمعهما بكل صدق وإخلاص، كما أنه لم يعهد منهما شيء من
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المناقب برقم 3624، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم 2450 واللفظ له، والترمذي في سننه كتاب المناقب برقم 3872، وابن ماجه في سننه كتاب ما جاء في الجنائز برقم 1621.