الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَهْنًا عِنْدَهُ وَيَكُونُ دَيْنُهُ عَلَى حَالِهِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ مِقْدَارَ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا عُرِفَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ عِنْدَهُمَا وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَيَتْرُكُ جَمِيعَ الْقُلْبِ عَلَيْهِ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً إنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ وَالْبَاقِي يَهْلِكُ أَمَانَةً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ لَا لِلْقِيمَةِ وَفِي الْوَزْنِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ وَزِيَادَةٌ وَعِنْدَهُمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ مَعَ الْوَزْنِ وَفِي الزِّيَادَةِ إنْ كَانَ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَلَا وَفَاءَ بِالْقِيمَةِ وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَةَ الْقُلْبِ ثَمَانِيَةً فَتَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ، وَإِنْ انْكَسَرَ ضَمِنَ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ عِنْدَهُ لِمَا عُرِفَ وَعِنْدَهُمَا الْكُلَّ لِمَا عُرِفَ رَهَنَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِيضًا لَهَا صَرْفٌ وَفَضْلٌ بِعَشَرَةٍ سُودٍ تَهْلِكُ بِالسُّودِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سُودًا فَقَدْ ضَمِنَ ثُلُثَيْهِ وَثُلُثُهُ أَمَانَةٌ كَمَا إذَا ارْتَهَنَ قُلْبًا وَزْنُهُ مِثْلُ الدَّيْنِ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ.
[فَصْلٌ ارْتَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ خَمْسُونَ بِكُرٍّ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ وَقِيمَتُهُ مِنْ الدَّيْنِ سَوَاءٌ]
(فَصْلٌ)
ارْتَهَنَ قُلْبَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ خَمْسُونَ بِكُرٍّ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ وَقِيمَتُهُ مِنْ الدَّيْنِ سَوَاءٌ، فَإِنْ هَلَكَ ذَهَبَ بِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِقِيمَتِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَعَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ رَهْنِ قُلْبٍ وَزْنُهُ عَشْرَةٌ بِدِينَارٍ وَقِيمَتُهُ سَوَاءٌ فَانْكَسَرَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَثَمَّةَ يَغْرَمُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ مِنْ الذَّهَبِ فَيَكُونُ رَهْنًا بِالدَّيْنِ وَالْقُلْبُ لَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُتْرَكُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ فَكَذَا هَذَا خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهُ دِرْهَمٌ وَفِيهِ فَصٌّ يُسَاوِي تِسْعَةً فَرَهَنَهُ بِعَشَرَةٍ فَهَلَكَ الْخَاتَمُ فَهُوَ بِمَا فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ تِسْعَةً مِنْ الدَّيْنِ بِإِزَاءِ الْفَصِّ وَدِرْهَمًا بِإِزَاءِ الْحَلْقَةِ فَتَسْقُطُ تِسْعَةٌ بِهَلَاكِ الْفَصِّ وَسَقَطَ دِرْهَمٌ بِهَلَاكِ الْحَلْقَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِبْرَةَ لِلْوَزْنِ لَا لِلْقِيمَةِ وَهُمَا فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْحَلْقَةِ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَةَ وَالدَّيْنَ بِمُقَابَلَتِهِ فِي الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحَلْقَةِ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ تِسْعَةٌ بِهَلَاكِ الْفَصِّ وَلِلْمُرْتَهِنِ خِيَارٌ فِي الْحَلْقَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُمَا لِلْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ جَمِيعًا وَهَاهُنَا إذَا كَانَ بِالْوَزْنِ وَفَاءٌ فَلَا وَفَاءَ لِلْقِيمَةِ.
وَلَوْ هَلَكَ بِمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِتَضَرُّرِ الْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ كَمَا إذَا رَهَنَ قُلْبًا وَزْنُهُ عَشَرَةٌ بِعَشْرَةٍ وَقِيمَتُهُ ثَمَانِيَةٌ، وَقَدْ هَلَكَ يُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَهُمَا فَكَذَا هَذَا رَهَنَهُ قُلْبَ فِضَّةٍ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِالْعَشَرَةِ إلَى شَهْرٍ فَهُوَ بَيْعٌ فَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ بِالْخَطَرِ، وَتَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ لَا يَجُوزُ وَلَمْ يُعَلَّقُ الرَّهْنُ بِالْخَطَرِ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ارْتَهَنَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فُلُوسًا تُسَاوِيهَا فَهَلَكَتْ فَهِيَ بِمَا فِيهَا، وَإِنْ انْكَسَرَتْ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَمْ تَكُنْ مِنْ مَالِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْزُونَةً بَلْ هِيَ عَدَدِيَّةٌ وَالْجُودَةُ مُتَقَوِّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ مِنْ آخَرَ فُلُوسًا فَانْكَسَرَتْ عِنْدَهُ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ وَلَا يُخَيِّرُ الرَّاهِنَ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ بَعْضُ الدَّيْنِ بِسَبَبِ فَوْتِ الْجُودَةِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْيِيرِ بِخِلَافِ الْقُلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بِالِانْكِسَارِ إذَا بَقِيَ الْوَزْنُ عَلَى حَالِهِ فَوَجَبَ تَخْيِيرُ الرَّاهِنِ نَفْيًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَإِنْ كَسَدَتْ فَالدَّيْنُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ بِالْكَسَادِ لَا الْجُودَةِ وَلَا الْعَيْنِ إنَّمَا تَغَيُّرُ السِّعْرِ وَتَغَيُّرُ السُّعْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ ارْتَهَنَ طَسْتًا بِدَرَاهِمَ وَفِيهِ وَفَاءٌ وَفَضْلٌ فَهَلَكَ فَهُوَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ انْكَسَرَ فَمَا كَانَ مِنْهُ لَا يُوزَنُ نَقْصٌ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّ لِلْجُودَةِ قِيمَةَ فِي غَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا وَمَا كَانَ يُوزَنُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مَكْسُورًا وَأَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ مَصُوغًا مِنْ الذَّهَبِ وَكَانَ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَأْخُذُ الرَّاهِنُ الْقِيمَةَ وَأَعْطَاهُ دَيْنَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُتْرَكُ بِالدَّيْنِ كَمَا فِي الْقُلْبِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ وَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا أَوْ قِيمَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ إذَا بَاعَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ فَقَبِلَ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا وَمِثْلُهُ مَفْسَدَةٌ لِلْبَيْعِ وَلِأَنَّهُ صَفْقَةٌ فِي صَفْقَتَيْنِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ مُلَائِمٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِلِاسْتِيثَاقِ، وَكَذَا الْكَفَالَةُ وَالِاسْتِيثَاقُ يُلَائِمُ الْعَقْدَ، فَإِذَا كَانَ الْكَفِيلُ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْمُلَايَمَةُ فَصَحَّ الْعَقْدُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَلَا الْكَفِيلُ مُعَيَّنًا أَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا حَتَّى افْتَرَقَا لَمْ يَبْقَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَالرَّهْنُ لِلْجَهَالَةِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لَعَيْنِهِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ كَانَ الْكَفِيلُ غَائِبًا فَحَضَرَ فِي الْمَجْلِسِ وَقَبِلَ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مُعَيَّنًا فَاتَّفَقَا
عَلَى تَعْيِينِ الرَّهْنِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ نَقَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا جَازَ الْبَيْعُ وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ لَا يَجُوزُ قَوْلُهُ فَامْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ أَيْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي عَنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالشَّرْطِ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ كَالْوَكَالَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ قُلْت عَقْدُ الرَّهْنِ تَبَرُّعٌ وَلَا جَبْرَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ كَالْوَاهِبِ غَيْرَ أَنَّ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِتَرْكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَوَاتُهُ يُوجِبُ الْخِيَارَ كَسَلَامَةِ الْمَبِيعِ عَنْ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ حَالًّا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ أَوْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الرَّهْنِ رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ يَحْصُلُ بِقِيمَتِهِ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ قَالَ لِلْبَائِعٍ أَمْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ حَتَّى أُعْطِيَك الثَّمَنَ فَهُوَ رَهْنٌ) ، وَقَالَ زُفَرُ لَا يَكُونُ رَهْنًا وَمِثْلُهُ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْسِكْ يَحْتَمِلُ الرَّهْنَ وَيَحْتَمِلُ الْإِيدَاعَ. وَالثَّانِي أَقَلُّهُمَا فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَمْسِكْهُ بِدَيْنِك أَوْ بِمَا لَك عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَابَلَهُ بِالدَّيْنِ فَقَدْ عَيَّنَ الرَّهْنَ وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُنَبِّئُ عَنْ مَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَبْسُ إلَى إيفَاءِ الثَّمَنِ وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي حَتَّى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةً وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ كَفَالَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَلَّكْتُك هَذَا بِكَذَا يَكُونُ بَيْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ بِعْتُك بِكَذَا وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ هَذَا فَشَمِلَ الثَّوْبَ الْمَبِيعَ وَغَيْرَهُ إذْ لَا فَرْقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّوْبُ هُوَ الْمُشْتَرَى أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْقَبْضِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِثَمَنِهِ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِالثَّمَنِ وَضَمَانُهُ بِخِلَافِ ضَمَانِ الرَّهْنِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِضَمَانَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ الْمَبِيعَ حَتَّى أُعْطِيَك الثَّمَنَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهَلَكَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا يُفْسَدُ بِالْمُكْثِ كَاللَّحْمِ وَالْجَمْدِ فَأَبْطَأَ الْمُشْتَرِي وَخَافَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ التَّلَفَ جَازَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَهُ وَوَسِعَ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَتَصَدَّقُ الْبَائِعُ بِالزَّائِدِ إنْ بَاعَهُ بِأَزْيَدَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةً وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأَعْطَاهُ ثَوْبًا، فَقَالَ أَمْسِكْ هَذَا حَتَّى أُعْطِيَكَ مَا لَكَ عَلَيَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله هُوَ رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الرَّهْنِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَالْحَبْسُ لِأَجْلِ إيفَاءِ الدَّيْنِ وَإِعْطَائِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ وَدِيعَةً لَا رَهْنًا؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ مُحْتَمَلٌ قَدْ يَكُونُ لِلرَّهْنِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْوَدِيعَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ وَالرَّهْنُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا بِمَا لَك أَوْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا رَهْنًا حَتَّى أُعْطِيَك مَا لَك فَهُوَ رَهْنٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْ هَذَا الْأَلْفَ بِحَقِّكَ وَاشْهَدْ لِي بِالْقَبْضِ فَهَذَا اقْتِضَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ وَالْقَبْضَ بِالدَّيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا لِجِهَةِ الِاقْتِضَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ قَالَ أَمْسِكْهَا حَتَّى آتِيَك بِحَقِّك فَهَذَا رَهْنٌ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِمْسَاكِ لِلْإِيفَاءِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِجِهَةِ الرَّهْنِ، وَلَوْ قَضَاهُ الرَّاهِنَ مِائَةً، ثُمَّ قَالَ خُذْهَا رَهْنًا بِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ زَيْفٍ أَوْ سَتُّوقٍ فَهُوَ رَهْنٌ بِالسَّتُّوقِ لَا بِالزُّيُوفِ؛ لِأَنَّ الزُّيُوفَ يَقَعُ بِهَا الِاسْتِيفَاءُ وَبِالسَّتُّوقِ لَا رَجُلٌ رَهَنَ رَجُلًا مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ هَاتِ لِي، فَقَالَ ارْهَنْهُ بِمَالِك فَرَهَنَهُ بِتِسْعِمِائَةٍ انْفَسَخَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ الثَّانِي فَكَذَا هَذَا كَمَا لَوْ كَانَ ابْتَاعَهُ بِأَلْفٍ بِسَبْعِمِائَةٍ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ الثَّانِي.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ لَا يَأْخُذُ أَحَدَهُمَا بِقَضَاءِ حِصَّتِهِ كَالْمَبِيعِ) قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِأَلْفٍ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي رَهَنَهُ بِهِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُتَّحِدٌ فَلَا يَتَفَرَّقُ بِالتَّسْمِيَةِ كَالْبَيْعِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ أَحَدَهُمَا إذَا أَدَّى مَا سَمَّى لَهُ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ يَثْبُتُ فِي الرَّهْنِ بِتَسْمِيَةِ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْآخَرِ حَتَّى إذَا قَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ فِيهِ خِلَافُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ يَتَعَدَّدُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَلِهَذَا لَوْ قَبِلَ الْبَيْعَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِضَمِّ الرَّدِيءِ إلَى الْجَيِّدِ فِي الْبَيْعِ فَيَلْحَقُهُ الضَّرَرُ بِالتَّفْرِيقِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَتَضَرَّرُ بِالتَّفْرِيقِ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْأَصَحُّ وَقَيَّدَ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ أَحَدَهُمَا بِكَذَا وَالْآخَرَ بِكَذَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَمْ يَجُزْ هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ صَحَّ) سَوَاءٌ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الدَّيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ وَيَكُونُ جَمِيعُ الْعَيْنِ رَهْنًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أُضِيفَ إلَى كُلِّ الْعَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَكُونُ شَائِعًا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ جَعْلُهُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلٍّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إذْ لَا تَضَايُقَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَبْسِ وَلِهَذَا لَوْ رَهَنَ لَا يَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الدَّيْنِ بَلْ يَكُونُ كُلُّهُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الدَّيْنِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَا شُيُوعَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ قِيلَ هُوَ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا بَاعَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ وَهَبَ مِنْ رَجُلَيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا أُضِيفَ إلَى جَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِيهِ الشُّيُوعُ حَتَّى كَانَ الْمَبِيعُ وَالْمَرْهُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ إضَافَةَ الْعَقْدِ إلَى اثْنَيْنِ تُوجِبُ الشُّيُوعَ فِيمَا يَكُونُ الْعَقْدُ مُفِيدًا لِلْمِلْكِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً لِشَخْصَيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَتُجْعَلُ شَائِعَةً فَتَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا لِلْجَوَازِ وَالرَّهْنُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الِاحْتِبَاسَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ مُحْتَبِسَةً لِحَقَّيْنِ عَلَى الْكَمَالِ فَيَمْتَنِعُ الشُّيُوعُ فِيهِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ لِكَوْنِ الْقَبْضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الرَّهْنِ وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ عَنْهُ إلَى هُنَا كَلَامُهُ أَقُولُ: بِخِلَافِ الْهِبَةِ مِنْ رَجُلَيْنِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْكُلِّ فَيَثْبُتُ الشُّيُوعُ ضَرُورَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَوْبَتِهِ كَالْعَدْلِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَزَّأُ وَجَبَ أَنْ يَحْبِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ، فَإِنْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ إلَى الْآخَرِ وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ الدَّافِعُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: الْأَوَّلُ فِي رَهْنِ رَجُلَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي فِي ارْتِهَانِ الرَّجُلَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ فِي التَّفَاسُخِ.
فَصْلٌ فِي رَهْنِ رَجُلَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا رَجُلًا رَهْنًا وَأَخَذَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَهِنِ يَتَحَقَّقُ فِي الْكُلِّ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ وَتَفَرُّقِ أَمْلَاكِهِمَا لَا يُوجِبُ شُيُوعَهَا فِي الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الْغَيْرِ مَرْهُونًا بِدَيْنِ الْغَيْرِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَرَهَنَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا رَهْنَا جُمْلَةً فَقَدْ رَضِيَا بِكَوْنِ كُلِّهِ رَهْنًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُمَا قَصَدَا صِحَّةَ الرَّهْنِ وَلَنْ يَصِحَّ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاهِنًا كُلَّهُ بِدَيْنِهِ تَصْحِيحًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَالُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ مَا أَمْكَنَ، وَهَذَا مُمْكِنٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ عَبْدًا آخَرَ بِإِذْنِهِ بِأَلْفٍ صَارَ رَاهِنًا كُلَّهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ مَثَلًا حَتَّى لَوْ قَضَى كُلَّ الدَّيْنِ إلَّا دِرْهَمًا بَقِيَ كُلُّ الْعَبْدِ رَهْنًا بِذَلِكَ الدِّرْهَمِ فَكَذَا هَذَا وَيُعْتَبَرُ اتِّحَادُ صَفْقَةِ الرَّهْنِ وَاخْتِلَافُهُمَا وَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الدَّيْنَيْنِ وَاتِّفَاقُهُمَا حَتَّى لَوْ رَهَنَ بِدَيْنِهِ عَيْنًا فِي صَفْقَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِاخْتِلَافِ صَفْقَةِ الرَّهْنِ فَيُمْكِنُ الشُّيُوعُ فِي كُلِّ صَفْقَةٍ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الرَّاهِنَيْنِ فَوَرِثَهُ الْآخَرُ فَالرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي حُقُوقِهِ وَأَمْلَاكِهِ.
وَالرَّهْنُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلَا بِمَوْتِ الْمُرْتَهِنِ فَيَبْقَى الرَّهْنُ عَلَى حَالِهِ وَمَنْ رَهَنَ مَالَيْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ وَقِيمَةُ الْمَالَيْنِ سَوَاءٌ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَهْنًا بِنِصْفِ الدَّيْنِ فَلَوْ ارْتَهَنَ رَجُلَانِ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَالدَّيْنَانِ مُخْتَلِفَانِ أَوْ الْمَالَانِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ جَازَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ دَيْنِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أُضِيفَ إلَى كُلِّ الْعَبْدِ وَلَا شُيُوعَ فِيهِ كَأَنَّهُ رَهَنَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَرْهَنْ الْبَعْضَ مِنْ هَذَا وَالْبَعْضَ مِنْ هَذَا وَمُوجِبُهُ صَيْرُورَتُهُ مَحْبُوسًا بِالدَّيْنِ، وَهَذَا مِمَّا يُقَابِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فَصَارَ مَحْبُوسًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ فَيُمْسِكُ هَذَا يَوْمًا وَالْآخَرَ يَوْمًا وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُمْسَكُ كَالْعِدْلِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، فَإِذَا هَلَكَ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِمَّا يَقْبَلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي، وَلَوْ قَضَى الرَّاهِنُ دَيْنَ أَحَدِهِمَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ الرَّهْنِ وَلِلْآخَرِ أَنْ يُمْسِكَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ صَارَتْ مَحْبُوسَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهِ وَالْعَيْنُ الْوَاحِدَةُ تَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ كُلُّهَا مَحْبُوسَةً بِحَقِّ هَذَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلَانِ شَيْئًا وَاحِدًا وَأَدَّى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ شَيْئًا وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَحْبِسَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ هَلَكَ عِنْدَهُ بَعْدَ مَا قَضَى دَيْنَهُ يَسْتَرِدُّ مَا أَعْطَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ تَفَاسَخَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَمَا لَمْ يَقْبِضْهُ الرَّاهِنُ فَهُوَ رَهْنٌ يُمْسِكُهُ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّ نَقْضَ الرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنَقْضِ الْقَبْضِ كَالرَّهْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ نَقْضَ الشَّيْءِ ضِدُّ الْعَقْدِ حُكْمًا، وَلَوْ بَدَا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ. رَهَنَ اثْنَانِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَرِدَّهُ بِدُونِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَتَى انْفَرَدَ بِالرَّدِّ أَبْطَلَ حَقَّ الْأُخَرِ، فَإِنَّ حَقَّ الْآخَرِ بَقِيَ فِي النِّصْفِ شَائِعًا وَالرَّهْنُ فِي نِصْفِ شَائِعٍ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا جُعِلَ الرَّهْنُ مِنْهُمَا رَهْنًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ وَالضَّرُورَةِ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ لَا فِي تَصْحِيحِ الْفَسْخِ فَيُعْتَبَرُ الْفَسْخُ مُتَجَزِّئًا فَمَتَى انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا
بِالْفَسْخِ يَبْقَى فِي حَقِّ الْآخَرِ الرَّهْنُ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ وَكَانَ فِي نَقْضِهِ نَقْضُ الرَّهْنِ فِي الْكُلِّ فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَوْ نَقَضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِهِمَا كَتَصَرُّفِهِمَا حَتَّى يَكُونَ رَهْنُ أَحَدِهِمَا كَرَهْنِهِمَا فَكَذَا نَقْضُ أَحَدِهِمَا كَنَقْضِهِمَا، لَا يَمْلِكُهُ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا كَتَصَرُّفِهِمَا حَتَّى لَا يُجْعَلَ رَهْنُ أَحَدِهِمَا كَرَهْنِهِمَا، فَإِنْ نَقَضَهُ وَقَبَضَهُ وَهَلَكَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يُبَاشِرْ الْعَقْدَ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ كَانَ الْمُرْتَهِنُ ضَامِنًا حِصَّةَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ وَيَرْجِعُ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِمَا وَبِنِصْفِ الْقِيمَةِ الَّتِي ضَمِنَ عَلَى الَّذِي قَبَضَ مِنْهُ الرَّهْنَ طَعَنَ عِيسَى، فَقَالَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَابِضِ إلَّا إذَا ادَّعَى الْوَكَالَةَ مِنْ صَاحِبِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَى الْوَكَالَةِ.
فَإِنَّ قِيَامَ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا خَلَلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ النَّقْضِ عَلَى صَاحِبِهِ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ النَّقْضَ لِقِيَامِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ تَأْوِيلُهُ إذَا قَالَ وَكَّلَنِي صَاحِبِي بِقَبْضِ نَصِيبِهِ وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ لَمْ يَكْذِبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ كَذَا فِي الْمُسْتَوْدَعِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى رَجُلٍ فَارْتَهَنَا مِنْهُ أَرْضًا بِدَيْنِهِمَا وَقَبَضَاهَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا إنَّ الْمَالَ الَّذِي لَنَا عَلَى فُلَانٍ بَاطِلٌ وَالْأَرْضَ فِي أَيْدِينَا تَلْجِئَةً، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَأَبُو يُوسُفَ رحمه الله بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَلَكِنَّ الرَّهْنَ بِهِمَا وَاحِدٌ، فَإِذَا اعْتَرَفَ أَحَدُهُمَا بِبُطْلَانِ الدَّيْنِ وَالرَّهْنِ بَطَلَ الرَّهْنُ أَصْلًا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَيَبْرَأُ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَالرَّهْنُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَيْنِ مُخْتَلِفَانِ وَالرَّهْنُ إنَّمَا يَصِحُّ بِهِمَا حَقًّا لَهُمَا فَإِقْرَارُهُ يَصِحُّ مُبْطِلًا لِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ شَرِيكِهِ فَبَطَلَ حَقُّ الْمُقِرِّ فِي الدَّيْنِ وَالرَّهْنِ وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ فِيهِمَا عَلَى حَالِهِ الْجَامِعُ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلَيْنِ دَيْنٌ عَلَى أَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَى الْآخَرِ مِائَةُ دِينَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَرَهَنَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَهَلَكَ الْعَبْدُ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوفِيًا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دَيْنِهِ وَيَرْجِعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ عَلَى الْآخَرِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَا تَصِحُّ الْمُقَاصَّةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَقَلُّ مِنْ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ وَالرَّهْنُ أَلْفَانِ، فَإِذَا هَلَكَ ذَهَبَ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ أَلْفَانِ وَبَقِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَلْفَانِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الدَّيْنِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْهَلَاكِ قَابِضًا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دَيْنِهِ وَذَلِكَ ثَمَانِمِائَةٍ نِصْفُهُ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْعَبْدِ وَنِصْفُهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنَيْنِ صَارَ رَاهِنًا جَمِيعَ الْعَبْدِ بِدَيْنِهِ فَصَارَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ قَاضِيًا ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نِصْفُهَا مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا قُضِيَ عَلَيْهِ وَالْمُقَاصَّةُ لَا تَصِحُّ مِنْ الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَقَاصَّا وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَى أَحَدِهِمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَعَلَى الْآخَرِ أَلْفٌ وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسُمِائَةٍ فَرَهَنُوا بِذَلِكَ عَبْدًا بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاضِيًا ثُلُثَيْ دَيْنِهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ قَاضِيًا ثُلُثَيْ دَيْنِهِ ثُلُثُ ذَلِكَ مِنْ نَصِيبِهِ وَثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعَانِ عَلَى الْقَاضِي بِمَا قَضَى دَيْنَهُ مِنْ نَصِيبِهِمَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ رحمه الله (وَالْمَضْمُونُ عَلَى حِصَّةِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِالْهَلَاكِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِمَّا يَقْبَلُ التَّجَزِّي، قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ الَّذِي اسْتَوْفَى حَقَّهُ انْتَهَى مَقْصُودُهُ مِنْ الرَّهْنِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَسِيلَةً إلَى الِاسْتِيفَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِالِاسْتِيفَاءِ الْحُكْمِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نِيَابَةٍ عَنْ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَرِدَّ الرَّاهِنُ مَا قَضَاهُ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ الدَّيْنِ عِنْدَ الْهَلَاكِ لَكِنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ارْتِهَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاقٍ مَا لَمْ يَصِلْ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ كَمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ مِنْ نِصْفِ مَالِيَّةِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ فِيهِ وَفَاءً بِدَيْنِهِمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقَابِضَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مَرَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ ثَانِيًا اهـ.
قَالَ رحمه الله (فَإِنْ قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا فَالْكُلُّ رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ) وَكَانَ كُلُّهُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ لَهُ اسْتِرْدَادُ شَيْءٍ مِنْهُ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَاقِيًا كَمَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَاحِدًا وَكَالْبَائِعِ إذَا أَدَّى حِصَّةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ، فَإِذَا رَهَنَ