الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَصَائِصِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَفِي السِّغْنَاقِيِّ، وَإِذَا وَضَعَ الرَّجُلُ عَلَى حَائِطِهِ شَيْئًا فَوَقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِيمَا يُحْدِثُهُ فِي مِلْكِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا أَوْ غَيْرَ مَائِلٍ وَفِي الْمُنْتَقَى وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَنَى حَائِطًا مَائِلًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَثْلَاثًا تَقَدَّمَ إلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ فِيهِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى رَجُلٍ وَقَتَلَهُ صَرْعًا فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حِمَارٍ حَمَلَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ وَحَمَلَ الْآخَرُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى فَمَاتَ الْحِمَارُ مِنْ ذَلِكَ تَجِبُ الْقِيمَةُ أَثْلَاثًا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَخَذَ بِنَفَسِ إنْسَانٍ وَأَخَذَ آخَرُ بِنَفَسِهِ الْآخَرِ فَمَاتَ الْمَأْخُوذُ مِنْ ذَلِكَ وَهُنَاكَ يَجِبُ الضَّمَانُ كَذَا هُنَا هَذَا إذَا وَقَعَ الْحَائِطُ عَلَى حُرٍّ وَلَوْ وَقَعَ الْحَائِطُ عَلَى عَبْدٍ إنْ قَتَلَهُ غَمًّا، فَإِنَّ قِيمَتَهُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا.
وَإِنْ جَرَحْته الْحَائِطُ وَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْ الْجِرَاحَةِ فَالْجِرَاحَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا وَالنَّفْسُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ جَرَحَهُ الْحَائِطُ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْغَمِّ وَالْجِرَاحَةِ، فَإِنَّ الْجِرَاحَةَ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا نِصْفُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفْسِ وَهُوَ حِصَّةُ الْغَمِّ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا أَيْضًا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ وَهُوَ حِصَّةُ الْجِرَاحَةِ بَيْنهمَا نِصْفَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حَائِطٍ مَائِلٍ لِرَجُلَيْنِ أَشْهَدَ عَلَيْهِمَا وَحَائِطٍ مَائِلٍ لِرَجُلٍ أَشْهَدَ عَلَيْهِ سَقَطَا عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَاهُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْحَائِطُ وَنِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فَسَقَطَا عَلَى الرَّجُلَيْنِ فَمَاتَا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إنْ مَاتَ مِنْ جُرْحٍ جَرَحَهُ الْحَائِطُ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ مَاتَ مِنْ ثِقَلِهِمَا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَلَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فَأَمَّا إذَا وَضَعَ فِي مِلْكِهِ عَرَضًا حَتَّى خَرَجَ طَرَفُهُ مِنْهُ إلَى الطَّرِيقِ إنْ سَقَطَ فَأَصَابَ الطَّرَفَ الْخَارِجَ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
وَكَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي إخْرَاجِ الْمِيزَابِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا وَكَانَ مُمْكِنٌ وَضْعَ الْجِذْعِ عَلَيْهِ طُولًا حَتَّى لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهُ إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ سَقَطَ ذَلِكَ الْجِذْعُ عَلَى إنْسَانٍ وَمَاتَ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَأَطْلَقَ الْجَوَابَ إطْلَاقًا وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ الْحَائِطُ مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ مَيْلًا يَسِيرًا غَيْرَ فَاحِشٍ فَأَمَّا إذَا مَالَ مَيْلًا فَاحِشًا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَيَلَانَ إذَا كَانَ غَيْرَ فَاحِشٍ بِحَيْثُ يُوجَدُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَقْتَ الْبِنَاءِ يَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِدَارَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ مَيَلَانٍ يَكُونُ لَهُ إلَى الطَّرِيقِ فَأَمَّا إذَا كَانَا مَيْلًا فَاحِشًا بِحَيْثُ يُحْتَرَزُ مِنْهُ عِنْدَ الْبِنَاءِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إذَا سَقَطَ ذَلِكَ عَلَى إنْسَانٍ إنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وَضَعَ الْجِذْعَ طُولًا عَلَى الْحَائِطِ الْمَائِلِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ شَغَلَ الْهَوَاءَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلَوْ شَغَلَ هَوَاءَ الطَّرِيقِ بِوَاسِطَةٍ بِأَنْ أَخْرَجَ الْجِذْعَ عَنْ الْحَائِطِ فَسَقَطَ فَأَصَابَ إنْسَانًا كَذَا هَذَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَا أَطْلَقَهُ مُحَمَّدٌ لَا يَضْمَنُ فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْوَضْعُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِي الْحَائِطِ ثُمَّ سَقَطَ الْجِذْعُ فَأَصَابَ إنْسَانًا يَقُولُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ]
(بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ) لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ شَرَعَ فِي بَيَانِ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَلَا شَكَّ فِي تَقَدُّمِ جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْبَهِيمَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْرُغْ مِنْ بَيَانِ جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا بَلْ بَقِيَ مِنْهَا جِنَايَةُ الْمَمْلُوكِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ الْإِنْسَانِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْبَهِيمَةِ وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ رحمه الله (ضَمِنَ الرَّاكِبُ مَا أَوْطَأَتْ دَابَّتُهُ بِيَدٍ وَرِجْلٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ كَدَمَتْ أَوْ خَبَطَتْ أَوْ صَدَمَتْ لَا مَا نَفَحَتْ بِرِجْلٍ أَوْ ذَنَبٍ إلَّا إذَا أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ إذْ الْإِبَاحَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالسَّلَامَةِ، وَالِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِيطَاءِ وَالْكَدْمِ وَالصَّدْمِ وَالْخَبْطِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ السَّيْرِ وَقَيَّدْنَاهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِي الْعَيْنِيِّ عَلَى الْهِدَايَةِ الْكَدْمُ بِمُقَدَّمِ الْإِنْسَانِ وَالْخَبْطُ بِالْيَدِ وَالصَّدْمُ هُوَ أَنْ تَطْلُبَ الشَّيْءَ بِجَسَدِك، وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّفْحَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِيقَافِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَّا إذَا أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ أَطْلَقَ فِيمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
أَمَّا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ لَا يَضْمَنُ إلَّا فِي الْإِيطَاءِ وَهُوَ رَاكِبُهَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُ مُبَاشَرَةً حَتَّى يُحْرَمَ بِهِ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِشَرْطِ التَّعَدِّي فَصَارَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَفِي الْمُبَاشَرَةِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ تَسَبَّبَ فِيهِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ كَانَ
بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّابَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَهَا مَالِكُهَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، فَإِنْ أَدْخَلَهَا هُوَ ضَمِنَ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا لِوُجُودِ التَّعَدِّي بِالْإِدْخَالِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالْمِلْكُ الْمُشْتَرَكُ كَمِلْكِهِ الْخَاصِّ بِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْمَسْجِدُ كَالطَّرِيقِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا لِوُقُوفِ الدَّوَابِّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَلَا ضَمَانَ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الْوُقُوفِ فِيهِ وَكَذَا إيقَافُ الدَّوَابِّ فِي سُوقِ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ وَكَذَا إذَا أَوْقَفَهَا فِي طَرِيقٍ مُتَّسَعَةٍ لَا يَضُرُّ وُقُوفُهَا بِالنَّاسِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَّسَعَةٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ دَابَّةٌ مَرْبُوطَةٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ وَحَلَّ الرِّبَاطَ فَقَدْ زَالَتْ الْجِنَايَةُ فَمَا عَطِبَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ هَدَرٌ فَلَوْ جَالَتْ الدَّابَّةُ فِي رِبَاطِهَا فَمَا أَصَابَ شَيْئًا وَأَتْلَفَهُ فَهُوَ مَضْمُونٌ سَوَاءٌ ضَرَبَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِرَأْسِهَا فَلَوْ رَبَطَهَا فِي مَكَان فَذَهَبَتْ إلَى مَكَان آخَرَ فَمَا أَصَابَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَهُوَ هَدَرٌ وَفِيهَا أَيْضًا الرَّاكِبُ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ تَسِيرُ بِهِ فَنَخَسَهَا رَجُلٌ فَأَلْقَتْ الرَّاكِبَ إنْ كَانَ الرَّاكِبُ أَذِنَ لَهُ فِي النَّخْسِ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاخِسِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ الدِّيَةَ، وَإِنْ ضَرَبَتْ النَّاخِسَ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَإِنْ أَصَابَتْ رَجُلًا آخَرَ بِالذَّنَبِ أَوْ الرِّجْلِ أَوْ كَيْفَمَا أَصَابَتْ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاكِبِ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا إلَّا فِي النَّفْحَةِ بِالرِّجْلِ أَوْ الذَّنَبِ، فَإِنَّهُ جُبَارٌ إلَّا إذَا كَانَ الرَّاكِبُ وَاقِفًا بِغَيْرِ مِلْكِهِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَنَخَسَهَا فَنَفَحَتْ بِرِجْلِهَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيمَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا قَالَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ نَفَحَتْ الدَّابَّةُ إذَا ضَرَبَتْ بِحَافِرِهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِثْلُ هَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَقُولُ: كَوْنُ الْمَذْكُورِ فِي الصِّحَاحِ كَذَا مَمْنُوعٌ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ كَوْنُ الضَّرْبِ بِحَدِّ الْحَافِرِ بَلْ قَالَ فِيهِ وَنَفَحَتْ النَّاقَةُ ضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ إشْكَالٌ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِمَّا ذُكِرَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَمِمَّا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا أَنْ لَا تَكُونَ النَّفْحَةُ إلَّا بِالرِّجْلِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنَ بِالنَّفْحَةِ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ النَّفْحَةُ بِالذَّنَبِ أَيْضًا بَلْ يَلْزَمُ أَيْضًا اسْتِدْرَاكُ قَوْلِهِ بِرِجْلِهَا؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ بِالرِّجْلِ كَانَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ النَّفْحَةِ لَا يُقَالُ ذِكْرُ الرِّجْلِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ وَذِكْرُ الذَّنَبِ عَلَى التَّحْدِيدِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اعْتِبَارُ التَّأْكِيدِ وَالتَّحْدِيدِ مَعًا بِالنَّظَرِ إلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مُتَعَذِّرٌ لِلتَّنَافِي بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ بَلْ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ أَنْ تُحْمَلَ النَّفْحَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ فَيَصِحُّ ذِكْرُ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ كِلَيْهِمَا بِلَا إشْكَالٍ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا حَصَاةٌ أَوْ نَوَاةً أَوْ أَثَارَ غُبَارًا أَوْ حَجَرًا صَغِيرًا فَفَقَأَ عَيْنًا لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ كَبِيرًا ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ الْحِجَارَةِ الصِّغَارِ وَالْغُبَارِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ الْكِبَارِ مِنْ الْحِجَارَةِ مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَادَةً مِنْ قِلَّةِ هِدَايَةِ الرَّاكِبِ فَيَضْمَنُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ قِيلَ لَوْ عَنَّفَ الدَّابَّةَ فَأَثَارَتْ حَجَرًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يَضْمَنُ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ أَوْقَفَ دَابَّةً فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَرْبِطْهَا فَسَارَتْ إلَى مَكَان آخَرَ وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا كَذَا فِي الْكُبْرَى وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ، وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ فَضَرَبَهَا وَكَبَحَهَا بِاللِّجَامِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِذَنَبِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا قَالُوا فِيمَنْ سَاقَ دَابَّةً عَلَيْهَا وَقْرٌ مِنْ الْحِنْطَةِ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا مِنْ الطَّرِيقِ نَفْسًا أَوْ مَالًا فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ أَمَّا إنْ قَالَ السَّائِقُ أَوْ الْقَائِدُ أَوْ الرَّاكِبُ إلَيْك، فَإِنْ سَمِعَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَلَمْ يَذْهَبْ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا إنْ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ مَكَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَكَانِ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا آخَرَ لِيَذْهَبَ فَمَكَثَ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ حَتَّى تَخَرَّقَ ثِيَابُهُ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إلَيْك رَكِبَ الدَّابَّةَ ضَمِنَ وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ سَاقَ حِمَارًا عَلَيْهِ وَقْرُ حَطَبٍ فَقَالَ السَّائِقُ بِالْفَارِسِيَّةِ (كوسيت أَوْ يَرِثهُ) فَلَمْ يَسْمَعْ الْوَاقِفُ حَتَّى أَصَابَهُ الْحَطَبُ فَخَرَقَ ثَوْبَهُ أَوْ سَمِعَ لَكِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يَتَنَحَّى عَنْ الطَّرِيقِ لِقِصَرِ الْمُدَّةِ ضَمِنَ، وَإِنْ سَمِعَ وَتَهَيَّأَ وَلَمْ يَنْتَقِلْ لَا يَضْمَنُ وَنَظِيرُ هَذَا مَنْ أَقَامَ حِمَارًا عَلَى الطَّرِيقِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ فَجَاءَ رَاكِبٌ وَكَرَّ شَلَّا وَخَرَقَ الثِّيَابَ إنْ كَانَ الرَّاكِبُ يُبْصِرُ الْحِمَارَ وَأَرْسُوَن يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يُبْصِرْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنُوا الثِّيَابَ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ لَا يَضْمَنُ وَكَذَا رَجُلٌ جَلَسَ عَلَى الطَّرِيقِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ فَلَمْ يَرُدَّهُ
فَمَاتَ الْجَالِسُ لَا يَضْمَنُ ثُمَّ الَّذِي سَاقَ الْحِمَارَ إذَا كَانَ لَا يُنَادِي يَا رَبِّ أَيْ لَوْ شِئْت حَتَّى تَعَلَّقَ الْحَطَبُ بِثَوْبِ رَجُلٍ فَتَخَرَّقَ يَضْمَنُ إنْ مَشَى الْحِمَارُ إلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ.
وَإِنْ مَشَى إلَى الْحِمَارِ وَهُوَ يَرَاهُ أَوْ لَمْ يَتَبَاعَدْ عَلَيْهِ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ وَثَبَ مِنْ نَخْسِهِ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ أَوْ وَطِئَتْ رَجُلًا فَقَتَلَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ وَفِي الْكَافِي فِدْيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قَالَ رحمه الله (فَإِنْ رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِهِ إنْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ لَا يَخْلُو عَنْ رَوْثٍ وَبَوْلٍ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ فِيمَا إذَا رَاثَتْ أَوْ بَالَتْ وَهِيَ تَسِيرُ وَكَذَا إذَا أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا وَاقِفًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ فَبَالَتْ أَوْ رَاثَتْ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي الْإِيقَافِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ السَّيْرِ وَهُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا أَيْضًا مِنْ السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أَدْوَمَ مِنْهُ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ، وَإِنْ أَوْقَفَهَا لِغَيْرِهِ ضَمِنَ.
وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ وَاقِفٌ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَنْخُسَ دَابَّتَهُ فَنَخَسَهَا فَقَتَلَتْ رَجُلًا فَدِيَةُ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى النَّاخِسِ وَالرَّاكِبِ جَمِيعًا وَدَمُ الْآمِرِ بِالنَّخْسِ هَدَرٌ وَلَوْ سَارَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا ثُمَّ نَفَحَتْ مِنْ فَوْرِ النَّخْسِ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ وَلَوْ لَمْ تَسِرْ وَنَفَحَتْ النَّاخِسَ وَرَجُلًا آخَرَ وَقَتَلَهُمَا فَدِيَةُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى النَّاخِسِ وَالرَّاكِبِ وَنِصْفُ دِيَةِ النَّاخِسِ عَلَى الرَّاكِبِ.
وَلَوْ لَمْ يُوقِفْهَا الرَّاكِبُ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَكِنْ حَرَنَتْ فَوَقَفَتْ فَنَخَسَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ لِتَسِيرَ فَنَفَحَتْ إنْسَانًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ اكْتَرَى مِنْ آخَرَ دَابَّةً لِيَذْهَبَ عَلَيْهَا فِي حَاجَةٍ لَهُ فَأَتْبَعَهُ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَنْ يَسُوقَهَا، فَإِنْ وَقَفَ الرَّاكِبُ فِي الطَّرِيقِ عَلَى أَهْلِ مَجْلِسٍ فَحَرَنَتْ فَنَخَسَهَا صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَوْ ضَرَبَهَا أَوْ سَاقَهَا فَنَفَحَتْ الدَّابَّةُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ فَقَتَلَتْ إنْسَانًا فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ جَمِيعًا وَفِيهِ أَيْضًا صَبِيٌّ رَكِبَ دَابَّةً بِأَمْرِ أَبِيهِ ثُمَّ إنَّ الصَّبِيَّ الرَّاكِبَ أَمَرَ صَبِيًّا فَنَخَسَهَا فَالْقَوْلُ فِيهِ إذَا كَانَ مَأْذُونًا كَالْقَوْلِ فِي الْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَأَمَرَ صَبِيًّا حَتَّى نَخَسَهَا فَسَارَتْ وَنَفَحَتْ مِنْ النَّخْسَةِ فَعَلَى النَّاخِسِ الضَّمَانُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاكِبِ، وَإِنْ أَمَرَ بِذَلِكَ وَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَقَتَلَتْهُ وَكَانَ سَيْرُهَا مِنْ النَّخْسَةِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ النَّاخِسِ وَلَا يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّاكِبِ وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ رَكِبَ دَابَّةَ رَجُلٍ قَدْ أَوْقَفَهَا رَبُّهَا فِي الطَّرِيقِ وَرَبَطَهَا وَغَابَ فَأَمَرَ رَبُّ الدَّابَّةِ رَجُلًا حَتَّى نَخَسَهَا فَنَفَحَتْ رَجُلًا أَوْ نَفَحَتْ الْآمِرَ فَدِيَتُهُ عَلَى النَّاخِسِ، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا حَتَّى نَخَسَهَا فَقَتَلَتْ رَجُلًا فَدِيَتُهُ عَلَى الْآمِرِ وَالنَّاخِسِ نِصْفَيْنِ رَجُلٌ أَذِنَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ فَدَخَلَهَا رَاكِبًا فَوَطِئَتْ دَابَّتُهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا فَلَا ضَمَانَ أَدْخَلَ بَعِيرًا بِرَحْلِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْمُتَعَلِّمُ فَقَتَلَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْمُتَعَلِّمِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَدْخَلَ صَاحِبُ الْمُتَعَلِّمِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّارِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ الْبَعِيرُ غَيْرَ مُتَعَلِّمٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مُتَعَلِّمٍ.
وَفِي الْفَتَاوَى رَبَطَ حِمَارَهُ فِي أَرْضِهِ لِيَأْكُلَ عَلَفًا فَجَاءَ حِمَارُ رَجُلٍ فَعَقَرَهُ فَجَعَلَهُ مَعْيُوبًا عَيْبًا فَاحِشًا قَالَ لَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ عَلَى صَاحِبِ الْحِمَارِ قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي بَدِيعُ الدِّينِ إنْ كَانَ صَاحِبُهُ مَعَهُ يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا يَضْمَنُ.
قَالَ رحمه الله (وَمَا ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ) أَيْ كُلُّ شَيْءٍ يَضْمَنُهُ الرَّاكِبُ يَضْمَنَانِ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ كَالرَّاكِبِ فِي غَيْرِ الْإِيطَاءِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ بِالتَّعَدِّي فِيهِ كَالرَّاكِبِ وَقَوْلُهُ وَمَا ضَمِنَهُ الرَّاكِبُ ضَمِنَهُ السَّائِقُ وَالْقَائِدُ يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ فِي الصَّحِيحِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ السَّائِقَ يَضْمَنُ النَّفْحَةَ بِالرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَيُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا مَعَ السَّيْرِ وَغَائِبَةٌ عَنْ بَصَرِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ فَلَا يُمْكِنُهُمَا الِاحْتِرَازُ عَنْهَا بِخِلَافِ الْكَدْمِ وَالصَّدْمِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يَضْمَنُونَ كُلُّهُمْ النَّفْحَةَ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَمَعْنَاهُ النَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ.
قَالَ رحمه الله (وَعَلَى الرَّاكِبِ الْكَفَّارَةُ لَا عَلَيْهِمَا) أَيْ لَا عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ وَمُرَادُهُ فِي الْإِيطَاءِ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِثِقَلِهِ وَثِقَلُ دَابَّتِهِ تَبَعٌ، فَإِنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مُضَافٌ إلَيْهِ وَهِيَ الْعِلَّةُ وَهُمَا مُسَبَّبَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ مِنْهُمَا شَيْءٌ بِالْمَحَلِّ وَكَذَلِكَ الرَّاكِبُ فِي غَيْرِ الْإِيطَاءِ وَالْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ لَا حُكْمُ التَّسَبُّبِ وَكَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيطَاءِ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ دُونَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُبَاشِرِ وَلَوْ كَانَ سَائِقٌ وَرَاكِبٌ قِيلَ لَا يَضْمَنُ السَّائِقُ مَا فَعَلَتْ الدَّابَّةُ
لِأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَالسَّائِقَ مُسَبِّبٌ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشَرَةِ أَوْلَى وَقِيلَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الرَّاكِبَ إذَا أَمَرَ إنْسَانًا فَنَخَسَ الْمَأْمُورُ الدَّابَّةَ وَوَطِئَتْ إنْسَانًا كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا فَاشْتَرَكَا فِي الضَّمَانِ وَالنَّاخِسُ سَائِقٌ وَالْآمِرُ رَاكِبٌ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْجَوَابُ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْمُسَبِّبَ إنَّمَا يَضْمَنُ مَعَ الْمُبَاشَرَةِ إذَا كَانَ السَّبَبُ شَيْئًا لَا يَعْمَلُ بِانْفِرَادِهِ فِي الْإِتْلَافِ كَالْحَفْرِ مَعَ الْإِلْقَاءِ، فَإِنَّ الْحَفْرَ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا بِدُونِ الْإِلْقَاءِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ يَعْمَلُ بِانْفِرَادِهِ فِي الْإِتْلَافِ فَيَشْتَرِكَانِ وَهَذَا مِنْهُ.
وَفِي الْأَصْلِ يَقُولُ رَجُلٌ قَادَ قِطَارًا مِنْ الْإِبِلِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَا وَطِئَ أَوَّلُ الْقِطَارِ وَآخِرُهُ مَالًا أَوْ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَالْقَائِدُ ضَامِنٌ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ يَسُوقُ الْإِبِلَ إلَّا أَنَّهُ تَارَةً يَتَقَدَّمُ وَتَارَةً يَتَأَخَّرُ، فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ يَسُوقُ الْإِبِلَ وَسَطَ الْقِطَارِ فَمَا أَصَابَ مِمَّا خَلْفَ هَذَا الَّذِي فِي وَسَطِ الْقِطَارِ أَوْ مِمَّا قَبْلَهُ فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا يُرِيدُ بِهِ إذَا كَانَ هَذَا الَّذِي يَمْشِي فِي وَسَطِ الْقِطَارِ وَلَا يَمْشِي فِي جَانِبٍ مِنْ الْقِطَارِ وَلَا يَأْخُذُ بِزِمَامِ بَعِيرٍ يَقُودُ مَا خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ سَائِقٌ لِوَسَطِ الْقِطَارِ فَيَكُونُ سَائِقًا لِلْكُلِّ بِحُكْمِ اتِّصَالِ الْأَزِمَّةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقِطَارِ آخِذًا بِزِمَامٍ يَقُودُ مَا خَلْفَهُ وَلَا يَسُوقُ مَا قَبْلَهُ فَمَا أَصَابَ مِمَّا خَلْفَ هَذَا الَّذِي فِي هَذَا الْقِطَارِ فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى الْقَائِدِ الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى هَذَا الَّذِي فِي وَسَطِ الْقِطَارِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَائِدٍ لِمَا قَبْلَهُ وَلَا سَائِقٍ حَتَّى لَوْ كَانَ سَائِقًا لَهُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِي الضَّمَانِ كَذَا فِي الْمُغْنِي وَفِي الْيَنَابِيعِ، وَإِنْ كَانَ السَّائِقُ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ فَمَا أَصَابَ مِنْ خَلْفِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ فِي مُقَدَّمِ الْقِطَارِ وَالْآخَرُ فِي مُؤَخَّرِ الْقِطَارِ وَالثَّالِثُ فِي وَسَطِ الْقِطَارِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَالْمُؤَخَّرِ يَسُوقَانِ وَالْمُقَدَّمُ يَقُودُ الْقِطَارَ فَمَا عَطِبَ بِمَا أَمَامَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ فَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْقَائِدِ وَمَا تَلِفَ مِمَّا هُوَ خَلْفَهُ فَهُوَ كُلُّهُ عَلَى الْقَائِدِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَخَّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِقًا.
وَإِنْ كَانُوا يَسُوقُونَ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا السِّغْنَاقِيِّ وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا وَسَطَ الْقِطَارِ عَلَى بَعِيرِهِ وَلَا يَسُوقُ مِنْهَا شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ مَا تَعِيبُ الْإِبِلُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَائِقٍ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الضَّمَانِ مِمَّا أَصَابَ الْبَعِيرُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ أَوْ مَا خَلْفَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ إذَا كَانَ زِمَامُ مَا خَلْفَهُ بِيَدِهِ يَقُودُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ نَائِمًا عَلَى بَعِيرِهِ أَوْ قَاعِدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ فِي حَقِّ مَا خَلْفَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْبَعِيرِ الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا يَقُودُ قِطَارًا وَآخَرُ مِنْ خَلْفِ الْقِطَارِ يَسُوقُهُ وَعَلَى الْإِبِلِ قَوْمٌ فِي الْمَحَالِّ نِيَامٌ أَوْ غَيْرُ نِيَامٍ فَوَطِئَ بَعِيرٌ مِنْهَا إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَالرَّاكِبِينَ الَّذِينَ قُدَّامَ الْبَعِيرِ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ وَالْكَفَّارَةُ عَلَى رَاكِبِ الْبَعِيرِ الَّذِي وَطِئَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشِرِ.
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى إذَا قَادَ الرَّجُلُ قِطَارًا وَخَلْفَهُ سَائِقٌ وَأَمَامَهُ رَاكِبٌ فَوَطِئَ الرَّاكِبُ إنْسَانًا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا وَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَ بَعِيرٌ مِمَّا خَلْفَ الرَّاكِبِ إنْسَانًا، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بِغَيْرِ أَمَامٍ فَهُوَ عَلَى الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ نِصْفَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاكِبِ وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى مَسْأَلَةَ الْقِطَارِ بَعْدَ هَذَا فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَأَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَى الْقَائِدِ وَعَلَى مَنْ كَانَ قُدَّامَ الْبَعِيرِ الَّذِي أَوْطَأَ مِنْ الرُّكْبَانِ قَالَ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ مِنْ الرُّكْبَانِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْسَانًا مُؤَجَّرًا وَيَسُوقَ فَيَكُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى السَّائِقِ الَّذِي خَلْفَهُ يَشْتَرِكُونَ جَمِيعًا فِيهِ الْخَانِيَّةُ.
رَجُلٌ يَقُودُ دَابَّةً فَسَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا يُحْمَلُ عَلَى الْإِبِلِ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ سَقَطَ سَرْجُ الدَّابَّةِ أَوْ لِجَامُهَا عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ أَوْ سَقَطَ ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ وَمَاتَ يَضْمَنُ الْقَائِدُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا الْقَاضِي وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ زَرْعٍ سَلَّمَ الْحِمَارَ إلَى الْمُزَارِعِ فَرَبَطَ الدَّابَّةَ عَلَيْهِ وَشَدَّ الْحِمَارَ فِي الدَّالِيَةِ بِأَمْرِهِ فَانْقَطَعَ خَيْطٌ مِنْ خُيُوطِهَا فَوَقَعَ الْحِمَارُ فِي حُفْرَةِ الدَّالِيَةِ فَعَطِبَ الْحِمَارُ هَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُزَارِعِ فَقَالَ لَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ قَادَ قِطَارًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدُ بِبَعِيرٍ وَرَبَطَهُ بِالْقِطَارِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَأَصَابَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا فَضَمَانُهُ عَلَى الْقَائِدِ دُونَ الرَّابِطِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَبَبًا لِلْإِتْلَافِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ قَالَ لَا يَرْجِعُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَفْصِلْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيْنَ مَا إذَا رَبَطَ الْبَعِيرَ بِالْقِطَارِ وَالْقِطَارُ يَسِيرُ.
وَفِي بَعْضِ كُتُبِ النَّوَادِرِ أَنَّ الْقِطَارَ إنْ كَانَ لَا يَسِيرُ حَالَةَ الرَّبْطِ فَقَادَهَا الْقَائِدُ بَعْدَ الرَّبْطِ لَا يَرْجِعُ الْقَائِدُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ عَلِمَ الْقَائِدُ بِرَبْطِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ كَانَ الْقِطَارُ يَسِيرُ حَالَةَ الرَّبْطِ فَالْقَائِدُ يَرْجِعُ
عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَبْطِهِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى، وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ وَخَلْفَهُ رَدِيفٌ وَخَلْفَ الدَّابَّةِ سَائِقٌ وَأَمَامَهَا قَائِدٌ فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَاعًا وَعَلَى الرَّاكِبِ وَالرَّدِيفِ الْكَفَّارَةُ، وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَتْ بِحَجَرٍ وَضَعَهُ رَجُلٌ أَوْ بِدُكَّانٍ بَنَاهُ رَجُلٌ أَوْ بِمَاءٍ صَبَّهُ رَجُلٌ فَوَقَعَتْ عَلَى إنْسَانٍ وَأَتْلَفَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَ الْحَجَرَ وَبَنَى الدُّكَّانَ وَصَبَّ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُسَبَّبُ الْإِتْلَافِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ وَفِي الْكَفَّارَةِ إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ طَيْرًا فَأَصَابَ فِي فَوْرِهِ شَيْئًا ضَمِنَ فِي الدَّابَّةِ دُونَ الْكَلْبِ وَالطَّيْرِ وَفِي الصُّغْرَى الطَّحَاوِيُّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْكُلَّ كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ اصْطَدَمَ فَارِسَانِ أَوْ مَاشِيَانِ فَمَاتَا ضَمِنَ عَاقِلَةُ كُلٍّ دِيَةَ الْآخَرِ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ الْآخَرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ فَيُعْتَبَرُ نِصْفُهُ وَيُهْدَرُ النِّصْفُ كَمَا إذَا كَانَ الِاصْطِدَامُ عَمْدًا وَجَرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ أَوْ حَفَرَا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ بِئْرًا فَانْهَدَمَ عَلَيْهِمَا أَوْ وَقَفَا فِيهِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ فَكَذَا هَذَا وَلَنَا أَنَّ قَتْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَافٌ إلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الضَّمَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مُطْلَقًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا مَشْيُهُ وَثِقَلُهُ فِي نَفْسِهِ لَمَا هَوَى فِي الْبِئْرِ وَفِعْلُ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ التَّلَفِ بِهِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ أَوْجَبَ كُلَّ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَانِ فَرَجَّحْنَا مَا ذَكَرْنَا وَيُحْتَمَلُ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ كُلَّ الدِّيَةِ عَلَى الْخَطَأِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَا بِهِ مِنْ الِاصْطِدَامِ وَجَرِحَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفْسَهُ وَصَاحِبَهُ وَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَحْظُورٌ مُطْلَقًا فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَيْضًا فَيَكُونُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْحُرَّيْنِ وَلَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ هُدِرَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى فِيهِ غَيْرُ مُخْتَارٍ لِلْفِدَاءِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَالْآخَرُ عَبْدًا يَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا فِي الْخَطَأِ وَنِصْفُهَا فِي الْعَبْدِ فَيَأْخُذُهَا وَرَثَةُ الْحُرِّ الْمَقْتُولِ وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْخَلْفِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الْآدَمِيِّ.
وَإِذَا تَجَاذَبَ رَجُلَانِ حَبْلًا فَانْقَطَعَ الْحَبْلُ فَسَقَطَا أَوْ مَاتَا يُنْظَرُ، فَإِنْ وَقَعَا عَلَى الْقَفَا لَا تَجِبُ لَهُمَا دِيَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ وَقَعَا عَلَى الْوَجْهِ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَإِنْ قَطَعَ إنْسَانٌ الْحَبْلَ بَيْنَهُمَا فَوَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَفَا فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ وَكَذَا عَلَى هَذَا سَائِرُ الضَّمَانَاتِ وَقَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَرَاجِعْهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَفِي تَقْيِيدِ الْفَارِسَيْنِ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ، وَإِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ لَيْسَتْ زِيَادَةَ فَائِدَةٍ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي اصْطِدَامِ الْمَاشِيَيْنِ وَمَوْتِهِمَا بِذَلِكَ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ سِوَى أَنَّ مَوْتَ الْمُصْطَدِمَيْنِ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَارِسَيْنِ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ آخِذًا مِنْ النِّهَايَةِ حُكْمُ الْمَاشِيَيْنِ حُكْمُ الْفَارِسَيْنِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَوْتُ الْمُصْطَدِمَيْنِ غَالِبًا فِي الْفَارِسَيْنِ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ. اهـ.
وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا اصْطَدَمَ الْمَاشِيَانِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَارِسَيْنِ اتِّفَاقِيٌّ أَوْ بِحَسَبِ الْغَالِبِ. اهـ.
وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ أَقُولُ: عَجِيبٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ مِثْلُ هَذِهِ التَّعَسُّفَاتِ مَعَ كَوْنِ وَجْهِ التَّقْيِيدِ بِالْفَارِسَيْنِ بَيِّنًا؛ لِأَنَّ الْبَابَ الَّذِي عَرَفْته بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ اصْطِدَامَ الْمَاشِيَيْنِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ فَكَانَ خَارِجًا عَنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ وَجَدَ فِي زَرْعِهِ فِي اللَّيْلِ ثَوْرَيْنِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ فَبَانَا أَنَّهُمَا لِغَيْرِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فَدَخَلَ وَاحِدٌ وَفَرَّ آخَرُ فَتَبِعَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَضْمَنُهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ يَضْمَنُ
وَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَرُدَّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ لَمْ يَضْمَنْ فَقِيلَ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ قَالَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كَانَ لُقَطَةً، فَإِنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شُهُودًا يَكُونُ عُذْرًا، وَإِنْ كَانَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ فَكَمَا أَخْرَجَهُ يَكُونُ ضَامِنًا وَقَالَ الْقَاضِي عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ، وَإِنْ وَجَدَ فِي زَرْعِهِ دَابَّةً فَسَاقَهَا بِقَدْرِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِهِ؛ لَا يَكُونَ ضَامِنًا، فَإِذَا سَاقَ وَزَادَ وَرَاءَ ذَلِكَ الْقَدْرِ
يَصِيرُ غَاصِبًا بِالسُّوقِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ عَبْدَانِ الْتَقَيَا وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ عَصًا فَضَرَبَا وَبَرِئَا خُيِّرَ مَوْلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَتَرَاجَعَانِ بِشَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَلَكَ عَبْدَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يُفِيدُ التَّرَاجُعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا لَرَجَعَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ فِي رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ فَمَا يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَذَاكَ بَدَلُ الْآخَرِ وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ فَلَا يُفِيدُ الرُّجُوعَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَدَى كُلُّ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ لِأَنَّهُمَا لَمَّا ضَرَبَا مَعًا فَقَدْ جَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَبْدٍ صَحِيحٍ فَتَعَلَّقَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْلَيَيْنِ بِعَبْدٍ صَحِيحٍ فَيَجِبُ بَدَلُ عَبْدٍ صَحِيحٍ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالضَّرْبَةِ خُيِّرَ الْمَوْلَى مَوْلَى الْبَادِئِ؛ لِأَنَّ الْبِدَايَةَ مِنْ مَوْلَى اللَّاحِقِ لَا تُفِيدُ، لِأَنَّ حَقَّ اللَّاحِقِ فِي عَبْدٍ صَحِيحٍ كَامِلِ الرَّقَبَةِ، فَإِذَا دَفَعَ إلَى الْبَادِئِ عَبْدًا مَشْجُوجًا كَانَ لِلَّاحِقِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ عَبْدُك شَجَّ عَبْدِي وَهُوَ صَحِيحٌ وَدَفَعْتَ إلَيَّ عَبْدَكَ بَدَلَ تِلْكَ الشَّجَّةِ فَيَكُونُ لِي وَالْبِدَايَةُ مِنْ مَوْلَى الْبَادِئِ بِالدَّفْعِ مُفِيدَةٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَادِئِ ثَبَتَ فِي عَبْدٍ مَشْجُوجٍ فَمَتَى دَفَعَهُ مَشْجُوجًا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ فَكَانَ دَفْعُهُ مُفِيدًا.
فَإِنْ دَفَعَهُ فَالْعَبْدُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ الْبَادِئُ بِشَيْءٍ كَانَ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدٍ صَحِيحٍ فَلَا يُفِيدُ رُجُوعُ الْبَادِئِ، وَإِنْ فَدَاهُ خُيِّرَ مَوْلَى اللَّاحِقِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَ الْبَادِئِ عَنْ الْجِنَايَةِ بِالْفِدَاءِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ اللَّاحِقُ فَإِنْ مَاتَ الْبَادِئُ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي عُنُقِ الثَّانِي يَدْفَعُ بِهَا أَوْ الْفِدَاءَ، فَإِنْ فَدَاهُ بِقِيمَةِ الْمَيِّتِ رَجَعَ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ بِأَرْشِ جِرَاحَتِهِ عَبْدًا؛ لِأَنَّ بِالْفِدَاءِ أَظْهَرَ عَبْدًا لِلَّاحِقِ عَنْ الْجِنَايَةِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، وَإِنَّمَا جَنَى عَلَيْهِ الْبَادِئُ وَالْبَادِئُ وَإِنْ مَاتَ فَالْقِيمَةُ قَامَتْ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَإِنْ دَفَعَهُ رَجَعَ بِأَرْشِ شَجَّةِ عَبْدِهِ فِي عُنُقِهِ وَيُخَيَّرُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ قَامَ مَقَامَ الْمَيِّتِ الشَّاجِّ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ خُيِّرَ مَوْلَى الْعَبْدِ الْبَادِئِ، وَإِنْ فَدَاهُ أَوْ دَفَعَ بَطَلَ حَقُّهُ فِي شَجَّةِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ شَجَّ اللَّاحِقُ الْبَادِئَ كَانَ اللَّاحِقُ مَشْجُوجًا فَثَبَتَ حَقُّ مَوْلَى الْبَادِئِ فِي عَبْدٍ مَشْجُوجٍ فَثَبَتَ حَقُّهُ فِيمَا وَرَاءَ الشَّجَّةِ فَمَاتَ لَا إلَى خَلْفٍ لَمَّا مَاتَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ فَبَطَلَ حَقُّ مَوْلَى الْبَادِئِ فِي شَجَّةِ عَبْدِهِ وَلَوْ مَاتَ الْبَادِئُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ سِوَى الْجِنَايَةِ وَبَقِيَ اللَّاحِقُ خُيِّرَ مَوْلَى الْبَادِئِ وَيُقَالُ لَهُ إنْ شِئْت فَاعْفُ عَنْ مَوْلَى اللَّاحِقِ وَلَا سَبِيلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ شِئْت ادْفَعْ أَرْشَ شَجَّةِ اللَّاحِقِ وَطَالِبْهُ بِحَقِّك وَإِنْ دَفَعَ إلَى صَاحِبِهِ أَرْشَ عَبْدِهِ يَرْجِعُ بِأَرْشِ جِنَايَةِ عَبْدِهِ فَيَدْفَعُ مَوْلَى اللَّاحِقِ عَبْدَهُ بِهَا أَوْ يَفْدِيهِ أَمَّا الْمَفْهُومُ فَلِأَنَّ مَوْلَى الْبَادِئِ بِجِنَايَتِهِ إذَا دَفَعَ كَانَ لِمَوْلَى اللَّاحِقِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِأَرْشِ شَجَّةِ عَبْدِهِ وَكَانَ لِمَوْلَى الْبَادِئِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ الْمَدْفُوعَ ثَانِيًا إلَيْهِ عَنْ حَقِّهِ فَلَا يُفِيدُهُ الدَّفْعُ.
وَإِنَّمَا دَفَعَ أَرْشَ شَجَّةِ اللَّاحِقِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَفَعَ أَرْشَ عَبْدِ اللَّاحِقِ فَقَدْ طَهُرَ الْبَادِئُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ، وَإِنَّمَا جَنَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ اللَّاحِقُ فَيُخَاطَبُ مَوْلَى اللَّاحِقِ بِالدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ وَأَيَّ ذَلِكَ اخْتَارَ لَا يَبْقَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّهُ، وَإِنْ أَبَى مَوْلَى الْبَادِئِ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْشَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عِتْقِ الْآخَرِ، فَإِنَّ مَوْلَى الْبَادِئِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْعَفْوِ وَبَيْنَ دَفْعِ الْأَرْشِ وَالْمُطَالَبَةِ شَجَّةً لِعَبْدِهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الْأَرْشِ صَارَ مُخْتَارًا لِلْعَفْوِ وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَفَوْتُك عَنْ حَقِّي فَيَبْطُلُ حَقُّهُ وَلَوْ مَاتَ اللَّاحِقُ وَبَقِيَ الْبَادِئُ خُيِّرَ مَوْلَاهُ، فَإِنْ دَفَعَهُ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَدَاهُ بِأَرْشِ عَبْدِهِ وَفِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَادِئَ طَاهِرٌ عَنْ الْجِنَايَةِ لِعَفْوِ أَحَدِهِمَا عَنْ جِنَايَتِهِ نِصْفَ الْعَبْدِ وَلَا يَزْدَادُ حَقُّهُ فَكَذَا هَذَا.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ سَاقَ دَابَّةً فَوَقَعَ السَّرْجُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا سَاقَ دَابَّةً وَلَهَا سَرْجٌ فَوَقَعَ السَّرْجُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا بِفُرُوعِهَا.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ قَادَ قِطَارًا فَوَطِئَ بَعِيرٌ إنْسَانًا ضَمِنَ عَاقِلَةُ الْقَائِدِ الدِّيَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقَائِدَ عَلَيْهِ حِفْظُ الْقِطَارِ كَالسَّائِقِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ وَالتَّسَبُّبُ بِلَفْظِ التَّعَدِّي سَبَبٌ لِلضَّمَانِ غَيْرَ أَنَّ ضَمَانَ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَضَمَانَ الْمَالِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ رَجُلٌ لَهُ مَزْرَعَةٌ فَأَكَلَهَا جَمَلُ غَيْرِهِ فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ فِي الْإِصْطَبْلِ ثُمَّ وُجِدَ الْجَمَلُ مَكْسُورَ الرِّجْلِ كَيْفَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنْ لَمْ يُكْسَرْ رِجْلُهُ فِي حَبْسِهِ قَالُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالُوا الضَّمَانُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى صَاحِبِهِ وَالرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي قَالَ رحمه الله (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ سَائِقٌ فَعَلَيْهِمَا) أَيْ إذَا كَانَ مَعَ الْقَائِدِ سَائِقٌ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا الضَّمَانُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّسَبُّبِ؛ لِأَنَّ قَائِدَ الْوَاحِدِ قَائِدُ الْكُلِّ وَكَذَا
سَائِقُهُ لِاتِّصَالِ اللَّازِمَةِ أَمَّا الْبَعِيرُ الَّذِي هُوَ رَاكِبُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَائِدِ غَيْرُ مَا أَصَابَهُ بِالْإِيطَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ضَمَانُهُ عَلَى الرَّاكِبِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِيهِ مُبَاشِرًا حَتَّى جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ رَبَطَ بَعِيرًا عَلَى قِطَارٍ رَجَعَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ بِدِيَةِ مَا تَلِفَ بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ) أَيْ إذَا رَبَطَ رَجُلٌ بَعِيرًا عَلَى قِطَارٍ وَالْقَائِدُ لِذَلِكَ الْقِطَارِ لَا يَعْلَمُ فَوَطِئَ الْبَعِيرُ الْمَرْبُوطُ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَائِدِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصُونَ قِطَارَهُ عَنْ رَبْطِ غَيْرِهِ بِهِ، فَإِذَا تَرَكَ صِيَانَتَهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِالتَّقْصِيرِ وَهُوَ مُتَسَبِّبٌ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ بِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْقَائِدِ وَالرَّابِطِ ابْتِدَاءً مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَسَبِّبٌ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَاشَرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبْطِ لِاتِّصَالِ التَّلَفِ بِهِ دُونَ الرَّبْطِ فَيَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ وَحْدَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ قَالُوا هَذَا إذَا رَبَطَ وَالْقِطَارُ يَسِيرُ؛ لِأَنَّ الرَّبْطَ أَمْرٌ بِالْقَوَدِ دَلَالَةً، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْهُ وَلَكِنَّ جَهْلَهُ لَا يَنْفِي وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِتَحَقُّقِ الْإِتْلَافِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَنْفِي الْإِثْمَ فَيَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الرَّابِطِ.
وَأَمَّا إذَا رَبَطَ وَالْإِبِلُ وَاقِفَةٌ ضَمِنَهَا عَاقِلَةُ الْقَائِدِ وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ بِمَا لَحِقَهُمْ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْقَائِدَ رَضِيَ بِذَلِكَ وَالتَّلَفُ قَدْ اتَّصَلَ بِفِعْلِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ وَلَا الضَّمَانَ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الرُّجُوعَ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ قَادَ قِطَارًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَجَاءَ بَعِيرٌ آخَرُ وَرَبَطَهُ وَالْقَائِدُ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَوْ عَلِمَ فَأَصَابَ ذَلِكَ الْبَعِيرُ إنْسَانًا فَضَمَانُهُ عَلَى الْقَائِدِ دُونَ الرَّابِطِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَسَبِّبًا لِلْإِتْلَافِ وَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ إنْ عَلِمَ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يَرْجِعُ وَلَمْ يُفَصِّلْ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيْنَ مَا إذَا رَبَطَ الْبَعِيرَ بِالْقِطَارِ وَالْقِطَارُ يَسِيرُ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ النَّوَادِرِ، وَإِنْ كَانَ الْقِطَارُ لَا يَسِيرُ حَالَةَ الرَّبْطِ فَقَادَهَا الْقَائِدُ بَعْدَ الرَّبْطِ لَا يَرْجِعُ الْقَائِدُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ عَلِمَ الْقَائِدُ بِرَبْطِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ كَانَ الْقِطَارُ يَسِيرُ حَالَةَ الرَّبْطِ فَالْقَائِدُ يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّابِطِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرَبْطِهِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى: وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ وَخَلْفَهُ رَدِيفٌ وَخَلْفَ الدَّابَّةِ سَائِقٌ وَأَمَامَهَا قَائِدٌ فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَاعًا وَعَلَى الرَّاكِبِ وَالرَّدِيفِ الْكَفَّارَةُ، وَإِذَا سَارَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي الطَّرِيقِ فَعَثَرَتْ بِحَجَرٍ وَضَعَهُ رَجُلٌ أَوْ قَدْ كَانَ بَنَاهُ رَجُلٌ أَوْ بِمَاءٍ قَدْ صَبَّهُ رَجُلٌ فَوَقَعَتْ عَلَى إنْسَانٍ وَأَتْلَفَتْهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي وَضَعَ الْحَجَرَ فِي الْمَكَانِ أَوْ صَبَّ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُسَبِّبٌ فِي هَذَا الْإِتْلَافِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا السَّبَبِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ قَالُوا وَلَوْ نَخَسَ الدَّابَّةَ رَجُلٌ فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا إنْ وَطِئَتْ فِي فَوْرِ النَّخْسِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِثِقَلِ الرَّاكِبِ وَفِعْلِ النَّاخِسِ فَيَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِمَا أَقُولُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الرَّاكِبُ مُبَاشِرٌ فِيمَا أَتْلَفَتْ بِالْوَطْءِ لِحُصُولِ التَّلَفِ بِثِقَلِهِ وَثِقَلِ الدَّابَّةِ جَمِيعًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَالنَّاخِسُ مُسَبِّبٌ كَمَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ وَالْمُسَبِّبُ فَالْإِضَافَةُ إلَى الْمُبَاشِرِ أَوْلَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لَا سِيَّمَا فِي مَسْأَلَةِ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ فَمَا بَالُهُمْ صَرَّحُوا هُنَا بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الرَّاكِبِ وَالنَّاخِسِ مَعًا وَحَكَمُوا بِوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَتَدَبَّرْهُ.
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ أَرْسَلَ بَهِيمَةً وَكَانَ سَائِقَهَا فَمَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا ضَمِنَ) يَعْنِي إذَا أَرْسَلَ إنْسَانٌ بَهِيمَةً وَسَاقَهَا فَكُلُّ شَيْءٍ أَصَابَتْهُ فِي فَوْرِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ أَرْسَلَ طَيْرًا أَوْ كَلْبًا وَلَمْ يَكُنْ سَائِقًا أَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ فَأَصَابَتْ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَا يَضْمَنُ) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا أَمَّا الطَّيْرُ فَلِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَحْتَمِلُ السَّوْقَ فَصَارَ وُجُودُ السَّوْقِ وَعَدَمِهِ سَوَاءً فَلَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، فَإِنَّ بَدَنَهَا يَحْمِلُ السَّوْقَ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا السَّوْقُ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا وَلَوْ أَرْسَلَ بَازِيًا فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَ لَا يَضْمَنُ الْمُرْسِلُ، وَأَمَّا الْكَلْبُ فَلِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ السَّوْقَ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ السَّوْقُ حَقِيقَةً بِأَنْ يَمْشِيَ خَلْفَهُ وَلَا حُكْمًا بِأَنْ يُصِيبَ عَلَى فَوْرِ الْإِرْسَالِ وَالتَّعَدِّي يَكُونُ بِالسَّوْقِ فَلَا يَضْمَنُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ يُضَافُ إلَى فِعْلِ صَاحِبِهِ وَلَا يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا تَرَكْنَا ذَلِكَ فِي فِعْلِ الْبَهِيمَةِ إذَا وُجِدَ مِنْهُ السَّوْقُ فَأَضَفْنَاهُ إلَيْهِ اسْتِحْسَانًا صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ السَّوْقُ بَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ لِعَدَمِ الْفِعْلِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً وَتَسَبُّبًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ حَيْثُ يُؤْكَلُ مَا أَصَابَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَهُ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ مَسَّتْ إلَى الِاصْطِيَادِ بِهِ فَأُضِيفَ إلَى الْمُرْسَلِ مَا دَامَ الْكَلْبُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَلَمْ يَفْتَرِ عَنْهَا إذْ لَا طَرِيقَ لِلِاصْطِيَادِ سِوَاهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ
الِاصْطِيَادَ بِهِ مَشْرُوعٌ وَلَوْ شَرَطَ السَّوْقَ لَاسْتَدَّ بَابُهُ وَهُوَ مَفْتُوحٌ فَأُضِيفَ إلَيْهِ وَلَوْ غَابَ عَنْ بَصَرِهِ مَعَ الصَّيْدِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي حَقِّ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فَكَانَ مُضَافًا إلَى الْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي فِعْلِهِ وَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ الْمُرْسَلِ فَلَا يُضَافُ فِعْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ سَائِقًا قَيْدٌ فِي الْكَلْبِ دُونَ الطَّيْرِ وَقَيْدٌ فِي الدَّابَّةِ بِالِانْفِلَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهَا يَضْمَنُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا أَرْسَلَ دَابَّةً فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَمَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا فَالْمُرْسِلُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّ سَيْرَهَا مُضَافٌ إلَيْهِ مَا دَامَتْ تَسِيرُ عَلَى سُنَّتِهَا وَلَوْ انْعَطَفَتْ عَنْهُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ سِوَاهُ وَكَذَا إذَا وَقَفَتْ ثُمَّ سَارَتْ أَيْ يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِرْسَالِ بِالْوَقْفَةِ أَيْضًا كَمَا يَنْقَطِعُ بِالْعَطْفَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ الْكَلْبُ بَعْدَ الْإِرْسَالِ فِي الِاصْطِيَادِ ثُمَّ سَارَ فَأَخَذَ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْوَقْفَةَ تُحَقِّقُ مَقْصُودَ الْمُرْسِلِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّيْدِ وَهَذِهِ تُنَافِي مَقْصُودَ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ السَّيْرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ الْإِرْسَالِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَرْسَلَهُ إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ نَفْسًا أَوْ مَالًا فِي فَوْرِهِ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ مَنْ أَرْسَلَهُ وَفِي إرْسَالِ الْبَهِيمَةِ فِي الطَّرِيقِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الطَّرِيقَ تَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْإِرْسَالُ لِلِاصْطِيَادِ فَمُبَاحٌ وَلَا يُنْسَبُ بِوَصْفِ التَّعَدِّي كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ سَائِقًا لَهَا أَوْ لَا وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرْسَلَ بَهِيمَةً وَكَانَ سَائِقًا لَهَا ضَمِنَ مَا أَصَابَتْ فِي فَوْرِهَا وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ وَكَانَ سَائِقًا لَهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَائِقًا لَا يَضْمَنُ وَكَذَا لَوْ أَشْلَى كَلْبَهُ عَلَى رَجُلٍ فَعَقَرَهُ أَوْ مَزَّقَ ثِيَابَهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَسُوقَهُ وَقِيلَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ وَهُوَ لَا يَمْشِي خَلْفَهُ فَعَقَرَ إنْسَانًا أَوْ أَتْلَفَ غَيْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ يَذْهَبُ بِطَبْعِ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا ضَمِنَ إنْ مَرَّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهِ أَمَّا إذَا أَخَذَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مَالَ عَنْ سُنَنِ الْإِرْسَالِ إلَّا إذَا كَانَ خَلْفَهُ وَلَوْ أَشْلَى كَلْبَهُ حَتَّى عَضَّ رَجُلًا لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ بَازِيًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ يَسُوقُهُ أَوْ يَقُودُهُ أَوْ لَا يَقُودُهُ وَلَا يَسُوقُهُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ الْبَهِيمَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ كَانَ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الزِّيَادَاتِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ كَلْبٌ عَقُورٌ يُؤْذِي مَنْ مَرَّ بِهِ فَلِأَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا عَلَى صَاحِبِهِ الضَّمَانُ إنْ كَانَ تَقَدَّمَ إلَيْهِ قَبْلَ الْإِتْلَافِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَالْحَائِطِ الْمَائِلِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا طَرَحَ رَجُلًا قُدَّامَ سَبُعٍ فَقَتَلَهُ السَّبُعُ فَلَيْسَ عَلَى الطَّارِحِ شَيْءٌ إلَّا التَّعْزِيرَ وَالْحَبْسَ حَتَّى يَتُوبَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي انْفِلَاتِ الْبَهِيمَةِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» أَيْ فِعْلُهَا هَدَرٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمُنْفَلِتَةُ وَهَذَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ مُقْتَصِرٌ عَلَيْهَا وَغَيْرُ مُضَافٍ إلَى صَاحِبِهَا لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ النِّسْبَةَ إلَيْهِ مِنْ الرُّكُوبِ وَأَخَوَاتِهِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ بَعَثَ غُلَامًا صَغِيرًا فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ الصَّغِيرِ فَرَأَى الْغُلَامُ غِلْمَانًا صِغَارًا يَلْعَبُونَ فَانْتَهَى إلَيْهِمْ وَارْتَقَى وَمَاتَ ضَمِنَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فِي حَاجَتِهِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا حَمَلَ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَوَقَعَ الصَّبِيُّ مِنْهَا وَمَاتَ فَدِيَةُ الصَّبِيِّ تَكُونُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ يَدْفَعُهُ الْمَوْلَى أَوْ يَفْدِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَعَ الصَّبِيِّ عَلَى الدَّابَّةِ فَسَارَا عَلَيْهَا وَوَطِئَتْ الدَّابَّةُ إنْسَانًا وَمَاتَ فَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ نِصْفُهَا وَلَوْ أَنَّ حُرًّا كَبِيرًا حَمَلَ عَبْدًا صَغِيرًا عَلَى دَابَّةٍ وَمِثْلُهُ يَضْرِبُ الدَّابَّةَ وَيَسْتَمْسِكُ عَلَيْهَا ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ عَلَيْهَا فَوَطِئَ إنْسَانًا فَكَذَلِكَ تَكُونُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ فَيُؤْمَرُ مَوْلَى الْعَبْدِ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ ثُمَّ يَرْجِعُ مَوْلَى الْعَبْدِ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِعْمَالِ عَبْدِ الْغَيْرِ يَصِيرُ غَاصِبًا، فَإِذَا لَحِقَهُ غُرْمٌ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ.
وَفِي الْفَتَاوَى أَمَرَ رَجُلًا بِكَسْرِ الْحَطَبِ فَأَعْطَى غُلَامًا الْفَأْسَ فَقَالَ اعْطِنِي الْأُجْرَةَ لِأَكْسِرَ فَأَبَى فَكَسَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَوَقَعَ الْحَطَبُ عَلَى عَيْنِ الْغُلَامِ وَذَهَبَ عَيْنُهُ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْحَطَبِ شَيْءٌ وَفِي التَّتِمَّةِ سُئِلَ أَبُو الْفَضْلِ عَنْ صَغِيرَيْنِ كَانَا يَلْعَبَانِ فَأَوْقَع أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إلَى الْأَرْضِ فَانْكَسَرَ عَظْمُ فَخِذِهِ هَلْ يَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ شَيْءٌ فَقَالَ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ بِهَا فَنِصْفُ الدِّيَةِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَقَارِبِ الصَّبِيِّ مِنْ جِهَةِ الْأَب.
قَالَ رحمه الله (وَفِي فَقْءِ عَيْنِ شَاةٍ لِقَصَّابِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الشَّاةِ اللَّحْمُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا إلَّا النُّقْصَانُ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي عَيْنِ بَدَنَةِ الْجَزَّارِ وَالْحِمَارِ وَالْفَرَسِ رُبْعُ الْقِيمَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَيْسَ فِيهِ إلَّا النُّقْصَانُ أَيْضًا اعْتِبَارًا بِالشَّاةِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ الْقِيمَةِ» قَالَ فِي الْعِنَايَةِ