الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفْسِ فَلَا يَكُونُ لَهَا أَرْشٌ إذَا تَلِفَتْ مَعَهَا، وَإِذَا انْفَرَدَتْ بِالْإِتْلَافِ كَانَ لَهَا أَرْشٌ وَمَنْ ضَرَبَ صُلْبَ رَجُلٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجَمَالِ عَلَى الْكَمَالِ لِأَنَّ جَمَالَ الْآدَمِيِّ فِي كَوْنِهِ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ وَقِيلَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] وَلَوْ زَالَتْ الْحُدُوبَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِزَوَالِهَا لَا عَنْ أَثَرٍ وَلَوْ بَقِيَ أَثَرُ الضَّرْبَةِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِبَقَاءِ الشَّيْنِ بِبَقَاءِ أَثَرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ]
(فَصْلٌ فِي الشِّجَاجِ) الشِّجَاجُ عَشَرَةٌ الْخَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُصُ الْجِلْدَ أَيْ تَخْدِشُهُ وَلَا تُخْرِجُ الدَّمَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ خَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إذَا شَقَّهُ فِي الدَّقِّ وَالدَّامِعَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الدَّمْعِ سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّ الدَّمَ يَخْرُجُ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّمْعِ مِنْ الْقِلَّةِ وَقِيلَ لِأَنَّ عَيْنَيْهِ تَدْمَعُ بِسَبَبِ أَلَمٍ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا وَفِي الْمُحِيطِ الدَّامِعَةُ هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ وَالدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ وَذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ الدَّامِيَةَ هِيَ الَّتِي تُدْمِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا دَمٌ هُوَ الصَّحِيحُ يُرْوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَالدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ كَدَمْعِ الْعَيْنِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ صَاحِبَهَا تَدْمَعُ عَيْنَاهُ مِنْ الْأَلَمِ فَقَدْ أَبْعَدَ وَالْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ الْجِلْدَ أَيْ تَقْطَعُهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَضْعِ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ وَمِنْهُ مُبَضِّعُ الْفِصَادِ أَقُولُ: فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فُتُورٌ، وَإِنْ تَابَعَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ لِأَنَّ قَطْعَ الْجِلْدِ مُتَحَقِّقٌ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْهَا لَا سِيَّمَا فِي الدَّامِعَةِ وَالدَّامِيَةِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ إظْهَارِ الدَّمِ وَأَصَالَتِهِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ قَطْعِ الْجِلْدِ وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ بِتَحَقُّقِ قَطْعِ الْجِلْدِ فِي كُلِّ الْأَنْوَاعِ الْعَشَرَةِ لِلشَّجَّةِ فَكَانَ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ شَامِلًا لِلْكُلِّ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِالْبَاضِعَةِ فَالظَّاهِرُ فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ هُوَ مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَقْطَعُهُ وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْبَاضِعَةُ هِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَقْطَعُهُ. اهـ. وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُعْتَبَرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الشِّجَاجِ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي جَرَحَتْ الْجِلْدَ وَشَقَّتْ اللَّحْمَ. اهـ.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الْبَاضِعَةُ الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ وَتَشُقُّ اللَّحْمَ وَتُدْمِي إلَّا أَنَّهَا لَا تُسِيلُ الدَّمَ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ وَالْبَاضِعَةُ الشَّجَّةُ الَّتِي تَقْطَعُ الْجِلْدَ وَتَشُقُّ اللَّحْمَ شَقًّا خَفِيفًا وَتُدْمِي إلَّا أَنَّهَا لَا تُسِيلُ الدَّمَ. اهـ.
لَا يُقَالُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ تَشْبِيهُ الْبَاضِعَةِ بِالْمُتَلَاحِمَةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا وَالْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ وَهَذَا فِي الْمَآلِ غَيْرُ مَا نَقَلْته عَنْ الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ فِي تَفْسِيرِ الْبَاضِعَةِ لِأَنَّا نَقُولُ مَنْ فَسَّرَ الْبَاضِعَةَ بِمَا قُلْنَا مِنْ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ لَا يَقُولُ بِتَفْسِيرِ الْمُتَلَاحِمَةِ بِمَا ذُكِرَ حَتَّى يَلْزَمَ الِاشْتِبَاهُ بَلْ يَزِيدُ عَلَيْهِ قَيْدًا وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَقْطَعُهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَلَا تَنْزِعُ شَيْئًا مِنْ اللَّحْمِ ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَقْطَعُ اللَّحْمَ وَتَنْزِعُ شَيْئًا مِنْ اللَّحْمِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ أَيْ تَقْطَعُهُ وَالْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَذْهَبُ فِي اللَّحْمِ أَكْثَرُ مِمَّا تَذْهَبُ الْبَاضِعَةُ فِيهِ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ
وَالْمُتَلَاحِمَةُ مِنْ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ دُونَ الْعَظْمِ ثُمَّ تَتَلَاحَمُ بَعْدَ شَقِّهَا أَيْ تَتَلَاءَمُ. اهـ.
وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُتَلَاحِمَةُ الشَّجَّةُ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ دُونَ الْعَظْمِ ثُمَّ تَتَلَاحَمُ وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ وَشَجَّةٌ مُتَلَاحِمَةٌ أَخَذَتْ فِيهِ وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ وَالْمُتَلَاحِمُ وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ كُلِّهِ ثُمَّ تَتَلَاحَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ تَلْتَئِمُ وَتَتَلَاصَقُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا عَلَى مَا يَئُولُ إلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ الْبَاضِعَةِ لِأَنَّ الْمُتَلَاحِمَةَ مِنْ قَوْلِهِمْ الْتَحَمَ الشَّيْئَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَالْمُتَلَاحِمَةُ هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ اللَّحْمَ وَلَا تَقْطَعُهُ وَالْبَاضِعَةُ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا تَقْطَعُهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةُ تَعْمَلُ فِي قَطْعِ أَكْثَرِ اللَّحْمِ وَهِيَ بَعْدَ الْبَاضِعَةِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ الْمُتَلَاحِمَةُ أَيْ الْقَاطِعَةُ لِلَّحْمِ وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي وُجِدَ فِي الشِّجَاجِ رَاجِعٌ إلَى مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ لَا إلَى الْحُكْمِ وَالسِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى السِّمْحَاقِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَعَظْمِ الرَّأْسِ وَالْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُبَيِّنُهُ وَالْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ وَالْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الْكَسْرِ أَيْ تُحَوِّلُهُ وَالْآمَّةُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَأُمُّ الدِّمَاغِ هِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ وَبَعْدَ الْآمَّةِ شَجَّةٌ تُسَمَّى الدَّامِغَةُ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَبْقَى بَعْدَهَا عَادَةً فَتَكُونُ قَتْلًا وَلَا تَكُونُ مِنْ الشِّجَاجِ وَالْكَلَامُ فِي الشِّجَاجِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْخَارِصَةَ وَالدَّامِغَةَ لِأَنَّهَا لَا يَبْقَى لَهَا فِي الْغَالِبِ أَثَرٌ.
هَذِهِ الشِّجَاجُ تَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَمَا كَانَ فِي غَيْرِهِمَا يُسَمَّى جِرَاحَةً فَهَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجِبُ بِالْجِرَاحَةِ مَا يَجِبُ بِالشَّجَّةِ مِنْ الْمِقْدَارِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالنَّقْلِ وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الشِّجَاجِ وَهِيَ تَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَخَصَّ الْحُكْمَ الْمُقَدَّمَ بِهَا وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ الْجِرَاحَةِ بِهَا دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهَا فِي الشَّيْنِ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ يَظْهَرَانِ فِي الْغَالِبِ وَغَيْرُهُمَا مَسْتُورٌ غَالِبًا لَا يَظْهَرُ وَاخْتَلَفُوا فِي اللَّحْيَيْنِ فَعِنْدَهُمَا فِي الْوَجْهِ فَيَتَحَقَّقُ الشِّجَاجُ فِيهِمَا فَيَجِبُ فِيهَا مُوجِبُهَا خِلَافًا لِمَا يَقُولُ مَالِكٌ رحمه الله، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ بِهِمَا وَنَحْنُ نَقُولُ هُمَا مُتَّصِلَانِ بِالْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ وَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُوَاجَهَةِ فَصَارَا كَالذَّقَنِ لِأَنَّهُمَا تَحْتَهَا وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ أَنْ يُفْرَضَ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُمَا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ هُنَا فَبَقَّيْنَا الْعِبْرَةَ لِلْحَقِيقَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ الشِّجَاجُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ أَحَدَ عَشَرَ أَوَّلُهَا الْخَارِصَةُ وَهِيَ تَشُقُّ الْجِلْدَ مَأْخُوذَةً مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ إذَا شَقَّهُ مِنْ الدَّقِّ ثُمَّ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يُشْبِهُ الدَّمْعَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ لِأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْغَالِبِ ثُمَّ الدَّامِيَةُ وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الدَّمُ ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تُبْضِعُ اللَّحْمَ ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَلَاحِمَةَ قَبْلَ الْبَاضِعَةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَتَفْسِيرُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الَّتِي تُقَشِّرُ الْجِلْدَ وَتَجْمَعُ اللَّحْمَ فِي مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ وَلَا تَقْطَعُهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْتِحَامٍ يُقَالُ الْتَحَمَ الْجَيْشَانِ إذَا اجْتَمَعَا ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ تُسَمَّى السِّمْحَاقُ ثُمَّ الْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَاللَّحْمَ ثُمَّ الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الْعَظْمُ لِأَنَّهَا تَكْسِرُ الْعَظْمَ وَتَنْقُلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ الْآمَّةُ الَّتِي تَصِلُ إلَى أُمِّ الرَّأْسِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي فَوْقَ الدِّمَاغِ ثُمَّ الدَّامِغَةُ الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَ وَتَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ مَعَهَا، وَأَمَّا أَحْكَامُهَا، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشِّجَاجُ عَمْدًا فَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ لِأَنَّ السِّكِّينَ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ وَلَا يَخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكَ غَالِبًا فَيَجِبُ الْقِصَاصُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشِّجَاجِ إلَّا فِي الْقِصَاصِ وَالْمُوضِحَةِ وَلَيْسَ لِهَذِهِ الشِّجَاجِ أُرُوشٌ مُقَدَّرَةٌ وَمُوجِبُ هَذِهِ الشِّجَاجِ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشِّجَاجُ خَطَأً فَفِيمَا قَبْلَ الْمُوضِحَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ.
وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشْرَةَ وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَتَبَ إلَى حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةَ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةَ وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ وَفِي الرِّجْلِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَفِي الْآمَّةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ هَكَذَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه وَفِي النَّوَادِرِ رَجُلٌ أَصْلَعُ ذَهَبَ شَعْرُهُ شَجَّهُ إنْسَانٌ مُوضِحَةً عَمْدًا قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُقْتَصُّ وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي تَنَاوُلِ الْأَطْرَافِ وَلَا مُسَاوَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي أَحَدِهِمَا مُؤَثِّرَةٌ فِي الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ فَتَعَذَّرَ مُرَاعَاةُ الْمُسَاوَاةِ وَصَارَ كَصَحِيحِ الْيَدِ إذَا قَطَعَ يَدَ الْأَشَلِّ لَا يَقْطَعُ فَكَذَا هَذَا.
وَإِنْ قَالَ الشَّارِحُ رَضِيت أَنْ يُقْتَصَّ مِنِّي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا لَمْ تُوجِبْ الْقِصَاصَ لَا يُوجِبُ الِاسْتِيفَاءَ بِالرِّضَا، وَإِنْ كَانَ الشَّاجُّ أَيْضًا أَصْلَعَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُسَاوَاةِ مُمْكِنٌ فَصَارَ كَالْأَشَلِّ إذَا قَطَعَ يَدَ الْأَشَلِّ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لِلْجِرَاحَةِ أَثَرٌ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ قَدْرُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَبْرَأَ؛ لِأَنَّهُ بِجِنَايَتِهِ اُضْطُرَّ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْجِرَاحَةِ خَوْفًا مِنْ السِّرَايَةِ فَكَانَ الزَّوَالُ مُضَافًا إلَى جِنَايَتِهِ لَهُمَا أَنَّهُ كَانَ مُخْتَارًا فِي الْإِنْفَاقِ وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا فِيهِ؛ لِأَنَّ لُحُوقَ السِّرَايَةِ لَا يُثْبِتُ الِاضْطِرَارَ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ مَوْهُومَةٌ فَلَا يَثْبُتُ الِاضْطِرَارُ بِالْوَهْمِ وَالِارْتِيَابِ فَلَمْ يَصِرْ مُفَوِّتًا لِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ وَلَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَالْجَمَالِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ لَطَمَهُ فَآلَمَهُ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَفِي الْهَاشِمَةِ عُشْرُهَا وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ وَفِي الْآمَّةِ وَالْجَائِفَةِ ثُلُثُهَا، فَإِنْ نَفَذَ مِنْ الْجَائِفَةِ فَثُلُثَاهَا) لِمَا رُوِيَ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّهَا إذَا نَفَذَتْ صَارَتْ جَائِفَتَيْنِ فَيَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ وَهُوَ يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْبَطْنِ قَوْلُهُ جَائِفَةٌ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ الْجَائِفَةُ مَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الصَّدْرِ وَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَمَا
وَصَلَ مِنْ الرَّقَبَةِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ الشَّرَابُ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا ذِكْرُ الْجَائِفَةِ هُنَا فِي مَسَائِلِ الشِّجَاجِ وَقَعَ اتِّفَاقًا وَكَذَا فِي الْعِنَايَةِ نَقْلًا عَنْ النِّهَايَةِ أَقُولُ: نَعَمْ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ غَيْرَهُ تَدَارَكَهُ قَالَ فِيمَا بَعْدُ وَقَالُوا الْجَائِفَةُ تَخْتَصُّ بِالْجَوْفِ وَجَوْفِ الرَّأْسِ أَوْ جَوْفِ الْبَطْنِ يَعْنِي أَنَّهَا لَمَّا تَنَاوَلَتْ مَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ أَيْضًا كَانَتْ مِنْ الشِّجَاجِ فِيمَا إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ فَتَدْخُلُ فِي مَسَائِلِ الشِّجَاجِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ذِكْرُهَا فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ فِيمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ سَائِرِ الشِّجَاجِ، فَإِنَّهُ حَيْثُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَقِيلَ لَا تَتَحَقَّقُ الْجَائِفَةُ فِيمَا فَوْقَ الْحَلْقِ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي الْخَارِصَةِ وَالدَّامِعَةِ وَالدَّامِيَةِ وَالْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلَاحِمَةِ وَالسِّمْحَاقِ حُكُومَةُ عَدْلٍ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَا يُمْكِنُ إهْدَارُهَا فَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْحُكُومَةِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ تَفْسِيرُهَا أَنْ يَقُومَ مَمْلُوكًا بِدُونِ هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ يَقُومَ وَبِهِ هَذَا الْأَثَرُ ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ ثُلُثَ عُشْرِ الْقِيمَةِ مَثَلًا يَجِبُ ثُلُثُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ رُبْعَ عُشْرِ الْقِيمَةِ يَجِبُ رُبْعُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَنْظُرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَيَجِبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَكَانَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله يَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الطَّرِيقَ فَرُبَّمَا يَكُونُ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُوجِبَ فِي هَذِهِ الشِّجَاجِ وَهُوَ دُونَ الْمُوضِحَةِ أَكْثَرُ مِمَّا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ فِي الْمُوضِحَةِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ بَلْ الصَّحِيحُ الِاعْتِبَارُ بِالْمِقْدَارِ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِي هَذَا إنْ أَمْكَنَهُ الْفَتْوَى بِالثَّانِي بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يُفْتِي بِالثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُفْتِي بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَيْسَرُ قَالَ وَكَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِهِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْظُرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ أَقَلِّ شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْلَ نِصْفِ شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ أَوْ ثُلُثُهَا وَجَبَ نِصْفُ أَوْ ثُلُثُ أَرْشِ تِلْكَ الشَّجَّةِ، وَإِنْ رُبْعًا فَرُبْعٌ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا اعْتَبَرَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِيمَنْ قَطَعَ طَرَفَ لِسَانِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ رحمه الله (وَلَا قِصَاصَ فِي غَيْرِ الْمُوضِحَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ السِّكِّينُ وَمَا فَوْقَهَا كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ كَسْرُ الْعَظْمِ وَلَا خَوْفُ التَّلَفِ فَيَسْتُرُ قَدْرَهَا اعْتِبَارًا ثُمَّ يَتَّخِذُ حَدِيدَةً بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ بِهَا مِقْدَارَ مَا قَطَعَ فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِذَلِكَ وَفِي الْمُوضِحَةِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ عَمْدًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَضَى بِالْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ» ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهَا مُمْكِنَةٌ بِانْتِهَاءِ السِّكِّينِ إلَى الْعَظْمِ فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي أَصَابِعِ الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ) أَيْ أَصَابِعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشَرَةً مِنْ الْإِبِلِ لِمَا رَوَيْنَا فَيَكُونُ فِي الْخَمْسَةِ خَمْسُونَ ضَرُورَةً وَهُوَ النِّصْفُ وَلِأَنَّ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ تَفُوتُ مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى مَا مَرَّ أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ ذَكَرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عُشْرَ الدِّيَةِ كَانَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا مُسْتَدْرِكًا إذْ لَا شَكَّ أَنَّ خَمْسَةَ أَعْشَارِ الدِّيَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَعُلِمَ قَطْعًا مِمَّا مَرَّ أَنَّ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ خَمْسُ أَصَابِعَ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِلْزَامُ وَالِاقْتِضَاءُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِمِثْلِهِ بَلْ كَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهَا لَلَزِمَ أَنْ يَذْكُرَ أَيْضًا أَنَّ فِي الْإِصْبَعَيْنِ عُشْرَيْ الدِّيَةِ وَفِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ الدِّيَةِ وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ أَرْبَعَةَ أَعْشَارِ الدِّيَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهَا صَرَاحَةً فِي الْكِتَابِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا لَيْسَ بِبَيَانِ نَفْسِهَا أَصَالَةً حَتَّى يُتَوَهَّمَ الِاسْتِدْرَاكُ بَلْ لِيَكُونَ ذِكْرُهَا تَوْطِئَةً لِلْمَسْأَلَةِ الْمُعَاقِبَةِ إيَّاهَا وَهِيَ قَوْلُهُ: فَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ فَفِيهِ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ فَالْمَقْصُودُ فِي الْبَيَانِ هُنَا أَنَّ قَطْعَ الْأَصَابِعِ وَحْدَهَا وَقَطْعَهَا مَعَ الْكَفِّ سِيَّانِ فِي الْحُكْمِ وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَفِي أَصَابِعِ
يَدٍ بِلَا كَفٍّ وَمَعَهَا نِصْفُ الدِّيَةِ قَالَ رحمه الله (وَلَوْ مَعَ الْكَفِّ) هَذَا مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ أَيْ فِي أَصَابِعِ الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَطَعَهَا مَعَ الْكَفِّ وَلَا يَزِيدُ الْأَرْشُ بِسَبَبِ الْكَفِّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ سَبَبٌ لِلْأَصَابِعِ فِي حَقِّ الْبَطْشِ، فَإِنَّ قُوَّةَ الْبَطْشِ بِهَا وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «فِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ» وَالْيَدُ اسْمٌ لِجَارِحَةٍ يَقَعُ بِهَا الْبَطْشُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشُ يَقَعُ بِالْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ فَيَجِبُ فِيهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ.
قَالَ رحمه الله (وَمَعَ نِصْفِ السَّاعِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةُ) عَدْلٍ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْحُكُومَةُ فِي نِصْفِ السَّاعِدِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ مَا زَادَ عَلَى الْأَصَابِعِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ مِنْ أَصْلِ السَّاعِدِ وَالْفَخِذُ هُوَ تَبَعٌ فَلَا يَزِيدُ عَلَى الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ فِي الْوَاحِدَةِ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ وَالْيَدُ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ إلَى الْمَنْكِبِ وَالرِّجْلُ إلَى الْفَخِذِ فَلَا يَزِيدُ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّارِعِ وَلِأَنَّ السَّاعِدَ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِيهِ كَالْكَفِّ وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِآلَةٍ بَاطِشَةٍ، وَوُجُوبُ الْأَرْشِ بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ وَكَذَا فِي الْأَرْشِ وَلَا يَقَعُ الْبَطْشُ بِالسَّاعِدِ أَصْلًا وَلَا تَبَعًا فَلَا يَدْخُلُ فِي أَرْشِهِ وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَلَهُمَا أَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالْبَطْشُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ دُونَ الذِّرَاعِ أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ مَدْخَلٌ فِي الْبَطْشِ وَمَدْلُولُ قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ وَلِأَنَّ الْكَفَّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَنْ يَكُونَ الْبَاطِشُ هُوَ الْأَصَابِعَ لَا غَيْرُ فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ نَوْعُ تَدَافُعٍ وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَفَطَّنَ لَهُ حَيْثُ غَيَّرَ تَحْرِيرَهُ هَاهُنَا فَقَالَ لَهَا: إنَّ أَرْشَ الْيَدِ إنَّمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آلَةٌ بَاطِشَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْبَطْشِ الْأَصَابِعُ وَالْكَفُّ تَبَعٌ لَهَا أَمَّا السَّاعِدُ فَلَا يَتْبَعُهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهَا فَلَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا لَهَا فِي حَقِّ التَّضْمِينِ. اهـ.
ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامَيْهِ أَيْضًا بِنَوْعِ عِنَايَةٍ وَهُوَ أَنْ يُقَدَّرَ الْمُضَافُ فِي قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ؛ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بِالْكَفِّ أَيْضًا بَطْشٌ فِي الْجُمْلَةِ بِالتَّبَعِيَّةِ فَيَرْتَفِعُ التَّدَافُعُ وَلِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ تَبَعًا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ أَوْ الْكَفِّ وَلَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْكَفِّ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْكَفَّ تَبَعٌ لِلْأَصَابِعِ وَلَا تَبَعَ لِلتَّبَعِ وَلَا نُسَلِّمُ الْيَدَ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ إلَى الْمَنْكِبِ بَلْ هِيَ اسْمٌ إلَى الزَّنْدِ إذَا ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ بِدَلِيلِ آيَةِ السَّرِقَةِ.
قَالَ رحمه الله (وَفِي قَطْعِ الْكَفِّ وَفِيهَا إصْبَعٌ أَوْ إصْبَعَانِ عُشْرُهَا أَوْ خُمُسُهَا وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ) أَيْ إذَا كَانَ فِي الْكَفِّ إصْبَعٌ أَوْ إصْبَعَانِ فَقَطَعَهُمَا يَجِبُ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي الْإِصْبَعِ الْوَاحِدَةِ وَخُمُسُهَا فِي إصْبَعَيْنِ: وَلَا يَجِبُ فِي الْكَفِّ شَيْءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يُنْظَرُ إلَى أَرْشِ الْكَفِّ وَإِلَى أَرْشِ مَا فِيهَا مِنْ الْأَصَابِعِ فَيَجِبُ أَكْثَرُهَا وَيَدْخُلُ الْقَلِيلُ فِي الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَرْشَيْنِ مُتَعَذَّرٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْكُلَّ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَصَابِعِ هُوَ ضَمَانُ الْكَفِّ وَضَمَانُ الْكَفِّ فِيهِ ضَمَانُ الْإِصْبَعِ وَكَذَا إهْدَارُ أَحَدِهِمَا مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ أَمَّا الْكَفُّ فَلِأَنَّ الْأَصَابِعَ قَائِمَةٌ بِهِ، وَأَمَّا الْأَصَابِعُ فَلِأَنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ فِي مَنْفَعَةِ الْبَطْشِ، فَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ وَرَجَّحْنَا بِالْكَثْرَةِ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ شَجَّ رَأْسَ إنْسَانٍ وَتَنَاثَرَ بَعْضُ شَعْرِ رَأْسِهِ يَدْخُلُ الْقَلِيلُ فِي الْكَثِيرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْيَدِ وَهِيَ الْبَطْشُ وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ قَائِمَةٌ بِهَا وَكَذَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جَعَلَ الْيَدَ بِمُقَابَلَةِ الْأَصَابِعِ حَيْثُ أَوْجَبَ فِي الْيَدِ نِصْفَ الدِّيَةِ ثُمَّ جَعَلَ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا بِمُقَابَلَةِ الْأَصَابِعِ دُونَ الْكَفِّ وَالْأَصْلُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَإِنْ قَلَّ وَلَا يَظْهَرُ التَّتَابُعُ بِمُقَابَلَةِ الْأَصْلِ فَلَا يُعَارَضُ حَتَّى يُصَارَ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَلَئِنْ تَعَارَضَا فَالتَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّغَارَ إذَا اخْتَلَطَتْ مَعَ الْكِبَارِ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ الصِّغَارُ أَكْثَرَ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْ الشَّجَّةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلْآخَرِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ إذَا كَانَ دُونَ الْإِصْبَعِ يُعْتَبَرُ أَكْثَرَهُمَا إرْشَادًا؛ لِأَنَّ أَرْشَ مَا دُونَ الْإِصْبَعِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِنَوْعِ اجْتِهَادٍ وَكَوْنِهِ أَصْلًا بِاعْتِبَارِ النَّصِّ، فَإِذَا لَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِأَرْشِ مِفْصَلٍ وَلَا مِفْصَلَيْنِ اعْتَبَرْنَا فِيهِ الْكَثْرَةَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَرْشَهُ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ كَالنَّصِّ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْكَفِّ
إصْبَعٌ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ لَا يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ الْأَصَابِعِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الْأَرْشُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ أَصْلٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَاسْتُتْبِعَتْ الْكَفُّ كَمَا إذَا كَانَتْ كُلُّهَا قَائِمَةً قَوْلُهُ وَفِي قَطْعِ الْكَفِّ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ وَقَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَوْ مَعَ الْكَفِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْكَفَّ لَا شَيْءَ فِيهِ مَعَ كُلِّ الْأَصَابِعِ عُلِمَ بِالْأَوْلَى مَعَ بَعْضِهَا.
قَالَ رحمه الله (وَفِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَعَيْنِ الصَّبِيِّ وَذَكَرِهِ وَلِسَانِهِ إنْ لَمْ يُعْرَفْ صِحَّتُهُ بِنَظَرٍ وَحَرَكَةٍ وَكَلَامٍ حُكُومَةُ) عَدْلٍ أَمَّا الْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ فَلِأَنَّهَا جُزْءُ الْآدَمِيِّ فَيَجِبُ الْأَرْشُ فِيهَا تَشْرِيفًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْعٌ وَلَا زِينَةٌ كَمَا فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ إصْبَعًا زَائِدَةً وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ وَلَمْ يُعْلَمْ تَسَاوِيهِمَا إلَّا بِالظَّنِّ فَصَارَ كَالْعَبْدِ يَقْطَعُ طَرَفَ الْعَبْدِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ وَجَبَ أَرْشُهَا وَلَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ فَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ بِخِلَافِ لِحْيَةِ الْكَوْسَجِ حَيْثُ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ لَا يَبْقَى فِيهَا أَثَرُ الْحَلْقِ فَلَا يَلْحَقُهُ الشَّيْنُ بَلْ بِبَقَاءِ الشَّعَرَاتِ يَلْحَقُهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ نَظِيرَ مَنْ قَلَّمَ ظُفْرَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَفِي قَطْعِ الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ يَبْقَى أَثَرٌ وَيَشِينُهُ ذَلِكَ فَيَجِبُ الْأَرْشُ، وَأَمَّا عَيْنُ الصَّبِيِّ وَذَكَرُهُ وَلِسَانُهُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَنْفَعَةُ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ صِحَّتُهَا لَا يَجِبُ أَرْشُهَا كَامِلًا بِالشَّكِّ بِخِلَافِ الْمَارِنِ وَالْأُذُنِ الشَّاخِصَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْجَمَالُ وَقَدْ فَوَّتَهُ وَتُعْرَفُ الصِّحَّةُ بِاللِّسَانِ فِي الْكَلَامِ وَفِي الذَّكَرِ بِالْحَرَكَةِ وَفِي الْعَيْنِ بِمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ تُعْرَفْ صِحَّتُهُ بِنَظَرٍ وَحَرَكَةٍ وَكَلَامٍ فَيَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ صِحَّةِ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبَالِغِ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْجَانِي، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ يُقِمْ بِهِ بَيِّنَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي وَكَذَا إذَا قَالَ لَا أَعْرِفُ صِحَّتَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ كَامِلًا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الصِّحَّةُ فَأَشْبَهَ الْأُذُنَ وَالْمَارِنَ قُلْنَا الظَّاهِرُ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَحَاجَتُنَا الِاسْتِحْقَاقُ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ الْأُذُنِ وَالْأَنْفِ.
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا مُوضِحَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ دَخَلَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ) فَصَارَ كَمَا إذَا أَوْضَحَهُ فَمَاتَ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْعَقْلِ يُبْطِلُ مَنْفَعَةَ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ قُيِّدَ بِالْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ لَا يَدْخُلُ كَمَا سَيَأْتِي أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ كَانَ فَوَاتُ الْعَقْلِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ وَكَانَ هَذَا مَدَارَ دُخُولِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فِي الدِّيَةِ لِمَا تَمَّ مَا سَبَقَ فِي فَصْلٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَضَى بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ذَهَبَ فِيهَا الْعَقْلُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْ الشَّجَّةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُتَأَمَّلُ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَنْبُتْ تَجِبُ الدِّيَةُ بِفَوَاتِ كُلِّ الشَّعْرِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ وَالْتَأَمَتْ الشَّجَّةُ فَصَارَ كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ وُجُوبَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِسَبَبِ فَوَاتِ الشَّعْرِ. اهـ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَوْلُهُ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ تَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ لِبَيَانِ الْجُزْئِيَّةِ قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَعْنِي الشَّعْرَ يَسْقُطُ يَعْنِي أَرْشَ الْمُوضِحَةِ لِبَيَانِ أَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ بِالْفَوَاتِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَلَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا. اهـ.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ كَوْنَ وُجُوبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ لَا بِمُجَرَّدِ تَفْرِيقِ الِاتِّصَالِ وَالْإِيلَامُ الشَّدِيدُ أَمْرٌ خَفِيٌّ جِدًّا غَيْرُ مَعْلُومٍ بِدُونِ الْبَيَانِ وَالْإِعْلَامِ إذَا كَانَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ الشِّجَاجِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فَوَاتُ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ لَا يَنْبُتَ مِنْ بَعْدُ أَصْلًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا الْمُوضِحَةُ مِنْ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تُبِينُهُ ثُمَّ بَيَّنُوا حُكْمَهَا بِأَنَّهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ عَمْدًا وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ إنْ كَانَتْ خَطَأً وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ وَحْدَهَا الْمَذْكُورَةَ يَتَحَقَّقَانِ فِيمَا نَبَتَ فِيهِ الشَّعْرُ أَيْضًا فَكَانَ اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَنْبُتَ الشَّعْرُ بَعْدَ الْبُرْءِ أَصْلًا فِي وُجُوبِ أَرْشِهَا أَمْرًا خَفِيًّا مُحْتَاجًا إلَى الْبَيَانِ بَلْ إلَى الْبُرْهَانِ وَلِهَذَا قَالُوا وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ نَبَتَ يَسْقُطُ وَقَالَ فِي الْكَافِي وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِ الشَّعْرِ وَلِهَذَا لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَاسْتَوَى لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وُجُوبُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ بِاعْتِبَارِ ذَهَابِ الشَّعْرِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَبَتَ الشَّعْرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَاسْتَوَى كَمَا كَانَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَيَانَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ الثِّقَاتِ وَقَدْ
تَعَلَّقَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فَوَاتُ الشَّعْرِ فَيَدْخُلُ الْجُزْءُ فِي الْجُمْلَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَطَعَ إصْبَعَ رَجُلٍ فَشُلَّتْ يَدُهُ كُلُّهَا فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ مَتَى وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ وَأَرْشُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ دَخَلَ الْأَقَلُّ فِيهِ.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوَيْنِ لَا يَدْخُلُ وَيَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُهُ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ لِلْأَوَّلِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَأَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ وَإِلَّا فَكَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ زُفَرُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَعْضَاءِ بَعْضُهُمَا فِي بَعْضٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِنَايَةٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ وَجَوَابُهُ مَا بَيَّنَّاهُ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَصْلُهُ أَنَّ الْجِنَايَاتِ مَتَى وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ وَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ وَأَرْشُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ أَصْلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ مَتَى كَانَتْ فِي الرَّأْسِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاثَرَ الشَّعْرُ مِقْدَارَ الْمُوضِحَةِ وَتَنَاثُرُ الشَّعْرِ مِقْدَارُ الْمُوضِحَةِ يُوجِبُ الْأَرْشَ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَلَمْ يُوجِبْ فِي تَنَاثُرِ الشَّعْرِ شَيْئًا فَعُلِمَ أَنَّ أَرْشَ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الشَّعْرِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ دَخَلَ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ وَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَالْآخَرُ يُوجِبُ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمَالُ وَأَصْلُهُ الْخَاطِئُ مَعَ الْعَامِدِ مَتَى اشْتَرَكَا فِي قَتْلٍ وَاحِدٍ يَجِبُ الْمَالُ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوَيْنِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَالْآخَرُ يُوجِبُ الْمَالَ إنْ كَانَ خَطَأً لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَقَلِّ فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا يَجِبُ الْمَالُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا الْقِصَاصُ لِمَا يَأْتِي وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ فَلَمْ يَنْبُتْ غَرِمَ الدِّيَةَ وَيَدْخُلُ فِيهَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى الرَّأْسِ وَالشَّعْرُ بِالرَّأْسِ.
وَلَوْ ذَهَبَ بَعْضُ الشَّعْرِ دَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْمُوضِحَةُ فِي الْحَاجِبِ وَقَدْ ذَهَبَ شَعْرُ الْحَاجِبِ وَلَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ فَلَا يَخْلُو إنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ بَلْ يَجِبُ كِلَاهُمَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ قَالَ يَدْخُلُ أَرْشُ الشَّجَّةِ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَلَا يَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ الْأُذُنَانِ وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ حُكْمًا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:«الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» فَصَارَتْ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ وَأَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ فَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَلَكِنَّهُمَا جُعِلَا مِنْ الرَّأْسِ فِي حَقِّ حُكْمِ كُلِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْأُذُنَيْنِ لَمْ يَجُزْ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَيَتَيَقَّنُ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ عُضْوَانِ مُخْتَلِفَانِ مُتَبَايِنَانِ فِي حَقِّ الْجِنَايَةِ فَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالشَّجَّةِ يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الشَّجَّةِ الرَّأْسُ وَمَحَلَّ الْعَقْلِ الصَّدْرُ فَكَانَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ وَإِنْ كَانَ نُورًا وَجَوْهَرًا مُضِيئًا فِي الصَّدْرِ يُبْصِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَحُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا إلَّا أَنَّ الدِّمَاغَ كَالْفَتِيلَةِ لِهَذَا النُّورِ يَقْوَى وَيَضْعُفُ بِقُوَّةِ الدِّمَاغِ وَضَعْفِهِ وَيَزُولُ وَيَذْهَبُ بِفَسَادِ الدِّمَاغِ
فَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لِتَعَلُّقِهِ بِالدِّمَاغِ بَقَاءً وَذَهَابًا فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَتْلَفَتْ شَيْئَيْنِ فَيَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، وَأَمَّا الْبَصَرُ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، فَإِنْ قَالُوا بِذَهَابِهِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ، وَإِنْ قَالُوا لَا نَدْرِي تُعْتَبَرُ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّارِبِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَأَمَّا الشَّمُّ فَيُخْتَبَرُ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ تَغَيُّرٌ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ خَطَأً، فَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ أَوْ قَطَعَ إصْبَعًا فَتَلِفَتْ الْأُخْرَى بِجَنْبِهَا أَوْ قَطَعَ الْيَمِينَ فَشُلَّتْ الْيُسْرَى تَجِبُ دِيَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَيَجِبُ أَرْشُ الْإِصْبَعَيْنِ وَالْيَدَيْنِ فِي مَالِهِ وَلَا يُقْتَصُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُقْتَصُّ فِي الشَّجَّةِ وَالْقَطْعِ وَيَغْرَمُ دِيَةً أُخْرَى فِي مَالِهِ وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَصَارَتْ مُنَقِّلَةً أَوْ كَسَرَ بَعْضَ سِنِّهِ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ أَوْ قَطَعَ مِفْصَلًا فَشُلَّ مَا بَقِيَ ضَمِنَ الْأَرْشَ عِنْدَهُمَا وَلَا يُقْتَصُّ لَهُمَا أَنَّهُمَا لَاقَتَا مَحَلَّيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْأَثَرِ فَيَتَقَدَّرُ بِتَقَدُّرِ الْأَثَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَمَى إلَى إنْسَانٍ فَأَصَابَهُ وَنَفَذَ مِنْهُ فَأَصَابَ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لِلْأَوَّلِ وَالدِّيَةُ لِلثَّانِي وَكَذَا إذَا قَطَعَ إصْبَعًا فَاضْطَرَبَ السِّكِّينُ فَأَصَابَ إصْبَعًا أُخْرَى خَطَأً يُقْتَصُّ فِي الْأُولَى وَيَجِبُ
الْأَرْشُ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَتَيْنِ ثُمَّ تَعَذَّرَتْ الشُّبْهَةُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْأُخْرَى لَهُ أَنَّ السِّرَايَةَ لَا تَنْفَصِلُ إلَى الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْجِنَايَةِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا فَيَكُونُ الْفِعْلُ مُعَدًّا لَهُ أَثَرَانِ فِي مَحَلَّيْنِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَيُتَصَوَّرُ سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ فَيُتَصَوَّرُ سِرَايَتُهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ آخِرُ الْفِعْلِ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ لَا يَكُونُ أَوَّلُهُ مُوجِبًا بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهِدِ بِهِمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ مِنْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ سِرَايَةُ الْفِعْلِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فَاخْتَلَفَ الْفِعْلُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ فِي شَخْصَيْنِ وَلَوْ قَطَعَ إصْبَعًا فَسَقَطَتْ أُخْرَى إلَى جَنْبِهَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِيهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا بَيَّنَّا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْفِعْلِ تُنْسَبُ إلَى الْفَاعِلِ وَيَجِبُ الْفِعْلُ مُبَاشِرًا لِلسِّرَايَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاشَرَ إسْقَاطَهُمَا وَكَمَا لَوْ سَرَى إلَى النَّفْسِ.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ ذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ بَصَرُهُ أَوْ كَلَامُهُ) أَيْ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِهَا لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي أَرْشِ أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله: يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ وَلَا يَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فَلَا يُلْحَقُ بِالْعَقْلِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَأَمَّا السَّمْعُ وَالْكَلَامُ فَبَاطِنَانِ فَيُلْحَقَانِ بِالْعَقْلِ فَيَدْخُلُ فِيهِمَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ كَمَا يَدْخُلُ فِي أَرْشِ الْعَقْلِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ بِفُرُوعِهِ وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَافِعِ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَيَتَعَدَّدُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ بِتَعَدُّدِهَا وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِتَعَدُّدِ أَثَرِ الْفِعْلِ لَا لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَى كُلِّ الْأَعْضَاءِ إذْ لَا يُنْتَفَعُ بِالْأَعْضَاءِ بِدُونِهِ فَصَارَ كَالنَّفْسِ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ كُنَّا نُفَرِّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ حَتَّى رَأَيْت مَا يَنْقُضُهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ دِيَةَ الْعَقْلِ وَأَرْشَ الْيَدِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ وَلَوْ كَانَ زَوَالُ الْعَقْلِ كَزَوَالِ الرُّوحِ لَمَا وَجَبَ أَرْشُ الْيَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْفَرْقِ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي الْعَقْلِ وَوَقَعَتْ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ عَلَى عُضْوَيْنِ فَلَا يَدْخُلُ. اهـ.
أَقُولُ: كَمَا يُنْتَقَضُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْهِنْدُوَانِيُّ كَذَلِكَ يُنْتَقَضُ مَا عَدَّهُ صَحِيحًا مِنْ الْفَرْقِ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عُضْوًا مُغَايِرًا لِعُضْوِ الْيَدِ فَتَكُونُ الْجِنَايَةُ فِيهَا وَاقِعَةً عَلَى الْعُضْوَيْنِ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعَقْلُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّجَّةِ أَيْضًا عُضْوًا مُغَايِرًا لِمَحَلِّ الشَّجَّةِ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ مِنْ قَبِيلِ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوَيْنِ فَلَا يَدْخُلُ الْأَرْشُ فِي الدِّيَةِ كَمَا فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَبِالْجُمْلَةِ مَا عَدَّهُ الْهِنْدُوَانِيُّ صَحِيحًا مِنْ الْفَرْقِ هُنَا لَا يَخْلُو عَنْ الِانْتِقَاضِ مِنْهُ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ أَوْ نَقُولُ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي مَعْنَى تَبْدِيلِ النَّفْسِ وَإِلْحَاقُهُ بِالْبَهَائِمِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ وَلَا كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ أَوْ نَقُولُ إنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ يُشَارُ إلَيْهِ فَصَارَ كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ وَقَالَ الْحَسَنُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ بِخِلَافِ الْمُوضِحَةِ مَعَ الشَّعْرِ وَالْحُجَّةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السَّمْعَ وَالْكَلَامَ مُبْطِنٌ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قِيلَ يُرِيدُ بِهِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ بِحَيْثُ لَا تَرْتَسِمُ فِيهِ الْمَعَانِي وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَظْمِ التَّكَلُّمِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَهَابِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ عَسِرًا جِدًّا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّكَلُّمَ بِالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ فَفِي جَعْلِهِ مُبْطِنًا نَظَرٌ. اهـ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ الثَّانِي وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ السَّمْعِ وَالْكَلَامِ مُبْطَنَيْنِ كَوْنُ مَحَلِّهِمَا مَسْتُورًا غَائِبًا عَنْ الْحَسَنِ بِخِلَافِ الْبَصَرِ، فَإِنَّ مَحَلَّهُ ظَاهِرٌ مُشَاهَدٌ فَيَنْدَفِعُ النَّظَرُ كَمَا تَرَى.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ أَوْ قَطَعَ إصْبَعًا فَشُلَّتْ أُخْرَى أَوْ قَطَعَ الْمِفْصَلَ الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ أَوْ كُلُّ الْيَدِ أَوْ كَسَرَ نِصْفَ سِنِّهِ فَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ فَلَا قَوَدَ) وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مُطْلَقًا وَقَالَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالدِّيَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ فِيمَا إذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَكَذَا إذَا قَطَعَ إصْبَعًا فَشُلَّتْ أُخْرَى بِجَنْبِهَا يُقْتَصُّ لِلْأُولَى وَيَجِبُ الْأَرْشُ لِلْأُخْرَى وَعِنْدَهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْعُضْوَيْنِ يَجِبُ أَرْشُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلًا، وَإِنْ كَانَ عُضْوًا وَاحِدًا كَقَطْعِ الْإِصْبَعِ مِنْ الْمِفْصَلِ الْأَعْلَى فَشُلَّ مَا بَقِيَ مِنْهَا يُكْتَفَى بِأَرْشٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ يَجِبُ دِيَةُ الْمَقْطُوعِ وَتَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ فِي الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا إذَا كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ وَاسْوَدَّ مَا بَقِيَ أَوْ اصْفَرَّ أَوْ احْمَرَّ يَجِبُ السِّنُّ كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قَالَ اقْطَعْ الْمِفْصَلَ الْأَعْلَى وَاتْرُكْ مَا بَقِيَ أَوْ قَالَ اكْسِرْ الْقَدْرَ الْمَكْسُورَ مِنْ السِّنِّ وَاتْرُكْ الْبَاقِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِلْقَوَدِ فَصَارَ كَمَا إذَا شَجَّهُ مُنَقِّلَةً فَقَالَ
أَشُجُّهُ مُوضِحَةً وَأَتْرُكُ الْبَاقِيَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ إذَا أَوْجَبَ مَالًا فِي الْبَعْضِ سَقَطَ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ كَانَا عُضْوَيْنِ أَوْ عُضْوًا وَاحِدًا لَا يَجِبُ لَهُمَا وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْفِعْلَ فِي مَحَلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَكُونُ جِنَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَثَرِهِ فَصَارَ كَجِنَايَتَيْنِ مُبْتَدَأَتَيْنِ فَالشُّبْهَةُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَتَعَدَّى إلَى الْآخَرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَزَاءَ بِالْمِثْلِ وَالْجُرْحُ الْأَوَّلُ سَارٍ وَلَيْسَ وَسِعَهُ السَّارِي فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَيَجِبُ الْمَالُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ سَارٍ أَنَّ فِعْلَهُ أَثَّرَ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
وَالسِّرَايَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إيلَامٍ يَتَعَاقَبُ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى الْبَدَنِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُمَا كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ النَّفْسِ بِأَنْ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ نَفْسَيْنِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ فِي النَّفْسِ الثَّانِيَةِ مُبَاشَرَةٌ عَلَى حِدَةٍ لَيْسَ بِسِرَايَةِ الْأُولَى، أَوْ نَقُولُ إنَّ ذَهَابَ الْبَصَرِ وَنَحْوِهِ جُعِلَ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ بَاقٍ عَلَى اسْمِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَالْأَصْلُ فِي سِرَايَةِ الْأَفْعَالِ أَنْ لَا يَبْقَى الْأَوَّلُ بَعْدَ حُدُوثِ السِّرَايَةِ كَالْقَطْعِ إذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ صَارَ قَتْلًا فَلَمْ يَبْقَ قَطْعًا وَهَاهُنَا الشَّجَّةُ أَوْ الْقَطْعُ لَمْ يَنْعَدِمْ بِذَهَابِ الْبَصَرِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ تَسَبُّبًا إلَى فَوَاتِ الْبَصَرِ وَنَحْوِهِ بِمَنْزِلَةِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَالتَّسَبُّبُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ مِنْهُمَا رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْهُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ سِرَايَةَ الْفِعْلِ اُنْتُسِبَ إلَى فَاعِلِهِ شَرْعًا حَتَّى يُجْعَلَ الْفَاعِلَ مُبَاشِرًا لِلسِّرَايَةِ فَيُؤْخَذُ بِهِ كَمَا لَوْ سَرَى إلَى النَّفْسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَيُعْتَبَرُ قَتْلًا بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعًا فَشُلَّتْ بِجَنْبِهَا أُخْرَى أَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَذَهَبَ عَقْلُهُ أَوْ كَلَامُهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي السَّمْعِ وَالْكَلَامِ وَالشَّلَلِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَفِي الْبَصَرِ يَجِبُ لِإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَذْهَبَهُ وَحْدَهُ بِفِعْلٍ مَقْصُودٍ مِنْهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْبَصَرِ دُونَ الشَّلَلِ وَالسَّمْعِ وَالْكَلَامِ فَافْتَرَقَا وَلَوْ كَسَرَ بَعْضَ السِّنِّ فَسَقَطَتْ فَفِيهَا الْقِصَاصُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لَا قِصَاصَ فِيهَا وَلَوْ شَجَّهُ فَأَوْضَحَهُ ثُمَّ شَجَّهُ أُخْرَى فَأَوْضَحَهُ فَتَكَامَلَتَا حَتَّى صَارَتَا شَيْئًا وَاحِدًا فَلَا قِصَاصَ فِيهِمَا كَمَا فِي الْمَشْهُورِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَالْوَجْهُ فِيهِمَا مَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ قَلَعَ سِنَّهُ فَنَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى سَقَطَ الْأَرْشُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَا عَلَيْهِ الْأَرْشُ كَامِلًا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ مُوجِبَةً لَهُ وَاَلَّتِي نَبَتَتْ نِعْمَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَصَارَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ فَحَصَلَ لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ مَالٌ آخَرُ وَلِهَذَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا بِالْإِجْمَاعِ أَيْ يُؤَجَّلُ سَنَةً بِالْإِجْمَاعِ وَذَكَرَ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّ سِنَّ الْبَالِغِ إذَا سَقَطَ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَبْرَأَ مَوْضِعُ السِّنِّ لَا الْحَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ نَبَاتَ سِنِّ الْبَالِغِ نَادِرٌ فَلَا يُفِيدُ التَّأْجِيلَ إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْبُرْءِ لَا يُقْتَصُّ وَلَا يُؤْخَذُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي عَاقِبَتَهُ. اهـ.
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ إجْمَالًا وَذَلِكَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ مَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الْإِنْسَانِ فَكُلُّ فَصْلٍ مِنْهَا يُوَافِقُ مِزَاجَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَيُؤَثِّرُ فِي إنْبَاتِهِ قَالَ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالَ: الِاسْتِيفَاءُ حَوْلًا مِنْ فَصْلِ الْقَلْعِ فِي الْبَالِغِ وَالصَّغِيرِ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي الْجِرَاحَاتِ كُلِّهَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا وَهُوَ كَمَا تَرَى يُنَافِي الْإِجْمَاعَ قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ أُقِيدَ فَنَبَتَتْ سِنُّ الْأَوَّلِ تَجِبُ الدِّيَةُ) مَعْنَاهُ إذَا قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَأُقِيدَ أَيْ أُقْتَصُّ مِنْ الْقَالِعِ ثُمَّ نَبَتَ سِنُّ الْأَوَّلِ الْمُقْتَصِّ لَهُ يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ أَرْشُ سِنِّ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَلَمْ يَفْسُدْ حَيْثُ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى فَانْعَدَمَتْ الْجِنَايَةُ وَلِهَذَا يُسْتَأْنَى حَوْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصِ خَوْفًا مِنْ مِثْلِهِ إلَّا أَنَّ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ تَضْيِيعَ الْحُقُوقِ فَاكْتَفَيْنَا بِالْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَنْبُتُ فِيهِ ظَاهِرًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْفَسَادِ، فَإِذَا مَضَى الْحَوْلُ وَلَمْ تَنْبُتْ فِيهِ قَضَيْنَا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّا أَخْطَأْنَا فِيهِ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا أَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْمَالُ وَلَوْ ضَرَبَ سِنَّ إنْسَانٍ فَتَحَرَّكَتْ يُسْتَأْنَى حَوْلًا لِيَظْهَرَ فِعْلُهُ، فَإِنْ سَقَطَتْ سِنُّهُ وَاخْتَلَفَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ لِتَيَقُّنِ التَّأْجِيلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً ثُمَّ جَاءَ وَقَدْ صَارَتْ مُنَقِّلَةً حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لِلضَّارِبِ؛ لِأَنَّ الْمُوضِحَةَ لَا تُورِثُ الْمُنَقِّلَةَ وَالتَّحْرِيكُ يُورِثُ السُّقُوطَ وَلَوْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْقَوْلِ كَانَ الْقَوْلُ لِلضَّارِبِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَقَصْد مُضِيَّ الْأَجَلِ الَّذِي ضُرِبَ لِلثَّانِي وَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ فَلَا شَيْءَ لِلضَّارِبِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي حُصُولِ الِاسْوِدَادِ بِضَرْبِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّارِبِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْكِرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الضَّرْبِ الِاسْوِدَادُ فَصَارَ إنْكَارُهُ لَهُ كَإِنْكَارِهِ أَصْلَ الْفِعْلِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْرُوبِ
لِأَنَّ مَا يَظْهَرُ عَقِيبَ فِعْلٍ مِنْ الْأَثَرِ يُحَالُ عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الضَّارِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بِغَيْرِهِ.
قَالَ رحمه الله (وَإِنْ شَجَّ رَجُلًا فَالْتَحَمَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ أَوْ ضَرَبَ فَجَرَحَ فَبَرَأَ أَوْ ذَهَبَ أَثَرُهُ فَلَا أَرْشَ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ وَهُوَ حُكُومَةُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْنَ الْمُوجِبَ إنْ زَالَ فَالْأَلَمُ الْحَاصِلُ لَمْ يَزُلْ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَثَرُ فِعْلِهِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَإِعْطَاؤُهُ الطَّبِيبَ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَسَّرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأَلَمِ بِأُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَالْمُدَاوَاةِ فَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الشَّيْنُ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِفِعْلِهِ وَزَوَالُ مَنْفَعَتِهِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِزَوَالِ أَثَرِهِ وَالْمَنَافِعُ لَا تَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مَا يُشْبِهُ الْعَقْدَ كَالْفَاسِدِ مِنْهُمَا وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْجَانِي فَلَا يَلْزَمُ الْغَرَامَةُ وَكَذَلِكَ مُجَرَّدُ الْأَلَمِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ بِمُجَرَّدِ الْأَلَمِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ضَرَبَ إنْسَانًا ضَرْبًا مُؤْلِمًا مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْشِ وَكَذَا لِأَنَّهُ لَوْ شَتَمَهُ شَتْمًا يُؤْلِمُ نَفْسَهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا.
قَالَ رحمه الله (وَلَا قَوَدَ بِجُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا يُؤَخَّرُ كَمَا فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «نَهَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَآلُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَسْرِيَ إلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرَ أَنَّهُ قَتْلٌ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ جُرْحٌ إلَّا بِالْبُرْءِ فَيَسْتَقِرُّ بِهِ.
قَالَ رحمه الله (وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ فِيهِ قَوَدُهُ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ عَمْدًا فَفِيهِ دِيَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَكَذَا مَا وَجَبَ صُلْحًا أَوْ اعْتِرَافًا أَوْ لَمْ يَكُنْ نِصْفَ الْعُشْرِ) أَيْ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا» وَلِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّلُ عَنْ الْقَاتِلِ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَذَلِكَ يَلِيقُ بِالْمُخْطِئِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ دُونَ الْمُتَعَمِّدِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ وَاَلَّذِي وَجَبَ بِالصُّلْحِ إنَّمَا وَجَبَ بِعَقْدِهِ وَالْعَاقِلَةُ لَا تَتَحَمَّلُ مَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا تَتَحَمَّلُ مَا يَجِبُ بِالْقَتْلِ وَكَذَا مَا لَزِمَهُ بِالْإِقْرَارِ لَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى نَفْسِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ فَيَلْزَمُهُ دُونَهُمْ، وَإِنَّمَا لَا تَتَحَمَّلُ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى الْإِجْحَافِ وَالِاسْتِئْصَالِ بِالْجَانِي وَالتَّأْجِيلِ تَحَرُّزًا عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ثُمَّ الْكُلُّ يَجِبُ مُؤَجَّلًا إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ إلَّا مَا وَجَبَ بِالصُّلْحِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ فَيَكُونُ حَالًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ يَجِبُ فِي سَنَةٍ لَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَالثُّلُثُ وَمَا دُونَهُ يَجِبُ فِي سَنَةٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله مَا وَجَبَ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ يَجِبُ حَالًّا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ شَرْعًا إلَى بَدَلٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَدَلُ حَالًّا كَسَائِرِ الْمُتْلِفَاتِ وَلَنَا أَنَّ الْمُتْلِفَ لَيْسَ بِمَالٍ وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُضْمَنُ بِالْمَالِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِيمَةٍ إذْ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ وَقِيمَةُ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا تَقَوُّمَهُ بِالْمَالِ بِالشَّرْعِ وَالشَّرْعُ إنَّمَا قَوَّمَهُ بِدِيَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ وَإِيجَابُ الْمَالِ حَالًّا زِيَادَةٌ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ وَصْفًا كَمَا لَا يَجُوزُ إيجَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ قَدْرًا.
قَالَ رحمه الله (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَا تَكْفِيرَ فِيهِ وَلَا حِرْمَانَ فِيهِ) أَيْ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله عَمْدُهُ عَمْدٌ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ وَهُوَ ضِدُّ الْخَطَأِ فَمَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْخَطَأُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْعَمْدُ وَلِهَذَا يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ مُوجَبُهُ الْآخَرُ وَهُوَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلٌ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ فَصَارَ نَظِيرَ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُمْ إذَا سَرَقُوا لَا يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ لِمَا قُلْنَا وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِفَوَاتِ الْمَالِيَّةِ دُونَ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَكَذَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ عِنْدَهُ بِالْقَتْلِ وَلَنَا أَنَّ مَجْنُونًا صَالَ عَلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ فَضَرَبَهُ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه فَجَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَقَالَ عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ سَوَاءٌ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْمَرْحَمَةِ «قَالَ عليه الصلاة والسلام مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَالْعَاقِلُ الْمُخْطِئُ لَمَّا اسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتَّى وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى بِهَذَا التَّخْفِيفِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ قَدْرَ نِصْفِ الْعُشْرِ أَوْ أَكْثَرَ بِخِلَافِ مَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ كَمَا فِي الْبَالِغِ الْعَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَمْدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ وَهُوَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ بِالْعَقْلِ وَهَؤُلَاءِ عُدِمُوا الْعَقْلَ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ الْقَصْدُ وَصَارُوا كَالنَّائِمِ وَحِرْمَانُ الْإِرْثِ عُقُوبَةٌ وَهُمْ