الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابْنِي الَّذِي زُكِّيَ الشُّهُودُ عَلَى قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا قُتِلَ ابْنٌ آخَرُ لِي فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ الْقَتْلُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَصْرَانِيٍّ شَهِدَ عَلَيْهِ نَصْرَانِيَّانِ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَ هَذَا النَّصْرَانِيِّ عَمْدًا فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ وَدُفِعَ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فَأَسْلَمَ، فَإِنِّي أَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَأَجْعَلُ عَلَيْهِ الدِّيَةَ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مُسْلِمٍ قَطَعَ يَدَ عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ عَمْدًا فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً عَلَى النَّصْرَانِيِّ أَنَّ مَوْلَاهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ هَذَا الْمُسْلِمُ يَدَهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْعِتْقِ وَلَا يُقْضَى لَهُ بِالْقِصَاصِ وَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ]
(بَابُ مَا يُحْدِثُ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَتْلِ مُبَاشَرَةً شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِهِ تَسَبُّبًا وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِكَوْنِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ وُقُوعًا فَكَانَ أَمَسَّ حَاجَةً إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ قَالَ رحمه الله (وَمَنْ أَخْرَجَ إلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ كَنِيفًا أَوْ مِيزَابًا أَوْ جُرْصُنًا أَوْ دُكَّانًا فَلِكُلٍّ نَزْعُهُ) أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُرُورِ الْخُصُومَةُ مُطَالَبَةً بِالنَّقْضِ كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْحُرِّ وَكَالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الْمُرُورَ بِنَفْسِهِ وَبِدَوَابِّهِ فَتَكُونُ لَهُ الْخُصُومَةُ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالْهَدْمِ بِمُطَالَبَتِهِمْ؛ لِأَنَّ مُخَاصَمَةَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ لَا تُعْتَبَرُ فِي مَالِهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ هَذَا إذَا بَنَى لِنَفْسِهِ قُيِّدَ بِمَا ذُكِرَ لِيَحْتَرِزَ عَمَّا إذَا بَنَى لِلْمُسْلِمِينَ كَالْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُنْتَقَضُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ إنَّمَا يُنْقَضُ بِخُصُومَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلُهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى خُصُومَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهِ إزَالَةَ الضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ لَبَدَأَ بِنَفْسِهِ وَحَيْثُ لَمْ يَزُلْ مَا فِي قُدْرَتِهِ عُلِمَ أَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْكَنِيفُ الْمُسْتَرَاحُ وَالْمِيزَابُ وَالْجُرْصُنُ قِيلَ هُوَ الْبُرْجُ وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ جِذْعٌ يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ الْحَائِطِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَحِلُّ لَهُ إحْدَاثُهُ فِي الطَّرِيقِ أَمْ لَا وَالثَّانِي فِي الْخُصُومَةِ فِي مَنْعِهِ مِنْ الْإِحْدَاثِ فِيهِ وَرَفْعُهُ بَعْدَهُ وَالثَّالِثُ فِي ضَمَانِ مَا تَلِفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمَّا الْإِحْدَاثُ فَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إنْ كَانَ الْإِحْدَاثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ لِسَعَةِ الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ إحْدَاثُهُ فِيهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ فِي الطَّرِيقِ بِغَيْرِ أَنْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ جَائِزٍ فَكَذَا مَا هُوَ مِثْلُهُ فَيُلْحَقُ بِهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، فَإِذَا أَضَرَّ بِالْمَارِّ لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارِ فِي الْإِسْلَامِ» وَهَذَا نَظِيرُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهُ التَّأْخِيرُ إذَا طَالَبَهُ صَاحِبُهُ فَلَوْ لَمْ يُطَالِبْهُ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهُ وَعَلَى هَذَا الْقُعُودُ فِي الطَّرِيقِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَجُوزُ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ، وَإِنْ أَضَرَّ لَمْ يَجُزْ لِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الْخُصُومَةُ فِيهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْوَضْعِ وَأَنْ يُكَلِّفَهُ الرَّفْعَ بَعْدَ الْوَضْعِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ ضَرَرًا وَلَمْ يَكُنْ إذَا وَضَعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى رَأْيِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي أُمُورِ الْعَامَّةِ إلَى الْإِمَامِ الْعُرْضُ بِالضَّمِّ النَّاحِيَةُ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ قَبْلَ الْوَضْعِ وَلَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرُ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إحْدَاثِهِ شَرْعًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُ أَحَدٌ وَالْمَانِعُ مِنْهُ مُتَعَنِّتٌ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ.
فَصَارَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ إذْنَ الشَّارِعِ أَحْرَى وِلَايَةً وَأَقْوَى كَالْمُرُورِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا انْتِفَاعٌ بِمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ الطَّرِيقُ فَكَانَ لَهُمْ مَنْعُهُ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمُرُورِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمَا وُضِعَ لَهُ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مَنْعُهُ قَالَ رحمه الله (وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي النَّافِذِ إلَّا إذَا أَضَرَّ) أَيْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِإِحْدَاثِ الْجُرْصُنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْعَامَّةِ مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ أَحَدٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَالْخِلَافَ الَّذِي فِيهِ فَلَا نُعِيدُهُ قَالَ رحمه الله (وَفِي غَيْرِهِ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ) أَيْ فِي غَيْرِ النَّافِذِ مِنْ الطَّرِيقِ لَا يَتَصَرَّفُ أَحَدٌ بِإِحْدَاثِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا فَهُمْ فِيهَا شُرَكَاءُ وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الشُّفْعَةَ وَالتَّصَرُّفَ فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِإِذْنِ الْكُلِّ أَضَرَّ بِهِمْ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِخِلَافِ النَّافِذِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ مِلْكٌ فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَقُّ الْعَامَّةِ فَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى إذْنِ الْكُلِّ فَجُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ وَحْدَهُ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَحَدٍ وَلَا كَذَلِكَ غَيْرُ النَّافِذِ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَى إرْضَائِهِمْ مُمْكِنٌ فَيَبْقَى عَلَى
شَرِكَتِهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَفِي الْمُنْتَقَى إنَّمَا يُؤْمَرُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذَا عُلِمَ حُدُوثُهَا فَلَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً فَلَيْسَ لِأَحَدٍ حَقُّ الرَّفْعِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَ حَالُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُجْعَلُ قَدِيمَةً وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ.
قَالَ رحمه الله (فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ بِسُقُوطِهَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقٍ أَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ) أَيْ إذَا مَاتَ إنْسَانٌ بِسُقُوطِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَنِيفٍ أَوْ مِيزَابٍ أَوْ جَرْصَنٍ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ أَخْرَجَهُ إلَى الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ لِلْهَلَاكِ مُتَعَدِّيًا فِي إحْدَاثِ مَا تَضَرَّرَ بِهِ الْمَارَّةُ بِإِشْغَالِ هَوَاءِ الطَّرِيقِ بِهِ أَوْ بِإِحْدَاثِ مَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَكَذَا إذَا عَثَرَ بِنَقْضِهِ إنْسَانٌ وَلَوْ عَثَرَ بِمَا أَحْدَثَ بِهِ هُوَ رَجُلٌ فَوَقَعَ عَلَى آخَرَ فَمَاتَا فَدِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ مَنْ أَحْدَثَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ كَالْمَدْفُوعِ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ سَقَطَ الْمِيزَابُ فَأَصَابَ مَا كَانَ فِي الدَّاخِلِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِيهِ، وَإِنْ أَصَابَهُ مَا كَانَ خَارِجًا فِيهِ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَخَارِجًا أَمْ دَاخِلًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَارِجًا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا لَا يَضْمَنُ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَضْمَنُ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّ فَرَاغَ ذِمَّتِهِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَفِي الشُّغْلِ شَكٌّ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالٍ يَضْمَنُ الْكُلَّ وَفِي حَالٍ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا فَيَضْمَنُ النِّصْفَ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ فِي حَالَةِ النِّصْفِ وَهُوَ مَا إذَا أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ فَيَنْتَصِفُ فَيَكُونُ مَعَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْإِصَابَةِ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تَتَعَدَّدُ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا بِخِلَافِ حَالَةِ الْجُرْحَيْنِ.
وَلَوْ أَشْرَعَ جَنَاحًا إلَى الطَّرِيقِ ثُمَّ بَاعَ الْكُلَّ فَأَصَابَ الْجَنَاحُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَوْ وَضَعَ خَشَبَةً فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ بَاعَ الْخَشَبَةَ وَتَرَكَهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى عَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَنْفَسِخْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْمُوجِبُ بِخِلَافِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ إذَا بَاعَهُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ثُمَّ سَقَطَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى إنْسَانٍ حَيْثُ لَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ وَهُوَ شَرْطُ الْحَائِطِ الْمَائِلِ وَفِي حَقِّ الْبَائِعِ قَدْ بَطَلَ الْإِشْهَادُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْإِشْهَادِ فَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْضِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِشْغَالِ الطَّرِيقِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ وَالْإِشْغَالُ بَاقٍ بَعْدَ الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِشْغَالَ لَوْ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ كَالْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُعِيرِ أَوْ الْغَاصِبِ يَضْمَنُ وَفِي الْحَائِطِ لَا يَضْمَنُ غَيْرُ الْمَالِكِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّ الدَّارِ الْفَعَلَةَ لِإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ أَوْ الظُّلَّةِ فَوَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ الْعَمَلِ فَقَتَلَ إنْسَانًا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِفِعْلِهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ مُسَلَّمًا إلَى رَبِّ الدَّارِ قَبْلَ فَرَاغِهِمْ مِنْهُ فَانْقَلَبَ فِعْلُهُمْ قَتْلًا حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ وَيُحْرَمُونَ مِنْ الْإِرْثِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْ إخْرَاجِ الْجُنَاحِ أَوْ الْمِيزَابِ أَوْ الْكَنِيفِ إلَى الطَّرِيقِ فَقَتَلَ إنْسَانًا بِسُقُوطِهِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا يَحْرُمُ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ وَهُنَا مُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَقْدِهِ فَلَمْ يَسْتَنِدْ فِعْلُهُمْ إلَيْهِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا عَلَى وُجُوهٍ أَمَّا إنْ قَالَ لَهُمْ ابْنُوا لِي جَنَاحًا عَلَى فِنَاءِ دَارِي، فَإِنَّهُ مِلْكِي وَلِي مِنْهُ حَقُّ إشْرَاعِ الْجَنَاحِ إلَيْهِ مِنْ الْقَدِيمِ وَلَمْ تَعْلَمْ الْفَعَلَةُ ثُمَّ ظَهَرَ بِخِلَافِ مَا قَالَ ثُمَّ سَقَطَ فَأَصَابَ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْآجِرِ وَيَرْجِعُونَ بِالضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا سَوَاءٌ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ عَلَى الْفَاعِلِ بِأَمْرِ الْآمِرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِيَذْبَحَ لَهُ شَاةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الشَّاةُ بَعْدَ الذَّبْحِ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الذَّابِحَ وَيَرْجِعَ الذَّابِحُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فَكَذَا هَذَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُمْ اشْرَعُوا لِي جَنَاحًا عَلَى فِنَاءِ دَارِي وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الشَّرْعِ فِي الْقَدِيمِ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُمْ حَتَّى بَنَوْا ثُمَّ سَقَطَ فَأَتْلَفَ شَيْئًا إنْ سَقَطَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْآمِرِ قِيَاسًا، وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ فَكَذَلِكَ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَمَرَهُمْ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ وَقَدْ عَلِمُوا فَسَادَ أَمْرِهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَذْبَحَ شَاةَ جَارٍ لَهُ وَأَعْلَمَهُ فَذَبَحَ ثُمَّ ضَمِنَ الذَّابِحُ لِلْجَارِّ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْآمِرِ وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُمْ لِيَبْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ ثُمَّ سَقَطَ وَأَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى الْآمِرِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ صَحِيحٌ يَكُونُ إقْرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْآمِرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفِعْلِ وَمِنْهُ حَيْثُ إنَّهُ فَاسِدٌ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْعَامِلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ عَمَلًا بِهَا وَإِظْهَارُ شُبْهَةِ الصِّحَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْآمِرِ إنَّمَا لَا يَصْلُحُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ
مِنْ الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَيْ الْقَتْلُ بِسُقُوطِ الْمِيزَابِ وَنَحْوِهِ كَالْقَتْلِ بِحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتْلٌ بِسَبَبٍ حَتَّى لَا تَجِبَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا يُحْرَمَ الْمِيرَاثَ فَيَكُونَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ: حَفَرَ إلَى آخِرِهِ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَجَاءَ آخَرُ وَحَفَرَ طَائِفَةٌ فِي أَسْفَلِهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ وَمَاتَ فِي الْقِيَاسِ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا.
وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَوَسَّعَ رَأْسَهَا فَسَقَطَ فِيهَا إنْسَانٌ وَمَاتَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا قَالُوا تَأْوِيلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الثَّانِيَ وَسَّعَ رَأْسَهَا بِحَيْثُ يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ الْوَاقِعَ إنَّمَا وَقَعَ فِي مَوْضِعٍ بَعْضُهُ مِنْ حَفْرِ الْأَوَّلِ وَبَعْضُهُ مِنْ حَفْرِ الثَّانِي أَمَّا إذَا وَسَّعَ الثَّانِي رَأْسَهَا بِحَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ فِي مَوْضِعِ حَفْرِ الثَّانِي كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا قَاضِي خَانْ قَوْلُهُ حَفَرَ إلَى آخِرِهِ سَقَطَ إنْسَانٌ فَقَالَ الْحَافِرُ إنَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ وَكَذَّبَهُ الْوَرَثَةُ فِي ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَافِرِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ آخِرًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَصِيرَ يَرَى مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوقِعُ نَفْسَهُ إلَّا إذَا وَقَعَتْ لَهُ شِدَّةٌ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ قَوْلُهُ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ كَسَاهَا بِالتُّرَابِ أَوْ بِخُضَرٍ أَوْ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ يَضْمَنُ الْأَوَّلُ وَلَوْ غَطَّى رَأْسَهَا وَجَاءَ آخَرُ وَرَفَعَ الْغِطَاءَ فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ ضَمِنَ الْأَوَّلُ وَقَالَ قَاضِي خَانْ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَتَلِفَ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَمُتْ مِنْ ذَلِكَ بَلْ مَاتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا أَوْ غَمًّا هَلْ يَضْمَنُ الْحَافِرُ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ خِلَافًا فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُ الْحَافِرُ إذَا مَاتَ جُوعًا فَالْجَوَابُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَأَمَّا إذَا مَاتَ غَمًّا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْحَافِرُ وَفِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَفِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَضْمَنُ فِي الْحَالَتَيْنِ هَذَا إذَا كَانَ الْحَفْرُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَفْرُ فِي فِنَاءِ دَارِهِ فَوَقَعَ فِيهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ هَلْ يَضْمَنُ إنْ كَانَ الْفِنَاءُ لِغَيْرِهِ يَكُونُ ضَامِنًا، وَأَمَّا إذَا حَفَرَ فِي مِلْكِهِ أَوْ كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَفْرِ فِي الْقَدِيمِ فَكَذَا الْجَوَابُ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ وَلَكِنْ كَانَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ شِرْكًا بِأَنْ كَانَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِنَاءُ دَارِ الرَّجُلِ مَا كَانَ فِي دَارِهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي عُرْضِ سِكَّتِهِ أَوْ أَعْرَضَ مِنْهَا فَأَمَّا إذَا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي أَصْلِ حَائِطِ جَارِهِ وَفِنَائِهِ فَهَذَا كُلُّهُ فِنَاءُ الْآمِرِ وَفِنَاءُ جَارِهِ الَّذِي هُوَ فِنَاءٌ لَهُ فَهُوَ فِنَاؤُهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ فَأَمَرَ بِالْحَفْرِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّارُ وَهَذَا لَيْسَ بِفِنَائِهِ، وَإِذَا أَوْقَعَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا دَابَّةٌ أَوْ إنْسَانٌ فَتَلِفَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَلَوْ جَاءَ إنْسَانٌ فَدَفَعَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ وَهَلَكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ دُونَ الْحَافِرِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ ثُمَّ سَقَطَ إنْسَانٌ فَقَتَلَ السَّاقِطُ ذَلِكَ الْإِنْسَانَ أَوْ الدَّابَّةَ كَانَ السَّاقِطُ ضَامِنًا دِيَةَ أَوْ قِيمَةَ مَنْ كَانَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْبِئْرُ فِي الطَّرِيقِ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ، فَإِذَا حَفَرَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَسُقُوطُهُ لَا يَكُونُ ضَامِنًا إلَى الْحَافِرِ وَكَانَ تَلَفُ السُّقُوطِ عَلَيْهِ مُضَافًا إلَى السَّاقِطِ، وَإِذَا حَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ آخَرُ حَفَرَ طَائِفَةٌ أُخْرَى فِي أَسْفَلِهَا ثُمَّ وَقَعَ إنْسَانٌ وَمَاتَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَضْمَنَ الْأَوَّلُ وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدٌ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي خَاصَّةً إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا أَخَذُوا بِالْقِيَاسِ وَكَانَ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَوَضَعَ فِي الْبِئْرِ سِلَاحًا ثُمَّ جَاءَ إنْسَانٌ وَوَقَعَ عَلَى السِّلَاحِ وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْحَافِرِ وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّنْ حَفَرَ فِي صَحْرَاءِ قَرْيَةٍ الَّتِي هِيَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَهِيَ مَبِيتُ دَوَابِّهِمْ حَفِيرَةً يَضَعُ فِيهَا الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَوْقَدَ فِي الْحَفِيرَةِ نَارًا كَسَتْهَا وَذَلِكَ أَيْضًا بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ فَوَقَعَ فِيهَا حِمَارٌ فَاحْتَرَقَ بِالنَّارِ فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ يَجِبُ فَقَالَ عَلَى الْحَافِرِ قَالَ وَهَذَا قِيَاسُ مَا نُقِلَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَأَلْقَى رَجُلٌ فِيهَا حَجَرًا بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ رَجُلٌ فَأَصَابَهُ الْحَجَرُ الَّذِي فِي الْبِئْرِ فَمَاتَ إنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْحَافِرِ وَمِثْلُهُ لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا عَلَى الْأَرْضِ بِقُرْبِ الْبِئْرِ فَتَعَقَّلَ فِيهَا إنْسَانٌ وَوَقَعَ فَهَلَكَ فَالدِّيَةُ عَلَى مَنْ وَضَعَ الْحَجَرَ كَأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ وَكَذَلِكَ هَاهُنَا هَذَا إذَا وَضَعَ الْحَجَرَ وَاضِعٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَضَعْهُ أَحَدٌ وَلَكِنْ كَانَ الْحَجَرُ رَاسِخًا فَتَعَقَّلَ بِهِ إنْسَانٌ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسَبُّبِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ
الْمَاشِي إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْبِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاشِي دَافِعًا نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ وَأَنَّهُ مُبَاشِرٌ وَالْحَافِرُ مُتَسَبِّبٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ لَمْ يَضَعْهُ أَحَدٌ لَكِنَّهُ حَمِيلُ السَّيْلِ جَاءَ بِهِ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَزَلَقَ بِمَاءٍ صَبَّهُ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى الطَّرِيقِ وَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ وَمَاتَ فَالضَّمَانُ عَلَى الَّذِي صَبَّ الْمَاءَ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَاءَ السَّمَاءِ فَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ.
وَإِذَا حَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فِي الْفَيَافِيِ وَالْمَفَازَاتِ فِي غَيْرِ مَمَرِّ النَّاسِ فَوَقَعَ فِيهِ إنْسَانٌ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ لَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَفَرَ فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا، فَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَوَقَعَ إنْسَانٌ فَسَلِمَ مِنْ الْوَقْعَةِ وَطَلَبَ الْخُرُوجَ مِنْهَا فَتَعَلَّقَ حَتَّى إذَا كَانَ فِي وَسَطِهَا سَقَطَ وَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ مَشَى فِي أَسْفَلِهَا فَعَطِبَ بِصَخْرَةٍ فِيهَا فَإِنْ كَانَتْ الصَّخْرَةُ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْبِئْرِ قَلَعَهَا مِنْ مَوْضِعِهَا وَوَضَعَهَا فِي نَاحِيَةِ الْبِئْرِ فَعَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَإِذَا حَفَرَ الرَّجُلُ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ فِيهِ رَجُلٌ فَتَعَلَّقَ بِهِ آخَرُ وَتَعَلَّقَ الثَّانِي بِثَالِثٍ وَسَقَطُوا جَمِيعًا وَمَاتُوا جَمِيعًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ مَاتُوا مِنْ وُقُوعِهِمْ وَلَمْ يَقَعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ مِنْ وُقُوعِهِمْ وَوَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَدْ عُلِمَ كَيْفِيَّةُ الْمَوْتِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ مَاتُوا، فَإِنْ مَاتُوا مِنْ وُقُوعِهِمْ وَلَمْ يَقَعْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُبَاشِرٌ وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي، وَإِذَا خَرَجُوا أَحْيَاءَ وَأَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِمْ ثُمَّ مَاتُوا فَمَوْتُ الْأَوَّلِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا إنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِهِ لَا غَيْرُ فَدِيَتُهُ عَلَى الْحَافِرِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِي عَلَيْهِ فَدِيَتُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ بِجَرِّهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ جَرَّ الثَّالِثَ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَنِصْفُ دِيَتِهِ هَدَرٌ وَنِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِهِ وَوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَالنِّصْفُ عَلَى الْحَافِرِ وَالنِّصْفُ عَلَى الثَّانِي، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِهِ وَوُقُوعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالثُّلُثُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ بِجَرِّ الثَّانِي عَلَيْهِ وَالثُّلُثُ عَلَى الْحَافِرِ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّافِعِ وَالثُّلُثُ عَلَى الثَّانِي بِجَرِّ الثَّالِثِ مُبَاشَرَةً، وَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الثَّانِي، فَإِنْ مَاتَ بِوُقُوعِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ فَدِيَتُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَّهُ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ فَدِيَتُهُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالدَّافِعِ لِلثَّانِي فِي الْبِئْرِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ وُقُوعِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مَعًا فَنِصْفُ دِيَتِهِ هَدَرٌ لِجَرِّهِ الثَّالِثَ إلَى نَفْسِهِ وَنِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ لِجَرِّ الْأَوَّلِ لَهُ وَإِيقَاعِهِ فِي الْبِئْرِ،.
وَأَمَّا دِيَةُ الثَّالِثِ فَعَلَى الثَّانِي لِجَرِّ الثَّانِي لَهُ هَذَا إذَا كَانَ يُدْرَى حَالُ وُقُوعِهِمْ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُدْرَى فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ أَوْ وُجِدُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَإِنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَمْ يُبَيِّنْ مُحَمَّدٌ قَائِلَهُ فِي الْأَصْلِ وَيُقَالُ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ دِيَةَ الْأَوَّلِ أَثْلَاثًا ثُلُثٌ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ وَثُلُثٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ جَرَّ الثَّالِثَ عَلَيْهِ وَثُلُثٌ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي جَرَّ الثَّانِيَ وَدِيَةُ الثَّانِي نِصْفَانِ نِصْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّهُ وَنِصْفٌ هَدَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَّ الثَّالِثَ إلَى نَفْسِهِ وَدِيَةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي عَبْدٌ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَوَقَعَ فِيهَا فَعَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا آخَرُ فَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يَدْفَعَ كُلَّهُ أَوْ يَفْدِيَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفٌ؛ لِأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا فَعَفَا عَنْهُ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ دَارًا وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهَا فَحَفَرَ فِيهَا وَرَثَتُهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِنُقْصَانِ الْحَفْرِ لِلْغُرَمَاءِ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي عَبْدٍ حَفَرَ بِئْرًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ ثُمَّ وَقَعَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ فِي الْبِئْرِ وَمَاتَ قَالَ عَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ لِوَرَثَتِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى أَوَّلًا ثُمَّ حَفَرَ وَوَقَعَ فِيهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَوْلَى بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مُكَاتَبٌ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ قَتَلَ إنْسَانًا فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ إنْسَانٌ وَمَاتَ قَالَ يُشَارِكُ السَّاقِطُ فِي الْبِئْرِ الَّذِي أَخَذَ الْقِيمَةَ فِيهَا قَالَ وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ قَالَ، وَإِذَا جَاءَ وَلِيُّ السَّاقِطِ فِي الْبِئْرِ فَأَخَذَ الَّذِي أَخَذَ قِيمَةَ الْمُدَبَّرِ مِنْ مَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خُصُومَةٌ وَلَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى مَوْلَى الْمُدَبَّرِ، فَإِذَا زَكَّتْ كَذَا عَلَى الْمَوْلَى يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَخَذَ الْقِيمَةَ بِنِصْفِهَا وَفِي التَّجْرِيدِ وَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ وَقُضِيَ عَلَى الْمَوْلَى بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْحَفْرِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَنُقْصَانِهَا، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَتَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحَفْرِ وَلَوْ كَانَ الْحَافِرُ عَبْدًا
فَالْجِنَايَاتُ كُلُّهَا فِي رَقَبَتِهِ وَيُخَاطَبُ الْمَوْلَى بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ بِجَمِيعِ الْأُرُوشِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى بَعْدَ الْحَفْرِ قَبْلَ الْوُقُوعِ ثُمَّ لَحِقَتْهُ الْجِنَايَاتُ فَعَلَى الْمَوْلَى قِيمَتُهُ يَوْمَ عِتْقٍ يَشْتَرِكُ فِيهَا أَصْحَابُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَهُ يَضْرِبُ فِي ذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ وَلَوْ لَمْ يُعْتَقْ وَلَكِنْ وَقَعَ وَاحِدٌ وَمَاتَ فَيُدْفَعُ بِهِ ثُمَّ وَقَعَ ثَانٍ وَثَالِثٌ فَيَشْتَرِكُوا مَعَ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْأَوَّلِ فِي رَقَبَتِهِ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا قَتَلَ إنْسَانًا وَدَفَعَهُ الْمَوْلَى بِهِ ثُمَّ وَقَعَ إنْسَانٌ فِي بِئْرٍ كَانَ حَفَرَهَا الْعَبْدُ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّافِعِ فَالْعَبْدُ يُدْفَعُ نِصْفُهُ إلَى وَلِيِّ السَّاقِطِ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَفْدِيهِ بِالدِّيَةِ وَلَوْ عَفَا وَلِيُّ السَّاقِطِ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُدْفَعْ إلَى الْمَوْلَى شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ وَلَا خُصُومَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمَوْلَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا يُخَاصَمُ الَّذِي فِي يَدِهِ الْعَبْدُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَفَرَ بِئْرًا فِي سُوقِ الْعَامَّةِ أَوْ بَنَى فِيهِ دُكَّانًا فَعَطِبَ بِهِ شَيْءٌ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا وَبِغَيْرِ إذْنِهِ يَكُونُ ضَامِنًا كَمَا لَوْ أَوْقَفَ دَابَّتَهُ فِي السُّوقِ فِي مَوْضِعٍ مُعَدٍّ لِلدَّابَّةِ فَأَوْقَفَ الدَّابَّةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ عَيَّنُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ فَعَطِبَ لَا يَكُونُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ كَانَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَذِنَ بِذَلِكَ يَخْرُجُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ عَنْ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا فَتَعَيَّنَ لِإِيقَافِ الدَّوَابِّ وَبِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرًا حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى أَوْ مَاتَ الْمَوْلَى حَتَّى عَتَقَ الْمُدَبَّرُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ أَوْقَعَ نَفْسَهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُدَبَّرُ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
وَإِذَا حَفَرَ الرَّجُلُ نَهْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ مَاءً يُغْرِقُ أَرْضًا أَوْ قَرْيَةً كَانَ ضَامِنًا وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ فَلَا ضَمَانَ رَجُلٌ سَقَى أَرْضَهُ مِنْ نَهْرِ الْعَامَّةِ وَكَانَ عَلَى نَهْرِ الْعَامَّةِ أَنْهَارٌ صِغَارٌ مَفْتُوحَةٌ فُوَّهَاتُهَا وَدَخَلَ الْمَاءُ فِي الْأَنْهَارِ الصِّغَارِ وَفَسَدَ بِذَلِكَ أَرْضُ قَوْمٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَجَلُّ ظَهِيرُ الدِّينِ يَكُونُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَجْرَى الْمَاءَ فِيهَا.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ بَهِيمَةً فَضَمَانُهَا فِي مَالِهِ) أَيْ لَوْ كَانَ الْهَالِكُ فِي الْبِئْرِ أَوْ بِسُقُوطِ الْجُرْصُنِ بَهِيمَةً يَكُونُ ضَمَانُهَا فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَتَحَمَّلُ ضَمَانَ الْمَالِ وَإِبْقَاءُ الْمِيزَابِ وَاتِّخَاذُ الطِّينِ فِي الطَّرِيقِ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ الْحَجَرِ وَالْخَشَبَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مُسَبِّبٌ بِطَرِيقٍ مِنْ التَّعَدِّي بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَنَسَ الطَّرِيقَ فَعَطِبَ بِمَوْضِعِ كَنْسِهِ إنْسَانٌ حَيْثُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إمَاطَةَ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ حَتَّى لَوْ جَمَعَ الْكُنَاسَةَ فِي الطَّرِيقِ فَعَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ ضَمِنَ لِوُجُودِ التَّعَدِّي بِشُغْلِهِ الطَّرِيقَ وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَنَحَّاهُ غَيْرُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى مَنْ نَحَّاهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ قَدْ انْتَسَخَ وَكَذَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ رَشَّ أَوْ تَوَضَّأَ فَعَطِبَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ قَعَدَ فِيهِ أَوْ وَضَعَ خَشَبَةً أَوْ مَتَاعَهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّكَنِ كَمَا فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ بِخِلَافِ الْحَفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّكَنِ فَيَضْمَنُ مَا عَطِبَ بِهِ كَالدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي السِّكَّةِ مَا نَقَصَ بِالْحَفْرِ وَفِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ لِشَرِيكِهِ مِلْكًا حَقِيقَةً فِي الدَّارِ حَتَّى يَبِيعَ نَصِيبَهُ وَيَقْسِمَ بِخِلَافِ السِّكَّةِ قَالُوا هَذَا إذَا رَشَّ مَاءً كَثِيرًا بِحَيْثُ يُزْلَقُ مِنْهُ عَادَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمُعْتَادَ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمُرُورَ فِي مَوْضِعِ الصَّبِّ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ لَا يَضْمَنُ الرَّاشُّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَاطَرَ بِنَفْسِهِ فَصَارَ كَمَنْ وَثَبَ فِي الطَّرِيقِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ فَوَقَعَ فِيهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ بِأَنْ كَانَ لَيْلًا أَوْ أَعْمَى وَقِيلَ يَضْمَنُ مَعَ الْعِلْمِ أَيْضًا إذَا رَشَّ جَمِيعَ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى الْمُرُورِ فِيهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْخَشَبَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الطَّرِيقِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الطَّرِيقِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ رَشَّ فِنَاءَ حَانُوتٍ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَضَمَانُ مَا عَطِبَ عَلَى الْآمِرِ اسْتِحْسَانًا.
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ)(جَعَلَ بَالُوعَةً فِي طَرِيقٍ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ فِي مِلْكِهِ أَوْ وَضَعَ خَشَبَةً فِيهَا) أَيْ فِي الطَّرِيقِ (أَوْ قَنْطَرَةً بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ فَتَعَمَّدَ الرَّجُلُ الْمُرُورَ عَلَيْهَا)(لَمْ يَضْمَنْ) أَمَّا بِنَاءُ الْبَالُوعَةِ بِأَمْرِ الْإِمَامِ أَوْ فِي مِلْكِهِ وَوَضْعُ الْخَشَبَةِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ، وَأَمَّا بِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ فَلِأَنَّ الْبَانِيَ فَوَّتَ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ التَّدْبِيرَ فِي وَضْعِ الْقَنْطَرَةِ مِنْ حَيْثُ تَعْيِينُ الْمَكَانِ لِلْإِمَامِ فَكَانَتْ جِنَايَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَتَعَمَّدَ رَجُلٌ الْمُرُورَ عَلَيْهَا لَمْ يَضْمَنْ وَوَضْعُ الْخَشَبَةِ وَالْقَنْطَرَةِ وَإِنْ وُجِدَ التَّعَدِّي مِنْهُ فِيهِمَا لَكِنَّ تَعَمُّدَهُ الْمُرُورَ عَلَيْهِمَا يُسْقِطُ النِّسْبَةَ إلَى الْوَاضِعِ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ مُتَسَبِّبٌ وَالْمَارَّ مُبَاشِرٌ فَصَارَ هُوَ صَاحِبَ عِلَّةٍ فَلَا
يُعْتَبَرُ التَّسَبُّبُ مَعَهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَحْفِرُونَ لَهُ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآجِرِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ قَدْ صَحَّ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَنُقِلَ فِعْلُهُمْ إلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُمْ مَغْرُورُونَ مِنْ جِهَتِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَمَرَ أَجِيرًا بِذَبْحِ هَذِهِ الشَّاةِ فَذَبَحَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشَّاةَ لِغَيْرِهِ يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ لِكَوْنِهِ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ وَهُنَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَسَبِّبٌ وَالْأَجِيرُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُتَعَدٍّ فَتَرَجَّحَ جَانِبُهُ، فَإِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآجِرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ وَلَا غُرُورَ مِنْ جِهَتِهِ لِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَبَقِيَ الْفِعْلُ مُضَافًا إلَيْهِمْ وَلَوْ قَالَ لَهُمْ هَذَا فِنَائِي وَلَيْسَ لِي حَقُّ الْحَفْرِ فِيهِ فَحَفَرُوا فَمَاتَ فِيهِ إنْسَانٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأُجَرَاءِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِفَسَادِ الْأَمْرِ فَلَمْ يَغُرَّهُمْ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِنَاءً لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ لِانْطِلَاقِ يَدِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ إلْقَاءِ الطِّينِ وَالْحَطَبِ وَرَبْطِ الدَّابَّةِ وَالرُّكُوبِ وَبِنَاءِ الدُّكَّانِ فَكَانَ آمِرًا بِالْحَفْرِ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا ذَكَرْنَا فَكَذَا يُنْقَلُ إلَيْهِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَعْرُوفًا أَنَّهُ لِلْعَامَّةِ ضَمِنُوا سَوَاءٌ قَالَ لَهُمْ أَوْ لَا، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فَحَفَرَ لَهُ الْأَجِيرُ وَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ وَمَاتَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا مَعْرُوفًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَجِيرِ سَوَاءٌ عَلِمَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ طَرِيقٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ، فَإِنْ أَعْلَمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَجِيرَ بِأَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَا الْجَوَابُ أَيْضًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلِمْ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ لَا عَلَى الْأَجِيرِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرُ الذَّبْحِ شَاةً فَذَبَحَهَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الشَّاةَ لِغَيْرِ الْآمِرِ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ أَعْلَمَهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِأَنَّ الشَّاةَ لِغَيْرِهِ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ ثُمَّ يَرْجِعُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ، الْوَجْهُ الثَّانِي إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا فِي الْفِنَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَفِي الْفَتَاوَى وَالْخُلَاصَةِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَبْنِيَ لَهُ أَوْ لِيُحْدِثَ لَهُ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ أَوْ يُخْرِجَ حَائِطًا فَمَا عَطِبَ بِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ فَذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ اسْتِحْسَانًا إلَّا إذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ لَبِنٌ فَأَصَابَ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي سَقَطَ مِنْ يَدِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي السِّغْنَاقِيِّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَجَاءَ آخَرُ وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ وَوَثَبَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَوَقَعَ فِيهِ وَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ الْحَافِرُ شَيْئًا.
وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ جَاءَ بِقَوْمٍ إلَى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ احْفِرُوا لِي هُنَا بِئْرًا أَوْ قَالَ ابْنُوا لِي هُنَا وَلَمْ يَقُلْ غَيْرَهُ، فَإِنَّ ضَمَانَ مَا عَطِبَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْآمِرِ دُونَ الْفَاعِلِ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ مُطْلَقًا وَتَأْوِيلُهَا مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ مَشْهُورًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَجُلٌ جَاءَ لِقَوْمٍ وَقَالَ احْفِرُوا فِي هَذَا الطَّرِيقِ بِئْرًا وَلَمْ يَقُلْ لِي وَلَمْ يَقُلْ أَسْتَأْجِرُ عَلَى ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُ الْآمِرُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَهُمْ دَارًا وَقَالَ لَهُمْ احْفِرُوا فِيهَا فَحَفَرُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا دَارُ الْآمِرِ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَقُولَ إنْ اسْتَأْجَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَحَفَرَ لَهُ فِي غَيْرِ فِنَائِهِ فَالضَّمَانُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ عَلِمَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ أَمْ لَا.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَفْرِ بِئْرٍ فَوَقَعَتْ الْبِئْرُ عَلَيْهِمَا وَمَاتَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْحُرِّ لَا فِي الْمُكَاتَبِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ، فَإِذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ دَفَعَ الْمَوْلَى الْقِيمَةَ إلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ فَيَضْرِبُ وَرَثَةُ الْحُرِّ فِي قِيمَتِهِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ وَوَرَثَةُ الْمُكَاتَبِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ مَرَّةً فَيُسَلِّمُ لَهُ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَيَأْخُذُ أَوْلِيَاءُ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْحُرِّ ثُلُثَ قِيمَةِ الْمُكَاتَبِ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُكَاتَبِ مِقْدَارُ قِيمَتِهِ فَيَكُونُ بَيْنَ وَرَثَةِ الْحُرِّ وَالْمُسْتَأْجِرِ يَضْرِبُ وَرَثَةُ الْحُرِّ بِثُلُثِ دِيَتِهِ وَالْمُسْتَأْجِرُ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
قَالَ رحمه الله (وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ ضَمِنَ) سَوَاءٌ تَلِفَ بِالْوُقُوعِ أَوْ بِالْعَثْرَةِ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْمَتَاعِ فِي الطَّرِيقِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ مُبَاحٌ لَهُ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ إلَى الْهَدَفِ أَوْ الصَّيْدِ.
قَالَ رحمه الله (فَلَوْ كَانَ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ لَا) أَيْ لَوْ كَانَ الْمَحْمُولُ رِدَاءً قَدْ لَبِسَهُ فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ فَعَطِبَ بِهِ لَا يَضْمَنُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الْمَحْمُولِ أَنَّ الْحَامِلَ يَقْصِدُ حِفْظَهُ فَلَا يَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ وَاللَّابِسُ يَقْصِدُ حِفْظَ مَا يَلْبَسُهُ فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِوَصْفِ السَّلَامَةِ فَجُعِلَ فِي حَقِّهِ مُبَاحًا مُطْلَقًا وَعَنْ
مُحَمَّدٍ إذَا لَبِسَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمَا لَا يُلْبَسُ عَادَةً كَاللِّبْدِ وَالْجُوَالِقِ وَالدِّرْعِ مِنْ الْحَدِيدِ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى لُبْسِهِ وَسُقُوطُ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِهِمَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى.
قَالَ رحمه الله (مَسْجِدٌ لِعَشِيرَةٍ فَعَلَّقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قِنْدِيلًا أَوْ جَعَلَ فِيهَا بَوَارِي أَوْ حَصَاةً فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ ضَمِنَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَا لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا الْفَاعِلُ فَصَارَ كَأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَكَمَا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ بَسْطَ الْحَصِيرِ وَتَعْلِيقَ الْقِنْدِيلِ مِنْ بَابِ التَّمْكِينِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَيَسْتَوِي فِيهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَغَيْرُهُمْ وَلَهُ أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ لِأَهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَنَصْبِ الْإِمَامِ وَاخْتَارَ الْمُتَوَلِّي رَفْعَ بَابِهِ وَإِغْلَاقَهُ وَتَكْرَارَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى لَا يَعْتَدَّ بِمَنْ سَبَقَهُمْ فِي حَقِّ الْكَرَاهَةِ وَبَعْدَهُمْ يُكْرَهُ فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُبَاحًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ مُقَيَّدٌ بِهَا وَقَضِيَّةُ الْقُرْبَةِ لَا تُنَافِي الْغَرَامَةَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ كَمَا إذَا انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَكَمَا إذَا وَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَلِدَفْعِ الْمَظَالِمِ فَعَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ وَيَغْرَمُ وَالطَّرِيقُ فِيهِ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ أَخَذُوا بِقَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَعَنْ ابْنِ سَلَّامٍ بَانِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى بِالْعِمَارَةِ وَالْقَوْمُ أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ.
وَعَنْ الْإِسْكَافِيِّ أَنَّ الْبَانِيَ أَحَقُّ بِهِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَبِهِ نَأْخُذُ إلَّا أَنْ يَنْصِبَ شَخْصًا وَالْقَوْمُ يَرَوْنَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِذَلِكَ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْ حَصِيرًا وَفِي الذَّخِيرَةِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَافِرُ مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ ضَمِنَ ذَلِكَ كُلَّهُ هَذَا هُوَ لَفْظُ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي الْأَصْلِ يَقُولُ، وَإِذَا احْتَفَرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فِي مَسْجِدِهِمْ بِئْرًا لِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ عَلَّقُوا فِيهِ قَنَادِيلَ أَوْ جَعَلُوا فِيهِ حَبًّا يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ طَرَحُوا فِيهِ حَصَا أَوْ رَكَّبُوا فِيهِ بَابًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ عَطِبَ بِذَلِكَ فَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَعَطِبَ بِهِ إنْسَانٌ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَفْعَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ إنْ أَحْدَثُوا شَيْئًا أَوْ حَفَرُوا بِئْرًا فَعَطِبَ فِيهَا إنْسَانٌ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ بِالْإِجْمَاعِ فَأَمَّا إذَا وَضَعُوا حَبًّا لِيَشْرَبُوا مِنْهُ الْمَاءَ أَوْ بَسَطُوا حَصِيرًا أَوْ عَلَّقُوا قَنَادِيلَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فَتَعَقَّلَ إنْسَانٌ بِالْحَصِيرِ فَعَطِبَ أَوْ وَقَعَ الْقِنْدِيلُ وَأَحْرَقَ ثَوْبَ إنْسَانٍ أَوْ أَفْسَدَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُمْ يَضْمَنُونَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَضْمَنُونَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا أَخَذُوا بِقَوْلِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالَ فِيهِ أَيْضًا إذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِد لِحَدِيثٍ أَوْ نَامَ فِيهِ أَوْ قَامَ فِيهِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ مَرَّ فِيهِ مَارٌّ لِحَاجَةٍ مِنْ الْحَوَائِجِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله بِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِيهِ عَلَى إنْسَانٍ فَأَمَّا إذَا قَعَدَ لِعِبَادَةٍ بِأَنْ كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ أَوْ كَانَ قَعَدَ لِلتَّدْرِيسِ وَتَعْلِيمِ الْقَضَاءِ وَلِلِاعْتِكَافِ أَوْ قَعَدَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ هَلْ يَضْمَنُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا فِي الْكِتَابِ وَالْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَضْمَنُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ فَأَمَّا إذَا كَانَ يُصَلِّي فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يُصَلِّي الْفَرْضَ أَوْ التَّطَوُّعَ السِّغْنَاقِيُّ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الْبَلْخِيّ يَقُولُ إنْ جَلَسَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنْ جَلَسَ لِلْحَدِيثِ فَعَطِبَ بِهِ رَجُلٌ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لَهُ الذَّخِيرَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةٌ مَجْهُولَةٌ.
وَإِذَا فَرَشَ الرَّجُلُ فِرَاشًا فِي الْمَسْجِدِ وَنَامَ عَلَيْهِ فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالنَّائِمِ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ عَثَرَ بِالْفِرَاشِ فَهُوَ ضَامِنٌ وَفِيهِ أَيْضًا رِوَايَةٌ مَجْهُولَةٌ.
إذَا بَنَى مَسْجِدًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمْر السُّلْطَانِ فَعَطِبَ بِحَائِطِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الْأَمْصَارِ حَيْثُ يَكُونُ تَضْيِيقًا أَوْ إضْرَارًا، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ غَيْرَ أَنَّهُ فِي أَفَنِيَّة الْمِصْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ مِنْ دَارِهِ مَسْجِدًا وَبَنَى كَانَ أَوْلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَغَيْرُهُمْ بِإِصْلَاحِهِ وَالْإِسْرَاجِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ بِرِوَايَةِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَهْدِمُوا مَسْجِدَهُمْ وَيَهْدِمُوا بِنَاءَهُ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي رَجُلٍ جَعَلَ قَنْطَرَةً عَلَى نَهْرٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَمَرَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ مُتَعَمِّدًا فَوَقَعَ فَعَطِبَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ هُنَا وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ