الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَيْلًا فَأَخْرَجَ السَّرِقَةَ فَاتَّبَعَهُ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «قَاتِلْ دُونَ مَالِك» أَيْ لِأَجْلِ مَالِك؛ وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ بِالْقَتْلِ ابْتِدَاءً فَكَذَا لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ بِهِ انْتِهَاءً إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَاحَ عَلَيْهِ يَطْرَحُ مَالَهُ فَقَتَلَهُ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا قَتَلَ الْغَاصِبَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْقَاضِي فَلَا تَسْقُطُ عِصْمَتُهُ بِخِلَافِ السَّارِقِ، وَاَلَّذِي لَا يَنْدَفِعُ بِالصِّيَاحِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ يَتْبَعُ الْكُلَّ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (يُقْتَصُّ بِقَطْعِ الْيَدِ مِنْ الْمَفْصِلِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ أَكْبَرُ وَكَذَا الرِّجْلُ وَمَارِنُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] أَيْ ذُو قِصَاصٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] وَالْقِصَاصُ يَنُبْنِي عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فَكُلُّ مَا أَمْكَنَ فِيهِ رِعَايَةٌ لِلْمُمَاثَلَةِ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لَا فَلَا وَقَدْ أَمْكَنَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلَا عِبْرَةَ بِكِبَرِ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّفَاوُتَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَإِذَا قُلْنَا أَنَّ الْمَدَارَ عَنْ التَّسَاوِي فِي الْمَنْفَعَةِ فَلَا تُقْطَعُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَلَا الصَّحِيحَةُ بِالشَّلَّاءِ وَلَا يَدُ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ وَلَا يَدُ الْحُرِّ بِيَدِ الْعَبْدِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْمَفْصِلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَفِي النَّوَادِرِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ أُذُنِهِ، وَكَانَ يَقْدِرُ أَنْ يُقْتَصَّ مِثْلَ ذَلِكَ اُقْتُصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ شَحْمَةَ الْأُذُنِ لَهَا حَدٌّ مَعْلُومٌ وَلِلْأُذُنِ مَفَاصِلُ مَعْلُومَةٌ فَإِذَا قُطِعَ مِنْهَا شَيْءٌ يُعْلَمُ أَنَّ الْقَطْعَ مِنْ أَيِّ الْمَفْصِلِ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ غُضْرُوفَ الْأُذُنِ قَطْعًا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ اُقْتُصَّ مِنْهُ يَعْمَلُ ذَلِكَ بِحَدِيدَةٍ أَوْ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ، وَإِنْ جَذَبَ أُذُنَهُ فَانْتَزَعَ شَحْمَتَهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ أُذُنُ الْقَاطِعِ سَكًّا أَيْ صَغِيرَةَ الْخِلْقَةِ وَأُذُنُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً كَبِيرَةً كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَهَا عَلَى صِغَرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُذُنُ الْقَاطِعِ مَقْطُوعَةً أَوْ خَرْمَاءَ أَوْ مَشْقُوقَةً كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّاقِصَةُ هِيَ الْمَقْطُوعَةَ كَانَ لَهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ قَطَعَ الْمَارِنَ، وَهُوَ أَرْنَبَةُ الْأَنْفِ فَفِيهَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْ أَصْلِهِ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ، وَلَيْسَ بِمَفْصِلٍ وَلَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ الْحَشَفَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَاةِ إذْ لَهُ حَدٌّ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ.
قَالَ رحمه الله (وَالْعَيْنُ إنْ ذَهَبَ ضَوْءُهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ، وَإِنْ قَلَعَهَا لَا وَالسِّنُّ، وَإِنْ تَفَاوَتَا وَكُلُّ شَجَّةٍ تَتَحَقَّقُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45] يَعْنِي لَوْ ضَرَبَ الْعَيْنَ فَأَذْهَبَ ضَوْءُهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ بِأَنْ تُحْمَى لَهَا الْمِرْآةُ وَيُجْعَلُ عَلَى وَجْهِهِ قُطْنٌ رَطْبٌ وَتُشَدُّ عَيْنُهُ الْأُخْرَى ثُمَّ تُقَرَّبُ الْمِرْآةُ مِنْ عَيْنِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا انْقَلَعَتْ حَيْثُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَجِبُ الْقِصَاصُ فَبَيَّنَ إمْكَانَ الِاسْتِيفَاءِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ثُمَّ هُنَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْكِبَرُ وَالصِّغَرُ حَتَّى أُجْرِيَ الْقِصَاصُ فِي الْكُلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ وَاعْتُبِرَ بِالشَّجَّةِ فِي الرَّأْسِ إذَا كَانَتْ اسْتَوْعَبَتْ رَأْسَ الْمَشْجُوجِ، وَهِيَ لَمْ تَسْتَوْعِبْهُ رَأْسُ الشَّاجِّ فَأَثْبَتَ لِلْمَشْجُوجِ الْخِيَارَ إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَأَخَذَ بِقَدْرِ شَجَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَهُ مِنْ الشَّيْنِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الشَّجَّةَ الْمُسْتَوْعِبَةَ لِمَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ أَكْثَرُ شَيْنًا مِنْ الشَّجَّةِ الَّتِي لَمْ تَسْتَوْعِبْ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْعُضْوِ، فَإِنَّ الشَّيْنَ فِيهِ لَا يَخْتَلِفُ، وَكَذَا مَنْفَعَتُهُ لَا تَخْتَلِفُ فَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِذَا قُلِعَتْ لَا يَجِبُ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ إذْ لَا قُدْرَةَ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ؛ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَفِي الْهِدَايَةِ، وَلَوْ قَلَعَ السِّنَّ مِنْ أَصْلِهِ يُقْلَعُ الثَّانِي تَمَاثُلًا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: وَعَامَّةُ شُرَّاحِ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَوْ قَلَعَ السِّنَّ مِنْ أَصْلِهِ لَا يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فَرُبَّمَا تَفْسُدُ بِهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَلَكِنْ تُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى مَوْضِعِ أَصْلِ السِّنِّ، وَعَزَاهُ الشَّارِحُ إلَى الْمَبْسُوطِ.
أَقُولُ: أُسْلُوبُ تَحْرِيرِهِمْ هَاهُنَا مَحَلُّ تَعَجُّبٍ، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لَا بِالرَّدِّ وَلَا بِالْقَبُولِ بَلْ ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ مِنْ دَأْبِ الشُّرَّاحِ
التَّعَرُّضُ لِمَا فِي الْكِتَابِ إمَّا بِالْقَبُولِ، وَإِمَّا بِالرَّدِّ فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَصْلًا نَعَمْ الْقَوْلُ الَّذِي نَقَلْته هَاهُنَا عَنْ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَكِنَّهُ وَاقِعٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ لَيْسَ بِمَثَابَةِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الشَّرَائِعِ كَيْفَ، وَقَدْ أَخَذَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ فَذَكَرَهُ فِي مَتْنِهِ حَيْثُ قَالَ وَلَا قَوَدَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ فَتُقْلَعُ إنْ قُلِعَتْ وَتُبْرَدُ إنْ كُسِرَتْ، وَكَانَ مَا أَخَذَهُ مَتْنُ الْوِقَايَةِ هُوَ الْهِدَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتُونِ ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ هَاهُنَا هُوَ أَنَّهُ إذَا قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ هَلْ يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا أَمْ يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيُّ حَيْثُ قَالَ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِكَسْرِ بَعْضِ السِّنِّ يُؤْخَذُ مِنْ سِنِّ الْكَاسِرِ بِالْمِبْرَدِ مِقْدَارُ مَا كَسَرَ مِنْ سِنِّ الْآخَرِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِقَلْعِ سِنٍّ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْلَعُ سِنُّ الْقَالِعِ، وَلَكِنْ يُبْرَدُ سِنُّ الْقَالِعِ بِالْمِبْرَدِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى اللَّحْمِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِي وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ يُقْلَعُ سِنُّ الْقَالِعِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ ذَكَرَ بِلَفْظِ النَّزْعِ وَالنَّزْعُ وَالْقَلْعُ وَاحِدٌ وَفِي الزِّيَادَاتِ نَصَّ عَلَى الْقَلْعِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ.
وَأَمَّا الشَّفَتَانِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ كَانَ خَطَأً، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَمْدًا فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ الْإِمَامِ إذَا قَطَعَ شَفَةَ رَجُلٍ السُّفْلَى أَوْ الْعُلْيَا، وَكَانَ يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا فَعَلَ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهُ لَا يَجِبُ وَيُقْتَصُّ الْعُلْيَا بِالْعُلْيَا وَالسُّفْلَى بِالسُّفْلَى وَقَوْلُهُ وَالسِّنُّ إنْ تَفَاوَتَتْ يَعْنِي يَجِبُ قَطْعُ السِّنِّ بِالسِّنِّ إذَا أَمْكَنَتْ الْمُمَاثَلَةُ، وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْلَعَ سِنَّ آخَرَ ظُلْمًا فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُغِيثُهُ النَّاسُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْرُدَ سِنَّ آخَرَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُغَاثُ وَفِي الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الضِّرْسُ بِالضِّرْسِ وَالثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ وَالنَّابُ بِالنَّابِ وَلَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ بَلْ بِالْأَعْلَى، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْحَاصِلُ أَنَّ النَّزْعَ مَشْرُوعٌ وَالْأَخْذُ بِالْمِبْرَدِ احْتِيَاطٌ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِذْ كَسَرَ سِنَّ إنْسَانٍ وَسِنُّ الْكَاسِرِ أَكْبَرُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْقَلْعِ وَلَا قِصَاصَ فِي السِّنِّ الزَّائِدَةِ، وَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِذَا كَسَرَ سِنَّ إنْسَانٍ، وَالسِّنُّ الْمَكْسُورَةُ مِثْلُ رُبْعِ سِنِّ الْكَاسِرِ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ بَلْ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ مَا كَسَرَهُ مِنْ السِّنِّ وَفِي الْحَاوِي، فَإِنْ كَانَ سِنُّ الْمَنْزُوعِ أَطْوَلَ وَأَعْظَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كُسِرَ إنْ كَانَ مُسْتَوِيًا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْهُ اُقْتُصَّ مِنْهُ بِمِبْرَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِيًا وَلَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ كَانَ عَلَيْهِ أَرْشُهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ كَسَرَ ثُلُثًا لَيْسَ بِمُسْتَوٍ بِحَيْثُ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ مِنْ الْبَقَرِ.
وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا كَسَرَ مِنْ سِنِّ رَجُلٍ طَائِفَةٌ مِنْهَا اُنْتُظِرَ بِهَا حَوْلًا، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَلَمْ يَكْمُلْ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ تُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ وَيُطْلَبُ لِذَلِكَ طَبِيبٌ عَالِمٌ أَوْ يُقَالُ لَهَا قِيمَتُهَا كَمْ ذَهَبَ مِنْهَا؟ ، فَإِنْ قَالَ ذَهَبَ مِنْهَا النِّصْفُ يُبْرَدُ مِنْ سِنِّ الْقَالِعِ النِّصْفُ وَفِيهِ أَيْضًا إذَا كَسَرَ مِنْ رَجُلٍ بَعْضَهَا وَسَقَطَ مَا بَقِيَ، فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ كَانَ يَقُولُ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَفِي الْقُدُورِيِّ لَا قِصَاصَ فِي الْمَشْهُورِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا نَزَعَ الرَّجُلُ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبَتَ نِصْفُهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَرْشِهَا وَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ نَبَتَتْ بَيْضَاءَ تَامَّةً ثُمَّ نَزَعَهَا آخَرُ يُنْتَظَرُ بِهَا سَنَةً، فَإِنْ نَبَتَتْ وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَالِكٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَبَتَتْ صَفْرَاءَ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي السِّنِّ إذَا نُزِعَتْ يُنْتَظَرُ بِهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى فِي الْإِمْلَاءِ يُقْتَصُّ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِنْ نَبَتَتْ صَفْرَاءُ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ وَرَوَى ابْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السِّنِّ إذَا نُزِعَتْ يُنْتَظَرُ بِهَا الْبَرْدُ ثُمَّ يُقْتَصُّ مِنْ الْجَانِي، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا كَسَرَ بَعْضَ سِنِّ إنْسَانٍ عَمْدًا ثُمَّ اسْوَدَّ الْبَاقِي بِذَلِكَ أَوْ احْمَرَّتْ أَوْ اخْضَرَّتْ أَوْ دَخَلَهَا عَيْبٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَلَا قِصَاصَ.
وَيَجِبُ الْأَرْشُ فِي مَالِ الْجَانِي، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَإِذَا كَسَرَ بَعْضَ سِنِّ إنْسَانٍ وَاسْوَدَّ الْبَاقِي يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَوْ قَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنَا أَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فِي الْمَكْسُورِ وَأَتْرُكُ مَا اسْوَدَّ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا ضَرَبَ سِنَّ إنْسَانٍ فَتَحَرَّكَ يُنْتَظَرُ فِيهِ حَوْلًا، فَإِنْ احْمَرَّ أَوْ اخْضَرَّ أَوْ اسْوَدَّ تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً فِي مَالِ الْجَانِي، وَإِنْ اصْفَرَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ كَمَالُ أَرْشِ السِّنِّ كَمَا فِي الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَذَكَرَ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ الطَّوَاوِيسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّ فِي هَذَا الْفَصْلِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ وَرَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْأَرْشِ كَمَا فِي الْأَسْوَدِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ بِسَبَبِ الِاصْفِرَارِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الشَّيْنِ بِسَبَبِ الِاسْوِدَادِ يَلْزَمُهُ كَمَالُ الْأَرْشِ وَإِلَّا فَيُقَدَّرُ الشَّيْنُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ هِشَامًا رَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سِنَّ الْحُرِّ إذَا اصْفَرَّتْ فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِيهِ الْحُكُومَةَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الصُّفْرَةَ إذَا اشْتَدَّتْ حَتَّى صَارَتْ كَالْخُضْرَةِ فَفِيهَا كَمَالُ الْأَرْشِ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ ذَلِكَ فَفِيهَا الْحُكُومَةُ ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا أَوْجَبَ كَمَالَ الْأَرْشِ بِاسْوِدَادِ السِّنِّ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى أَوْ مِنْ الْقَوَارِضِ الَّتِي تُرَى قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى إنْ فَاتَتْ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ بِالِاسْوِدَادِ يَجِبُ الْأَرْشُ كَامِلًا، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ يَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ.
وَإِنْ كَانَ السِّنُّ قَائِمَةً مِنْ الْقَوَارِضِ الَّتِي تُرَى وَتَظْهَرُ مِنْ الْأَسْنَانِ فَيَجِبُ كَمَالُ الْأَرْشِ بِالِاسْوِدَادِ، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ مَنْفَعَتُهُ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ، وَلَوْ ضَرَبَ سِنَّ إنْسَانٍ فَتَحَرَّكَتْ سِنُّهُ الْأُخْرَى فَجَاءَ لِلْقَاضِي لِيُظْهِرَ أَثَرَ فِعْلِهِ، فَإِنْ أَجَّلَهُ الْقَاضِي حَوْلًا وَقَدْ سَقَطَتْ سِنُّهُ فَاخْتَلَفَا قَبْلَ السَّنَةِ فَقَالَ الْمَضْرُوبُ مِنْ ضَرْبِك وَقَالَ الضَّارِب لَا بَلْ مِنْ ضَرْبِ رَجُلٍ آخَرَ فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ السَّنَةِ وَاخْتَلَفَا الْقَوْلُ لِلضَّارِبِ، وَلَوْ لَمْ تَسْقُطْ لَا شَيْءَ عَلَى الضَّارِبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ فِي الْأَلَمِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا حَتَّى سَقَطَ أَسْنَانُهُ كُلُّهَا، وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سِنًّا مِنْهَا عِشْرُونَ أَضْرَاسٌ وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ وَأَرْبَعُ ثَنَايَا وَأَرْبَعُ ضَوَاحِكَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ، وَهِيَ مِنْ الدَّرَاهِمِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا فِي السَّنَةِ الْأُولَى ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثٌ مِنْ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ وَثُلُثٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ وَالثَّلَاثَةِ أَخْمَاسٍ، وَإِذَا قَلَعَ الرَّجُلُ سِنَّ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ نَبَتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَالِعِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى وُجُوبَ الْأَرْشِ بِالْقَلْعِ، وَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ النَّصُّ الْأَرْشَ إذَا لَمْ تَنْبُتْ مَكَانَهُ أُخْرَى فَإِذَا نَبَتَتْ مَكَانَهُ أُخْرَى يَقَعُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ فَإِذَا نَبَتَتْ أُخْرَى سَوْدَاءُ بَقِيَ الْأَرْشُ عَلَى حَالِهِ وَإِذَا نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ عَمْدًا أَوْ انْتَزَعَ الْمَنْزُوعُ سِنُّهُ سِنَّ النَّازِعِ ثُمَّ نَبَتَتْ سِنُّ الْأَوَّلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ سِنِّ الثَّانِي، وَلَوْ نَبَتَ مُعْوَجًّا يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ.
وَإِنْ نَبَتَتْ سَوْدَاءَ جُعِلَ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْبُتْ وَفِي الْكَافِي، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا إلَى مَكَانِهَا وَنَبَتَ عَلَيْهَا اللَّحْمُ فَعَلَى الْقَالِعِ كَمَالُ الْأَرْشِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ شَجَرَةَ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى حَيْثُ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ السِّغْنَاقِيُّ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ كَمَا كَانَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْجَانِي بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الدَّوَاءِ وَأُجْرَةِ الْأَطِبَّاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَوْ نَبَتَتْ سِنُّ الْبَالِغِ بَعْدَ الْقَلْعِ لَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ بَلْ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً بِخِلَافِ سِنِّ الصَّبِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ فِي سِنِّ الصَّبِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِذَا لَمْ تَنْبُتْ يَجِبُ فِيهَا الْأَرْشُ كَامِلًا، وَإِذَا قَلَعَ الرَّجُلُ ثَنِيَّةَ رَجُلٍ عَمْدًا وَاقْتُصَّ لَهُ مِنْ ثَنِيَّةِ الْقَالِعِ ثُمَّ نَبَتَتْ ثَنِيَّتُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْتَصِّ لَهُ أَنْ يَقْلَعَ تِلْكَ الثَّنِيَّةَ الَّتِي نَبَتَتْ ثَانِيًا، وَمِثْلُهُ لَوْ نَبَتَتْ ثَنِيَّةُ الْمُقْتَصِّ لَهُ، وَلَمْ تَنْبُتْ ثَنِيَّةُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ غَرِمَ الْمُقْتَصُّ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَرْشَ ثَنِيَّتِهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: إذَا قَلَعَ الرَّجُلُ سِنَّ رَجُلٍ فَأَخَذَ الْمَقْلُوعُ سِنَّهُ وَأَثْبَتهَا فِي مَكَانِهَا فَثَبَتَتْ فَقَدْ كَانَ الْقَلْعُ خَطَأً فَعَلَى الْقَالِعِ أَرْشُ السِّنِّ كَامِلًا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَعُدْ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى بَعْدَ الثَّبَاتِ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْجَمَالِ، وَالْغَالِبُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِذَا تُصُوِّرَ عَوْدُ الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ بِالْإِثْبَاتِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَالِعِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ نَبَتَتْ السِّنُّ الْمَقْلُوعَةُ.
قَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا نَزَعَ ثَنِيَّةَ رَجُلٍ وَثَنْيَةُ الْجَانِي سَوْدَاءُ فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، وَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَيْنِ وَتَفْرِيعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى نَحْوِ تَفْرِيعِ مَسْأَلَةِ الْعَيْنِ، وَفِي السِّغْنَاقِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ بَالِغٍ ثُمَّ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى يَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ لِمَكَانِ الْأَلَمِ فَيُقَوَّمُ، وَبِهِ هَذَا الْأَلَمُ فَيَجِبُ مَا اُنْتُقِصَ مِنْهُ بِسَبَبِ الْأَلَمِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَلَوْ نَزَعَ ثَنِيَّةَ رَجُلٍ وَثَنْيَةُ النَّازِعِ سَوْدَاءُ، فَلَمْ
يَتَخَيَّرْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى سَقَطَتْ السِّنُّ السَّوْدَاءُ، وَنَبَتَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى صَحِيحَةٌ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَفِي الْكَافِي وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقَالِعِ ثَنِيَّةٌ حِينَ قَلَعَ ثُمَّ نَبَتَتْ، فَلَا قِصَاصَ لَهُ وَلَهُ الْأَرْشُ، وَلَوْ قَلَعَ رَجُلٌ ثَنِيَّةَ رَجُلٍ وَثَنْيَةُ الْقَالِعِ مَقْلُوعَةٌ فَنَبَتَتْ ثَنِيَّتُهُ بَعْدَ الْقَلْعِ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلِلْمَقْلُوعِ ثَنِيَّتُهُ أَرْشُهَا، وَفِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا نَزَعَ سِنَّ إنْسَانٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ ضَمِينًا مِنْ النَّازِعِ ثُمَّ يُؤَجِّلَهُ سَنَةً مِنْ النَّزْعِ فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ، وَلَمْ تَنْبُتْ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا إذَا ضَرَبَ إنْسَانٌ إنْسَانًا وَاسْوَدَّ السِّنُّ فَقَالَ الضَّارِبُ: إنَّمَا اسْوَدَّتْ مِنْ ضَرْبَةٍ حَدَثَتْ فِيهَا بَعْدَ ضَرْبَتِي فَالْقَوْلُ لِلْمَضْرُوبِ اسْتِحْسَانًا هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَصْلِ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْمُنْتَقَى فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْجِنَايَاتِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَيْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الضَّارِبِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِنَايَاتِ إلَّا فِي السِّنِّ لِلْأَثَرِ.
وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ فَتَنَاثَرَتْ أَسْنَانُهُ كُلُّهَا قَالَ يَجِبُ لِكُلِّ سِنٍّ دِيَةٌ خَمْسُمِائَةٍ قَالَ الْفَقِيهُ إنْ كَانَتْ جُمْلَتُهَا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِنْ كَانَتْ أَسْنَانُهُ ثَلَاثِينَ فَعَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَوْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ فِي سِنِّ الرَّجُلِ خَمْسُمِائَةٍ وَفِي سِنِّ الْمَرْأَةِ نِصْفُ ذَلِكَ وَفِي الْفَتَاوَى أَمَرَهُ بِنَزْعِ سِنِّهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْآمِرُ: أَمَرْتُك بِغَيْرِ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ فَأَرْشُ السِّنِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَأْمُورِ أَوْ فِي مَالِهِ لَا رِوَايَةَ فِي هَذَا وَفِي الْمُنْتَقَى قَالُوا وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْآدَمِيِّ شَيْءٌ مِنْ الْأَعْضَاءِ دِيَتُهُ زَائِدَةٌ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ إلَّا الْأَسْنَانَ رَجُلَانِ قَامَا فِي اللَّعِبِ لِيَتَضَارَبَا بِالْوَكْزِ يَعْنِي (مَسَّهُ دَرَنٌ حابرل) فَرَكِبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَكَسَرَ سِنَّهُ فَعَلَى الضَّارِبِ الْقِصَاصُ وَلَكِنْ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي قُلْنَا؛ لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ وَالْمَسْأَلَةُ كَانَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى عَلَى هَذَا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (درن) فَوَكَزَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا، وَإِذَا قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ آخَرَ حَوْلًا فَمَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَفِي الْكُبْرَى قَالَ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِذَا ضَرَبَ سِنَّ رَجُلٍ فَاسْوَدَّ سِنُّ الرَّجُلِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَنَزَعَهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ تَمَامُ أَرْشِهَا، وَفِي الْخَانِيَّةِ خَمْسُمِائَةٍ وَعَلَى الثَّانِي حُكُومَةُ عَدْلٍ وَإِذَا نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ وَسِنُّ الثَّانِي سَوْدَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ خَضْرَاءُ وَالنَّزْعُ كَانَ عَمْدًا يُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْهُ.
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ أَرْشَ سِنِّهِ خَمْسَمِائَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْيُوبُ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَهُ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَلَا يُقْتَصُّ سِنُّهُ لِسِنِّهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ ضَرَبَ سِنَّ إنْسَانٍ فَاسْوَدَّتْ وَسِنُّ الْجَانِي سَوْدَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ خَضْرَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ نَاقِصًا وَفِي الْكُبْرَى، وَلَوْ نَزَعَ سِنَّ رَجُلٍ فَنَبِتْ نِصْفُهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَرْشِهَا، وَإِنْ نَبَتَتْ صَفْرَاءَ فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.
قَالَ رحمه الله (وَلَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ» وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ: لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ إلَّا فِي السِّنِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَبِمَوْضُوعِ صَاحِبِ الْكِتَابِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَنْبَنِي عَنْ الْمُسَاوَاةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهَا فِي غَيْرِ السِّنِّ، وَاخْتَلَفَ الْأَطِبَّاءُ فِي السِّنِّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ طَرَفُ عَصَبٍ يَابِسٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ عَظْمٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ وَيَنْمُو بَعْدَ تَمَامِ الْخِلْقَةِ وَيَلِينُ بِالْخَلِّ فَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَظْمٍ فَلَعَلَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ تَرَكَ السِّنَّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الِاسْمِ؛ وَلِذَا لَمْ يَسْتَثْنِهِ فِي الْحَدِيثِ وَلَئِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ عَظْمٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعِظَامِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ مُمْكِنَةٌ بِأَنْ يُبْرَدَ بِالْمِبْرَدِ بِقَدْرِ مَا كُسِرَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ إنْ قُلِعَ سِنُّهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْلَعُ سِنُّهُ قِصَاصًا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ فَلَرُبَّمَا تَفْسُدُ بِهِ، وَإِنَّمَا يُبْرَدُ بِالْمِبْرَدِ إلَى مَوْضِعِ أَصْلِ السِّنِّ كَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ.
قَالَ رحمه الله (وَطَرَفَيْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَعَبْدَيْنِ) أَيْ لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَقَوْله وَطَرَفُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ إلَى آخِرِهِ، فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا وُجُودَ التَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ فِي الْأَطْرَافِ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءِ لَكِنْ الْمَعْقُولُ مِنْهُ مَنْعُ اسْتِيفَاءِ الْأَكْمَلِ بِالْأَنْقَصِ دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الشَّلَّاءَ تُقْطَعُ بِالصَّحِيحَةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقْطَعُونَ يَدَ الْمَرْأَةِ بِيَدِ الرَّجُلِ وَلَا يَدَ عَبْدٍ بِحُرٍّ.
وَالْجَوَابُ إنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ وِقَايَةً لِلْأَنْفُسِ كَالْمَالِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ التَّفَاوُتُ الْمَالِيُّ شَائِعًا مُطْلَقًا، وَالشَّلَلُ لَيْسَ مِنْهُ، فَيُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ جِهَةِ الْأَكْمَلِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ طَرَفَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيمَةِ
بِتَقْسِيمِ الشَّارِعِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَلَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْقِيمَةِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِيهَا بِالظَّنِّ، فَصَارَ شُبْهَةً مُنِعَ الْقِصَاصُ، فَإِنْ قِيلَ إنْ اسْتَقَامَ عَدَمُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لَمْ يَسْتَقِمْ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِمْكَانِ تَسَاوِي قِيمَتِهِمَا بِتَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّسَاوِيَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَالْمُمَاثَلَةِ الْمَشْرُوطَةِ شَرْعًا لَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ كَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بِخِلَافِ طَرَفَيْ الْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا مُتَيَقَّنٌ بِتَقْوِيمِ الشَّرْعِ وَبِخِلَافِ الْأَنْفُسِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَلَا تَفَاوُتَ فِيهِ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ} [المائدة: 45] مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ قُلْنَا قَدْ خُصَّ مِنْهُ الْحَرْبِيُّ.
وَالْمُسْتَأْمِنُ وَالْعَامُّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَخَصَّصْنَاهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ «قَطَعَ عَبْدٌ لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَقْضِ بِالْقِصَاصِ» اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا:؟ فَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ النَّصَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِهِ يَكُونُ ذَلِكَ الْعَامُّ الْمُخَصَّصُ مِنْهُ الْبَعْضُ ظَنِّيًّا فِي الْبَاقِي فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْ النَّصِّ الْعَامِّ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ مَفْصُولٌ عَنْهُ غَيْرُ مَوْصُولٍ بِهِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظَنِّيًّا فِي الْبَاقِي بَلْ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى حَالَتِهِ الْأَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُخْرِجَ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمِنِ مِنْ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِكَلَامٍ مَوْصُولٍ بِهَا فَتَكُونُ بَاقِيَةً عَلَى قَطْعِيَّتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ مَرَّ مِنَّا غَيْرَ مَرَّةٍ نَظِيرُ هَذَا النَّظَرِ فِي مَحَالِّهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إنَّمَا يُفِيدُ عَدَمَ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ وَلَا يُفِيدُ عَدَمَ جَرَيَانِهِ فِيمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَبَقِيَ الِاعْتِرَاضُ بِإِطْلَاقِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَلَمْ يَتِمَّ الْجَوَابُ.
قَالَ رحمه الله (وَطَرَفُ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ سِيَّانِ) أَيْ مِثْلَانِ فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا لِلتَّسَاوِي فِي الْأَرْشِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجْرِي لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصْلِهِ قَالَ رحمه الله (وَقَطْعُ يَدٍ مِنْ نِصْفِ سَاعِدٍ وَجَائِفَةٍ بَرِئَ مِنْهَا وَلِسَانٍ وَذَكَرٍ إلَّا أَنْ تُقْطَعَ الْحَشَفَةُ) أَيْ لَا قِصَاصَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي الْقَطْعِ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ كَسْرَ الْعَظْمِ وَيَتَعَذَّرُ التَّسَاوِي فِيهَا إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ، وَفِي الْجَائِفَةِ الْبُرْءُ نَادِرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ الثَّانِي جَائِفَةً عَلَى وَجْهٍ يَبْرَأُ مِنْهُ، فَيَكُونُ إهْلَاكًا، فَلَا يَجُوزُ وَالذَّكَرُ وَاللِّسَانُ يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يُقْطَعَ مِنْ الْحَشَفَةِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَعْلُومٌ فَيُصَارُ إلَيْهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ مِنْ أَصْلِهِمَا يَجِبُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ بَعْضَهَا لِتَعَذُّرِ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ: إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْعُضْوِ وَالرِّجْلَ مِنْ الْفَخِذِ فَعِنْدَهُمَا فِيهِ الدِّيَةُ، وَمَا فَوْقَ الْكَتِفِ وَالْقَدَمِ، فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا فَوْقَ الْكَعْبِ وَالْقَدَمِ مَعَ الْأَصَابِعِ وَفِي الْخُلَاصَةِ دِيَةُ الْيَدِ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً فِي سَنَتَيْنِ ثُلُثَاهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَالْبَاقِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَإِذَا كَسَرَ يَدَ عَبْدِ رَجُلٍ أَوْ رِجْلَهُ لَا يَجِبُ فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا زَائِدَةً وَفِي يَدِهِ مِثْلُهَا لَا قِصَاصَ بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَقْطَعَيْنِ وَالْأَشَلَّيْنِ إنَّهُ لَا قِصَاصَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ مَقْطُوعُ الْإِبْهَامِ أَوْ الْأَصَابِعِ كُلِّهَا إذَا قَطَعَ إنْسَانٌ يَدَهُ فَلَا قِصَاصَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَلَوْ كَسَرَ عَظْمًا مِنْ سَاعِدٍ أَوْ سَاقَ أَوْ غَيْرِهِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَفِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْكُتُبِ وَفِي كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إنْ مَنَعَهُ عَنْ الْجِمَاعِ وَأَحْدَبَهُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُحْدِبْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْجِمَاعِ فَهَذَا عَلَى نَوْعَيْنِ: إمَّا أَنْ يَبْقَى لِلْجِرَاحَةِ أَثَرٌ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَلَمْ يَجِبْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ، وَقَدْ مَرَّ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَكَذَا صَدْرُ الْمَرْأَةِ إذَا انْكَسَرَ وَانْقَطَعَ الْمَاءُ مِنْهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَفِي الصُّلْبِ إذَا دُقَّ لَكِنْ يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ وَصَارَ أَحْدَبَ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ عَادَ إلَى حَبْلِهِ وَلَمْ يَنْقُصْ وَلَكِنْ فِيهِ أَثَرُ الضَّرْبِ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرٌ فَلَا شَيْءَ فِيهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَفِي الذَّكَرِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ حُكُومَةُ عَدْلٍ سَوَاءٌ كَانَ يَتَحَرَّكُ أَوْ لَا يَقْدِرُ الْخَصِيُّ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ لَا يَقْدِرُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ ذَكَرُ الْعِنِّينِ.
وَأَمَّا ذَكَرُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ إنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَذَكَرِ الْعِنِّينِ وَفِي التَّهْذِيبِ، وَفِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَهُوَ مَا يَرَى الْقَاضِي بِمَشُورَةِ أَهْلِ الْبَصِيرَةِ، وَقِيلَ يُقَوَّمُ إنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا مَجْبُوبًا وَغَيْرَهُ فَتَجِبُ
نِسْبَةُ النُّقْصَانِ مِنْ دِيَتِهِ كَمَا لَوْ نَقَصَ عُشْرُ الْقِيمَةِ يَجِبُ عُشْرُ الدِّيَةِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَفِي التَّجْرِيدِ الْمَرْأَةُ إذَا أَفْضَاهَا فَصَارَتْ لَا تَسْتَمْسِكُ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ أَوْ أَحَدَهُمَا فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِذَا قَطَعَ الْحَشَفَةَ يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ، فَإِنْ قَطَعَ بَاقِيَ الذَّكَرِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَخَلُّلِ الْبُرْءِ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَطَعَ الذَّكَرَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا بُرْءٌ فَيَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ فِي الْحَشَفَةِ وَحُكُومَةُ الْعَدْلِ فِي الْبَاقِي، وَإِذَا قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الرَّجُلِ الصَّحِيحِ خَطَأً إنْ بَدَأَ بِقَطْعِ الذَّكَرِ فَفِيهِ دِيَتَانِ، وَفِي التَّجْرِيدِ، وَكَذَا إذَا قَطَعَهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ بَدَأَ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ بِالذَّكَرِ فَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَإِنْ قَطَعَهُمَا مِنْ جَانِبِ الْفَخِذِ مَعًا فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ وَفِي التُّحْفَةِ وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ إذَا قَطَعَهُمَا مَعَ الذَّكَرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَتَانِ دِيَةٌ بِإِزَاءِ الذَّكَرِ وَدِيَةٌ بِإِزَاءِ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِذَا قَطَعَ الذَّكَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ يَجِبُ دِيَتَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِقَطْعِ الذَّكَرِ قَطَعَ مَنْفَعَةَ الْأُنْثَيَيْنِ، وَهِيَ إمْسَاكُ الْمَنِيِّ فَأَمَّا إذَا قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ الذَّكَرَ تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ وَتَجِبُ بِقَطْعِ الذَّكَرِ حُكُومَةُ الْعَدْلِ.
وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ إذَا قُطِعَتَا كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَطَعَ إحْدَى أُنْثَيَيْهِ وَانْقَطَعَ مَاؤُهُ دِيَةٌ وَنِصْفٌ قَالَ وَلَا نَعْلَمُ ذَهَابُ الْمَاءِ إلَّا بِإِقْرَارِ الْجَانِي فَإِذَا قُطِعَ الْبَاقِي مِنْ إحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ الْحُكْمَ فِي الْعَمْدِ وَالظَّاهِرُ الْأُنْثَيَيْنِ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ حَالَةَ الْعَمْدِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ كَمَالُ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ إذَا قَطَعَ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ أَوْ مِنْ مَفْصِلِ الرُّكْبَةِ أَوْ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ، وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ الْمَفْصِلِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إنْ قُطِعَتْ مِنْ الْمَفْصِلِ عَمْدًا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِذَا قَطَعَ الرِّجْلَ خَطَأً مِنْ نِصْفِ السَّاقِ تَجِبُ الدِّيَةُ لِأَجْلِ الْقَدَمِ وَحُكُومَةُ الْعَدْلِ فِيمَا وَرَاءَ الْقَدَمِ وَالْكَلَامُ فِيهِ نَظِيرُ الْكَلَامِ فِي الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ، وَإِنْ كَسَرَ فَخِذَهُ فَبَرِئَتْ وَاسْتَقَامَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حُكُومَةُ عَدْلٍ وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا انْكَسَرَ مِنْ إنْسَانٍ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَبَرِئَ وَعَادَ كَهَيْئَتِهِ فَلَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ بِأَنْ بَرِئَ الْعَظْمُ وَبَقِيَ فِيهِ وَرَمٌ فَفِيهِ مِنْ عَقْلِهِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ، وَكَذَلِكَ فِي الْجِرَاحَةِ الْجَسَدُ إذَا بَرِئَ وَعَادَ كَهَيْئَتِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَلَلٌ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ إلَّا الْجَائِفَةَ، فَإِنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ.
وَإِذَا طُعِنَ بِرُمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي دُبُرِهِ وَصَارَ لَا يَسْتَمْسِكُ الطَّعَامُ فِي جَوْفِهِ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِذَا ضَرَبَ فَسُلْسِلَ بَوْلُهُ، وَصَارَ بِحَالٍ لَا يَسْتَمْسِكُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَإِذَا ضَرَبَ فَقَطَعَ فَرْجَ امْرَأَةٍ وَصَارَتْ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ جِمَاعُهَا فَفِيهِ الدِّيَةُ وَفِي الْيَنَابِيعِ وَكَذَا لَوْ قَطَعَ فَرْجَهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى وَصَلَ إلَى الْعَظْمَ، وَإِنْ قَطَعَ أَحَدَهُمَا فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ، فَإِنْ جَامَعَ امْرَأَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَمَاتَتْ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهَا وَفِي جِنَايَاتِ الْمُنْتَقَى إذَا جَامَعَ امْرَأَةً فَأَفْضَاهَا حَتَّى لَا تَسْتَمْسِكَ الْبَوْلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَتْ لَا تَسْتَمْسِكُ الْبَوْلَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَمْسِكُ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْكُبْرَى، وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَسْتَمْسِكُ فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ جَامَعَ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَمَاتَتْ، فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً، فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالْمَهْرُ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَوْ أَزَالَ بَكَارَةَ امْرَأَةٍ بِالْحَجْرِ أَوْ غَيْرِهِ يَجِبُ الْمَهْرُ وَفِي الْيَنَابِيعِ، وَإِنْ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً وَأَفْضَاهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَإِذَا ضَرَبَ امْرَأَةً فَأَفْضَاهَا وَصَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَسْتَمْسِكُ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا يَجِبُ جَمِيعُ الدِّيَةِ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَفِي التَّجْرِيدِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَأَفْضَاهَا وَصَارَتْ لَا تَسْتَمْسِكُ الْبَوْلَ تَجِبُ الدِّيَةَ وَلَا مَهْرَ لَهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا الْمَهْرُ وَالدِّيَةُ، وَلَوْ دَقَّ فَخِذَهَا أَوْ يَدَهَا مِنْ الْوَطْءِ فَأَرْشُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ عَلَى جَسَدِهَا وَفِي الْمُجَامِعِ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فَهَذَا مِنْهُ عَمْدٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ جَامَعَ امْرَأَةً وَمِثْلُهَا يُجَامَعُ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا جَامَعَ امْرَأَةً فَذَهَبَ مِنْهَا عَيْنٌ أَوْ أَفْضَاهَا إنْ مَاتَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَضْمَنُ فِي هَذَا كُلِّهِ إلَّا الْإِفْضَاءَ وَالْقَتْلَ فِي الْجِمَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا حَكَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ إذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَوَقَعَتْ وَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا
فَعَلَى الدَّافِعِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَالتَّعْزِيرُ وَعَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ سُئِلَ عَمَّنْ دَفَعَ امْرَأَةً فَذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ بِكْرٌ دَفَعَتْ بِكْرًا أُخْرَى فَزَالَتْ عُذْرَتُهَا قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الدَّافِعَةِ مَهْرُ مِثْلِ الْأُخْرَى
قَالَ رحمه الله (وَخُيِّرَ بَيْنَ الْأَرْشِ وَالْقَوَدِ إنْ كَانَ الْقَاطِعُ أَشَلَّ أَوْ نَاقِصَ الْأَصَابِعِ أَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ) قَيَّدَ بِحَالَةِ الْقَطْعِ فَجَعَلَهَا قَيْدًا فِي التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَغَيَّرَتْ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا يُخَيَّرُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَأَطْلَقَ فِي الشَّلَّاءِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا أَوْ لَا فَلَوْ قَيَّدَ فِي الشَّلَّاءِ فَقَالَ شَلَّاءُ يُنْتَفَعُ بِهَا لَكَانَ أَوْلَى كَمَا سَنُبَيِّنُهُ أَيْضًا أَمَّا الْأَوَّلُ، فَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ وَيَدُ الْمَقْطُوعِ صَحِيحَةً كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ؛ فَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ مُتَعَذِّرٌ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِدُونِ حَقِّهِ فِي الْقَطْعِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ كَامِلًا ثُمَّ إذَا اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ سَقَطَ حَقُّهُ فِي الزِّيَادَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْبَعْضِ فَيُسْتَوْفَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ يَضْمَنُهُ وَلَنَا أَنَّ الْبَاقِيَ وَصْفٌ فَلَا يُضْمَنُ بِانْفِرَادِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَجَوَّزَ بِالرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ، وَلَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ الْمَعِيبَةُ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَطَلَ حَقُّهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ حَقَّهُ تَعَيَّنَ فِي الْقِصَاصِ لِمَا مَرَّ أَنَّ مُوجَبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ عَيْنًا وَحَقُّهُ ثَابِتٌ فِيهِ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ بِقَوَدٍ أَوْ سَرِقَةٍ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَرْشُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ بِخِلَافِ النَّفْسِ إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْقَاتِلِ فَقُتِلَ بِجِنَايَةٍ أُخْرَى حَيْثُ لَا يَضْمَنُ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ بِأَنْ كَانَتْ اسْتَوْعَبَتْ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ وَفِي اسْتِيفَاءِ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّاجِّ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَعَلَ، وَفِي اسْتِيفَاءِ قَدْرِ حَقِّهِ لَا يَلْحَقُ الشَّاجَّ مِنْ الشَّيْنِ مِثْلُ مَا يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ فَيَتَخَيَّرُ ثُمَّ لَوْ اخْتَارَ الْقَوَدَ يَبْدَأُ مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ.
وَلَوْ كَانَتْ رَأْسُ الْمَشْجُوجِ أَكْبَرَ تَخَيَّرَ أَيْضًا لِتَقْرِيرِ الِاسْتِيفَاءِ كَمَلًا وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَلَا يُقْطَعُ الْإِبْهَامُ بِالسَّبَّابَةِ وَلَا بِالْوُسْطَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ الْأَعْضَاءِ إلَّا بِمِثْلِهِ مِنْ الْقَاطِعِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ آخَرَ وَفِيهَا ظُفْرٌ سَوْدَاءُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظُفْرُ يَدِ الْقَاطِعِ مُسَوَّدًا؛ لِأَنَّ الِاسْوِدَادَ لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي مَنْفَعَةِ الْيَدِ، وَهِيَ الْبَطْشُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ يَدَهُ خَطَأً كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلِاسْوِدَادِ فِي الظُّفْرِ أَثَرٌ فِي نُقْصَانِ دِيَةِ الْيَدِ صَارَ وُجُودُ هَذَا الْعَيْبِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا يُوهِنُ فِي الْبَطْشِ حَتَّى يَجِبُ بِقَطْعِهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ لَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْيَدُ الصَّحِيحَةُ لَا تُقْطَعُ بِالشَّلَّاءِ وَإِذَا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا وَيَدُ الْقَاطِعِ نَاقِصَةٌ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ بِأَنْ كَانَتْ شَلَّاءَ أَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً مِنْ حَيْثُ الْأَصَابِعُ بِأَنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ فَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْقَطْعَ فَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَ الْقَطْعِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْ وَاحِدٌ يَدَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهِ بَدَلُ حَقِّهِ عَلَى الْكَمَالِ مِنْ مَالِهِ، وَكَانَ الشَّهِيدُ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ يَقُولُ إنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا كَانَتْ الْيَدُ الشَّلَّاءُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهَا فَهِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الْقِصَاصِ فَلَا يُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَلْ لَهُ دِيَةٌ صَحِيحَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ يَدٌ أَصْلًا.
وَبِهِ يُفْتَى وَتَفْرِيعُ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ هَذَا عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَيْنِ وَالسِّنِّ الْكُبْرَى وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ صَحِيحَ الْيَدِ عِنْدَ الْقَطْعِ فَشُلَّتْ يَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا خِيَارَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ بَلْ يَقْطَعُ الشَّلَّاءَ أَوْ يَتْرُكُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً بَعْدَ الْقَطْعِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ حَاصِلًا لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ فَكَذَلِكَ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ اخْتَارَ الْقَطْعَ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْقَاطِعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: أَخَذَ مِنْهُ أَرْشَ مَا كَانَ فَائِتًا مِنْ الْأَصَابِعِ هَذَا إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً وَقْتَ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا اُنْتُقِصَتْ بَعْدَ الْقَطْعِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَ النُّقْصَانُ حَاصِلًا لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ بِأَنْ سَقَطَ أُصْبُعٌ مِنْ أَصَابِعِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً وَقْتَ الْقَطْعِ، وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْته ثَمَّ فَهُوَ الْجَوَابُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَحَدٍ بِأَنْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهِ ظُلْمًا أَوْ قَطَعَ الْقَاطِعُ أُصْبُعًا أَوْ قَضَى بِهِ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْيَدِ هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لِلْمَقْطُوعِ يَدُهُ الْخِيَارَ فِي الْفُصُولِ
كُلِّهَا غَيْرَ أَنَّ النُّقْصَانَ إذَا كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَاخْتَارَ قَطْعَ الْيَدِ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَرْشِ عِنْدَهُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ بِقِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْأُصْبُعِ فَلِلْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ظُلْمًا فَلَا خِيَارَ لِلْقَاطِعِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ.
وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ فَقَالَ: إذَا قَطَعَ أُصْبُعَهُ قِصَاصًا فَقَدْ قَضَى بِهَا حَقًّا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فَيَصِيرُ مُتْلَفًا بَعْدَ حَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ وَلَا كَذَلِكَ مَا إذَا قَطَعَ يَدَهُ ظُلْمًا، وَهَذَا الْفَرْقُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الطَّوَاوِيسِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهَا إذَا قُطِعَتْ بِقِصَاصٍ فَلَهُ الْخِيَارُ وَإِذَا قُطِعَتْ ظُلْمًا أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا خِيَارَ لَهُ هَذَا إذَا كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ قَائِمَةً وَقْتَ الْقَطْعِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ فَائِتَةً وَقْتَ الْقَطْعِ بِأَنْ قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ وَلَا يَمِينَ لِلْقَاطِعِ فَحَقُّ الْمَقْطُوعِ فِي الْأَرْشِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ عَيْنَ حَقِّهِ، وَكَانَ لَهُ بَدَلُ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ قَائِمَةً وَقْتَ الْقَطْعِ ثُمَّ فَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا إنْ فَاتَتْ لَا بِفِعْلِهِ بِأَنْ فَاتَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بِأَنْ وَقَعَتْ فِيهَا أَكَلَةٌ فَسَقَطَتْ أَوْ قَطَعَهَا إنْسَانٌ ظُلْمًا أَوْ فَاتَتْ مِنْ جِهَتِهِ بِأَنْ قَضَى حَقًّا وَاجِبًا، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِنَفْسِهِ بِأَنْ قَطَعَ يَمِينَهُ، فَإِنْ فَاتَتْ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ حَقُّ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَقْطُوعِ يَدُهُ فِي الْعَيْنِ فَيَفُوتُ حَقُّهُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا هَلَكَ وَكَمَالُ الزَّكَاةِ إذَا هَلَكَ وَلَا يَضْمَنُ الْقَاطِعُ يَدَهُ، وَإِذَا قَطَعَ الْمَفْصِلَ الْأَعْلَى مِنْ أُصْبُعِ رَجُلٍ عَمْدًا أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ قَطَعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ يَدَ صَاحِبِهِ عَمْدًا فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، وَفِي النَّوَازِلِ مَقْطُوعُ الْإِبْهَامِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى إذَا قَطَعَ سَاعِدَ مِثْلِهِ لَا قِصَاصَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ إذَا قَطَعَ الرَّجُلُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْ الْمَفْصِلِ ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ وَبَدَأَ بِالْيَدِ ثُمَّ قَطَعَ الْأُصْبُعَ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِ وَاحِدٍ بِأَنْ كَانَ فِي الْيُمْنَى وَفِي الْيُسْرَى وَحَضَرَ صَاحِبُ الْأُصْبُعِ وَالْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ وَطَلَبَا مِنْ الْقَاضِي الْقِصَاصَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْطَعُ أَوَّلًا لِصَاحِبِ الْأُصْبُعِ ثُمَّ يُخَيِّرُ صَاحِبَ الْيَدِ، فَإِنْ شَاءَ قَطَعَ الثَّانِيَ لِجِهَتِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ أَرْشِ الْأُصْبُعِ،
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ، وَكَانَ لَهُ دِيَةُ الْيَدِ فِي مَالِهِ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَطَعَ يُمْنَى رَجُلَيْنِ ثُمَّ جَاءَا أَوْ طَلَبَا حَقَّهُمَا مِنْ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَبْدَأُ بِأَحَدِهِمَا بَلْ يَقْضِي لَهُمَا بِالْقِصَاصِ فِي يَمِينِهِ وَدِيَةٍ فِي مَالِهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْأُصْبُعِ، وَصَاحِبُ الْيَدِ حَاضِرَيْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا، وَالْآخَرُ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ صَاحِبَ الْأُصْبُعِ فَلَا يُقْطَعُ الْأُصْبُعُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ صَاحِبَ الْيَدِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لَهُ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ الْأُصْبُعِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ أَرْشَ الْأُصْبُعِ مِنْ مَالِهِ، وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى ثُمَّ آخَرُ قَطَعَ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَوْسَطِ ثُمَّ آخَرُ قَطَعَ أُصْبُعًا أُخْرَى مِنْ الْمَفْصِلِ السُّفْلَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُصْبُعٍ وَاحِدٍ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْأَصَابِعِ حُضُورًا أَوْ بَعْضُهُمْ غَائِبًا، فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ حُضُورًا وَطَلَبُوا مِنْ الْقَاضِي حَقَّهُمْ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى لِصَاحِبِ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ وَالْأَوْسَطِ ثَابِتًا فِي الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُمَا لَا حَقَّ لَهُمَا فِي قَطْعِ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى إلَّا عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ لَمْ يَضَعْ السِّكِّينَ عَلَى الْمَفْصِلِ مِنْ أَصَابِعِهِمَا، وَإِنَّمَا وَضَعَ عَلَى صَاحِبِ الْمَفْصِلِ إلَّا عَلَى حَقِّ صَاحِبِ الْأَعْلَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ثُمَّ خُيِّرَ صَاحِبُ الْمَفْصِلِ الْأَوْسَطِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ عَلَى صَاحِبِ الْمَفْصِلِ الْأَوْسَطِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ كَانَ فِي مَفْصِلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ مُنْفَصِلَانِ فَبِفَوَاتِ أَحَدِهِمَا يَتَخَيَّرُ كَمَا خُيِّرَ صَاحِبُ الْيَدِ بَعْدَمَا قَطَعْنَا الْأُصْبُعَ لِصَاحِبِ الْأُصْبُعِ.
فَإِنْ شَاءَ قَطَعَ مِنْ الْقَاطِعِ مَفْصِلَهُ الْوُسْطَى وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْطَعْ وَضَمَّنَهُ ثُلُثَ دِيَةِ الْأُصْبُعِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ مِنْ أُصْبُعٍ مَفْصِلَيْنِ فَيَضْمَنُ ثُلُثَ دِيَةِ الْأُصْبُعِ، وَإِنْ حَضَرَ أَحَدُهُمْ وَغَابَ الْآخَرَانِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاضِرُ صَاحِبَ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى يُقْطَعُ، فَإِنْ قَطَعَ الْمَفْصِلَ الْأَعْلَى لَهُ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرَانِ، فَإِنَّهُمَا يُخَيَّرَانِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَإِنْ اخْتَارَ الْقَطْعَ لَمْ يَضْمَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا، وَإِنْ قَطَعَ كَفَّ رَجُلٍ مِنْ مَفْصِلٍ ثُمَّ قَطَعَ الْآخَرُ مِرْفَقَهُ، وَكَانَا حَاضِرَيْنِ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِحَقِّ صَاحِبِ الْكَفِّ وَفِي الْكَافِي قَطَعَ يَمِينَ رَجُلَيْنِ فَقَطَعَ أَحَدُهُمَا إبْهَامَهُ وَقَطَعَ الْآخَرُ كَفَّهُ فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدَيْنِ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِقَاطِعِ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلِقَاطِعِ الْكَفِّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ بَدَأَ الْأَجْنَبِيُّ فَقَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ ثُمَّ قَطَعَ أَحَدُ صَاحِبَيْ الْقِصَاصِ بَعْدَ ذَلِكَ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ عَادَ الْأَجْنَبِيُّ فَقَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ ثُمَّ إنَّ الَّذِي لَمْ يَقْطَعْ شَيْئًا مِنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ قَطَعَ الْكَفَّ وَعَلَيْهَا أُصْبُعٌ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى الْقَاطِعِ بِدِيَةِ يَدَيْهِ وَأَخَذَ رُبْعَهَا لِلَّذِي أَخَذَ الْكَفَّ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ لِلَّذِي قَطَعَ الْأُصْبُعَ وَلَا يُجْعَلُ