الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعِبْرَةَ لِوَقْتِ الْجِنَايَةِ، وَتَحَوُّلُ الْوَلَاءِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ تِلْكَ الْجِنَايَةِ فَلَا يَتَبَدَّلُ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ حَالُ الْقَاتِلِ، وَلَكِنْ ظَهَرَتْ حَالَةٌ خَفِيَتْ فِيهِ تَحَوَّلَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْأُخْرَى وَقَعَ الْقَضَاءُ بِهَا أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَذَلِكَ مِثْلُ دَعْوَةِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ، وَأَمَرَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّ بِالْجِنَايَةِ، وَلَوْ لَمْ يَتَبَدَّلْ حَالُ الْجَانِي، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الْحَالَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَلَكِنَّ الْعَاقِلَةَ تَبَدَّلَتْ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْقَضَاءَ لَا غَيْرُ فَإِنْ قُضِيَ بِهَا عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى الثَّانِي، وَإِلَّا قُضِيَ بِهَا عَلَى الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ دِيوَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ دِيوَانِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا لَكِنْ لَحِقَ الْعَاقِلَةَ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ اشْتَرَكُوا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَبَعْدَهُ إلَّا فِيمَا سَبَقَ أَدَاؤُهُ فَمَنْ أَحْكَمَ هَذَا الْفَصْلَ، وَتَأَمَّلَ فِيهِ أَمْكَنَهُ تَخْرِيجُ الْمَسَائِلِ وَرَدُّ كُلِّ وَاقِعَةٍ مِنْ النَّظَائِرِ وَالْأَضْدَادِ إلَى أَصْلِهَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ بَابِ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ. اهـ.
أَقُولُ: يَأْبَى هَذَا الْجَوَابَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَلَا عَاقِلَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاقَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى مَا عُرِفَ فَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ هُنَاكَ نَفْيُ الْوُقُوعِ أَيْ لَمْ يَقَعْ التَّعَاقُلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ الْجَوَازِ أَيْ لَوْ وَقَعَ التَّعَاقُلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ جَازَ وَلَا يَضُرُّهُ اخْتِلَافُ مِلَلِهِمْ فَتَبَصَّرْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْوَصَايَا]
قَالَ الشُّرَّاحُ: إيرَادُ كِتَابِ الْوَصَايَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ ظَاهِرُ الْمُنَاسَبَةِ إذْ آخِرُ الْأَحْوَالِ فِي الْآدَمِيِّ فِي الدُّنْيَا الْمَوْتُ وَالْوَصِيَّةُ مُعَامَلَةٌ وَقْتَ الْمَوْتِ أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كِتَابَ الْوَصَايَا لَيْسَ بِمَوْرُودٍ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا الْمَوْرُودُ فِي آخِرِهِ كِتَابُ الْخُنْثَى كَمَا تَرَى نَعَمْ إنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ التَّصَانِيفِ أَوْرَدُوهُ فِي آخِرِ كُتُبِهِمْ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ مِنْ قِبَلِ الشُّرَّاحِ حَمْل الْآخَرِ فِي قَوْلِهِمْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِضَافِيِّ فَإِنَّ آخِرَهُ الْحَقِيقِيُّ، وَإِنْ كَانَ كِتَابَ الْخُنْثَى إلَّا أَنَّ كِتَابَ الْوَصَايَا أَيْضًا آخِرُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا قَبْلَهُ حَيْثُ كَانَ فِي قُرْبِ آخِرِهِ الْحَقِيقِيِّ، وَمِنْ هَذَا تَرَى الْقَوْمَ يَقُولُونَ وَقَعَ هَذَا فِي أَوَائِلِ كَذَا أَوْ أَوَاخِرِهِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ لَا تَتَمَشَّى فِي الْأَوَّلِ الْحَقِيقِيِّ وَالْآخِرِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا الْمُخَلِّصُ فِي ذَلِكَ تَعْمِيمُ الْأَوَّلِ، وَالْآخِرُ لِلْحَقِيقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ، وَالْكَلَامُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهَا لُغَةً، وَالثَّانِي فِي تَفْسِيرُهَا شَرْعًا وَالثَّالِثُ فِي سَبَبِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالرَّابِعُ فِي رُكْنِهَا، وَالْخَامِسُ فِي شَرْطِهَا، وَالسَّادِسُ فِي صِفَتِهَا، وَالسَّابِعُ فِي حُكْمِهَا، وَالثَّامِنُ فِي دَلِيلِ مَشْرُوعِيَّتِهَا أَمَّا الْوَصِيَّةُ فِي اللُّغَةِ فَهِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّوْصِيَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {حِينَ الْوَصِيَّةِ} [المائدة: 106] ثُمَّ سُمِّيَ الْمُوصَى بِهِ وَصِيَّةً.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا} [النساء: 12] وَفِي الشَّرِيعَةِ (الْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ) بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ سَوَاءٌ كَانَتْ ذَلِكَ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ أَقُولُ: وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّيْنَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ هِيَ طَلَبُ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادِ مَا لَمْ يَصِلْهُمَا أَوْ تَمْلِيكٌ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى لَا يُقَالُ إدْخَالٌ أَوْ فِي الْحُدُودِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْحُدُودَ الْحَقِيقِيَّةَ وَلَا تَعَدُّدَ فِيهَا لِأَنَّا نَقُولُ إذَا أُرِيدَ تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ جَازَ ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ثُمَّ الْوَصِيَّةُ، وَالتَّوْصِيَةُ، وَكَذَا الْإِيصَاءُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي غَيْبَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً هَذَا هُوَ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى هِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْمَسَائِلِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَالْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَصِيِّ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا بِطَرِيقِ التَّطَفُّلِ لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كَمَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مَوْضُوعَةٌ فِيهِ أَيْضًا لِطَلَبِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ فَقَدْ نُقِلَ هَذَا عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ لَكِنْ يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْإِيصَاءِ بِاللَّامِ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَبِإِلَى فِي الْمَعْنَى الثَّانِي فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوعِ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا عَلَى سَبِيلِ التَّطَفُّلِ إلَى هُنَا لَفْظُهُ ثُمَّ إنَّ سَبَبَ الْوَصِيَّةِ سَبَبُ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَهُوَ إرَادَةُ تَحْصِيلِ الذِّكْرِ الْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الْعُقْبَى.
وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَكَوْنُ الْمُوصِي أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَدْيُونًا، وَكَوْنُ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا حَتَّى إذَا أَوْصَى لِلْجَنِينِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا حَيًّا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ تَصِحُّ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ حَيَاتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَيًّا، وَكَوْنُهُ أَجْنَبِيًّا حَتَّى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا، وَكَوْنُ الْمُوصَى بِهِ شَيْئًا قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ أَوْ مَعْدُومًا، وَأَنْ يَكُونَ أَيْضًا الْمُوصَى بِهِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ حَتَّى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ، وَفِي الْأَصْلِ، وَمِنْ شُرُوطِهَا كَوْنُ الْمُوصِي أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَأَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ بِلَا خَلَلٍ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمُوصِي مَدْيُونًا بِدُونِ التَّقْيِيدِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِتَرِكَتِهِ، وَالشَّرْطُ عَدَمُ هَذَا الدَّيْنِ الْمُقَيَّدِ لَا عَدَمُ الدَّيْنِ الْمُطْلَقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا كَوْنَ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَالشَّرْطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا كَوْنُهُ حَيًّا أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ الْوِلَادَةَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَيًّا، وَتِلْكَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْجَنِينِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا عَلَى حَيَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِأَحْوَالِ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ، وَبِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَعَنْ هَذَا كَانَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ عِنْدَ بَيَانِ هَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ بِدُونِ ذِكْرِ قَيْدِ الْحَيَاةِ أَصْلًا، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مِقْدَارَ الثُّلُثِ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فَإِنَّ الْمُوصِي إذَا تَرَكَ وَرَثَةً فَإِنَّمَا لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ أَجَازُوهُ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حَتَّى بِجَمِيعِ مَالِهِ عِنْدَنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِأَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ، وَأُخْرَى بِأَنْ لَا يُجِيزَهُ الْوَارِثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا رُكْنُهَا فَقَوْلُهُ أَوْصَيْت بِكَذَا، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَالْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُ الْمَالَ بِالْقَبْضِ، وَأَمَّا سَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] .
قَالَ رحمه الله (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) يَعْنِي الْوَصِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَقُولُ: الْحُكْمُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا لَا يُنَاسِبُ مَا سَيَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ جَائِزَةٌ بِدُونِ الثُّلُثِ مُسْتَحَبَّةٌ إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ.
وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ فَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى، وَأَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِلْوَارِثِ وَالْقَاتِلِ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ جَائِزَةٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ قَوْلُهُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ غَايَةَ أَمْرِهَا الِاسْتِحْبَابُ دُونَ الْوُجُوبِ لَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ بَلْ قُصَارَى أَمْرِهَا الِاسْتِحْبَابُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ النَّقْضُ بِالْوَصِيَّةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ فَقَوْلُهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَرِثُونَ فَرْضٌ، وَلِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ مُرُوءَةٌ وَيَسَارٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] وَالْمَكْتُوبُ عَلَيْنَا فَرْضٌ، وَلَمَّا لَمْ يُفْهَمْ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ نَفْيِ الْوُجُوبِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ قَالَ الشَّارِحُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ كَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الصَّلَاةِ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ زَوَالِ الْمِلْكِ، وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى حَالِ قِيَامِهِ بِأَنْ قَالَ مَلَّكْتُك غَدًا كَانَ بَاطِلًا فَهَذَا أَوْلَى إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ أَجَازَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ فَإِذَا عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ، وَخَافَ الْهَلَاكَ يَحْتَاجُ إلَى تَلَافِي مَا فَاتَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ تَحَقَّقَ مَا كَانَ مُخَالَفَةً يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ.
وَقَدْ يَبْقَى الْمِلْكُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ كَمَا يَبْقَى فِي قَدْرِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «إنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ لِيَجْعَلَهَا لَكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ ثُمَّ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْأَجْنَبِيِّ بِالثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْوَارِثِ وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِمَا رُوِيَ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي مِنْ
وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا قَالَ قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا قَالَ قُلْتُ: فَالثُّلُثُ قَالَ فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الزَّوَالِ إلَيْهِمْ، وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُمْ عَنْ الْمَالِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُظْهِرْ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ لِيَتَدَارَكَ تَقْصِيرَهُ، وَأَظْهَرَهُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَمَّا يُتَّفَقُ لَهُمْ مِنْ التَّأَذِّي بِالْإِيثَارِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ، وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَبِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، وَقَوْلُهُ مُسْتَحَبَّةٌ إلَخْ الْأَفْضَلُ لِمَنْ كَانَ قَلِيلَ الْمَالِ أَنْ لَا يُوصِيَ بِشَيْءٍ، وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَنْ يُوصِيَ بِمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ.
وَقَدْرُ الْأَغْنِيَاءِ عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا تَرَكَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ دُونَ الْوَصِيَّةِ، وَعَنْ الْإِمَامِ الْفَضْلِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَفِي الْمُوصِي الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْوَاجِبَاتِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ بَدَأَ بِالْقَرَابَةِ فَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَالْجِيرَانُ، وَفِي الْفَتَاوَى عَامِلُ السُّلْطَانِ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ كَذَا كَذَا مِنْ مَالِهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ إنْ عُلِمَ بِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِمَالِ غَيْرِهِ جَازَ أَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَالُهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْجَوَازُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْخَلْطِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا أَوْصَى أَنْ يُنْفَقَ عَلَى فَرَسِ فُلَانٍ جَازَ، وَهِيَ وَصِيَّةٌ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ.
قَالَ رحمه الله (وَلَا تَصِحُّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ حَيْثُ قَالَ وَلَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ عَدَمُ النَّفَاذِ حَتَّى لَا يَنْفُذَ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعْنِي لَا يَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِي حَقِّ الْفَاضِلِ عَلَى الثُّلُثِ بَلْ فِي حَقِّ الثُّلُثِ فَقَطْ لَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَصْلًا فَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ جَازَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ ذَلِكَ قُلْتُ: يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ وَصَايَا مُتَعَدِّدَةٍ بِأَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثَيْ مَالِي فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ أَوْصَيْت لَهُ بِثُلُثِهِ دُونَ الزَّائِدِ وَالْوَصِيَّةُ تَارَةً تَكُونُ مُنَجَّزَةً.
وَتَارَةً مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْوَصِيَّةِ بِالشَّرْطِ جَائِزٌ، وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَهَذَا جَائِزٌ إنْ قَبِلَ ذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ يُنْفَقُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ أَوْ مَاتَ الْمُوصِي، وَهُوَ غَائِبٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْوَصِيَّةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَدِمَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَإِنْ قَدِمَ، وَقَبِلَ فَلَهُ مَا مَضَى قَالَ أَبُو يُوسُفَ رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَقَالَ إنْ أَبَى فَهُوَ لِفُلَانٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ الْأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَأْبَ فَالثُّلُثُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ أَبَى كَانَ لِلْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ فَإِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلِفُلَانٍ فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ ثُلُثِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ إنْ شَاءَ، وَإِنْ أَبَى فَهُوَ لِفُلَانٍ فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَالثُّلُثُ مَرْدُودٌ عَلَى الْوَرَثَةِ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَجُلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ، وَقَالَ إنْ لَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ مَا أَوْصَيْتُ لَهُ بِهِ أَوْ قَالَ إنْ رَدَّ فُلَانٌ مَا أَوْصَيْتُ بِهِ فَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِذَا الْمُوصَى لَهُ الْأَوَّلُ حَيًّا أَوْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ قَبْلَ الْمُوصِي، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ قَالَ هِيَ لِلثَّانِي كُلُّهَا قَالَ إنْ أَسْلَمَتْ جَارِيَتِي هَذِهِ فَأَعْتِقُوهَا فَبَاعُوهَا قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مُضِيِّ الْبَيْعِ صَحَّ وَلَا تُرَدُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ أَوْصَيْتُ أَنْ يَخْدُمَ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ هُوَ لِفُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ لَا أَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ قَالَ يَخْدُمُ الْوَرَثَةَ سَنَةً ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ وَلَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ لِلثَّانِي بِإِبَاءِ الْأَوَّلِ الْخِدْمَةَ قَالَ أَعْطُوهُ فُلَانًا بَعْدَ السَّنَةِ فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ خَدَمَ تَمَامَ السَّنَةِ لِلْوَرَثَةِ ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ وَصِيَّةٌ فِيهَا يَمِينٌ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَهَذِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَرْضِي الَّتِي فِي مَوْضِعِ كَذَا، وَغُلَامِي فُلَانٌ لِأُمِّ وَلَدِهِ فَيَصِيرُ مِيرَاثًا مِنْهَا ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى أَنْ يُنْفَقَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ مَا قَامَتْ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَالَ إنْ تَزَوَّجَتْ فَلَا شَيْءَ لَهَا فَتَزَوَّجَتْ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَرَجَعَتْ إلَى وَلَدِهَا لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهَا مَا كَانَ أَوْصَى بِهِ لَهَا، وَقَدْ بَطَلَ، وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَتْ مِنْ بِلَادِهَا إلَى بِلَادٍ أُخْرَى، وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْ دَارِهَا أَوْ جَاءَ مِنْهَا شَيْءٌ يُعْرَفُ أَنَّهَا قَدْ تَرَكَتْهُمْ، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ فَلَا هَذِهِ الدَّارُ لَك عَلَى أَنْ تَحُجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّابَّةُ لَك عَلَى أَنْ تَغْزُوَا عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هِيَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ
لِرَجُلٍ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَعْنَاهُ شَرَطَ الْمُوصِي عَلَى الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ الْمُوصِي فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مَجْهُولًا أَوْ كَانَ مَعْلُومًا إلَّا أَنَّ الثُّلُثَ مَجْهُولٌ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا، وَالثُّلُثُ مَعْلُومًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيَجِبُ لَهُ الثُّلُثُ بِالدَّيْنِ إذَا قَبِلَ كَمَا يَجِبُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ دَرَاهِمُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ هَذَا بَيْعُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، وَفَضْلُ عُرُوضٍ سِوَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي فِي الثُّلُثِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ جَازَ فَإِنْ قَبَضَ الثُّلُثَ سَاعَةَ يَمُوتُ أَوْ قَبَضَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي الثُّلُثِ سَاعَةَ يَمُوتُ، وَقَضَى الدَّيْنَ سَاعَتَهُ انْتَقَصَ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ مَا يَخُصُّهُ.
وَجَازَ فِي الْعُرُوضِ أَوْصَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ فُلَانًا خَمْسَمِائَةٍ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ فُلَانًا مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ جَازَ الْعَلَاءُ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا قَالَ إذَا مِتّ، وَهَذَانِ الْعَبْدَانِ فِي مِلْكِي فَهُمَا وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ فَمَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، وَالثَّانِي فِي مِلْكِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ قَالَ إنْ مِتّ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ حَيَّانِ فَهَذَا الْعَبْدُ وَصِيَّةٌ لَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّ الثَّانِي مِنْهُمَا يُعْطَى نِصْفَ الْعَبْدِ قَالَ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِأَمَتِهِ أَنْ تُعْتَقَ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي فَقَالَتْ الْأَمَةُ لَا أَتَزَوَّجُ فَإِنَّهَا تَعْتِقُ، وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْمُوصِي مَتَى عَلَّقَ عِتْقَ مَمْلُوكِهِ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ قَالَ هِيَ حُرَّةٌ إنْ ثَبَتَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقُوهَا بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ هِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ قَالَ إنْ مَكَثَتْ مَعَ وَلَدِي شَهْرًا فَهِيَ حُرَّةٌ أَوْ قَالَ أَعْتِقُوهُ إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ شَهْرًا فَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ حَالَ حَيَاتِهِ بِأَنْ قَالَ لِمَمْلُوكِهِ حَالَ حَيَاتِهِ إنْ ثَبَتَ مَعَ وَلَدِي أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا فَأَنْت حُرَّةٌ فَثَبَتَتْ سَاعَةً عَتَقَتْ، وَكَذَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالثَّبَاتِ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِ مُؤَقَّتٍ بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتِقُوهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ إذَا قَالَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لَا أَتَزَوَّجُ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ إذَا كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لَهَا صَحِيحَةٌ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ صَحَّ نِكَاحُهَا وَلَا يَبْطُلُ عِتْقُهَا، وَوَصِيَّتُهَا وَلَا يَلْزَمُهَا السِّعَايَةُ فِي شَيْءٍ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ قَالَ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ إنْ قَالَتْ لَا أَتَزَوَّجُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ يُعْطِي لَهَا وَصِيَّتَهَا فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْتَرِدُّ الْأَلْفَ مِنْهَا، وَلَوْ قَالَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ شَهْرًا فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ وَصِيَّتَهَا مَا لَمْ تَتْرُكْ التَّزَوُّجَ شَهْرًا، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا أَوْصَى لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تَثْبُتَ مَعَ وَلَدِهَا فَمَكَثَتْ مَعَ وَلَدِهَا سَاعَةً اسْتَحَقَّتْ الْوَصِيَّةِ قَالَ وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِخَادِمِهِ عَلَى أَنْ يُقِيمَ مَعَ ابْنَتِهِ، وَمَعَ ابْنِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَا ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ فَإِمَّا كَانَا كَبِيرَيْنِ أَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ فَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ فَإِنَّهَا تَخْدُمُ الِابْنَةَ حَتَّى تَتَزَوَّجَ، وَتَخْدُمُ الِابْنَ حَتَّى يَتَأَهَّلَ أَوْ يَجِدَ مَا يَشْتَرِي بِهِ خَادِمًا يَخْدُمُهُ فَيَسْتَغْنِي عَنْ خِدْمَتِهَا، وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ تَخْدُمُهُمَا حَتَّى يَبْلُغَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْنِيَا فَإِنَّ الْجَارِيَةَ لَا تَعْتِقُ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ قَالَ إذَا أَوْصَى لَهَا بِالْعِتْقِ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ فُلَانًا بِعَيْنِهِ فَقَالَتْ أَفْعَلُ تَعْتِقُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَبَعْدَ هَذَا إذَا أَبَتْ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ أَجْنَبِيٌّ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا قَالَ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ عَلَى أَنْ لَا يُفَارِقَ وَارِثَهُ أَبَدًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِ وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ مَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَمَا لَا يَدْخُلُ قَالَ مُحَمَّدٌ الْوَلَدُ وَالْكَسْبُ إذَا وُلِدَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّهُمَا لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَا يَخْرُجَانِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يَخْرُجَانِ فَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْوَلَدُ، وَالْكَسْبُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي إنْ حَدَثَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ لَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ وَلَا يُسَلَّمَانِ لِلْمُوصَى لَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهَا الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ فَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْوَلَدُ، وَالْكَسْبُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ هَلْ يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يُجْعَلُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ نَصًّا، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَمَشَايِخُنَا قَالُوا بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوصًى بِهِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَفِي نَوَادِرِ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَائِطٍ فَهُوَ بِأَرْضِهِ
كُلُّهُ وَصِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِنَخْلَةٍ فَهُوَ عَلَى النَّخْلَةِ دُونَ الْأَرْضِ قَالَ إنَّمَا تُسَمَّى نَخْلَةً، وَهِيَ مَقْطُوعَةٌ، وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَفِي عُرْفِنَا تُسَمَّى نَخْلَةً، وَهِيَ قَائِمَةٌ أَيْضًا فَعَلَيْهِ تَدْخُلُ أَرْضُهَا، وَفِي نَوَادِرِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِنَخْلٍ كَثِيرٍ أَوْ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ وَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ أَوْ بَاعَ فَلَهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِكَرْمٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ جُمَّةٍ فَلَهُ ذَلِكَ بِأَصْلِهِ وَلَا يُشْبِهُهُ هَذِهِ النَّخْلَةُ، وَذَكَرَ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى بِنَخْلَةٍ لِإِنْسَانٍ، وَلِآخَرَ بِثَمَرِهَا فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَالنَّخْلُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّخْلِ بِأَصْلِهِ وَأَرْضِهِ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا أَوْصَى بِزِقِّ زَيْتٍ فَهُوَ عَلَى الزِّقِّ دُونَ الزَّيْتِ، وَلَوْ قَالَ بِزِقِّ الزَّيْتِ فَهُوَ عَلَى الزِّقِّ وَحْدَهُ، وَلَوْ بِسَفِينَةِ الطَّعَامِ فَهُوَ عَلَى السَّفِينَةِ.
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فِي رِوَايَةِ الْمَاءِ، وَقَوْصَرَّةُ التَّمْرِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَحَدٍ بِمِيزَانٍ فَهُوَ عَلَى الْعَمُودِ وَالْكِفَّتَيْنِ وَالْخُيُوطِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ السِّنْجَاتُ وَالْغِلَافُ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ دَخَلَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِالْمِيزَانِ فَلَهُ الْكِفَّتَانِ، وَالْعَمُودُ وَلَا يَكُونُ لَهُ السِّنْجَاتُ، وَأَمَّا الْقَبَّانُ فَهُوَ لَهُ بِرُمَّانَتِهِ وَكِفَّتِهِ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَيْفٍ فَلَهُ النَّصْلُ دُونَ الْجَفْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْهُ أَنَّ لَهُ السَّيْفَ مَعَ جَفْنِهِ، وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَصْلِ، وَلَوْ أَوْصَى بِمُصْحَفٍ وَلَهُ غِلَافٌ فَلَهُ الْمُصْحَفُ دُونَ الْغِلَافِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْبَقَّالِيِّ لَهُ بِقُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ فَهُوَ لَهُ بالآله فَلَوْ أَوْصَى بِخَمْلَةٍ فَلَهُ الْكِسْوَةُ دُونَ الْعِيدَانِ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَرْجٍ فَكُلُّ شَيْءٍ عَلِقَ بِهِ وَحَرَزَ فِيهِ فَهُوَ لَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْوَصِيَّةِ بِالسَّرْجِ أَنَّ لَهُ الدَّوْفَتَيْنِ وَالرِّكَابَيْنِ وَالْمَرَّةُ لَا يَكُونُ لِلْيَدِ وَالرِّفَادَةِ والصِّنْقَةِ، وَذَكَرَ إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ مَاتَ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ قَالَ لَهُ كِسْوَتُهُ وَمِنْطَقَتُهُ، وَإِنْ قَالَ مَتَاعُهُ يَدْخُلُ فِيهِ سَيْفُهُ وَمِنْطَقَتُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ هِيَ وَصِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لِغُلَامِهِ، وَفِي نَوَادِرِ بِشْرٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ فَأَعْطَى الْوَرَثَةُ الْمُوصَى لَهُ شَاةً قَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي
قَالَ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ فَأَعْطَوْهُ شَاةً قَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَدًا قَالَ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الْوَارِثُ الْوَلَدَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَ الشَّاةَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِنَخْلَةٍ بِأَصْلِهَا، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَخْلِي هَذَا فَهِيَ مِثْلُ الشَّاةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا، وَيُعْطُونَهُ أَيَّ نَخْلَةٍ شَاءُوا دُونَ ثَمَرَتِهَا الَّتِي أَثْمَرَتْهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَإِنْ كَانُوا اسْتَهْلَكُوا ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْفَصْلِ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ تَعْتِقَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَاتَ فَقَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ وَلَدَتْ وَلَدًا فَهِيَ مَعَ وَلَدِهَا يَخْرُجَانِ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْوَلَدُ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُكَاتَبَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ أَوْصَى أَنْ تُبَاع هِيَ مِنْ نَفْسِهَا أَوْ تَعْتِقَ عَلَى مَالٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِجَارِيَتِهِ هَذِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ أَوْ تُوهَبَ مِنْ فُلَانٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ كَمَا تَنْفُذُ فِي الْجَارِيَةِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاع جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي بِيعَتْ هِيَ وَلَا يُبَاعُ وَلَدُهَا، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاع جَارِيَتُهُ هَذِهِ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَدًا فَإِنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْوَلَدِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ عَبْدٌ وَقَتَلَهَا فَدَفَعَ بِهَا أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَدَفَعَ بِيَدِهَا أَوْ وَطِئَهَا وَطْئًا بِشُبْهَةٍ حَتَّى غَرِمَ الْعُقْرَ
فَإِنَّهُ لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ وَلَا الْأَرْشُ وَلَا الْعُقْرُ فَبَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ قَدْ قُتِلَتْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِفِقْدَانِ مَحِلِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهَا بِيعَتْ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ إنْ شَاءَ، وَلَوْ وُطِئَتْ، وَهِيَ ثَيِّبٌ لَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ لَا يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَتْ عَيْنُهَا أَوْ يَدُهَا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ بِيعَتْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى إلَّا إذَا صَارَتْ إلَيْهِ أَصْلًا فَصَارَ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ جَارِيَتُهُ هَذِهِ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينٍ فَأَبَى فُلَانٌ الْبَيْعَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّتَانِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَغَرِمَ الْقَاتِلُ قِيمَتَهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّتَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى أَنْ تُكَاتَبَ جَارِيَتُهُ، وَيُتَصَدَّقَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ أَوْ تُبَاعُ مِنْ نَفْسِهَا، وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينٍ فَوَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَدًا بِيعَتْ هِيَ وَحْدَهَا، وَلَمْ يُبَعْ مَعَهَا وَلَدُهَا.
وَأَمَّا بَيَانُ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَكُونُ وَصِيَّةً، وَاَلَّتِي لَا تَكُونُ وَصِيَّةً رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ الرَّجُلُ اشْهَدُوا أَنِّي أَوْصَيْت
لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَوْصَيْت أَنَّ لِفُلَانٍ فِي مَالِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَالْأَلْفُ الْأُولَى وَصِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى إقْرَارٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ أَوْصَيْت لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ذَكَرْتُ، وَلِهَذَا كَانَ إقْرَارًا بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهَا عَلَى بَابِهَا.
وَفِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ سُدُسُ دَارِي لِفُلَانٍ وَإِنِّي أُجِيزُ ذَلِكَ يَكُونُ وَصِيَّةً، وَلَوْ قَالَ سُدُسٌ فِي دَارِي لِفُلَانٍ وَإِنِّي أُجِيزُ ذَلِكَ يَكُونُ وَصِيَّةً، وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ سُدُسٌ فِي دَارِي فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِفُلَانٍ دِرْهَمٌ مِنْ مَالِي يَكُونُ وَصِيَّةً اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرِ وَصِيَّتِهِ إذَا قَالَ فِي مَالِي كَانَ إقْرَارًا، وَإِذَا قَالَ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ، وَدَارِي هَذِهِ لِفُلَانٍ، وَلَمْ يَقُلْ وَصِيَّةٌ وَلَا كَانَ فِي ذِكْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا بَعْدَ مَوْتِي كَانَتْ هِبَةً قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَإِنْ قَبَضَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصِيَّةِ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَحْمَدُ الطَّوَاوِيسِيُّ فِي شَرْحِ وَصَايَا الْأَصْلِ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَصِيَّةً، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً، وَإِذَا قَالَ أَوْصَيْتُ أَنْ يُوهَبَ لِفُلَانٍ سُدُسُ دَارِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً عَمَلًا بِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي فَالْهِبَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ هِيَ الْوَصِيَّةُ فَتَصِحُّ مَعَ الشُّيُوعِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَوْ قَالَ ثُلُثَيْ مَالِي لِفُلَانٍ أَوْ قَالَ سُدُسُ مَالِي لِفُلَانٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَاطِلًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ وَصِيَّةً جَائِزَةً، وَتَأْوِيلُهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي خِلَالِ الْوَصَايَا يَكُونُ وَصِيَّةً ظَاهِرَةً فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ ثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ، وَلَوْ قَالَ هَكَذَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ بَعْدَ مَوْتِي لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ فِي صِحَّتِهِ ثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْوَصِيَّةِ وَلَا ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصَايَا وَلَا إضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يُجْعَلُ وَصِيَّةً بَلْ يُجْعَلُ هِبَةً حَتَّى لَوْ ذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوَصَايَا أَوْ إضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَكُونُ وَصِيَّةً.
وَالْحَاصِلُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الصِّحَّةِ وَحَالَةِ الْمَرَضِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي صِحَّتِهِ إنْ حَدَثَ لِي حَادِثٌ فَلِفُلَانٍ كَذَا هَذَا وَصِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثُلُثِي فَهَذَا وَصِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْمَوْتَ، وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِي أَوْ قَالَ مِنْ نِصْفِ مَالِي أَوْ قَالَ مِنْ رُبُعِ مَالِي فَهُوَ بَاطِلٌ، وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي فَتَاوَى اللَّيْثِ مَرِيضٌ قَالَ أَخْرِجُوا أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي أَوْ قَالَ أَخْرِجُوا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ جَازَ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ رَجُلٌ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَا تُوصِي فَقَالَ قَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ يُدْفَعُ كُلُّ السُّدُسِ لِلْفُقَرَاءِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ مَرِيضٌ قَالُوا لَهُ لِمَ لَا تُوصِي فَقَالَ قَدْ أَوْصَيْت بِأَنْ يُخْرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِي أَلْفَانِ فَيُتَصَدَّقُ بِأَلْفٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فَإِذَا ثُلُثُ مَالِهِ أَلْفَانِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ يُتَصَدَّقُ بِالْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ أَوْصَيْت أَنْ يُخْرَجَ ثُلُثُ مَالِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ قَالَ يُتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَمَتِي هَذِهِ حُرَّةٌ وَمَا كَانَ فِي يَدِهَا فَهُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ قَالَ أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ فِي يَدِهَا يَوْمَ مَاتَ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي يَدِهَا يَوْمَ مَاتَ، وَلَوْ قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ، وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا، وَيَحُجُّ عَنِّي ثُمَّ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا، وَقَالَ لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى أَوْ لِغَيْرِهِمْ اشْهَدُوا أَنِّي عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى.
قَالَ مُحَمَّدٌ أَمَّا فِي الْقِيَاسِ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ الْأُولَى حِينَ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنُجِيزُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِعَبْدِ ابْنِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلِلْمَسَاكِينِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ ثُمَّ بَرِئَ ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبْرَأْ مِنْ مَرَضِي، وَزَادَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ الدَّيْنُ الدَّيْنُ يَتَمَارَى مِنْ أبدا يَا رين يَتَمَارَى ممن مَرَّ فَحِينَئِذٍ إذَا بَرِئَ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَجْمُوعِ النَّوَازِلِ رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ فِي وَصِيَّتِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَتَمَارَى دارد فِي ربدان مرابصين مِنْ فَقَدْ جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي تَرِكَتِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ معدهم وممر يَأْمُرهُمْ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ عمر كَانَ مِنْ وَرِيدٍ مِنْ تَحَوُّلٍ بَعْدَ أَنْ مَاتَ أَوْ قَالَ مُرُورُ بدان مِنْ أَصَابِعَ فَمَاتَ قَالَ يَصِيرُ وَصِيَّةً، امْرَأَةٌ أَوْصَتْ بِأَشْيَاءَ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ حُرّ لسان مِنْ أَمَّا وَكَانَ بِهَا هندان قَالَ مِنْ هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ وَمَاذَا يُعْطِي قَالَ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لِمَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَرْبَابِهَا، وَالتَّقْدِيرُ فِي هَذَا ذَلِكَ
لِمَا يُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ يُعْطِي مَالَهَا أَقْرِبَاؤُهَا، وَقَدْ يَبْطُلُ اسْمُ التَّذْكِرَةِ الْخَانِيَّةِ مَرِيضٌ أَوْصَى بِوَصَايَا ثُمَّ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَعَاشَ سِنِينَ ثُمَّ مَرِضَ فَوَصَايَاهُ ثَابِتَةٌ إنْ لَمْ يَقُلْ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبْرَأْ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَقَدْ أَوْصَيْت بِكَذَا أَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ الدمن أرين سماري غَيْر مِنْ فَحِينَئِذٍ إذَا بَرِئَ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْت غُرَمَائِي، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ، وَلَمْ يَنْوِ أَحَدًا مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَوَى ابْنُ مُقَاتِلٍ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ لَا يُبْرِئُونَ رَجُلًا لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ الْمَدْيُونُ إذَا مِتّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ يَجُوزُ، وَيَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ، وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَقَالَ لَهُ الطَّالِبُ إذَا مِتّ فَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ يَجُوزُ، وَتَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ إذَا مَاتَ، وَإِذَا قَالَ إنْ مِتّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ قَالَ لَا يَبْرَأُ، وَهُوَ مُخَاطَرَةٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ بَرِيءُ مِمَّا عَلَيْك، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ الرَّجُلُ ضَعُوا ثُلُثِي حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى يُرَدُّ إلَى الْوَرَثَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي حَيْثُمَا يَرَى النَّاسُ أَوْ حَيْثُمَا يَرَى الْمُسْلِمُونَ قِيلَ فِي عُرْفِنَا لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ، وَفِي الْعُيُونِ إذَا قَالَ اُنْظُرُوا إلَى كُلِّ مَا يَجُوزُ لِي أَنْ يُوصَى بِهِ فَأَعْطُوهُ فَهَذَا عَلَى الثُّلُثِ، وَلَوْ قَالَ اُنْظُرُوا مَا يَجُوزُ لِي أَنْ أُوصِيَ بِهِ فَأَعْطُوهُ فَالْأَمْرُ إلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ بِدِرْهَمٍ وَبِأَكْثَرَ، وَقَوْلُهُ مَا يَجُوزُ لِي كَذَا ذَكَرَهُمَا هَاهُنَا، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ أَمَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُ يُجْعَلُ فِي حَقِّهِ كَانَ الْمُوصِي أَوْصَى بِدِرْهَمٍ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ عَمَّنْ قَالَ ادْفَعُوا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ هَذِهِ الثِّيَابَ إلَى فُلَانٍ، وَلَمْ يَقُلْ هِيَ لَهُ قَالَ إنَّ هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ، وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ عَمَّنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ ثُلُثُ مَالِي وَقْفٌ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا.
قَالَ إنْ كَانَ مَالُهُ نَقْدًا يَعْنِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ بَاطِلٌ، وَصَارَ كَقَوْلِهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَقْفٌ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ضِيَاعًا أَوْ نَحْوَهُ صَارَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْوَقْفِ، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ أَنَّ مَا وُجِدَ مَكْتُوبًا مِنْ وَصِيَّةِ وَالِدِيَّ، وَلَمْ أَكُنْ نَفَّذْتهَا تَنْفُذُ أَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارًا فِي مَرَضِهِ قَالُوا هَذِهِ وَصِيَّةٌ إنْ صَدَّقَتْهُ الْوَرَثَةُ بِتَصْدِيقِهِمْ، وَإِنْ كَذَّبُوهُ كَانَ مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ عَمَّنْ أَوْصَى أَنْ يُعْطَى لِلنَّاسِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ قَالَ تَصَدَّقُوا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت لِلَّهِ لَا يُعْتَقُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَتُصْرَفُ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ، وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَالْوَصِيَّةُ تَارَةً تَكُونُ بِالْأَلْفَاظِ، وَتَارَةً تَكُونُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ قَالَ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ مَرِيضٌ أَوْصَى، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ لِضَعْفِهِ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ عِنْدِي وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ يَقُولُ إذَا فُهِمَ مِنْهُ الْإِشَارَةُ يَجُوزُ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ أَنْفِذُوا مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ هَكَذَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ هُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ سِتّ ورمر إنْ مرر وَإِنْ كَسَدَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةً لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُرَادُ بِهِ الْقُرْبَةُ، وَقَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ السُّغْدِيَّ قَوْلُهُ وَإِنْ كَسَدَ لَيْسَ مِنْ لِسَانِنَا فَلَا أَعْرِفُ هَذَا، وَإِذَا قُرِئَ صَكُّ الْوَصِيَّةِ عَلَى رَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ أَهُوَ كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ رحمه الله (وَالْجُحُودُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا) يَعْنِي لَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا، وَلَيْسَ هَذَا كَجُحُودِ الْمُوَكِّلِ الْوَكَالَةَ، وَجُحُودِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَجُحُودِ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ، وَالْمُسْتَأْجَرِينَ فَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَعَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ يَكُونُ فَسْخًا، وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَنَّ الْجُحُودَ كِذْبٌ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ قَالَ أَنَا لَمْ أُوصِ، وَيَحْتَمِلُ الْفَسْخُ مَجَازًا لِأَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ، وَالْجُحُودُ الْكَذِبُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا، وَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ يُجْعَلْ فَسْخًا لَا كَذِبًا صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْفَسَادِ، وَحَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدٍ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا مِنْ الْخَيْرِ مَحِلًّا» فَلَا يُجْعَلُ جُحُودُ الْمُوصِي فَسْخًا مِنْهُ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَتَعَوَّدُ بِالْفَسْخِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّتَهمَا تِلْكَ حَتَّى مَاتَ فَلِلْوَارِثِ أَنْ يُبْطِلَ أَيَّتَهمَا شَاءَ، وَيُمْضِيَ الْأُخْرَى فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ صَغِيرًا فَأَبُو الْوَصِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ