الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به
ــ
[البناية]
بالعبارة والبدن والمكان بالدلالة، وهذا لأن تطهير الثوب إنما وجب للصلاة لأنها مناجاة مع الرب وهي أعلى حالة العبد، فيجب أن يكون المصلي على أحسن حاله وذلك في طهارته وطهارة ما حل به، وقد وجب عليه تطهير الثوب بالنص مع قصور اتصاله به وتصور الصلاة بدونه في الجملة فلأن يجب عليه تطهير بدنه ومكانه مع كمال اتصالهما به لقيامه بهما وعدم تصور الصلاة بدونهما بطريق الأولى.
ويستدل أيضاً في وجوب طهارة الثوب بما روي عن عمر رضي الله عنه قال - حين أجنب في ثوبه -: أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره، ومثله عن أبي هريرة رضي الله عنه ذكرهما أبو عمر في " التمهيد ". واستدل في وجوب طهارة بدن المصلي بقوله صلى الله عليه وسلم في الذي [أمذى] :«توضأ وانضح فرجك» رواه مسلم، والمراد من النضح الغسل، والدليل عليه ما رواه البخاري:«اغسل ذكرك وتوضأ» ، وقد ذكرنا أن النضح كثرة الصب مستدل في وجوب طهارة المكان بما رواه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا» . قال في " الإمام ": هذا حديث صحيح أخرجه الإمام أبو بكر بن [أبي شيبة في "مصنفه "] ، فدل على اشتراط طهارة مكان الصلاة كطهارة الثياب للمتيمم ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأماكن السبعة، رواه ابن ماجه لأنها مظنة النجاسات، ولما حمل عمر رضي الله عنه عن صخرة بيت المقدس التراب والزبل الذي كان عليها نهى الناس أن يصلوا عليها حتى يصبها ثلاث مطرات، رواه حرب بإسناده، فأفاد نجاسة الزبل وأنها مانعة من جواز الصلاة عليها.
[ما يجوز التطهير به وما لا يجوز]
م: (ويجوز تطهيرها) ش: أي تطهير النجاسة، وقد ذكرنا أن المراد به إما المحل أو الإزالة، وإنما قال: ويجوز ولم يقل ويجب لأن استعمال عين الماء ليس بواجب عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بل إزالة النجاسة واجبة بأي مائع طاهر مزيل كان على ما يأتي الآن م: (بالماء) ش: الباء متعلق بالتطهير م: (وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به) ش: أي إزالة النجاسة بالمائع الطاهر، وشرط ثلاثة أشياء في جواز استعمال غير الماء في إزالة النجاسة:
الأول: كونه مائعا يسيل كالخل ونحوه، لأنه إذا كان نجسا ليبقا كالدبس ونحوه لا يجوز.
الشرط الثاني: أن يكون المائع طاهرا لأن النجس لا يزيل النجاسة، وقال الأكمل: قوله طاهرا، احتراز من بول ما يؤكل لحمه فإن الأصح أن التطهير لا يحصل به، وقيل: يحصل حتى لو غسل الدم بذلك رخصنا فيه ما لم يفحش. قلت: لا وجه لتخصيص الاحتراز بالطاهر عن بول
كالخل وماء الورد ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله وقال محمد وزفر والشافعي رحمهم الله: لا يجوز إلا بالماء؛ لأنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة
ــ
[البناية]
ما يؤكل لحمه، فإن الماء المستعمل أيضاً مائع، ولكنه غير طاهر على إحدى الروايات عن أبي حنيفة كما مر بيانه فيما مضى.
الشرط الثالث: أن يكون المائع الطاهر مزيلاً كالخل وماء الورد ونحوهما، واحترز به عن الدهن والدبس واللبن ونحوها، فإن بها يبسط النجاسة ولا تزول، وفي " الذخيرة ": روى الحسن عن أبي يوسف لو غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى أذهب أثره جاز، ومثله رواية بشر عنه في اللبن، وفي بول ما يؤكل لحمه اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه لا يطهر، ذكره السرخسي.
وفي " المحيط ": في اللبن روايتان، وفي بعض نسخ " المحيط ": والماء المستعمل ولا حجة له إلا على رواية عن أبي حنيفة أنه طاهر. وفي " شرح أبي ذر " ويجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل ونحو ذلك مما إذا عصر انعصر كشراب التفاح وسائر الثمار والأشجار والبطيخ والقثاء والصابون والباقلاء والأنبذة وماء الخلاف والبنوفة واللبسان وكل ما اختلط به طاهر وغلب عليه وأخرجه عن طبع الماء وصار مقيداً فهو في حكم المائع ذكره الطحاوي.
وفي " المغني ": عن أحمد ما يدل على ذلك، وعن أبي يوسف أنه لا يجوز في البدن إلا الماء ومثله عن أبي حنيفة ذكره في " العيون ".
ثم إن المصنف ذكر هاهنا ما ذكره القدوري وهو أنه لم يفرق بين الثوب والبدن، قال: ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع على ما يأتي الآن.
م: (كالخل وماء الورد) ش: والماء المستعمل بين به الطاهر المائع المزيل م: (ونحو ذلك) ش: بالجر عطف على قوله: كالخل وإنما أفرد الضمير وإن كان المعطوف عليه اثنان باعتبار كل واحد منهما م: (مما إذا عصر انعصر) ش: كماء البطيخ وسائر الثمار وقد ذكرناه. وقوله: وانعصر من باب الانفعال وهو للمطاوعة بقوله عصر مطاوع بفتح الواو، وقوله: انعصر مطاوع بالكسر لأنه طاوع الأول وهو بالفتح لأنه طاوعه الثاني.
م: (وهذا) ش: أي جواز تطهير النجاسة بالمائع الطاهر المزيل م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، وقال محمد وزفر والشافعي رحمهم الله: لا يجوز إلا بالماء) ش: وبه قال مالك وعامة الفقهاء م: (لأنه) ش: أي لأن الماء م: (يتنجس بأول الملاقاة) ش: يعني لاختلاطه بالنجاسة م: (والنجس لا يفيد الطهارة) ش: لأن الماء صار نجساً بملاقاته النجاسة، فلم يبق له قوة الإزالة. م:
إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة، ولهما أن المائع قالع والطهورية في الماء بعلة القلع والإزالة والنجاسة للمجاورة،
فإذا انتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهرا
ــ
[البناية]
(إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة) ش: هذا جواب عما أورد على ما قاله محمد تقرير الإيراد أن يقال: إن الذي قلته هو القياس في الماء أيضاً وينبغي أن لا يجوز إزالة النجاسة بالماء أيضاً.
وتقرير الجواب أن الحكم في الماء ثبت بخلاف القياس؛ لأجل الضرورة وللنظافة وسرعة اتصاله. وسائر هذه المائعات لا نص فيها فبقي على أصل القياس يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "اغسليه بالماء" فلا يجوز بغيره لأن الأمر للوجوب، ولأن الله تعالى ذكر الماء في معرض الامتنان والإنعام فقال:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11](الأنفال: الآية 11) ، فدل على اختصاص الطهر به، ولأن النجاسة الحقيقية تمنع جواز الصلاة فلا تزول بغير الماء قياسا على النجاسة الحكمية.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أن المائع قالع) ش: من قلع الشيء واقتلعه إذا أزاله من موضعه من باب فعل يفعل بالفتح فيهما، وكانت العلة في الماء الإزالة م:(والطهورية في الماء بعلة القلع والإزالة) ش: وغير الماء كالخل يشاكله في الإزالة بل أولى وأقوى: لأن الخل أقلع للنجاسة من الماء لأنه يزيل اللون والدسومة لما فيه من الشدة والحموضة، وفي الألوان ما لا يزول بالماء وماء الورد يزيل العين والرائحة.
م: (والنجاسة للمجاورة) ش: هذا جواب عن استدلال محمد ومن معه بقولهم: لأن الماء [يتنجس] بأول الملاقاة، تقديره: أن النجاسة لم تنجس المحل بعينه بل كانت للمجاورة وإن كانت نجسة بأول الملاقاة.
م: (فإذا انتهت أجزاء النجاسة) ش: بانتهاء أجزائها المتناهية لتركبها من جواهر لا يتجزأ م: (يبقى) ش: أي المحل م: (طاهراً) ش: لزوال النجاسة بالعصر، لأنه إذا عصر يخرج منه ويصحبه ما يلاقيه من أجزاء النجاسة هكذا في المرة الثانية والثالثة إلى أن يزول محل الأجزاء فيبقى المحل طاهراً لانتقال النجس إلى الماء جزءاً فجزء، لأن الشيء الواحد محال أن يكون في محلين في حالة واحدة، والحكم إذا ثبت لمعنى يزول بزوال ذلك المعنى، ولهذا لو قلع محل النجاسة بقي الثوب طاهراً.
وقال الأكمل: لا يقال التعليل بالقلع لا يجوز، لأن النص يقتضي الغسل بالماء، قال صلى الله عليه وسلم:"اغسليه بالماء"، قلت: هذا السؤال للأترازي، وتقرير الجواب أن يقال: إن اقتضاء النص الغسل بالماء لذاته أم لغيره؟