الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله ولأن المفروض هو المسح، وبالتكرار يصير غسلا فلا يكون مسنونا فصار كمسح الخف بخلاف الغسل؛ لأنه لا يضره التكرار،
ويرتب الوضوء فيبدأ
ــ
[البناية]
تثليث المسح التي احتج بها الشافعي، وتقريره أن يقال: الذي يروى من التثليث على تقدير ثبوته محمول عليه أي على التثليث بماء واحد؛ لأن ذلك يقتضي العدد دون تكرار أخذ الماء، قال تاج الشريعة: قوله والذي يروى فيه من التثليث هو ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح برأسه ثلاثا» .
قلت: الذي يروى عن عبد الله بن أبي أوفى المذكور الذي فيه تثليث الغسل المسح هو وحده حتى خصه به، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ومع هذا من أخرج حديث عبد الله بن أبي أوفى من أئمة الحديث. م:(وهو) ش: أي التثليث (مشروع على ما روى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنه) ش: وروى الحسن في " المجرد " عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا مسح ثلاثا بماء واحد كان مسنونا، فإن قيل: قد صار البلل مستعملا بالمرة الأولى فكيف في إمراره ثانيا، وثالثا، أجيب بأنه يأخذ حكما واحدا، والصحيح أنه عند أبي حنيفة رحمه الله يصير مستعملا لإقامة فرض آخر لا لإقامة السنة؛ لأنها تبع للفرض، ألا ترى أن الاستيعاب يسن بماء واحد، والصحيح عن أبي حنيفة رحمه الله ترك التثليث. فإن قيل: روي «أنه عليه السلام توضأ ثلاثا ثلاثا فكان ماسحا رأسه ثلاثا» قيل له: ثبت ذلك بمقتضى قوله: ثلاثا، وقد مر أن التثليث ليس سنة بصريح قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه مرة واحدة، فالصريح أقوى.
م: (ولأن المفروض) ش: دليل آخر أي في الوضوء م: (هو المسح) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] م: (وبالتكرار) ش: أي بالتكرار للمسح م: (يصير) ش: أي المسح م: (غسلا) ش: لأن المسح مجرد الإصابة م: (فلا يصير مسنونا) ش: مسحه للقدمين يخرج عن كونه سنة؛ لأنه يصير غسلا والغسل خلاف المسح م: (فصار كمسح الخف) ش: أي فصار مسح الرأس كالمسح على الخف، وتحقيقه أن يقال: مسح الرأس مسح في الوضوء، وكل ما هو مسح في الوضوء لا يسن تثليثه كمسح الخف، والمسح على الجبيرة م:(بخلاف الغسل؛ لأنه لا يضره التكرار) ش: هذا متصل بقوله " وبالتكرار يصير غاسلا "، ومعناه: أن المسح يفسده التكرار بخلاف الغسل فإنه لا يفسده بل يزيده نظافة وتنقية فكان قياس الشافعي الممسوح على المغسول فاسدا.
[ترتيب أعضاء الوضوء]
م: (ويرتب الوضوء) ش: بنصب الباء عطف على قوله: " ويستوعب " قاله الأكمل، وقال الأترازي: عطف على قوله أن ينوي فعلى قوله يكون الترتيب مستحبا، والمنصوص في " المبسوط " أن الترتيب سنة، وكذا عند المصنف على ما يجيء الآن، م:(فيبدأ) ش: الفاء فيه تفسيرية؛ لأنه يفسر الترتيب، ويجوز فيه النصب والرفع، فالنصب عطف على قوله: ويرتب
بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامن، والترتيب في الوضوء سنة عندنا، وعند الشافعي رحمه الله فرض؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية، والفاء للتعقيب ولنا أن المذكور فيها حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة
ــ
[البناية]
الوضوء والرفع على تقدير فهو مبتدأ فتكون الجملة خبر مبتدأ محذوف، وهو أن يبدأ فيه م:(بما بدأ الله تعالى بذكره) ش: في القرآن في آية الوضوء م: (وبالميامن) ش: أي ويبدأ بالميامن، وهو جمع ميمنة وهي خلاف الميسرة وكذا الأيمن خلاف الأيسر ويجمع على أيامن، وسيأتي دليله (فالترتيب في الوضوء سنة عندنا) ش: أي الترتيب في أعضاء الوضوء سنة عند أصحابنا، وبه قال مالك، والليث، والثوري والأوزاعي، وعطاء بن السائب، ومكحول، والزهري، وربيعة، والنخعي، وداود، والمزني، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء، واختاره ابن المنذر وصاحب " البيان "، وأبو نصير البنديجي من أصحاب الشافعي والأبهري، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم.
م: (وقال الشافعي رحمه الله فرض) ش: أي الترتيب في الوضوء فرض، وقال أبو بكر الرازي ولا يروى عن أحد من السلف والخلف مثل قول الشافعي.
قلت: هذا غفلة منه، وقد قال بقوله أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقتادة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإليه ذهب ابن منصور، وصاحب مالك، وحكاه عن صاحبه م:(بقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية، والفاء للتعقيب) ش: أي الفاء في قَوْله تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] ، وجه الاستدلال أن الفاء للتعقيب، والتعقيب يدل على الترتيب فيفيد ترتيب غسل الوجه على القيام إلى الصلاة، وإذا ثبت الترتيب فيه ثبت في غيره؛ لأنه معطوف على المرتب، والمعطوف على المرتب مرتب، وتحقيق هذا أن الفاء للتعقيب مع الوصل فإذا كان كذلك ثبت تقديم الوجه على الباقي، ويلزم ترتيب غيره عليه؛ لأن غيره معطوف عليه بحرف الواو وهو الترتيب كما في قَوْله تَعَالَى:{ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77](الحج: الآية 77)، وبقوله تعالى:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158](البقرة: الآية 158) ، ونقلوا عن الفراء كون الواو للترتيب، وادعوا أن الفاء تفيد البداءة بغسل الوجه، واستدلوا أيضا بتأخر غسل الرجلين عن مسح الرأس، وقالوا: لولا وجوب الترتيب لما أخر غسلهما عن المسح ولذكره مع المغسولات وتعلقوا أيضا بوضوئه صلى الله عليه وسلم وسنجيب عن الكل إن شاء الله تعالى.
م: (ولنا أن المذكور فيها) ش: أي في الآية المذكورة م: (حرف الواو وهي لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة) ش: يعني المذكور بعد الفاء حرف الواو، والواو لمطلق الجمع بإجماع أهل اللغة، وبإجماع النحاة البصرية والكوفية، دون الترتيب، وقيل: نص سيبويه عليه في سبعة عشر موضعا من الكتاب، فصار المعنى كأنه قال والله أعلم: فاغسلوا هذه الأعضاء، فعملنا بحرف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الفاء والواو، فقلنا: الفاء دخل في الفعل لا في المحل والفاء التي للتعقيب هي العاطفة وليست هذه عاطفة بل جواب الشرط ولو كانت للتعقيب فهي لتعقيب الجملة بواسطة الواو.
وقال إمام الحرمين، تكلف أصحابنا في نقل أن الواو للترتيب واستشهدوا بأمثلة فاسدة، والحال أنها لا تقتضي ترتيبا ومن ادعاه فهو مكابر، وقال النووي وهو الصواب، ولو كانت الواو للترتيب لكان قولنا جاء زيد وعمرو وبعده تكرار أو قبله أو معه نقضا، وكذا من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه ينجزه، ولو كانت تحتمل الترتيب لما وقع ويصح تنجيز الحالف، وكذا تقول: تقابل زيد وعمرو مع امتناع الترتيب والاشتراك المجازي على خلاف الأصل. وقد شنع قوام الدين على حافظ الدين تشنيعا شنيعا لا يليق لمثله أن يذكر مثله بما ذكر، وذلك أن حافظ الدين قال في جواب الشافعي في " المستصفى ": والجواب [ب] الفاء إنما يقتضي التعقيب إذا دخلت على غير الأفعال الاختيارية، وأما إذا دخلت على الأفعال الاختيارية فلا. وقال قوام الدين: أقول ما للنسفي من جواب، فمن أين قال مثل هذا الكلام تقليدا، وما وضع أهل اللغة الفاء إلا للتعقيب مطلقا، سواء دخلت على كذا، وكذا. قلت: مراد حافظ الدين أن الفاء ما وضعت للتعقيب مطلقا، وما قاله صحيح؛ لأن الفاء إنما تكون للتعقيب إذا كانت عاطفة أما إذا كانت جواب الشرط لا تكون للتعقيب، بل تسمى حرفا رابطة، وقوله: وما وضع أهل اللغة الفاء إلا للتعقيب ليس كذلك بل وضعت لغيره، كما ذكرنا ولا يمكن أن يقال الفاء في قَوْله تَعَالَى:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} [المؤمنون: 14](المؤمنون: الآية 14) للتعقيب، وذلك لأن المعلوم ما بين هذه الأشياء عن المهلة، والفاء التي للتعقيب لا تقتضي المهلة إذا قلت جاء زيد فعمرو، فمدلوله مجيء عمرو عقيب مجيء زيد بزمان وإن لطف، ولا يكون بينهما مهلة، فدل على أن الفاء في الآية المذكورة للتراخي بمعنى ثم وتجيء بمعنى الواو، كما قالوا في قول امرئ القيس بين الدخول، فحومل أي وحومل، حتى ادعى بعضهم أن الصواب روايته بالواو، وقد تجيء الفاء بمعنى الغاية، كما في قَوْله تَعَالَى:{مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26](البقرة: الآية 26) وهو غريب.
فإن قلت: الحروف ينوب بعضها عن بعض.
قلت: هذا إذا كان الواضع واحدا، وأما إذا كان متعددا فلا يحتاج إلى هذا، وأما الجواب عما قالوه نصرة إلى ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله:
أما عن الأول: فقد ذكرناه عند قوله: وأما وجه المذكور فيها حرف " الواو "، وتوضيح ذلك أيضا أن الواو لما كانت المطلق الجمع بإجماع أهل اللغة صار تقدير الآية على هذا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا كذا وامسحوا كذا، ولا يفهم منه إلا فعل الغسل والمسح مطلقا كما في قول الرجل لعبده
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
إذا دخلت السوق فاشتر اللحم والخبز والبقل، لا يفهم منه إلا الجمع بين هذه الأشياء مطلقا كيفما وقع الشراء، وليس مراده أن يشتري اللحم أولا ثم البقل، فكذا فيما نحن فيه، وفيما ذهبنا إليه عمل بالسنة، ودلالة الإجماع، والمنقول، أما السنة فهي ما ذكر أبو داود في " سننه "«أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه» والخلاف فيهما واحد.
قلت: ذكر السغناقي هكذا، والذي رواه أبو داود هكذا في حديث طويل، وفيه عن عمار «فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال:" إنما يكفيك أن تضع هكذا وضرب بيده على الأرض فنفضهما ثم ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه " ورواه البخاري أيضا ولفظه: فقال: أي صلى الله عليه وسلم لعمار: " إنما يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه ".
ورواه الإسماعيلي في كتابه " المخرج " على البخاري، ولفظه: " إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك ثم تمسح بوجهك» ولم يذكر مسح اليدين إلا قبل الوجه، فإذا ثبت جواز تقديم مسح اليدين في التيمم على الوجه ثبت في الوضوء لعدم القائل بالفرق، وأما أدلة الإجماع فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقا، وإن لم يوجد الترتيب، وأما المنقول فإن الواو لو اقتضى الترتيب لكان قول الرجل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق كقوله إن دخلت الدار وأنت طالق، وليس كذلك، فإن في الواو تطلق في الحال، وفي الفاء يتعلق الطلاق.
وأما عن الثاني: وهو استدلالهم بقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77](الحج: الآية 77) فإنا لم نعلم الترتيب فيه بالواو، ولأن النصوص فيها متعارضة فإنه قال:{وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} [آل عمران: 43](آل عمران: 43) ، وإنما علمناه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما عن الثالث: وهو استدلالهم بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158](البقرة: الآية 158) فإن الترتيب فيهما ليس بالآية وإنما هو بالحديث، ولا يتصور الترتيب لكونهما من الشعائر، غير أن السعي لا ينفك عن الترتيب فرجح الصفا بالذكر بخلاف الوضوء فإنه يمكن غسل الأعضاء دفعة كما لو انغمس في الماء للوضوء أو للغسل.
وأما عن الرابع: وهو نقلهم عن انفراد الواو تأتي للترتيب فهو خلاف ما ذكره أهل اللغة والنحو وأنكروا على الفراء ذلك، وكتب النحو مشحونة بأن الواو لمطلق الجمع، ولم يذكر خلافا وصرح في بعضها بلفظ الإجماع، ولذا قال المصنف بإجماع أهل اللغة.
فإن قلت: قد وافق الفراء في ذلك جماعة منهم قطرب، والزيلعي، وثعلب، وأبو عمرو