المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وينقضه أيضا رؤية المادة إذا قدر على استعماله؛ لأن القدرة - البناية شرح الهداية - جـ ١

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة الكتاب]

- ‌كتاب الطهارات

- ‌[تعريف الوضوء]

- ‌[حكم الطهارة]

- ‌[فرائض الطهارة]

- ‌[صفة غسل الأعضاء في الوضوء]

- ‌[حد المرفق والكعب في الوضوء]

- ‌[المقدار المفروض في مسح الرأس في الوضوء]

- ‌سنن الطهارة

- ‌[غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء]

- ‌تسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء

- ‌[السواك من سنن الوضوء]

- ‌[فضل السواك وأوقات استحبابه]

- ‌[كيفية الاستياك]

- ‌[فيما يستاك به وما لا يستاك به]

- ‌[حكم من لم يجد السواك]

- ‌[المضمضة والاستنشاق في الوضوء]

- ‌[مسح الأذنين في الوضوء]

- ‌[تخليل اللحية في الوضوء]

- ‌[تخليل الأصابع في الوضوء]

- ‌[تكرار الغسل ثلاث مرات في الوضوء]

- ‌[النية في الوضوء]

- ‌[استيعاب الرأس في الوضوء]

- ‌[ترتيب أعضاء الوضوء]

- ‌[البداءة بالميامن في الوضوء]

- ‌[فصل في نواقض الوضوء] [

- ‌ما خرج من السبيلين من نواقض الوضوء]

- ‌[خروج الدم والقيح من نواقض الوضوء]

- ‌[القيء والدم من نواقض الوضوء]

- ‌[النوم من نواقض الوضوء]

- ‌[الإغماء والجنون والقهقهة في الصلاة من نواقض الوضوء]

- ‌فصل في الغسل

- ‌[فرائض الغسل]

- ‌[سنن الغسل]

- ‌[البدء بغسل اليدين في الغسل]

- ‌[الوضوء من سنن الغسل]

- ‌المعاني الموجبة للغسل:

- ‌[إنزال المني من موجبات الغسل]

- ‌[التقاء الختانين من موجبات الغسل]

- ‌ الغسل للجمعة والعيدين وعرفة والإحرام

- ‌[الأغسال المسنونة]

- ‌[باب في الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز]

- ‌[ماء البحر]

- ‌[الوضوء بما اعتصر من الشجر والثمر]

- ‌[الوضوء بالماء الذي يقطر من الكرم]

- ‌[الطهارة بماء غلب عليه غيره]

- ‌[الطهارة بالماء الذي خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه]

- ‌[الوضوء بالماء الذي وقعت فيه نجاسة]

- ‌[حكم موت ما ليس له نفس سائلة في الماء]

- ‌[حكم موت ما يعيش في الماء فيه]

- ‌[حكم استعمال الماء المستعمل في طهارة الأحداث]

- ‌[المقصود بالماء المستعمل وأقسامه]

- ‌الجنب إذا انغمس في البئر

- ‌[طهارة الجلود بالدباغ]

- ‌[طهارة جلد الكلب والخنزير]

- ‌[هل الكلب نجس العين]

- ‌ الانتفاع بأجزاء الآدمي

- ‌ ما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة

- ‌شعر الميتة وعظمها طاهر

- ‌[الأعيان الطاهرة]

- ‌شعر الإنسان وعظمه

- ‌فصل في البئر

- ‌[حكم وقوع النجاسة في البئر]

- ‌فصل في الأسآر وغيرها

- ‌[سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه]

- ‌سؤر الكلب

- ‌[سؤر الحائض]

- ‌[سؤر الخنزير وسباع البهائم]

- ‌سؤر الهرة

- ‌[سؤر الدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن البيوت]

- ‌[سؤر الحمار والبغل والفرس]

- ‌[حكم الطهارة بنبيذ التمر]

- ‌باب التيمم

- ‌[تعريف التيمم]

- ‌[شرائط التيمم]

- ‌[عدم وجود الماء]

- ‌[العجز عن استعمال الماء لمرض ونحوه]

- ‌[خوف الضرر من استعمال الماء]

- ‌[أركان التيمم]

- ‌[كيفية التيمم]

- ‌[تيمم الجنب]

- ‌[تيمم الحائض والنفساء]

- ‌[ما يتيمم به]

- ‌[التيمم بالغبار مع وجود الصعيد]

- ‌والنية فرض في التيمم

- ‌[نية التيمم للحدث أو الجنابة]

- ‌[مبطلات التيمم]

- ‌[ما يباح بالتيمم]

- ‌[التيمم لصلاة الجنازة والعيدين ونحوها]

- ‌[التيمم لصلاة الجمعة]

- ‌باب المسح على الخفين

- ‌[حكم المسح على الخفين]

- ‌[شروط المسح على الخفين]

- ‌[مدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر]

- ‌[كيفية المسح على الخفين]

- ‌[المسح على خف فيه خرق كبير]

- ‌[المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل]

- ‌[نواقض المسح على الخفين]

- ‌[المسح على الجرموقين]

- ‌ المسح على الجوربين

- ‌[المسح على العمامة والقلنسوة ونحوهما]

- ‌ المسح على الجبائر

- ‌[حكم المسح على الجبائر]

- ‌باب الحيض والاستحاضة

- ‌[تعريف الحيض وأركانه]

- ‌أقل الحيض

- ‌[مدة الحيض]

- ‌[أكثر الحيض]

- ‌[ما يسقطه الحيض من العبادات]

- ‌[ما يحرم على الحائض]

- ‌[ما تقضيه الحائض من العبادات]

- ‌[ما يحرم على الحائض والجنب]

- ‌[دخول الحائض والجنب المسجد]

- ‌[طواف الحائض والجنب]

- ‌[قراءة القرآن للحائض والجنب]

- ‌[مس المصحف للمحدث والحائض والجنب]

- ‌[فروع فيما يكره للحائض والجنب]

- ‌[دفع المصحف إلى الصبيان المحدثين]

- ‌[انقطاع دم الحيض لأقل من عشرة أيام]

- ‌[حكم الطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض]

- ‌أقل الطهر

- ‌[حكم دم الاستحاضة]

- ‌[فصل في وضوء المستحاضة ومن به سلسل البول والرعاف الدائم]

- ‌فصل في النفاس

- ‌[تعريف النفاس]

- ‌السقط الذي استبان بعض خلقه

- ‌[أقل النفاس وأكثره]

- ‌باب الأنجاس وتطهيرها

- ‌[حكم تطهير النجاسة]

- ‌[حكم تطهير النجاسة]

- ‌[ما يجوز التطهير به وما لا يجوز]

- ‌[الماء القليل إذا ورد على النجاسة]

- ‌[كيفية تطهير الخف الذي لحقته نجاسة]

- ‌[كيفية تطهير الثوب الذي لحقته نجاسة]

- ‌[حكم المني وكيفية تطهيره]

- ‌النجاسة إذا أصابت المرآة والسيف

- ‌[الحكم لو أصاب المني البدن]

- ‌[كيفية تطهير الأرض التي أصابتها نجاسة]

- ‌[ما يعفى عنه من النجاسات]

- ‌[حكم الروث أو أخثاء البقر]

- ‌ بول الحمار

- ‌[حكم بول الفرس]

- ‌[حكم خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور]

- ‌ لعاب البغل والحمار

- ‌[قدر الدرهم من دم السمك أو لعاب البغل أو الحمار]

- ‌[أنواع النجاسة]

- ‌فصل في الاستنجاء

- ‌[حكم الاستنجاء]

- ‌[ما يجوز به الاستنجاء به وما لا يجوز]

- ‌[ما يكون به الاستنجاء]

- ‌[الاستنجاء بالعظم والروث]

الفصل: وينقضه أيضا رؤية المادة إذا قدر على استعماله؛ لأن القدرة

وينقضه أيضا رؤية المادة إذا قدر على استعماله؛ لأن القدرة هي المرادة بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب،

ــ

[البناية]

به وإن كان لا يثاب على عمل الوضوء.

(وإنما لا يصح التيمم من الكافر ابتداء) ش: أي ابتداء الأمر، يعني قبل أن يسلم م:(لعدم النية منه) ش: أي من الكافر، قوله: وإنما لا يصح.. إلخ كأنه جواب سؤال مقدر تقديره أن يقال: أنتم قلتم يبقى تيمم المسلم الذي ارتد، وقلتم: إن اعتراض الكفر لا ينافيه فما له لا يصح منه ابتداء، وتقدير الجواب أن يقال: إنما لا يحص من الكافر ابتداء لانعدام النية، وليس انتهاء كذلك لوجودها، قوله:"لانعدام " مصدر من انعدم، ولكنهم قالوا: أعدمه فانعدم وهو خطأ، فلا يقال ذلك كما لا يقال علمه فانعلم؛ لأن هذا البناء يختص بالفلاح والعدم ليس بفلاح.

[مبطلات التيمم]

م: (وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) ش: النقض عبارة عن خروجه عن حكمه الأصلي، وهو كونه مبيح الصلاة م:(لأنه) ش: أي لأن التيمم م: (خلف عنه) ش: أي عن الوضوء م: (فأخذ حكمه) ش: أي حكم الوضوء في النقض، ولا شك أن الأصل أقوى من الخلف، فما كان ناقضاً للأقوى كان ناقضاً للأضعف بطريق الأولى.

م: (وينقضه) ش: أي ينقض التيمم أيضاً م: (رؤية الماء) ش: الكافي حتى لو كان لم يكفه لا يلزم استعماله عندنا، وهو قول الحسن، والزهري، وحماد، وابن المنذر، وبه قال مالك. وقال الشافعية في أحد قولي الشافعي: أنه يلزم استعماله ويتيمم به للباقي، وبه قال أحمد في الجنابة، وفي الوضوء له وجهان، وإسناد النقض إلى روية الماء إسناد مجازي؛ لأن الناقض في الحقيقة هو الحدث السابق، لكن يظهر عند الرؤية فأضيف إليه مجازاً م:(إذا قدر) ش: أي المتيمم م: (على استعماله) ش: أي على استعمال الماء م: (لأن القدرة هي المرادة بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب) ش: أراد بالوجود هو المذكور في القرآن بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» ، وإنما سماه غاية من حيث المعنى لا من حيث الصفة؛ لأنه لم يرد فيه كلمة الغاية، أما في الآية فظاهر.

وأما في الحديث فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «ما لم يجد الماء» ليس غاية للتيمم، حيث لم يقل: إلى وجود الماء، بل فيه بيان مدة التيمم كما في قوله: اجلس ما دمت جالساً، لكن معناهما يتفقان في أن الحكم في ذلك الوقت يخالف ما قبله فسمي باسم الغاية.

وقال الأكمل: بل لا يلزم من انتهاء طهورية التراب انتهاء الطهارة الحاصلة به كالماء، فإنه يصير نجساً بالاستعمال أو تنتهي طهوريته وتبقى الطهارة به.

قلت: هذا القائل هو الخبازي، ذكره في حواشيه، والجواب أن التراب مطهر مؤقت حكماً لا

ص: 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[البناية]

حقيقة، على معنى أنه لا تزول طهوريته بدون شيء يتصل به، فثبتت به الطهارة المؤقتة على صفة التطهير، كالماء لما كان مطهراً حقيقة على معنى أنه لا تزول طهوريته دون شيء يتصل به، فثبتت الطهارة على المائية على أن ما كان ضعيفاً لبقاء ما يشترط لابتدائه وعدم الماء شرط لابتداء التيمم، فكذا لبقائه، هذا جواب الخبازي.

وقال صاحب " الدراية ": وفيه تأمل؛ لأن كون التراب مطهراً مؤقتاً مسلم، لكن الطهارة الحاصلة به مؤقت غير مسلم، وفي زيادات القدرة على الماء تمنع الطهارة بالتيمم ابتداء وبقاء؛ لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف يبطل حكم الخلف.

وقال حافظ الدين في " المستصفى ": العمل بالحديث مشكل؛ لأنه لم يتعرض لانتقاض التيمم السابق، بل فيه بيان أن التيمم لا يجوز بعد رؤية الماء، وجاز أن تكون رؤية الماء منافية للابتداء لا للبقاء، كعدم الشهود في النكاح فإنه يمنع ابتداء النكاح لا البقاء.

تعديل الجواب أن يقول: الطهورية صفة راجعة إلى المحل، فالابتداء والبقاء فيه سواء كالمحرمية في باب النكاح، وهذا الجواب هو الذي ذكره الأكمل عن سؤال الخبازي أخذا من كلام حافظ الدين. وقال صاحب " الدراية ": مع أن هذا بعض الحديث، وتمامه «فإذا وجدت الماء فلتمسه بشرتك» ، وكذا في " المصابيح " و " المبسوط " قيل قوله:«فلتمسه بشرتك» وهذا لفظ " المصابيح " لا يدل على انتقاض الوضوء؛ لأن هذا بطريق الاستحباب، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال في آخره:" فإن ذلك خير ".

قلت: قد ذكرنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والدارقطني من حديث أبي ذر رضي الله عنه ولفظ أبي داود:«الصعيد الطيب وضوء لكم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» . وبهذا اللفظ أخرجه النسائي، وابن حبان.

وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: «الصعيد وضوء لكم وإن لم يجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته فإن ذلك خير» ، ومن أعجب العجائب أن هؤلاء الشراح أئمة كبار، فإذا وقع حديث لا يشبعون الكلام فيه من جهة الترجيح، ومن جهة الألفاظ، ومن جهة الصحة، فغالبهم يحيلونه على كتاب من كتب الفقه، وليس هذا من شأن المحققين.

وقوله قبل: فلتمسه بشرتك

إلخ كلام غير صحيح؛ لأن قوله عليه السلام: «وليمسه بشرته» للوجوب لا للاستحباب، فاستدلال هذا القائل على الاستحباب بقوله:" فإن ذلك خير "

ص: 546

وخائف السبع والعدو

والعطش عاجز حكما

ــ

[البناية]

غير صحيح؛ لأنه ليس معناه أن الوضوء والتيمم كلاهما جائزان عند وجود الماء، لكن الوضوء خير، بل المراد به أن الوضوء واجب عند وجود الماء، ولا يجوز التيمم، وهذا نظير قَوْله تَعَالَى:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24](الفرقان: الآية 24) مع أنه لا خير ولا حسن لمستقر أصحاب النار ومقيلهم.

ثم اعلم أن وجود الماء الفاضلة عن حاجة المقدور على استعماله ينقض الوضوء وإن كان في الصلاة عندنا، وإليه ذهب الثوري، وأحمد في مختار قوله، واختاره المزني وبان شريح، ونقله البغوي عن أكثر العلماء. وقال مالك والشافعي: لا ينقض وضوءه ويتم صلاته ولا يعيدها في صلاة السفر، وهو رواية عن أحمد وقول داود، وقيل: يجوز الخروج منها فيه وجهان للشافعي أظهرهما أنه أفضل، والثاني: أنه لا يجوز، وعن بعض أصحابه الخروج منها مكروه. وقال الأوزاعي: تصير صلاته نفلاً.

وفي " الحلية ": لو تيمم لشدة البرد في الحضر وجب عليه الإعادة عند وجود الماء الحار وإن كان في السفر ففي وجوبها قولان. وفي " شرح المجمع " صلى بالتيمم في الحضر لإعواز الماء ففي بطلان صلاته عند الشافعي قولان، أحدهما: لا تبطل صلاته، والثاني: تبطل، وفي " المجتبى ": رأى في صلاته سؤر الحمار لا تبطل صلاته فيتمها ثم يتوضأ به فيعيد، ولو رأى فيها سراباً فظنه ماء فمشى إليه بطلت صلاته، جاوز مكان الصلاة أو لا، ولو رأى ماء فظنه سراباً فصلى ثم علم بعدها يعيدها، ولو رأى فيها رجلاً في يده ماء فأتم صلاته ثم سأله فأعطاه لا يعيدها. وفي " جامع أبي الحسن " رأى فيها رجلاً معه ماء كثير لا يدري أيعطيه أم لا يتم صلاته ثم يسأله، فإن أعطاه أعادها وإلا فلا، وإن أبى ثم أعطي لا يعيد، وكذا العاري لو رأى فيها ثوباًً.

م: (وخائف السبع) ش: كلام إضافي مبتدأ، وهو الحيوان المفترس كالأسد، والنمر، والفهد، والدب، والذئب، ونحوها م:(والعدو) ش: سواء كان مسلماً أو كافراً، أو قاطع طريق أو لصاً، ونحوه الحريق والحية

م: (والعطش) ش: أي وخائف العطش على نفسه أو على رفيقه أو على حيوان معه نحو دابته، ولكبه، وسنوره، وطيره م:(عاجز) ش: مرفوع؛ لأنه خبر المبتدأ، أعني قوله:" وخائف السبع " م: (حكما) ش: أي من حيث الحكم، لا من حيث الحقيقة، لأنه واجد ظاهراً ولكنه عاجز، والقدرة شرط كما مر. وفي " التنجيس " و " فتاوى الولوالجي " رجل أراد أن يتوضأ فمنعه إنسان عنه يعيد. قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة عند زوال ذلك عنه؛ لأن هذا جاء من قبل العباد، فلا يسقط الفرض عنه كالمحبوس إذا صلى بالتراب في الحبس، فإذا خرج يعيد، فكذا هذا.

وفي " شرح الطحاوي ": إذا خاف على نفسه أو ماله يجوز التيمم، وذكر الولوالجي: متيمم

ص: 547

والنائم عند أبي حنيفة رحمه الله قادر تقديرا حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه

ــ

[البناية]

مر على الماء في موضع لا يستطيع النزول عنه لخوف على نفسه أو ماله لا ينقض تيممه؛ لأنه غير قادر. وفي " شرح الوجيز ": لو خاف على نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم، ولو احتاج إلى الماء لعطش رفيقه أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم، وفي " المغني " لابن قدامة: أو كان الماء عند جمع فساق فخافت المرأة على نفسها الزنا جاز لها التيمم.

م: (والنائم) ش: مرفوع على الابتداء، والمراد النائم الذي ليس بمضطجع ولا مستند في المحل؛ لأنه إذا كان كذلك ينقض تيممه بالنوم فلا تتأتى هذه المسألة، وكذا المراد النائم سواء كان راكباً أو ماشياً وقدموا على الماء وهو متيمم م:(عند أبي حنيفة قادر تقديراً حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه عنده) ش: أي حكما؛ لأنه واجد للماء ظاهراً، فإذا كان قادراً ينقض تيممه عنده؛ لأنه عاجز عن الاستعمال لعذر جاء من قبله فلا يكون معذوراً، وقيل: ينبغي أن لا ينقض عند الكل؛ لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل. وقال التمرتاشي: في " زيادات الحلواني " في انتقاض تيمم النائم المار بالماء روايتان من غير ذكر اختلاف. وفي " فتاوى قاضي خان ": لا ينتقض تيمم النائم المار على الماء بالاتفاق. وفي " المجتبى " الأصح أنه لا ينتقض تيممه عند الكل.

قلت: فلذلك لم ينبه المصنف على خلافهما؛ لأن المختار في الفتاوى عدم الانتقاض اتفاقاً. وقيل: في ستة وعشرين موضوعاً للنوم حكم اليقظة، هذا المسألة، وصائم نائم على قفاه فوقع المطر في فيه أو قطرت ماء في فيه فوصل إلى جوفه فسد صومه، ونائمة جامعها زوجها فسد صومها. ومحرم كذلك، ومحرم نائم حلق إنسان رأسه فعلية الجزاء، ومحرم نائم انقلب على صيد فقتله كذلك، ونائم مر بعرفات أجزأه. هو قائم وقع صيد عنده كما لو وقع عند يقظان وهو قادر على زكاته. ونائم انقلب على مال فأتلفه يضمن، ونائم وقع على مورثه فقتله على قول البعض أو وقع قائماً فوضعه تحت جدار واه فسقط عليه فمات فلا ضمان، ونائم مكثت امرأته عنده في بيت ساعة صحت خلوته، ونائمة رضع صغير من ثديها ثبتت الحرمة. ونائم في صلاته تكلم فسدت. ونائم قرأ فيها أجزأته. ونائم تلا آية السجدة تلزم صاحبه، ونائم أخبر بالتلاوة عنده يجب عليه السجدة في قول.

وقال شمس الأئمة: يفتي بعدم الوجوب فيها، ونائم يكلم من حلف أنه لا يكلمه ولم يستيقظ حنث في الأصح، ونائمة مسها مطلقها صار مراجعاً، ونائم قبلته بشهوة يثبت حرمة المصاهرة إذا علم بفعلها، ونائم يومين وليلتين يجب القضاء. ونائم احتلم في صلاته وجب الغسل ولا يمكن البناء، ونائمان عقد بينهما يصح على قول، ونائم أخبر أنك تلوت آية السجدة وجب على السامع وعليه السجدة في قول، والأصح أنها لا تجب.

ص: 548

عنده، والمراد ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء،

ــ

[البناية]

م: (والمراد) ش: أي المراد من قوله " وينقضه أيضاً رؤية الماء "، م:(ماء يكفي للوضوء) ش: لأن الذي لا يكفي في حكم العدم، وفي هذه العبارة يجوز وجهان أحدهما: أن يكون كلمة ما في قوله " ما يكفي " موصولة. والمعنى: والمراد الماء الذي يكفي الوضوء.

والثاني: أن يكون التقدير والمراد ماء بالمد والهمزة.

وقوله: " يكفي " في الوجه الأول: صلة وفي الثاني صفة، وقال الأكمل: قوله: والمراد ما يكفي يعني الماء الذي يمر عليه النائم، قلت: تقييده بهذا غير صحيح، بل المراد ما فيه كفاية الوضوء، سواء كان ماراً نائما أو يقظان ماراً أو مقيماً أو مسافراً، سائراً أو نازلاً في موضع، وذلك لأن المصنف بين المراد من قوله: وينقضه أيضاً رؤية الماء الذي في أي حال كان إذا قدر على استعماله، وكان فيه كفاية للوضوء، فظن الأكمل أن قوله:" والمراد ما يكفي " يرجع إلى قوله " والنائم " عند أبي حنفية قادر تقديراً وليس كذلك، بل المراد ما قلنا يشمل الكل.

م: (لأنه) ش: أي؛ لأن الشأن م: (لا معتبر بما دونه) ش: أي لا اعتبار بما دون ما يكفي للوضوء م: (ابتداء) ش: أي في ابتداء الأمر، أراد أنه إذا أراد أن يصلي فلم يجد ماء يكفي للوضوء يتيمم؛ لأنه لا اعتبار له لذلك م:(فكذا انتهاء) ش: أي فكذا المراد ما يكفي للوضوء في حالة الانتهاء، أراد أنه إذا كان متيمماً فرأي ماء لا يكفي للوضوء فإنه على تيممه؛ لأنه في حكم العدم، وأراد بالانتهاء السبق والبقاء معتبراً بالابتداء، وهذا بناء على الخلاف.

وفي أن المحدث والجنب إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته هل يجب عليه استعماله؟ فالأصح عند الشافعي وجوب استعماله بالتيمم بعده، وهو أقوي الروايتين عن أحمد وداود، وحكاه ابن الصباغ عن عطاء والحسن البصري، ومعمر بن راشد. وفي القول الآخر للشافعي: عدم وجوب الاستعمال وهو مذهبنا، ومذهب مالك والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، والزهري، وحماد. وقال البغوى: وهو قول أكثر العلماء.

ودليل الشافعي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال: «وما أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم، وقول الله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6](المائدة: الآية 6) ، وهو نكرة في موضع النفي، فيعم الماء اليسير والكثير، كالعاري إذا وجد ثوباً يستر بعض عورته فإنه يلزمه ستر ذلك القدر، وكذا إذا كانت به نجاسة حقيقية يجب استعماله في ذلك القدر، فينبغي أن يجب في النجاسة الحكمية أيضاً.

قلنا: نحن نقول لموجب الآية أيضاً، إذ المراد منه ما يكفي للوضوء، وذلك لأن الآية سيقت لبيان الطهارة الحكمية، وكان قوله:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة: 6](المائدة: الآية 6) أي طهوراً محللاً للصلاة

ص: 549

ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر؛ لأن الطيب أريد به الطاهر في النص، ولأنه آلة التطهير، فلا بد من طهارته في نفسه كالماء،

ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى

ــ

[البناية]

باستعماله في هذه الأعضاء، وبوجود ما لا يكفي للوضوء لم يوجد ما يحلل الصلاة باستعمال هذه الماء لم يثبت شيء من الحل، فإنه موقوف على الكمال، فإن الحكم والعلة غسل جميع الأعضاء، وشيء من الحكم لا يثبت ببعض العلة كبعض النصاب في حق الزكاة، بخلاف النجاسة الحقيقية وستر العورة؛ لأن المزال أمر حسي فاعتبر الزوال حسا لا حكماً، فثبت بقدر الماء الذي معه والثوب الذي معه، وأما ها هنا فالطهارة حكمية، فلا يثبت شيء من الحكم ببعض العلة؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو الكافي للوضوء أو الغسل، ولأن استعمال قطرة أو قطرتين في الماء في بدن الجنب بعدها عبث، والنكرة وإن كانت تعم في النفي لكن لا يمكن إجراؤه على العموم، إذ وجود ما يحتاج إليه العطش غير مراد، فيراد به أخص الخصوص، ولأنه عجز عن بعض الأصل فيسقط الاعتداد به مع البدل في حالة واحدة، كمن عجز عن بعض الرقبة في الكفارة فصار بمنزلة من لم يستطع شيئاً، وهو الجواب عن قوله عليه السلام:«فأتوا منه ما استطعتم» ولا يلزم إذا غسل لبعض الأعضاء ثم انصب الماء، ومن اعتدت بحيضة ثم ارتفع حيضها؛ لأن ما تقدم يسقط عندنا ويصير مؤدياً للفرض بالتيمم خاصة، والعدة إن بلغت المرأة الإياس بالشهور خاصة.

م: (ولا يتيمم إلا بصعيد طاهر؛ لأن الطيب) ش: المذكور في قَوْله تَعَالَى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6](المائدة: الآية 6) م: (أريد به الطاهر في النص) ش: بالإجماع، إذ طهارة التراب شرط عند الأئمة الأربعة، وعن داود: والتراب إذا تغير بالنجاسة لا يجوز التيمم به، وإن لم يتغير جاز، ويجوز التيمم بالتراب المستعمل عندنا، وفي قول للشافعي وظاهر مذهبه لا يجوز، والمستعمل ما يقام في العضو. وقال بعض أصحابه: ما بقي في العضو مستعمل دون ما يتناثر عنه، كذا في " الحلية "، ولو تيمم جماعة بحجر واحد أو لبنة واحدة أو أرض جاز.

فإن قلت: لا يلزم من شرط الطهارة أن يكون المراد من الطيب الطاهر في الآية، لجواز أن تثبت شرطية الطهارة بدليل آخر.

قلت: لو لم ترد بالآية لاقتضى مطلق الآية جواز التيمم بدون طهارة، فكان الدليل الآخر معارضاً لمطلق النص، وذا لا يجوز.

م: (ولأنه) ش: أي ولأن الصعيد م: (آلة التطهير، فلا بد من طهارته في نفسه كالماء) ش: حيث شرط طهارته عند الاستعمال.

م: (ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه) ش: أي والحال أنه يرجو الماء، والمراد بالرجاء غلبة الظن، أي يغلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت، كذا في " الإيضاح " م: (أن يؤخر الصلاة إلى

ص: 550

آخر الوقت،

ــ

[البناية]

آخر الوقت) ش: كلمة " أن " مصدرية في تأويل: ويستحب تأخير الصلاة لمن يرجو الماء، وفي " الذخيرة " عن محمد: المسافر الذي لا يجد الماء ينتظره إلى آخر الوقت، فإن خاف فوته تيمم. وفي " القدوري ": يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان على طمع ورجاء من وجوده وهو الصحيح، وألا يؤخر عن الوقت المستحب.

وفي " البدائع ": هذا لا يوجب اختلاف الرواية، بل يجعل تفسير الماء ما أطلقه في الأصل، وعن علي رضي الله عنه: يتلو إلى آخر الوقت. وقال القدوري: التأخير مستحب لا حتم، وروي عن أبي حنفية، وأبي يوسف: أنه حتم هذا إذا كان الماء بعيداً، وإن كان قريباً لا يتيمم وإن خاف خروج الوقت، قال الفقيه أبو جعفر: أجمع أصحابنا الثلاثة على هذا.

وقيل: إذا كان بينه وبين موضع الماء الذي يرجوه ميل أو أكثر، فإن كان أقل منه لا يجزئه التيمم وإن خاف فوت وقت الصلاة. وفي " الحلية ": فإن لم يكن على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت ولا على إياس من وجوده، فالأصل أن يصلي بالتيمم في أول الوقت في أصح القولين، وهو اختيار المزني.

والثاني: التأخير أفضل، وعن أبي حنيفة روايتان كالقولين.

وقال النووي: التأخير أفضل بكل حال، وبه قال أحمد، وقال مالك: يتيمم المريض والمسافر في وسط الوقت لا يؤخره جداً ولا يعجله، وفي الأصل أحب إلي أن يؤخره ولم يفعل.

ولا يؤخر العصر إلى تغير الشمس والمغرب عن أول وقته، وقيل: يؤخره إلى ما قبيل غيبوبة الشفق، وعن حماد والشافعي: لا يؤخر، روي أن هذا أول واقعة خالف أبو حنيفة فيها أستاذه حماد بالتيمم في أول الوقت، ووجد أبو حنيفة الماء في آخر الوقت وصلاها، وكان ذلك عن اجتهاده رضي الله عنه وصوابه فيه، وقال الأكمل: قيل: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت أفضل عندنا أيضاً، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كتكثير الجماعة والصلاة بأكمل الطهارتين.

قلت: قائل هذا السغناقي ناقلاً عن شيخه تاج الشريعة، والشيخ عبد العزيز في حواشيهما، وقال الأترازي: قال الشارحون: هذه المسألة تدل إلى آخر ما ذكرناه، ثم قال: أقول هذا سهو من الشارحين، وليس مذهب أصحابنا كذلك، ألا تري ما صرح به صاحب " الهداية " وغيره من المتقدمين في كتبهم بقوله: ويستحب الإسفار بالفجر والإبراد بالظهر في الصيف بتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وأجاب الأكمل بما قاله الأترازي بقوله: ورد بأن هذا ليس مذهب أصحابنا إلى آخره، والعجب من الأكمل كيف رضي بنسبة الأترازي

ص: 551

فإن وجد الماء يتوضأ ويصلي به، وإلا تيمم وصلى ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، فصار كالطامع في الجماعة،

ــ

[البناية]

السهو إلى الشارحين، وأورد في شرحه ما قاله، بل الحق أن السهو منه لا منهم؛ لأنه فهم كلامهم على خلاف مقصودهم.

بيان ذلك: أنه فهم من قولهم بأن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل لغي المترجي بأن المراد بأول الوقت حقيقة كما هو مذهب الشافعي، وهو خلاف المذهب، فلزم من ذلك ما ذكره، لكن ليس هذا بمراد، بل مرادهم بأن العبادات في أول الوقت المستحب المعهود في حقهم المقيم أفضل لغير راجي الماء، يعني التأخير عن أول الوقت المستحب إنما يكون مستحباً لعدم الماء إذا كان راجياً لوجدانه، وإلا فالمستحب الأداء في أول وقت الاستحباب لا التأخير.

والذي يدل على ما ذكرنا ما ذكره في " البدائع " بقوله: وإن لم يكن على طمع لا يؤخر ويتيمم ويصلي في الوقت المستحب، وكذا يدل عليه كلام الشيخ عبد العزيز عن شمس الأئمة في " الإمام "، وهو قوله: فإن كان لا يرجو ذلك لا يؤخر الصلاة عن وقتها المعهود، وأراد بذلك المعهود في حق غيره، وهو أول الوقت المستحب المعهود في المذهب، لا أول الوقت المعهود على مذهب الشافعي، ويدل عليه ما نقله الأترازي المعترض على صاحب " التحفة ": روى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف: الطامع في الماء يؤخر إلى آخر الوقت، وغير الطامع يؤخر إلى آخر الوقت المستحب، فظهر من هذا أن المراد بأول الوقت في هذا الموضع أول الوقت المستحب، وآخر الوقت المستحب، لا كما فهمه الأترازي، فإنه احترز بقوله: العادم الماء عن قول الشافعي لا غير العادم؛ لأن مذهب الشافعي: إن عادم الماء وإن رجى أن يجده في آخر الوقت قدم الصلاة، وهو غير صحيح على ما نص عليه الشافعي في " الإملاء "، فإنه موافق لمذهبنا.

وقال الأكمل: وقوله العادم الماء ليس احترازاً عن غير عادمه، بل هو احتراز عن قول الشافعي، فإن عنده أن عادم الماء آخر ما ذكرناه الآن.

قلت: هذا بعينه كلام الأترازي، وقد بينا فساده الآن.

م: (فإن وجد الماء) ش: " الفاء " فيه للتفصيل، أي: فإن وجد عادم الماء بعد تأخير الصلاة إلى آخر الوقت م: (يتوضأ ويصلي به) ش: وقوله: يتوضأ هذا جواب الشرط، وهو محذوف مقدر، م:(وإلا) ش: أي: وإن لم يجد الماء، م:(تيمم) ش: لأنه عادم الماء حقيقة م: (وصلى) ش: صلاته التي أخرها م: (ليقع الأداء) ش: أي أداء الصلاة التي أخرها إلى آخر الوقت م: (بأكمل الطهارتين) ش: وهو الوضوء، وصيغة أفعل تدل على أن التيمم طهارة كاملة، ولكن الوضوء أكمل منها م:(فصار) ش: هذا الشخص في هذه الحالة م: (كالطامع في الجماعة) ش: أي كالشخص الذي يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت طمعاً في كثرة الجماعة.

ص: 552

وعن أبي حنفية، وأبي يوسف - رحمهما الله - في غير رواية الأصول أن التأخير حتم؛ لأن غالب الرأي كالمتحقق.

ــ

[البناية]

وقال الأكمل: قوله كالطامع في الجماعة ليس احترازاً عن غير الطامع، بل إلزام على الشافعي؛ لأن مذهبه أن التأخير مستحب إذا كان طامعا في الجماعة.

قلت: هذا بعينه كلام الأترازي، وهو ليس بصحيح، بل هو احتراز عن غير الطامع، وليس بإلزام على الشافعي؛ لأن مذهبه المنصوص عليه كمذهبنا على ما ذكرنا، والطامع في الجماعة على قسمين، أحدهما: الطامع المسافر، فإن كان واجداً للماء أو غير راج فإن المستحب فيه أداء الصلاة أول الوقت؛ لأن الأصل هو المسارعة إلى أداء العبادات على ما نطق به التنزيل والرفقة كلهم حاضرون، فلا يثبت التأخير في حقه للأصل، ولهذا يستحب الأداء في أول الوقت في الشتاء لهذا المعنى، ويدل على ما قلنا قول المصنف " ويستحب لعادم الماء وهو يرجوه " لأن تخصيص الاستحباب به يدل على أن الاستحباب أداء الصلاة أول الوقت للمسافر الواجد ولغير الراجي.

والقسم الثاني: للطامع المقيم، فإن المستحب في حقه تأخيرها للطمع في كثرة الجماعة.

م: (وعن أبي حنيفة وأبي يوسف في غير رواية الأصول) ش: وهي رواية " النوادر " و " الأمالي " و " الرقيات " و " الكيسانيات " و " الهارونيات "، ورواية " الأصول " رواية " الجامعين " و " الزيادات " " والمبسوطات ". قلت: الرقيات جمع رقية نسبة إلى رقية بفتح الراء وتشديد القاف، وهي واسطة ديار ربيعة، وهي مدينة خراب كبيرة مورده على الجانب الغربي من الجانب الشمالي الشرقي.

وقال ابن حوقل: " الرقة " أكبر مدن ديار بكر ويقال لها: الراقية، وقال سعيد: واسمها البيضاء و " الرقيات " مسائل جمعها محمد حين كان قاضياً بالرقية المذكورة. و " الكيسانيات " جمع كيسانية نسبة إلى " كيسان " وكان من أصحاب محمد أبي عمرو، وسليمان بن شعيب الكيساني من قولهم ذكر محمد في " الكيسانيات " أو في " إملاء الكيساني "، وكيسان: أحمد جدار سليمان بن شعيب ونسبته إليها. والهارونيات جمع هارونية.

م: (أن التأخير) ش: أي تأخير الصلاة لعادم الماء الراجي م: (حتم) ش: أي واجب، يعني إذا كان ذلك الموضع بعيداً، نص عليه في " المبسوط "، وفي " المحيط " و " الذخيرة "؛ لأن شرع التيمم لدفع الحرج وصيانة للوقت عن الفوات فإذا تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت فقد أمن من الفوات حقيقة أو ظاهراً، فلا يجزئه التيمم ويجب التأخير، م:(لأن غالب الرأي كالمتحقق) ش: ولهذا وجب العمل بخبر الواحد، والقياس يؤيده، قال الله تعالى:{فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10](الممتحنة: الآية 10) علق عدم الرد إليهم بالعلم

ص: 553

وجه الظاهر أن العجز ثابت حقيقة، فلا يزول حكمه إلا بقين مثله

ــ

[البناية]

بكونهن مؤمنات، والعلم بذلك لا يكون إلا لغالب الرأي وهو كالثابت حقيقة، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير عنه مع بعد المسافة، ويجزئه التيمم مع غلبة الظن بوجدان الماء في آخر الوقت أو التيقن.

وأشار إلى وجه الظاهر بقوله م: (وجه الظاهر) ش: أي وجه ظاهر الرواية م: (أن العجز ثابت حقيقة فلا يزول حكمه) ش: أي حكم العجز وهو جواز التيمم م: (إلا بيقين مثله) ش: قيل: هذا ليس بوجه، فإن زوال العجز لا يتوقف على اليقين، ألا ترى أن وجود الماء لو كان مظنوناً بأن كان في العمران، ورأى من بعيد أشجاراً أو سراباً ظنه ماء لا يتيمم، فقد زال عذره بغير تغير.

ونقل الأكمل ها هنا عن الشيخ عبد العزيز إشكالاً ملخصه أن قوله: " لأن غالب الرأي كالمتحقق " يقتضي أن يجب التأخير عند التحقق في آخر الوقت مع بعد المسافة في ظاهر الروايات ليصلح مقيسا عليه، ويمكن إلحاق غالب الرأي وليس كذلك، فإنه ذكر في أول الباب أن من كان خارج المصر يجوز له التيمم إذا كان بينه وبين الماء ميل أو أكثر، وإن كان أقل لا يجوز، وإن خاف فوت الصلاة، وإن جعل هذا يعني التعليل على أن المراد منه أن التيمم لا يجوز في التحقق في غير رواية " الأصول " فألحق غالب الظن به في هذه الرواية لا يستقيم أيضاً؛ لأنه علل وجه ظاهر الرواية بأن العجز ثابت (حقيقة فلا يزول حكمه إلا بيقين مثله) وذلك يقتضي أن حكم العجز يزول عند اليقين بوجود الماء في ظاهر الرواية، وليس كذلك على ما بينا، وإن حمل على أن هذا فيما إذا كان بينه وبين ذلك الموضع أقل من ميل لا يستقيم أيضاً؛ لأنه لا فرق في تعليل ظاهر الرواية بين غلبة الظن واليقين فيما إذا كانت المسافة أقل من ميل في عدم جواز التيمم، كما أنه لا فرق بينهما إذا كانت المسافة أكثر من ميل في جواز التيمم.

وقد صرح في آخر هذا الباب أنه إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء لا يجزئه التيمم كما لو تيقن بذلك فعلم أنه مشكل. بقي وجه آخر وهو أن يحمل هذا على ما إذا لم يعلم أن المسافة قريبة أو بعيدة، فلو ثبت أنه تيقن بوجود الماء في آخر الوقت فقد أمن من الفوات، ولما لم يثبت بعد المسافة للشك فيه لم يثبت جواز التيمم فيجب التأخير. أما لو غلب على ظنه عدم بعد المسافة، وكذلك عندهما في غير رواية " الأصول "؛ لأن الغالب كالمتحقق، وفي ظاهر الرواية لا يجب التأخير؛ لأن العجز ثابت لعدم الماء حقيقة، وحكم هذا العجز وهو جواز التيمم لا يزول إلا بيقين مثله، وهو اليقين في وجود الماء في آخر الوقت، ولم يوجد فلا يجب التأخير، ولكن هذا الوجه لا يخلو عن تمحل، ويلزم عليه أنه فرق ها هنا بين غلبة الظن واليقين في ظاهر الرواية، ولم يفرق بينهما فيما إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء في عدم جواز التيمم، ولا فيما إذا كانت المسافة بعيدة في جواز التيمم كما بينا.

ص: 554