الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جاء في المدوّنة وهو من رواية سحنون عن مالك رضي الله عنه قوله:
«قلت أرأيت إذا أقر بشيء من الحدود بعد التهديد أو القيد أو الوعيد أو الضرب أو السجن، أيقام عليه الحد أم لا؟ قال: قال مالك: من أقر بعد التهديد أقيل، فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يقال» ثم قال: «قلت فإن ضرب وهدد فأقرّ فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق، أيقيم عليه الحدّ فيما أقر به أم لا وقد أخرج ذلك؟ قال: لا أقيم عليه الحد إلا أن يقرّ بذلك آمنا لا يخاف شيئا» «61» .
3-
دلنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب وجوابه له، ثم القرآن الذي نزل بسببه، على أنه لا يجوز للمسلمين- في أي ظروف كانوا- أن يتخذوا من أعداء الله تعالى أولياء لهم يلقون إليهم بالمودة، أو أن يمدوا نحوهم يد الإخاء والتعاون، وذلك رغم ما كان قد اعتذر به حاطب من أنه لصيق بقريش ليس له فيها شيعة تدافع عنه أو يحتمي بها، فهو يريد أن يتخذ عندهم يدا يحتمي بها، عندما يحتمي غيره بما له بينهم من قرابة وأهل.
إن الآيات القرآنية نزلت صريحة تأمر المسلمين أن يجعلوا ولاءهم لله وحده، وأن يقيموا علاقاتهم مع الناس، أيّا كانوا، على أساس ما يقتضيه ولاؤهم لهذا الدين الحنيف والإخلاص له وإلا كيف يتصور أن يضحي المسلمون بأموالهم وأنفسهم وشهواتهم وأهوائهم في سبيل الله تعالى؟!.
وتلك هي مشكلة كثير ممن يعدون أنفسهم مسلمين في هذا العصر.
يقبلون إلى المساجد للصلاة، ويتمتمون بالكثير من الأذكار والأوراد، وتظل مسابحهم تطقطق حباتها في أيديهم، ولكنهم يقيمون علاقاتهم مع الناس على أساس الولاء للأهل والعشيرة، أو مصلحة المال والدنيا، أو وحي الشهوات والأغراض. ولا يهمّهم أن يبيعوا بذلك الحق بالباطل أو أن يجعلوا من دين الله غلافا للأماني الدنيوية الحقيرة! ..
أولئك هم المنافقون الذين بسببهم يعاني المسلمون من صنوف التأخر والتفرق والضعف، وتلك هي الواجهة التي تقام في كل مرة في وجه المؤامرات المختلفة التي تحاك ضدّ إسلام المسلمين ودينهم! ..
ثالثا- أمر أبي سفيان وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه:
والعجيب في أمر أبي سفيان يوم الفتح، أن يكون هو أول وطليعة المحذرين لقومه من قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون في مقدمة الداخلين في دين الله أفواجا يومئذ، وهو الذي لم تخرج غزوة من مكة لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بإشرافه وتوجيهه وتهييجه! ..
ولعل الحكمة الإلهية شاءت أن تفتح مكة بدون قتال يذكر، وأن يدين أهلها
(61) المدونة: 16/ 93
لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين أخرجوه وآذوه وقاتلوه- بدون أيّ جهد أو مغامرة من المسلمين، فتهيأت أسباب إسلام أبي سفيان قبل غيره، وذلك في اللقاء الذي تمّ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند (مرّ الظهران) ، كي يعود إلى قومه في مكة، فينتزع من رؤوسهم فكرة الحرب والقتال، ويهيئ جو مكة لسلم يكون مآله دفن حياة الجاهلية والشرك وبزوغ شمس التوحيد والإسلام.
ولقد كان من مظاهر التمهيد لهذا الأمر ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من إعلان: أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وذلك بعد أن أعلن إسلامه، إلى جانب ما في ذلك من تألف قلبه على الإسلام وتثبيته عليه. وأنت خبير أن الإسلام إنما هو الاستسلام لأركانه العملية والاعتقادية، ولا بد للمسلم بعد ذلك من رسوخ الإيمان في قلبه، وإنما يكون ذلك بمداومته على التمسك بمبادئ الإسلام وأركانه، ومن أهم ما يحفزه على المداومة والاستمرار، تألّف المسلمين لقلبه بمختلف الوسائل والأسباب المشروعة، ريثما تستقر جذور الإيمان في قلبه ويغدو إسلامه قويا صلدا لا تهزه أو تزعزعه الأعاصير.
لقد غابت هذه الحكمة من أذهان بعض الصحابة من الأنصار، حينما سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم شعر بالميل والعاطفة نحو بلدته وجماعته، فهو من أجل ذلك قال هذا الكلام، وأظهر وجه المسالمة والصفح! ..
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما قال هذه الكلمة، قال الأنصار بعضهم لبعض:
وهذا الذي قلناه من الفرق بين الإسلام والإيمان، هو الذي يكشف لك ما قد تستشعره من الإشكال في الشكل الذي تمّ عليه إسلام أبي سفيان رضي الله عنه. فقد رأيت أنه أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما قال له:«ألم يأن لك أن تعلم أنني رسول الله؟ بقوله: أمّا هذه والله، فلا يزال في النفس منها شيء! .. فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك!. وحينئذ شهد شهادة الحق» .
والإشكال في هذا أنه قد يقال: فما هي قيمة إسلام لم يأت إلا بالتهديد، إذ قد كان من قبل
بلحظة واحدة يقول، إن في نفسه من نبوة رسول الله شيئا؟! ..
ولكن الإشكال يزول بما قد علمت، من أن المطلوب في الدنيا من المشرك أو الكافر ليس هو استقرار الإيمان كاملا في فؤاده، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين الله تعالى فيخضع لتوحيد الله تعالى ويذعن لنبوة رسوله وكل ما جاء به من عند الله تبارك وتعالى. أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له.
ولذلك يقول الله تعالى في كتابه الكريم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات 49/ 14] .
ولذلك أيضا لا يجوز للمسلم أثناء القتال أن يحمل إسلام أحد من الكفار في أثناء المعركة على الخوف من السلاح أو الرغبة في الغنيمة، أو التظاهر بما لا يوقن به، مهما كانت القرائن دالة على ذلك، لأن المطلوب ليس الاستيلاء على ما في الضمائر والقلوب ولكن المطلوب إصلاح ما هو مكشوف وظاهر. وفي ذلك يقول الله تعالى تعليقا على ما بدر من بعض الصحابة في إحدى السرايا التي أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قتل شخصا أعلن إسلامه ظنا منه أنه إنما أعلن ذلك مخافة السلاح:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا؟ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء 4/ 94] .
وانظر كيف ذكرهم بحالهم يوم أن دخلوا الإسلام جديدا، فقد كان كثير منهم إذ ذاك مثل هذا الذي لا يثقون بإسلامه اليوم، ثم منّ الله عليهم فحسن إسلامهم وتصفّى مع الاستمرار في ممارسة أحكامه، من الدّخل والشوائب.
ولقد كان من حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلن أبو سفيان إسلامه، أن أمر العباس أن يقف به عند مضيق الوادي، الذي ستمر فيه جنود الله تعالى، حتى يبصر بعينه كيف أصبحت قوة الإسلام، وإلام انقلبت حال أولئك الذين هاجروا من مكة قلة مشتتين مستضعفين! .. وحتى تكون هذه العبرة البالغة أول مثبت لدينه ومؤكد لعقيدته.
وأخذ أبو سفيان يتأمل الكتائب التي تمر، واحدة إثر أخرى، وهو في دهشة وذهول مما يرى! .. والتفت يقول للعباس، وهو لا يزال تحت تأثير بقايا من الفكر الجاهلي وأوهامه:
«لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!» .
فأيقظه العباس من بقايا غفلته السابقة قائلا: «يا أبا سفيان إنها النبوة» .
أيّ ملك هذا الذي تقول؟ .. لقد ألقى الملك والمال والجاة تحت قدميه يوم أن عرضتم كل