الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معاذ، وكان قد أصيب بسهم في الخندق فكان يداوى في خيمة هناك. فلما حكّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة وأرسل إليه بذلك، أتى على حمار. فلما دنا من المسجد «87» ، قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم. ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال: تقتل مقاتلهم وتسبي ذريتهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قضيت بحكم الله تعالى «88» .
ثم قال سعد رضي الله عنه: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم، وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها، واجعل موتي فيها. فانفجرت من لبّته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم. فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها رضي الله عنه «89» ، وفي رواية أحمد أن جرحه حينما انفجر كان قد برئ إلا مثل الخرص (حلي يوضع في الأذن) أي إلا شيء يسير قد بقي منه.
ثم استنزل اليهود من حصونهم فسيقوا إلى خنادق في المدينة، فقتل مقاتلهم (أي رجالهم) وسبي ذراريهم. وكان في جملة من سيق إلى القتل فقتل: حيي بن أخطب الذي كان قد سعى حتى أقنع بني قريظة بالغدر ونقض العهد. روى ابن إسحاق أنه جيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم جلس فضربت عنقه» .
العبر والعظات:
استنبط علماء الحديث والسيرة من قصة بني قريظة هذه أحكاما هامة نجملها فيما يلي:
أولا: (جواز قتال من نقض العهد) ، وقد جعل الإمام مسلم رحمه الله هذا الحكم عنوانا لغزوة بني قريظة، فالصلح والمعاهدة والاستئمان بين المسلمين وغيرهم، كل ذلك ينبغي احترامه على المسلمين، ما لم ينقض الآخرون العهد أو الصلح أو الأمان. وحينئذ يجوز للمسلمين قتالهم إن رأوا المصلحة في ذلك.
ثانيا: (جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهامهم)، قال النووي رحمه الله: فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهامّهم العظام والرجوع في ذلك إلى حكم مسلم عادل صالح للحكم،
(87) ليس المراد به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، بل مكان اختطه صلى الله عليه وسلم في بني قريظة للصلاة فكان مسجدا، كما قال شراح الحديث.
(88)
متفق عليه.
(89)
متفق عليه واللفظ للبخاري.
وقد أجمع العلماء عليه في شأن الخوارج، فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم، وأقام الحجة عليهم.
وفيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل صالح للحكم أمين على هذا الأمر، وعليه الحكم بما فيه مصلحة المسلمين، وإذا حكم بشيء لزم حكمه، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع، ولهم الرجوع قبل الحكم «90» .
ثالثا: (مشروعية الاجتهاد في الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها)، وفي اختلاف الصحابة في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا لا يصلّين أحد العصر إلا في بني قريظة» على النحو الذي روينا، مع عدم تعنيف النبي صلى الله عليه وسلم أحدا منهم أو معاتبته، دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى، وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع، واعتبار كل من المتخالفين معذورا ومثابا، سواء قلنا أن المصيب واحد أو متعدد كما أن فيه تقريرا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية. وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية، أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم، فالله سبحانه وتعالى تعبّد عباده بنوعين من التكاليف:
أولهما: تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة أو السلوك.
ثانيهما: البحث وبذل الجهد ابتغاء فهم المبادئ والأحكام الفرعية من أدلتها العامة المختلفة، فليس المطلوب ممن أدركته الصلاة في بادية التبست عليه جهة القبلة فيها، أكثر من أن تتجلى عبوديته لله تعالى في أن يبذل كل ما لديه من وسع لمعرفة جهة القبلة حسب فهمه وما يبدو له من أدلة، حتى إذا سكنت نفسه إلى جهة ما، استقبلها فصلّى إليها.
ثم إن هنا لك حكما باهرة لمجيء كثير من الأدلة والنصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية. من أبرزها، أن تكون الاجتهادات المختلفة في مسألة ما، كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا، حتى يكون للمسلمين متسع في الأخذ بأيّها شاؤوا حسبما تقتضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة وتلك من أجلى مظاهر رحمة الله بعباده، في كل عصر وزمن.
وإذا تأملت هذا، علمت أن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، عدا أنه ضرب من العبث الباطل. إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما مادام دليلها ظنيا محتملا؟ .. لو أمكن ذلك أن يتم في عصرنا، لكان أولى العصور به عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما قد رأيت؟!.
رابعا: (تأكد اليهود من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لقد رأيت من مجرى كلام كعب بن أسد مع إخوانه اليهود، أنهم كانوا على يقين من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى اطلاع تام على ما أثبتته التوراة من
(90) النووي على مسلم 12/ 92
الحديث عنه صلى الله عليه وسلم وعن علاماته وبعثته، ولكنهم كانوا عبيدا لعصبيتهم وتكبرهم. وذلك هو سبب الكفر عند كثير ممن يتظاهر بعدم الإيمان والفهم، وذلك هو الدليل البين على أن الإسلام في عقيدته وعامة أحكامه إنما هو دين الفطرة البشرية الصافية، ينسجم في عقيدته مع العقل وينسجم في تشريعاته وأحكامه مع حاجات الإنسان ومصالحه، فلن تجد من عاقل سمع باسم الإسلام وألّم بحقيقته وجوهره ثم كفر به كفرا عقليا صادقا. إنما هو أحد شيئين: إما أنه لم يسمع بالإسلام على حقيقته وإنما قيل له عنه كلام زائف باطل، وإما أنه وقف على حقيقته واطلع على جوهره، فهو يأباه إباء نفسيا لحقد على المسلمين أو غرض أو هوى يخشى فواته.
خامسا: (حكم القيام إكراما للقادم) ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار حينما أقبل نحوهم سعد بن معاذ راكبا دابته أن يقوموا إليه تكريما له، ودلّ على هذا التعليل قوله: لسيدكم أو خيركم، وقد استدل عامة العلماء بهذا وغيره على مشروعية إكرام الصالحين والعلماء بالقيام إليهم في المناسبات الداعية إلى ذلك عرفا.
يقول الإمام النووي في تعليق على هذا الحديث: «فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا. هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه. قلت:
القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح» «91» .
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضا على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال:«فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره- فكان كعب لا ينساها لطلحة» .
ومن ذلك أيضا ما رواه الترمذي وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت أحدا من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاما ولا حديثا ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته» «92» .
واعلم أن هذا كله لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحبّ أن يتمثل له
(91) النووي على مسلم: 12/ 93
(92)
هذا اللفظ للبخاري والروايات الأخرى لا تختلف عن هذه إلا بألفاظ أو زيادات بسيطة.
الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» . لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعلق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زهّادا في طلب هذا الشيء. أرأيت إلى الفقير المحتاج؟ إن الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم.
فلكل أدب ووظيفة، ولا ينبغي أن نخلط بينهما، أو ننسخ الواحد بالآخر فإن ذلك من أسوأ مظاهر التسرع والجهل.
غير أن من أهم ما ينبغي أن تعلمه في هذا الصدد أن لهذا الإكرام المشروع حدودا إذا تجاوزها، انقلب الأمر محرما واشترك في الإثم كل من مقترفه والساكت عليه.
فمن ذلك ما قد تجده في مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين عليهم وهم جلوس، يقف الواحد منهم أمام شيخه في انكسار وذل مطرقا لا يطرف إلى أن يأذن له بالجلوس، ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه. أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس. ولا يخدعنك ما قد يقال في تسويغ ذلك من أنه أسلوب من التربية للمريد! ..
فالإسلام قد شرع مناهج وأساليب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها، وليس بعد الأسلوب النبوي في التربية من أسلوب يقرّ أو يعاج عليه.
سادسا: (مزايا خاصة لسعد بن معاذ) ، وإنك لتقف خلال اطلاعك على هذه الغزوة، على مزية كبرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإنك لتجد ذلك أولا، في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم له صلاحية الحكم بما يشاء على بني قريظة، وجعل موقفه منه- وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف الموافق والمؤيد لكل ما سيحكم به. ونجد ذلك ثانيا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار بالقيام إليه حينما أقبل إليهم، وتلك مزية كبرى لسعد حينما يكون هذا الأمر صادرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تجد ذلك في قصة الجرح الذي كان قد أصابه في كاحله في غزوة الخندق. لقد رفع يديه يدعو الله تعالى يوم أن أصابه هذا الجرح قائلا: «اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك صلى الله عليه وسلم، وأخرجوه، اللهم فإن بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك» وقد استجيب دعاء سعد فتحجر جرحه وتماثل للشفاء، حتى كانت غزوة بني قريظة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إليه، وكفى الله المؤمنين شرّ اليهود وتطهرت المدينة من أرجاسهم، رفع سعد يده يدعو الله ثانية يقول:«اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم (يعني قريشا والمشركين) فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها» ، وقد استجيب دعاؤه فانفجر جرحه تلك الليلة ومات رحمه الله تعالى.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في منصرفه عن غزوة الأحزاب، فيما رواه البخاري:«الآن نغزوهم هم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» ، وأخرج البزار بإسناد حسن من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعا كثيرة:«لا يغزونكم بعد هذا أبدا ولكن أنتم تغزونهم» .
وأخيرا، فإن قصة سعد هذه، بملابساتها التي ذكرناها، تذكرك بما كنا قررناه سابقا من أن الحرب الدفاعية في الإسلام ما كانت إلا مرحلة من مراحل الدعوة التي سار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت من بعدها مرحلة دعوة الناس كلهم إلى الإسلام بحيث لا يقبل من الملاحدة والمشركين إلا الإسلام، ولا يقبل من أهل الكتاب إلا الدخول فيه أو الخضوع تحت حكمه العام، مع قتال كل من وقف دون هذه السبيل، ما دام ذلك ممكنا، وبعد استنفاد وسائل الدعوة السلمية المعروفة.
وليس بعد تكامل الحكم الإسلامي فيما يتعلق بالجهاد والدعوة، أي معنى لما يسمى بالحرب الدفاعية التي شاعت أخيرا على ألسنة بعض الباحثين وإلا فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام:
(93) فتح الباري: 7/ 292