الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستبشر الناس خيرا بخروجه صلى الله عليه وسلم إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس. روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال صلى الله عليه وسلم: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» «12» .
كان صلى الله عليه وسلم أثناء ذلك يطرح خميصة (غطاء) له على وجهه، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال:«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» 13، كأنه صلى الله عليه وسلم يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به.
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكرة الموت
وذلك هو حكم الله في عباده كلهم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر 39/ 30] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر رضي الله عنه، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، فقد ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «14» .
وانصرف الناس من صلاتهم، وهم يحسبون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نشط من مرضه. ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فقد عاد عليه الصلاة والسلام فاضطجع إلى حجر عائشة رضي الله عنها، وأسندت رضي الله عنها رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت، قالت:«وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» «15» . وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا رأت منه ذلك قالت:
وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث.
(12)
و (13) متفق عليه.
(14)
رواه الشيخان.
(15)
رواه البخاري في باب مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق: 7/ 192، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ:«اللهم أعني على سكرات الموت» .
«واكرب أباه؟ .. فيقول لها عليه الصلاة والسلام: ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم» «16» .
قالت عائشة رضي الله عنها: «إن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، فقلت: أليّنه لك؟
فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمرّه، وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض، ومالت يده» «17» .
وانتشر خبر وفاته صلى الله عليه وسلم في الناس، وأقبل أبو بكر رضي الله عنه على فرس من مسكنه في السّنح (وكان قد ذهب إلى منزله هناك آملا أنه صلى الله عليه وسلم قد عوفي من وجعه) ، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبله. وبكى، ثم قال:«بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها» «18» . ثم خرج رضي الله عنه، وعمر يكلم الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأنه صلى الله عليه وسلم لا يموت حتى يفني الله المنافقين؛ فأقبل أبو بكر يقول له: على رسلك يا عمر، أنصت ولكنه استمر في كلامه مهتاجا، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران 3/ 144] . فكأن الناس لم يعلموا أن الله نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها. قال عمر رضي الله عنه:«والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت ما تقلّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات» «19» .
وقد خرجه الشيخ ناصر فقال: ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة
…
إلخ. وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط، أما أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح وإذا كان للحديث الواحد طريقان فلا ينبغي الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منهما لما فيه من الإيهام. كما سبق بيانه في صفحة (494) ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت الحادثة واحدة.
(16)
رواه البخاري.
(17)
رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
(18)
رواه البخاري.
(19)
رواه ابن إسحاق وغيره، كما رواه البخاري أيضا مع فرق بسيط في بعض الألفاظ.