الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلاصة عن تاريخ الخلافة الراشدة
خلافة أبي بكر الصديق
اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشاوروا فيمن ينبغي أن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة المسلمين ورعاية أمورهم، وبعد المذاكرة والمداولة واستعراض طائفة من الاقتراحات، اجتمعت كلمتهم جميعا على أن يكون أول خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، خليفته في الصلاة بالمسلمين أيام مرضه، وصدّيقه الأكبر، ومؤنسه في الغار، أبو بكر رضي الله عنه. ولم يكن لعليّ رضي الله عنه رأي مخالف لهذا الإجماع، وتأخّر مبايعته له كان لأمر يتعلق بالخلاف الذي وقع بين أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما، من أجل مسألة ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .
أهم ما قام به في مدة خلافته:
أولا- تجهيزه وتسييره لجيش أسامة. ما إن استقر الأمر لأبي بكر رضي الله عنه، حتى بدأ فسيّر جيش أسامة الذي كان قد أقام بمكان قرب المدينة يقال له (ذو خشب) لما بلغ أسامة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يبال رضي الله عنه بالآراء التي كانت تفضل تجميد هذا الجيش نظرا لانتشار الرّدة في بعض الصفوف، ولا بالآراء التي ارتأت أن يستبدل بأسامة غيره..
وخرج الصدّيق رضي الله عنه يودّع الجيش، وعلى رأسه أسامة، ماشيا. ولما أراد أسامة أن ينزل ليركب أبو بكر، قال له: والله لا نزلت ولا ركبت.. وأوصاهم أن لا يخونوا ولا يغدروا ولا يغلّوا ولا يمثّلوا ولا يقتلوا طفلا أو امرأة أو شيخا، وأن لا يحرقوا نخلا ولا يقطعوا شجرة، ولا يذبحوا شاة ولا بعيرا إلّا للأكل. وقال لهم: إذا مررتم بقوم تفرغوا للعبادة في الصوامع فدعوهم وما تفرغوا له.
ثم قال الصدّيق رضي الله عنه لأسامة: إن رأيت أن تأذن لعمر بالمقام عندي حتى أستعين برأيه على أمور المسلمين. فقال له أسامة: الأمر بيدك.
ثم سار أسامة، فكان لا يمرّ بقبيلة انتشر فيها الارتداد إلّا أرجعها، لقد كانت الرهبة تشيع في أفئدتهم، موقنين أن المسلمين لو لم يكونوا من القوّة بمكان لما خرجوا في هذا الوقت بمثل هذا الجيش
(1) انظر البداية والنهاية لابن كثير: 6/ 301
إلى الروم. ولما وصل أسامة بجيشه إلى بلاد الروم حيث قتل أبوه، قاتلوهم، ونصرهم الله عليهم، ثم عادوا ظافرين «2» .
ثانيا- جهّز الجيوش لقتال أهل الرّدة ومانعي الزكاة، وعقد أحد عشر لواء، وأمر صاحب كل لواء بالتوجه إلى جهة، وتوجه هو على رأس لواء إلى (ذي القصة) . ولكن عليا رضي الله عنه أصرّ عليه وناشده أن يرجع، وقال له- وقد أمسك بزمام راحلته-: يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لمّ سيفك وأمتعنا بنفسك. فو الله لئن نكب المسلمون بك لن تقوم لهم قائمة من بعدك. فعاد أبو بكر وكلّف باللواء غيره «3» .
وقد أيّد الله المسلمين وانقطع دابر الارتداد، واستقر الإسلام في أنحاء الجزيرة، وخضعت القبائل لدفع الزكاة.
ثالثا- جهّز الصدّيق رضي الله عنه خالدا إلى العراق، وبعث معه المثنى بن حارثة الشيباني، ففتحوا بلادا كثيرة، وعادوا منتصرين غانمين.
رابعا- حدثته نفسه بغزو بلاد الروم، فجمع الصحابة وشاورهم في ذلك، فاستصوبوا رأيه فالتفت إلى عليّ وقال له: ما ترى يا أبا الحسن؟ فقال أرى أنك مبارك الأمر مفوق منصور إن شاء الله، فسرّ لذلك أبو بكر وشرح الله صدره للأمر. فجمع الناس وقام خطيبا فيهم يحثّهم على الجهاد، وكتب كتبا إلى الولاة وأمرهم بالحضور، فاجتمع جمع كبير وأقبلت القبائل أفواجا، فعقد أبو بكر الألوية وأمّر الأمراء وبعثهم إلى الشام متتابعين، وجعل أبا عبيدة أميرا على الجيوش، وكلما اتجه أمير يودعه ويوصيه بتقوى الله وحسن الصحبة والمواظبة على الصلوات بالجماعة في أوقاتها، وأن يصلح كل منهم نفسه حتى يصلح الله له الناس، وأن يكرموا رسل العدوّ إذا قدموا عليهم، وأن يعملوا على تقليل لبثهم عندهم حتى يخرجوا من عسكرهم وهم جاهلون بأمر المسلمين..
وتوجه المسلمون إلى بلاد الروم.. واجتمعوا في اليرموك، وأرسلوا إلى أبي بكر يخبرونه بكثافة جموع الروم، فكتب رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد بالعراق يأمره بالتوجه إلى الشام، وأن يأخذ نصف الجيش المرابط في العراق ليكون ردءا لجيش أبي عبيدة، وأن يستخلف على النصف الباقي المثنى بن حارثة، وأمره أن يتولّى جيوش الشام بمجرد أن يصل إليها.
فسار خالد حتى وصل إلى المسلمين في الشام، وكتب كتابا لأبي عبيدة يقول له فيه: أما بعد، فإني أسأل الله لي ولك الأمن يوم الخوف، والعصمة في دار الدنيا من كل سوء. فقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني فيه بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها. وو الله
(2) باختصار عن البداية والنهاية: 6/ 304 وما بعد.
(3)
رواه ابن كثير في البداية والنهاية، من حديث عبد الله بن عمر ومن حديث عائشة رضي الله عنها.