الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عام الحزن
وهو العام العاشر من بعثته صلى الله عليه وسلم، فقد توفيت فيه زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وتوفي فيه عمه أبو طالب، ويقول ابن سعد في طبقاته:«كان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيام» .
وقد كانت خديجة رضي الله عنها، كما قال ابن هشام، وزير صدق على الإسلام، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه. أما أبو طالب، فقد كان عضدا وحرزا في أمره، وكان ناصرا له على قومه.
يقول ابن هشام: «فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك» «15» .
ولقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العام اسم (عام الحزن) لشدة ما كابد فيه من الشدائد في سبيل الدعوة.
العبر والعظات:
ترى، ما الحكمة في أن يتعجل قضاء الله تعالى في استلاب أبي طالب من الحياة، قبل أن يشتد ساعد المسلمين في مكة ويتكون لهم شيء من المنعة؟ ومعلوم أنه قد كان يحمي الرسول- قدر الإمكان- من كثير من المصائب والشدائد، وما الحكمة في أن يتعجل القضاء باستلاب زوجته خديجة رضي الله عنها، وقد كان يجد عندها أنسه وسلواه، وينفض بمساعدتها عن كاهله كثيرا من أحاسيس الشدائد والآلام؟
تبرز هنا ظاهرة هامة تتعلق بأساس العقيدة الإسلامية.
فلو أن أبا طالب بقي إلى جانب ابن أخيه يكلؤه ويحميه إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في المدينة وريثما ينجو الرسول من أذى المشركين وقبضتهم، لكان في ذلك ما قد يوهم أن أبا طالب كان من وراء هذه الدعوة، وأنه هو الذي كان يدفعها إلى الأمام ويحميها بمكانته وسلطانه بين قومه، وإن لم يظهر الإيمان بها والانضواء تحت لوائها، ولجاء من يطيل ويطنب في بيان الحظ
(15) رواه ابن إسحاق، وانظر تاريخ الطبري: 2/ 544
الحسن الذي تهيأ للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء قيامه في الدعوة، بسبب حماية عمه له، بينما لم يتهيأ هذا الحظ لغيره من المسلمين من حوله، فأوذوا وهو محفوظ الجانب، وتعذبوا وهو مستريح البال.
لقد قضت حكمة الله تعالى أن يفقد الرسول عمه أبا طالب وزوجته خديجة بنت خويلد، ويفقد من حوله من كان في الظاهر حاميا له ومؤنسا، حتى تتجلّى حقيقتان هامتان:
أولاهما: أن الحماية والعناية والنصر، إنما يأتي كل ذلك من الله عز وجل. ولقد تعهد الله أن يعصم رسوله من المشركين والأعداء، فسواء كان ثمة من يحميه من الناس أو لم يكن، فهو معصوم من الناس وستبلغ دعوته منتهاها من النصر والتوفيق.
ثانيتهما: ليس معنى العصمة من الناس أن لا يرى منهم إيذاء أو عذابا أو اضطهادا، وإنما معنى العصمة التي تعهد بها الله عز وجل بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة 5/ 67] العصمة من القتل ومن أي صد أو عدوان من شأنه إيقاف الدعوة الإسلامية، فقد قضت حكمة الله تعالى أن يذوق الأنبياء من ذلك قدرا غير يسير، وذلك لا ينافي العصمة التي وعد بها أنبياءه ورسله.
ولذلك يقول الله عز وجل لنبيّه بعد قوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، يقول له: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر 15/ 97، 98] .
ومن الحكم الجليلة لما قضت به سنة الله عز وجل، من أن يلاقي الرسول ما لاقى من المحنة في طريق الدعوة، أن يستسهلها ويستخف بها عامة المسلمين في كل عصر ممن أنيطت بهم مسؤولية الدعوة الإسلامية.
فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم نجح في دعوته بدون أي مشقة أو جهد، لطمع أصحابه والمسلمون من بعده بأن يستريحو كما استراح، ولا ستثقلوا المصائب والمحن التي قد يجدونها في طريقهم إلى الدعوة الإسلامية.
أما، والحالة هذه، فإن مما يخفف وقع المحنة والعذاب على المسلمين شعورهم أنهم يذوقون مما ذاقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم يسيرون في الطريق ذاتها التي أو ذي فيها رسول الله.
ومهما أصابهم من ألم السخرية بهم وإهانة الناس لهم، فإن ذلك لا يفتّ في عضدهم بعد أن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقي التراب في السوق على رأسه حتى اضطر أن ينقلب إلى بيته لتقوم إحدى بناته فتغسل عن رأسه التراب، مع أنه حبيب الله وصفوته من خلقه. وسنجد في هجرته صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وما لاقاه إذ ذاك ما يجعل المسلمين يستسهلون كل محنة وعذاب في سبيل أن يضربوا مع رسولهم بنصيب مما قاساه وعاناه في سبيل الدعوة الإسلامية.
هذا شيء.
والشيء الآخر، الذي يتعلق بهذا المقطع من سيرته عليه الصلاة والسلام هو أن بعض الناس يحسبون أن سبب تسمية الرسول لهذا العام عام الحزن إنما هو مجرد فقده صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب وزوجته خديجة بنت خويلد، وربما استساغوا إقامة علائم الحزن والحداد على موتاهم مدة طويلة من الزمن مستدلين بهذا.
والواقع أن هذا خطأ في الفهم والتقدير.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحزن على فراق عمه وفراق زوجه ذلك الحزن الشديد، ولم يطلق على تلك السنة: عام الحزن، لمجرد أنه فقد بعض أقاربه فاستوحش لفقدهم. بل سبب ذلك ما أعقب وفاتهما من انغلاق معظم أبواب الدعوة الإسلامية في وجهه، فقد كانت حماية عمه له تترك مجالات كثيرة للدعوة وسبلا مختلفة للتوجيه والإرشاد والتعليم.. وكان يرى في ذلك بعض النجاح في العمل الذي أمره به ربه.
أما بعد وفاته، فقد سدّت في وجهه تلك المجالات، فمهما حاول وجد صدا وعدوانا، وحيثما ذهب وجد السبل مغلقة في وجهه، فيعود بدعوته كما ذهب بها؛ لم يسمعها أحد ولم يؤمن بها أحد، بل الكل ما بين مستهزئ ومعتد، ومتهكم به، فيحزنه أن يعود وهو لم يأت من الوظيفة التي كلفه الله بها بنتيجة، فمن أجله سمى ذلك العام عام الحزن.
بل، لقد كان حزنه على أن لا يؤمن الناس بالحق الذي جاء به، شيئا غالبا على نفسه، في أكثر الأحيان. ومن أجل تخفيف هذا الحزن عليه كانت تنزل الآيات مواسية له ومسلية، ومذكّرة إياه بأنه ليس مكلفا بأكثر من التبليغ، فلا داعي إلى أن يذهب نفسه عليهم حسرات إذا لم يستجيبوا ولم يؤمنوا. استمع مثلا إلى هذه الآيات:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [الأنعام 6/ 33- 35] .