الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عثمان بن عفان
في السنة الأولى من خلافة عثمان- وهي سنة أربع وعشرين- فتحت الرّيّ، وكانت قد فتحت ثم نقض فتحها، وأصاب الناس فيها رعاف كثير، وكان منهم عثمان رضي الله عنه حتى تخلف بسبب ذلك عن الحج وأوصى، وفيها ولّى عثمان على الكوفة سعد بن أبي وقاص وعزل المغيرة بن شعبة.
وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولّى عليها الوليد بن عقبة بن أبي معيط- وهو صحابي أخو عثمان لأمه- وذلك أول ما نقم عليه لأنه آثر أقاربه بالولاية.
وفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسّعه، واشترى أماكن من أصحابها وضمها إلى المسجد. وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرص، فركب البحر بالجيوش، وكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية، فسقطت عن دابتها وماتت ودفنت هناك- وكان النّبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بهذا الجيش ودعا لها أن تكون من أفراده «1» -.
وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولّى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فغزا أفريقية فافتتحها سهلا وجبلا، وفتحت الأندلس في العام ذاته.
وفي سنة تسع وعشرين فتحت مدن كثيرة أخرى، وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة المنورة ووسّعه وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومئة ذراع، وعرضه خمسين ومئة ذراع.
وفي سنة ثلاثين فتحت بلاد كثيرة أخرى من أرض خراسان، وكثر الخراج من جراء ذلك، وأتى المال من كل وجه، ووسّع الله على المسلمين في كل البلاد.
وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وكان قد تولى قضاء الشام لمعاوية، وأبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاري، وزيد بن عبد الله رضي الله عنهم جميعا. وفي سنة ثلاث وثلاثين غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الحبشة.
سياسة عثمان في اختيار الولاة والأعوان وما نشأ عن ذلك
.
من المعلوم أن عثمان رضي الله عنه كان يقرّب إليه في التوظيف والاستعانة، أقاربه من بني
(1) تاريخ الخلفاء: 145، البداية والنهاية: 7/ 153
أميّة، وقد اقتضى ذلك أن يعزل عددا من الصحابة من وظائفهم ليحلّ محلّهم من يفضله من ذوي قرابته. وقد جرّت عليه هذه السياسة نقمة كثير من الناس، وكان ذلك هو المنطلق والمعتمد الأول لليهودي المعروف عبد الله بن سبأ وأعوانه، في بثّ أسباب الفتنة وإيقاد نيرانها.
وروى ابن كثير ما خلاصته أن جمهورا من أهل الكوفة ثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألبوا عليه، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتوظيف جماعة من بني أمية في مكانهم. فدخلوا عليه وأغلظوا عليه في القول.. فشقّ ذلك على عثمان وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده يستشيرهم. فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة.. وأدلى كلّ برأيه. وانتهى عثمان من استعراض الآراء ومناقشتها إلى إبقاء عمّاله كلّ على عمله الذي هو فيه، وأن يتألف قلوب الثائرين والمتألّبين عليه بالمال، وأمر بهم فبعثوا إلى الغزو والثغور «2» .
نشأ على أعقاب ذلك بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلّبون الناس على عثمان وينكرون عليه الكثير من أعماله، وذلك بعدما عاث عبد الله بن سبأ فسادا بمصر، فاستنفر نحوا من ست مئة راكب متجهين إلى المدينة في صفة معتمرين، وإنما قصدهم أن يثيروا فتنة في داخل المدينة. ولما اقتربوا من المدينة أمر عثمان عليّا أن يخرج إليهم فيكلّمهم ويردّهم إلى بلادهم، فانطلق إليهم علي رضي الله عنه وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره إذ كان قد عبث عبد الله بن سبأ بعقولهم عبثا منكرا وملأها بما شاء من الخرافة والزيغ، فردّهم عليّ رضي الله عنه وأنّبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الذي تحاربون الخليفة بسببه وتحتجون به عليه؟! .. ثم إنهم رجعوا خائبين من حيث أتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا قد أمّلوا وراموا.
ولما رجع عليّ على عثمان، أخبره برجوعهم، ثم أشار عليه أن يخطب في الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان قد وقع منه من الأثرة لبعض أقاربه، وأن يعلن لهم أنه قد تاب من ذلك.
فقبل عثمان مشورته، وخطب الناس يوم الجمعة، وقال فيما قال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، واستعبر باكيا، وبكى المسلمون أجمعون.. وعاد فأكّد لهم نزوعه عما نقم الناس عليه من أجله، وأنه سينحي عنهم مروان وذويه.
ولكن مروان بن الحكم دخل عليه بعد ذلك عاتبا بل ناقما، وقال له فيما قال: لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنّع منيع، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها، ولكنك قلت حين
(2) البداية والنهاية: 7/ 167، وتاريخ الطبري: 4/ 333