المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌غزوة الخندق وتسمّى بغزوة الأحزاب، وقد كانت في شوال سنة خمس - فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

[محمد سعيد البوطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الجديدة

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌القسم الأوّل مقدّمات

- ‌أهميّة السّيرة النبويّة في فهم الإسلام

- ‌السّيرة النبويّة كيف تطوّرت دراستها وكيف يجب فهمها اليوم

- ‌كيف بدأت ثم تطورت كتابة السيرة:

- ‌المنهج العلمي في رواية السيرة النبوية:

- ‌السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة في كتابة التاريخ:

- ‌مصير هذه المدرسة اليوم:

- ‌وأخيرا: كيف ندرس السّيرة النّبوية على ضوء ما قد ذكرناه:

- ‌سرّ اختيار الجزيرة العربيّة مهدا لنشأة الإسلام

- ‌محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النّبيّين وعلاقة دعوته بالدّعوات السّماوية السّابقة

- ‌الجاهليّة وما كان فيها من بقايا الحنيفيّة

- ‌القسم الثّاني من الميلاد إلى البعثة

- ‌نسبه صلى الله عليه وسلم وولادته ورضاعته

- ‌العبر والعظات:

- ‌رحلته الأولى إلى الشام ثم كدحه في سبيل الرزق

- ‌العبر والعظات:

- ‌تجارته بمال خديجة وزواجه منها

- ‌العبر والعظات:

- ‌اشتراكه صلى الله عليه وسلم في بناء الكعبة

- ‌العبر والعظات:

- ‌اختلاؤه في غار حراء

- ‌العبر والعظات:

- ‌بدء الوحي

- ‌العبر والعظات:

- ‌القسم الثالث من البعثة إلى الهجرة مراحل الدّعوة الإسلاميّة في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ الدّعوة سرّا

- ‌العبر والعظات:

- ‌1- وجه السرّيّة في بدء دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام:

- ‌2- الأوائل الذين دخلوا في الإسلام والحكمة من إسراعهم إلى الإسلام قبل غيرهم:

- ‌الجهر بالدعوة

- ‌العبر والعظات:

- ‌الإيذاء

- ‌العبر والعظات:

- ‌سياسة المفاوضات

- ‌العبر والعظات:

- ‌الحصار الاقتصادي

- ‌العبر والعظات:

- ‌أول هجرة في الإسلام

- ‌العبر والعظات:

- ‌أول وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌العبر والعظات:

- ‌عام الحزن

- ‌العبر والعظات:

- ‌هجرة الرسول إلى الطائف

- ‌العبر والعظات:

- ‌معجزة الإسراء والمعراج

- ‌العبر والدلالات:

- ‌عرض الرسول نفسه على القبائل وبدء إسلام الأنصار

- ‌بيعة العقبة الأولى

- ‌العبر والعظات:

- ‌بيعة العقبة الثانية

- ‌العبر والعظات:

- ‌كلمة عامة عن الجهاد ومشروعيته:

- ‌إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة

- ‌العبر والعظات:

- ‌هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌قدوم قباء

- ‌صورة عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب

- ‌العبر والعظات:

- ‌القسم الرابع أسس المجتمع الجديد

- ‌الأساس الأول (بناء المسجد)

- ‌العبر والدلائل:

- ‌1- مدى أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية:

- ‌2- حكم التعامل مع من لم يبلغوا سن الرشد من الأطفال والأيتام:

- ‌3- جواز نبش القبور الدارسة، واتخاذ موضعها مسجدا إذا نظفت وطابت أرضها:

- ‌4- حكم تشييد المساجد ونقشها وزخرفتها:

- ‌الأساس الثاني (الأخوة بين المسلمين)

- ‌العبر والدلائل:

- ‌الأساس الثالث (كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم)

- ‌العبر والدلائل:

- ‌القسم الخامس مرحلة الحرب الدفاعية

- ‌مقدمة

- ‌بدء القتال

- ‌أول غزوة غزاها رسول الله

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌العبر والعظات:

- ‌بنو قينقاع وأول خيانة يهودية للمسلمين

- ‌العبر والعظات:

- ‌غزوة أحد

- ‌العبر والعظات:

- ‌يوم الرجيع، وبئر معونة

- ‌أولا- يوم الرجيع (في السنة الثالثة) :

- ‌ثانيا- بئر معونة (في السنة الرابعة) :

- ‌العبر والعظات:

- ‌إجلاء بني النضير

- ‌العبر والعظات:

- ‌غزوة ذات الرقاع

- ‌العبر والعظات: تحقيق في تاريخ هذه الغزوة:

- ‌غزوة بني المصطلق وتسمى بغزوة المريسيع

- ‌خبر الإفك

- ‌العبر والدلالات:

- ‌غزوة الخندق

- ‌العبر والعظات:

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌العبر والعظات:

- ‌القسم السادس الفتح: مقدّماته ونتائجه مرحلة جديدة من الدّعوة

- ‌صلح الحديبية

- ‌بيعة الرضوان

- ‌العبر والعظات:

- ‌كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح:

- ‌الأحكام المتعلقة بذلك:

- ‌ غزوة خيبر

- ‌قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة

- ‌العبر والعظات:

- ‌سرايا إلى القبائل.. وكتب إلى الملوك

- ‌العبر والعظات:

- ‌حكمة مشروعية هذه المرحلة:

- ‌عمرة القضاء

- ‌العبر والعظات:

- ‌غزوة مؤتة

- ‌العبر والعظات:

- ‌فتح مكة

- ‌العبر والعظات:

- ‌أولا- ما يتعلق بالهدنة ونقضها:

- ‌ثانيا- حاطب بن أبي بلتعة وما يتعلق بعمله:

- ‌ثالثا- أمر أبي سفيان وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه:

- ‌رابعا- تأملات في كيفية دخوله صلى الله عليه وسلم إلى مكة:

- ‌خامسا- ما اختص به الحرم المكي من الأحكام:

- ‌سادسا- تأملات فيما قام به صلى الله عليه وسلم من أعمال عند الكعبة المشرفة:

- ‌سابعا- تأملات في خطابه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح:

- ‌ثامنا: بيعة النساء وما يتعلق بها من أحكام:

- ‌تاسعا: هل فتحت مكة عنوة أم صلحا

- ‌غزوة حنين

- ‌أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لها

- ‌العبر والعظات:

- ‌غزوة تبوك

- ‌أمر المخلفين

- ‌العبر والعظات:

- ‌أولا- كلمة على هامش هذه الغزوة:

- ‌ثانيا- العبر والأحكام:

- ‌حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس سنة تسع

- ‌العبر والعظات:

- ‌مسجد الضرار

- ‌العبر والعظات:

- ‌وفد ثقيف ودخولهم في الإسلام

- ‌تتابع وفود العرب ودخولهم في دين الله

- ‌العبر والعظات:

- ‌خبر إسلام عدي بن حاتم

- ‌العبر والعظات:

- ‌بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس لتعليمهم مبادئ الإسلام

- ‌العبر والعظات:

- ‌حجة الوداع وخطبتها

- ‌العبر والعظات:

- ‌أولا- عدد حجات الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن مشروعية الحج:

- ‌ثانيا- المعنى الكبير لحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌ثالثا- تأملات في خطبة الوداع:

- ‌شكوى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولحاقه بالرّفيق الأعلى

- ‌بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء

- ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكرة الموت

- ‌العبر والعظات:

- ‌أولا- لا مفاضلة في حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح:

- ‌ثانيا- مشروعية الرّقية وفضلها:

- ‌السحر والرّقية منه:

- ‌ثالثا- مظاهر من فضل أبي بكر رضي الله عنه:

- ‌رابعا- النهي عن اتخاذ القبور مساجد:

- ‌خامسا- شعوره صلى الله عليه وسلم وهو يعاني سكرة الموت:

- ‌خاتمة في بعض صفاته صلى الله عليه وسلم وفضل زيارة مسجده وقبره

- ‌خلاصة عن تاريخ الخلافة الراشدة

- ‌خلافة أبي بكر الصديق

- ‌أهم ما قام به في مدة خلافته:

- ‌وفاة أبي بكر رضي الله عنه:

- ‌عهده بالخلافة إلى عمر:

- ‌على أيّ أساس أصبح عمر خليفة

- ‌كتاب العهد إلى عمر:

- ‌العبر والعظات:

- ‌خلافة عمر بن الخطاب

- ‌طاعون عمواس:

- ‌مقتل عمر رضي الله عنه:

- ‌استخلاف عمر لواحد من أهل الشورى:

- ‌كيف تمّ اختيار عثمان:

- ‌العبر والعظات:

- ‌عثمان بن عفان

- ‌سياسة عثمان في اختيار الولاة والأعوان وما نشأ عن ذلك

- ‌أول الفتنة، ومقتل عثمان:

- ‌مبايعة عليّ والبحث عن قتلة عثمان:

- ‌العبر والعظات:

- ‌خلافة عليّ رضي الله عنه

- ‌الثأر لعثمان ووقعة الجمل:

- ‌أمر معاوية ووقعة صفّين:

- ‌أمر الخوارج ومقتل علي رضي الله عنه:

- ‌العبر والعظات:

الفصل: ‌ ‌غزوة الخندق وتسمّى بغزوة الأحزاب، وقد كانت في شوال سنة خمس

‌غزوة الخندق

وتسمّى بغزوة الأحزاب، وقد كانت في شوال سنة خمس على ما جزم به ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وجمهور علماء السيرة، وقيل في سنة أربع من الهجرة. وقد تفرد به موسى بن عقبة ورواه عنه البخاري وتابعه في ذلك مالك «67» .

سببها: أن نفرا من زعماء اليهود من بني النضير خرجوا حتى قدموا مكة، فدعوا قريشا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا:«سنكون معكم حتى نستأصله، وقالوا لهم إن ما أنتم عليه خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم» ففيهم نزل قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء 4/ 51، 52] ، فاتفقوا مع قريش على حرب المسلمين وتواعدوا لذلك.

ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى مثل ما دعوا قريشا إليه، ولم يزالوا بهم حتى وافقوهم على ذلك ثم التقوا ببني فزارة وبني مرة، وتمّ لهم مع هؤلاء جميعا تواعد في الزمان والمكان لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم «68» .

تهيؤ المسلمين للحرب، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وسمع بخروجهم من مكة، ندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم وشاورهم في الأمر، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين (والخندق مما لم يكن يعلمه العرب من وسائل الحرب) فخرجوا من المدينة وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفح جبل سلع فجعلوه خلفهم، ثم هبوا جميعا يحفرون الخندق بينهم وبين العدو. كان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، وعدد ما اجتمع من قريش والأحزاب والقبائل الأخرى عشرة آلاف «69» .

مشاهد من عمل المسلمين في حفر الخندق: روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال:

«لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر» ، وروي عن أنس رضي الله عنه أن الأنصار والمهاجرين كانوا يرتجزون وهم يحفرون الخندق وينقلون التراب على متونهم:

نحن الذين بايعوا محمدا

على الإسلام ما بقينا أبدا

فيجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم:

(67) انظر ذلك في فتح الباري: 7/ 275 والفتح الرباني بترتيب الإمام أحمد: 21/ 76

(68)

سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد باختصار.

(69)

طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام.

ص: 213

«اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة» «70» .

وروى البخاري أيضا في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: «إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل (أو أهيم) فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لا مرأتي:

رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان لي في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق «71» .

فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة «72» ، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي «73» قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيّم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب، فقل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي. ثم نادى المهاجرين والأنصار فقال لهم قوموا.. وفي طريق أخرى:

فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع سورا «74» فحيّ هلا بكم. فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! .. قالت: هل سألك كم طعامك؟ قال: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم.

ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمّر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية! قال: كلي هذا واهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة (وفي رواية أخرى) فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوا وانصرفوا، وإن برمتنا لتغطّ كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو» «75» .

موقف المنافقين من العمل في الخندق: روى ابن هشام أنه أبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم في الخندق رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله. وفي ذلك نزل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى

(70) البخاري: 5/ 46 وروى مسلم عن البراء نحوه بألفاظ قريبة: 6/ 187

(71)

هي الأنثى من المعز.

(72)

البرمة: القدر.

(73)

الأثافي: الحجارة التي توضع عليها القدر.

(74)

السور: بضم السين بدون همزة يطلق على الصنيع العام من الطعام.

(75)

صحيح البخاري: 6/ 46 وانظر فتح الباري: 7/ 279 و 280

ص: 214

أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور 24/ 62] .

نقض بني قريظة للعهد: وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي فأغراه بنقض العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: «جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب:

جئتني والله بذل الدهر.. ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء.

ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد» . وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل سعد بن معاذ ليتحقق من الخبر وأوصاه أن يلحن له بإشارة يفهمها إذا كان الخبر حقا، وأن لا يفت في أعضاد الناس وإن كان كذبا فليجهر به في الناس. فلما استطلع سعد الخبر ورآه حقا عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له:«عضل والقارة» ، أي كغدر عضل والقارة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» «76» .

ما ال إليه حال المسلمين إذ ذاك: بلغ المسلمين خبر نقض بني قريظة للعهد، وذر قرن المنافقين بينهم يفتّون في عضد المسلمين، وجاءهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، وراح المنافقون يرجفون في المدينة حتى إن أحدهم ليقول:«كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط» . ولما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر كذلك وأن البلاء قد اشتد بالمسلمين بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، فقالا له:«يا رسول الله، أهو أمر تحبه فنصنعه، أم شيء أمرك به الله، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم. وحينئذ قال له سعد بن معاذ: والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: فأنت وذاك» .

قال ابن إسحاق يروي عن عاصم بن عمرو بن قتادة وعن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:

«ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح (أي بين المسلمين وغطفان) إلا المراوضة في ذلك» «77» .

أما المشركون فقد فوجئوا بالخندق حينما وصلوا إليه، وقالوا إن هذه لمكيدة ما كانت العرب

(76) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام.

(77)

انظر سيرة ابن هشام: 2/ 223 وتاريخ الطبري: 2/ 573

ص: 215

تكيدها. فعسكروا حول الخندق يحاصرون المسلمين، ولم يحدث قتال غير أن بعض المشركين أخذوا يتيممون مكانا ضيقا من الخندق فاقتحموا منه، فأخذ عليهم المسلمون الثغرة التي اقتحموا منها، فارتد بعضهم وقتل البعض. وكان ممن قتلوا إذ ذاك عمرو بن ودّ، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

هزيمة المشركين بدون قتال: وكفى الله المؤمنين القتال فهزم جموع المشركين بوسيلتين لا دخل للمسلمين فيهما. أما أولاهما فرجل من المشركين اسمه نعيم بن مسعود أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما وعرض عليه تنفيذ أي أمر يريده النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إنما أنت رجل واحد فينا، ولكن خذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة» .

فخرج نعيم بن مسعود، فأتى بني قريظة فأقنعهم- وهم يحسبونه لا يزال مشركا- أن لا يتورطوا مع قريش في قتال حتى يأخذوا منهم رهائن، كي لا يولوا الأدبار، فيبقوا وحدهم في المدينة دون أي نصير لهم على محمد وأصحابه، فقالوا له: إنه للرّأي! .. ثم خرج حتى أتى قريشا فأنبأهم أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأنهم قد اتفقوا خفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يختطفوا عددا من أشراف قريش وغطفان فيسلموهم له ليقتلهم، فإن أرسلت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فإياكم أن تسلموهم رجلا منكم. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم مثل الذي قال لقريش. وهكذا تألب بعضهم على بعض، واختفت الثقة مما بينهم، وأصبح كل فريق منهم يتهم الفريق الآخر بالغدر والخيانة.

أما الوسيلة الثانية، فهي ريح هو جاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة، جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم، وقطعت أوتادهم، وذلك بعد بضعة عشر يوما من المحاصرة التي ضربها المشركون على المسلمين.

روى مسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة، فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة فسكتنا فلم يجبه منا أحد، (ردد ذلك رسول الله ثلاثا) ثم قال: قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي. فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام. فلما

ص: 216