الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأمر بين يديه، وقالوا له: رأينا إنما هو رأيك. وعندئذ أخذ يستشير أعيان الصحابة، كلّا منهم على انفراد، ولما رأى اتفاقهم على جدارة عمر وفضله، طلع على الناس وأخبرهم أنه لم يأل جهدا في اختيار من هو أصلح لهم من بعده، وأنه قد استخلف عليهم عمر، فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا «5» .
على أيّ أساس أصبح عمر خليفة
؟
قد يظن البعض أن هذه الطريقة في تنصيب الخليفة تشبه أن تكون باختيار شخص واحد بعيدا عن الشورى التي ينبغي أن تعتمد على أهل الحل والعقد من عامة المسلمين.
غير أنّا إذا أمعنا النظر رأيناها في مضمونها قائمة على مشورة أهل الحلّ والعقد. إذ إن أبا بكر لم يستخلف عليهم إلا بعد أن استشار أعيان الصحابة فارتأوا جميعا عمر وزكّوه له. ومع ذلك فإن استخلافه له لم يصبح في حكم المنعقد والمستقر، إلّا بعد أن خطب في الصحابة وسألهم أن يسمعوا ويطيعوا لعمر، فقالوا جميعا سمعنا وأطعنا، وبعد أن أجمع المسلمون بعد وفاته على صحة ما فعله أبو بكر وشرعية استخلافه. فكان ذلك دليلا من الإجماع على انعقاد الإمامة عن طريق العهد والاستخلاف بشروطه الشرعية المعتبرة «6» .
كتاب العهد إلى عمر:
بعد أن رأى أبو بكر موافقة الناس جميعا على استخلافه عمر عليهم، دعا عثمان بن عفان وأملى عليه الكتاب التالي:
ثم ختمه، وخرج به عثمان فقرأه على الناس، وبايعوا عمر بن الخطاب. وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
العبر والعظات:
يدلّنا ما ذكرناه من الأحداث التي وقعت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على أمور ومبادئ كثيرة نجملها فيما يلي:
أولا- إنما تّمت خلافة أبي بكر رضي الله عنه عن طريق الشورى، وقد اشترك في الأخذ بها سائر أهل الحلّ والعقد من الصحابة بمن فيهم سيّدنا علي رضي الله عنه. وقد دلّ ذلك على أن شيئا
(5) انظر تاريخ الطبري: 3/ 428، وسيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي: 36
(6)
البداية والنهاية لابن كثير: 7/ 18
من النصوص في القرآن أو السّنة لم يقض بحقّ الخلافة بعد رسول الله لأحد. إذ لو كان في النصوص ما قضى بذلك، لما كان للشورى إلى ذلك من سبيل، ولما جاز للصحابة أن يتجاوزوا ما قضى به النص إلى ما اقتنعوا به واتفقوا عليه عن طريق الشورى.
ثانيا- إن الخلاف الذي دار في سقيفة بني ساعدة، بين كبار الصحابة، بصدد التشاور في اختيار خليفة لهم، أمر طبيعي يقتضيه طرح القضية على بساط البحث والمشورة. وهو دليل بيّن قاطع على حماية الشارع للآراء والاقتراحات المختلفة، من أي مصادرة أو تقييد، في كل ما لم يرد به نصّ ثابت صريح. وإنما سبيل الوصول إلى الحق في كل ما سكت الشارع عنه، هو طرح أكثر من رأي، ومناقشتها جميعا بموضوعية وحرية وصدق.
ولقد كانت المصيبة كبيرة، والمشكلة عويصة، لو أن الصحابة رضي الله عنهم، لم يجدوا أنفسهم إلا أمام خيار واحد، طرحوه للتصويت ثم انفضوا عن اتفاق عليه. إذن لكانت هذه الشورى عندئذ شورى مزيفة، ولكان الاتفاق مدفوعا إليه بجبر خارجي.
والعجب ممن ينشدون الشورى في الإسلام، ويتهمونه بالاستبداد، حتى إذا رأوا مظاهر الشورى ماثلة أمام أعينهم، سموها، جهلا منهم أو تجاهلا: صراعا وشقاقا. إذن فما هي الشورى التي في أذهانهم، وما هي صورتها، وكيف ينبغي أن تكون؟
ثالثا- نصيحة عليّ لأبي بكر، رضي الله عنهما، أن لا يتوجه بنفسه لقتال المرتدين، خوفا على المسلمين إن أصابه سوء، تدلّ دلالة واضحة على شدة محبة علي لأبي بكر، وعلى قناعته التامة بخلافته لرسول الله وجدارته بتولي أمر المسلمين، كما تدلّ على المستوى الباسق من التعاون والإخلاص الساريين فيما بينهما.
ومهما قيل عن تأخّر مبايعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما، ومهما ورد من خلاف في مدة تأخّر هذه المبايعة، فإن شيئا من ذلك لا يتعارض مع هذه الحقيقة الثابتة ولا يعكرها.
ومن المعروف أن تأخّر مبايعة علي، إنما كانت مسايرة، أو مجاملة، لمشاعر فاطمة رضي الله عنها، التي كانت مقتنعة، من خلال اجتهادها، بأنها ترث من أبيها رسول الله، كما ترث كل أنثى من أبيها. ولم يكن هذا التأخّر بسبب حفيظة في نفس عليّ على أبي بكر. وأنى لصاحب هذه الحفيظة أن يقف هذا الموقف المليء بمعاني الغيرة والتعاون والحب؟! ..
رابعا- لا يتأمل مسلم في الموقف الذي وقفه أبو بكر، من القبائل المرتدة، والعزيمة الماضية التي تمتع بها في مقاومة هذه القبائل، والتي أبرزته في وضع متميز تقاصر عنه في بادئ الأمر جلّ الصحابة، بل جميعهم إلّا ويستيقن حكمة الله عز وجل التي وضعت الرجل المناسب في الوقت المناسب وأمام المهمة المناسبة. إن أيّا منّا لا يكاد يتصور أن في الصحابة كلهم من كان أجدر من أبي بكر بالوقوف في وجه تلك العاصفة، وردّها من حيث جاءت.
وحتى عمر الذي عرف بين الصحابة بشدته ومضاء عزمه، تقاصر عزمه وتراجعت شدته، أمام هذه العاصفة عن القوة التي تمتع بها أبو بكر. فمنذا الذي يرى هذه الحكمة الإلهية الباهرة، ثم يعتب على التاريخ وأهله، خضوعهما لسلطان هذه الحكمة الإلهية العادلة؟! ..
خامسا- قد يظن بعض الناس أن مجرد العهد والاستخلاف، يعدّ طريقة من طرق ثبوت الإمامة والحكم، مستدلّا بما عمل أبو بكر رضي الله عنه من العهد بالخلافة إلى عمر.
ولكن الأمر ليس كذلك، بل إن ثبوت الإمامة لا يتم إلا بعرض الأمر على المسلمين، ثم إعلانهم الرضا عن إمامة هذا الذي قد عهد إليه بها. فاستقرار الإمامة إنما يتم بهذا الرضا، أي فلو أن أبا بكر عهد بالخلافة إلى عمر، ولم يرض الناس به، فلا قيمة لذلك العهد.
ومن هنا نعلم، كما ذكرنا من قبل، أن خلافة عمر إنما قامت على مشورة ضمنية، اندرجت في إجماع الصحابة على الرضا عمن اختاره لهم أبو بكر.