الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
الافتتاحية
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ 7
بحث اللجنة
الخمر والكلونيا اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 15
الفتاوى
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 77
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (يرحمه الله) 109
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ 153
البحوث
عبد العزيز بن باز - عالم فقدته الأمة للدكتور / محمد بن سعد الشويعر 175
الصور التي ينقض فيها الحاكم النكاح بين الزوجين للدكتور / عبده بن عبد الله الأهدل 203
الشك في عدد الركعات في الصلاة للدكتور / عبد العزيز بن محمد الربيش 243
حكم الكلام وما شابهه في الصلاة للدكتور / عبد السلام بن سالم السحيمي 287
زيادة الجلد في التعزير على المقدر في جرائم الحدود للدكتور / محمد بن سليمان بن عثمان المنيعي 341
صفحة فارغة
الافتتاحية
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
في هذا العدد المبارك وهو العدد " 57 " من مجلة البحوث الإسلامية أفتتح أيها القراء الكرام كلمتي هذه مشيرا إلى أن هذا العدد أول عدد يخلو من افتتاحية سلفي سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، التي تعودنا الاطلاع عليها في كل عدد يصدر من هذه المجلة المفيدة، وهي من حسنات سماحته التي افتقدناها بعد رحيله من هذه الدنيا، رحمه الله رحمة واسعة، وجعل جنة الفردوس مثواه، ولا شك أن رحيل شيخنا عنا وفقدنا لمآثر سماحته وعلمه مصيبة عظيمة، وخطب جلل، يحزن له القلب، وتدمع له العين، وتتحسر النفوس لأفول شمس العلوم، وسحائب الخير والكرم، وليس ذلك اعتراضا على قدر الله، ولا تسخطا من قضاء الله - حاشا والله - وإنما لأجل محبته التي تمكنت من القلوب، ولفقد عالم من علماء الإسلام الكبار، ولكننا نسلي أنفسنا ونعزيها بالصبر
والاحتساب؛ طمعا في ثواب الله ورجاء ما أعده للصابرين عندما نتذكر قول الله جل وعلا: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (1){الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (2){أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (3)، وليس المقصود من كلمتي هذه التحدث عن مآثر سماحته الطيبة، وسيرته العطرة، وجهاده ومصابرته في سبيل نصرة دين الله، وأداء واجبه رحمه الله، فذلك أمر واضح جلي لمسه وعايشه كل فرد في هذه المملكة الطيبة، بل أدرك ذلك واستفاد منه كل من هو خارج المملكة من أرجاء المعمورة.
ولقد تحدثت الصحف والمجلات والدوريات عن فضائل سماحته وأخلاقه وسيرة حياته منذ ولادته إلى أن لقي ربه نثرا وشعرا، فنرجو الله لنا وله ولجميع المسلمين المغفرة والرضوان والفوز بالجنان.
ولكن المقصود من كلمتي في هذا العدد أن نقتبس من سيرة ذلك العالم الرباني الفاضل التي سار عليها في حياته؛ تلكم السيرة العطرة التي استمدها من كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده رضوان الله عنهم أجمعين.
لقد كان شيخنا الفاضل رحمه الله متخلقا بأخلاق العلماء الصادقين العاملين، متصفا بصفات السلف الصالح، متأدبا بآداب النبوة.
(1) سورة البقرة الآية 155
(2)
سورة البقرة الآية 156
(3)
سورة البقرة الآية 157
فإن نظرت إلى تطبيقه للسنة وجدته متحريا لها في كل أعماله وفي جميع أحواله، وظهر لك ذلك جليا في تعبده لربه وفي صلواته، فقد كان رحمه الله يحرص أشد الحرص على تطبيق السنة في صلاته، صلاة يتعلم منها المشاهد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية.
وإن نظرت إلى حلمه على الجاهل، ولين جانبه معه، ورفقه به، رأيت آثار السنة ظاهرة عليه في ذلك، فهو يتحمل الناس على اختلاف طبقاتهم، وتنوع طبائعهم، يحلم على الجاهل، ويصغي إلى كلامه في تواضع واحترام، ويفتيه ويرشده بأسلوب يتناسب مع فهمه ومستواه، فيستفيد ذلك المستفتي ما يهمه من أمور دينه ودنياه، ويخرج من جهله بما وضح له من أحكام الشريعة دون تعصب أو استعلاء، وإن نظرت إلى رحمته للفقراء والمساكين وإحسانه للمحتاجين والضعفاء والرأفة بحالهم والشفاعة لهم، رأيت العجب العجاب، فله في ذلك قصب السبق، وهو البطل المغوار والفارس الذي لا يشق له غبار، فهو أبو المساكين والوالد الحنون للضعفاء والمنكسرين، الرحيم بالفقراء والمشفق عليهم، فكم أحسن إليهم ومد يد المساعدة لهم، وكم شفع لمن ألمت بهم الملمات ونزلت بهم الكربات، متمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء (1)» .
وإن نظرت إلى سعة علمه وبذله لعلمه، رأيت ما يعجز القلم عن وصفه، فقد كان رحمه الله شديد الحرص على اغتنام
(1) صحيح البخاري الزكاة (1432)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2627)، سنن أبو داود الأدب (5131)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 400).
كل فرصة لتعليم الناس ما يهمهم في أمور دينهم ودنياهم، وتنبيههم وتحذيرهم عما يضرهم في أمور دينهم، أو يقدح في عقيدتهم الصافية من البدع والشركيات، فهو باذل لعلمه في كل أوقاته، ما بين مستفت يستفتيه، وما بين قارئ يقرأ عليه، وما بين مستمع له في محاضرة، أو ندوة علمية، وما بين سائل يسأله بالهاتف، أو بواسطة وسائل الإعلام؛ فقمع الله به البدعة، وأحيا به السنة رحمه الله.
وإن نظرت إلى محبته للسنة النبوية المطهرة وتعظيمه لها، رأيت أمرا عظيما، فكتب السنة تقرأ عليه صباحا ومساء، ولا سيما كتاب الصحيحين - أي صحيح البخاري وصحيح مسلم رحمهما الله - فله في كل يوم قراءة في متون هذين الصحيحين وشروحهما ترداد لهما، فهو رحمه الله يحبهما؛ لما يعلمه من ثبوت صحتهما، وعلو إسنادهما، فتراه يحب سماعهما، ويعلق عليهما، ويراجعهما، حفظا لرجال سندهما، وحفظا لمتونهما. فرحمه الله وعفا عنه.
وإن رأيت محبته لكتب السلف الصالح من كتب التفسير والفقه والعقيدة وسائر كتب السنة؛ رأيت الأمر العظيم، والجلد الذي ليس له نظير، فهو يحب تفسير ابن كثير، فله قراءة متتابعة فيه، كما أنه رحمه الله تقرأ عليه كتب السنة، من سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وغيرها، وكتب الرجال في الحديث في مجالسه، سواء كان ذلك في بيته، أو في الدروس التي يلقيها في المساجد، فيعلق عليها ويصحح ما قد يرد من
أخطاء فيها، أو في كتب التفسير أو كتب الفقه أو العقيدة أو الأحكام، فيصحح الخطأ، ويبين الراجح من الأقوال من حفظه وذاكرته رحمه الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (1) ولذلك كانت مجالسه رحمه الله حلق ذكر ومجالس علم، تفقه الناس من حضورهم لها، واستفادوا منها، فأقبل الناس على مجالسه وأحبوها. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:«العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يخلفوا دينارا ولا درهما، وإنما خلفوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر (2)» .
وإن بحثت عن تواضعه وخفض جناحه لأهل العلم والفضل وغيرهم رأيت ذلك واضحا في إصغائه لمن يكلمه مهما كانت منزلته، وعدم فحشه في القول، فلا تكاد تسمع منه كلمة بذيئة، أو تضجر من أحد، فليس فاحشا في قوله، ولا في عمله، وإن بدا من أحد جفاء له أو أمر لا يعجبه أو أضجره بعض من لا بصيرة عنده، فإنه يكثر من التسبيح والتكبير والتحميد، ويقول لمن جهل عليه: سبح يا أخي، استغفر الله يا أخي، أو يقول: هداك الله. هكذا يرد على الجاهل والجافي بأدب واحترام دون انتصاف لنفسه؛ عملا بقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (3).
وهكذا يتخلص من تلك المواقف المحرجة بالالتجاء إلى الله وتعظيمه والثناء عليه. فحياة
(1) سورة البقرة الآية 269
(2)
سنن الترمذي العلم (2682)، سنن أبو داود العلم (3641)، سنن ابن ماجه المقدمة (223)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 196).
(3)
سورة فصلت الآية 34
هذا الرجل العظيم حياة خير وطاعة لله. قضى عمره متعلما ومعلما وموجها، فرحمه الله رحمة واسعة، وغفر لنا وله ولجميع المسلمين، واستبقانا وإياكم بعده لعمل صالح وخاتمة حسنة.
ولذا فإنني أوجه كلمتي لطلاب العلم أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يعلموا أن هذه الحياة منقضية ولا بد، وأن الله سائل كل إنسان عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، فليكن لطلبة العلم خاصة وللمسلمين عامة تميز في أخلاقهم وأعمالهم كما شرع الله، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته من بعده رضي الله عنهم، وليأخذوا من سيرة علماء الأمة العالمين بكتاب الله وسنة رسوله العاملين بهما، ليأخذوا من سيرتهم منهجا يسيرون عليه في حياتهم، لكي يؤدوا واجب العلم والأمانة التي ائتمنهم الله عليها. فإن واجب العلم عظيم على حملته، قال الله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (1)، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (2).
فيا أهل العلم اتقوا الله في علمكم، وكونوا قدوة صالحة لغيركم، بما تؤدونه من واجب العلم، بالعمل بهذا العلم على بصيرة وإخلاص لله سبحانه وتعالى، ودعوة الناس إلى الخير، وتبصير الناس بما يهمهم في
(1) سورة آل عمران الآية 187
(2)
سورة البقرة الآية 174
أمور دينهم ودنياهم، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، والتأسي بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلفنا الصالح، كما أوصيكم بالحلم على الجاهل والرفق به، وخفض الجناح لكل من سألكم وبذل المعروف له، والشفاعة في كل خير يوصل الأمة إلى صلاحها وعزتها في دينها ودنياها. وأسأل الله أن يوفق الجميع إلى ما يرضيه ويقرب إليه.
إخواني القراء الأعزاء، إن مجلة البحوث الإسلامية وهي دائما تزخر بافتتاحية من شيخنا الفاضل الراحل في موضوعات هامة وفتاوى متنوعة تحملها المجلة في طياتها، لأمر عظيم وخير كثير وعلم نافع، نسأل الله أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم لقاه، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خيرا، فإن لطلاب العلم إذا عملوا بعلمهم وأخلصوا النية لله فإن الله ينفع بعلمهم وينفعهم علمهم، حيث يمتد لهم ثواب علمهم في حياتهم وبعد موتهم، فقد صح عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له (1)» .
وإنني أبشر القراء الكرام المتابعين لهذه المجلة "مجلة البحوث الإسلامية" بأنها ستسير على ما كانت عليه في السابق إن شاء الله، وذلك من حيث صدورها كل أربعة أشهر، ومن حيث اشتمالها على الموضوعات المفيدة، والبحوث العلمية القيمة، والفتاوى النافعة التي يشارك فيها طلبة العلم جزاهم الله أحسن
(1) صحيح مسلم الوصية (1631)، سنن الترمذي الأحكام (1376)، سنن النسائي الوصايا (3651)، سنن أبو داود الوصايا (2880)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 372)، سنن الدارمي المقدمة (559).
الجزاء ونفع بعلمهم.
وختاما أسأل الله للجميع التوفيق والسداد والإعانة على كل خير، وأن يختم لنا ولكم جميعا بخاتمة حميدة، وأن يجعل أفضل أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقى الله فيه وهو عنا راض غير غضبان، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الخمر والكلونيا
إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما تقرر في الدورة التاسعة لهيئة كبار العلماء من إدراج موضوع الخمر والكلونيا، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على ما يأتي:
أولا: تعريف الخمر لغة وشرعا
ثانيا: عقوبة من ثبت عليه شرب الخمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين.
ثالثا: خلاف العلماء في أن العقوبة في شرب الخمر هل هي حد أو تعزير؟ مع بيان ما يترتب على ذلك.
رابعا: هل تجوز تجزئة عقوبة شارب الخمر؟
خامسا: ما يثبت به شربها، من شهادة أو رائحة أو قيء ونحو ذلك.
سادسا: حكم من تكرر منه شربها " القتل أو الجلد ".
سابعا: نجاستها.
ثامنا: هل ينطبق على الكلونيا تعريف الخمر أو لا؟
وما حكم شربها واستعمالها على كل من التقديرين؟
وهل يحكم بنجاستها على تقدير أنها خمر أو لا؟